الجمعة , 24 سبتمبر, 2021
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » تسريدُ الدّمار: «الربيع العربي» في الرواية العربية

تسريدُ الدّمار: «الربيع العربي» في الرواية العربية

تقديم

قهرَ حُكّام الجغرافية العربية شعوبهم، فثاروا عليهم بعدما تأثروا بواقع القهر، وبنتائجه الكارثية التي أفضت لتصفية الذات (أبرزه إقْدام البوعزيزي على إحراق نفسه) احتجاجاً على فظاعات المتسلطين. لهذا، كان لمآسي قادة الحكم والسلطة، سببياً، دورٌ كبير في «انفجار» شعبي بأفق ديموقراطي واقتصادي وسياسي وقيمي، فتبلور ما صار يعرف في الأدبيات السياسية النضالية بـ«الربيع العربي». بهذا المعنى، فإنّ الاحتجاج الشعبي، المدعوم باعتصامات ومظاهرات، لم يكن مجرَّد فعل سيكولوجي غايته التخلّص من ضغط الإحساس بظُلْم الحكّام، بل كان حدثاً هاماً في السيرورة السياسية للشعوب العربية وقادتها في التاريخ المعاصر. من هنا، تراءى الربيع العربي لحظة جديدة هادفة، في رهاناتها وشعاراتها وخطاباتها، تحقيق تحرُّر نوعي من ثقل سياسة الإذلال التي يمارسها الكثير من القادة السياسيين العرب في تدبير شؤون شعوبهم، بلغة المواطنة الحقيقية الحقّة، ورعياهم، بلغة التراتبية العنصرية القائمة سياسياً على تفاعل السيد (الحاكم) والعبد (الرعية) الخاضع.

لم تبق الرواية شأناً وفعلاً إبداعياً بعيداً عن الحراك العربي، بل اقتربت من عوالمه المتنوعة بما يوافق مقتضيات الكتابة الروائية. لهذا، تبدّت الكثير من الروايات العربية مُنشدَّة لقضايا الربيع العربي، ومتّصلة بعوالمه المركّبة والمعقّدة. لذلك، فإن اشتغال الرواية بالسياسة مكّنَ من التقاط قضايا التفكير في الربيع العربي بوصفه ثورة؛ ثورة أنتجها سياق سياسي، وقطعت مساراً بتجليات مختلفة، وانتهت لنتائج تنوسُ بين الإيجابي والسلبي. من هنا، نتساءل: ما أهم القضايا التي اشتغلت عليها نماذج من الروايات العربية ذات الصِلَة بالربيع العربي؟

 

1.الرواية والثورة: الانطلاق الدّال

لم تفضِ ثورات الربيع العربي، في بداياتها ونهايتها، إلى تحرّر الإنسان سياسياً فقط، تعبيراً واحتجاجاً وتظاهراً..، بل أسهمت في انطلاقه إبداعياً. بهذا المعنى، فإنّ ثورات الربيع العربي شكّلت حدثاً بارزاً مقترناً بـ«ربيع الانتقال الديموقراطي العربي» (1)، بوصفه انتقالاً حقّق ثورة إبداعية كان متعذر القيام بها في ظلِّ طغيان أنظمة الاستبداد وتسلّطها. لا يعني هذا أن الرواية لم تقوَ على التعبير عن قضايا عدّة تخصُّ الإنسانَ في الوجود، بوصفه كائناً فاعلاً أو منفعلاً، في ظلّ واقع الاستبداد، بل إنها تمكنت من اختراق ذلك الواقع، وعبّرت عن قضايا متنوّعة تهمُّ الكائن البشري وعلاقاته بمنظومة القهر السياسي. غير أنّ الربيع العربي استطاع أن يرفع منسوب التعبير، بواسطة السرد الروائي، عن قضايا كان متعذراً التفكير فيها إبداعياً، وكشفها حسب مقتضيات الكتابة الروائية.

يظهر أنّ علاقة الرواية بالثورات العربية أفضت لانطلاقة دالة صوب تشييد منجز سردي منفتح على موضوعات شملها المنع سابقاً، أو قضايا معقّدة تزامنت مع الحركية الثورية في العالم العربي. بهذا المعنى، تجلّى الربيع العربي، الذي تبينه الرواية، وقائعَ دالة على سياق ثقافي وفكري وحضاري وتاريخي. إنها وقائع ذات صلة بالتمثّل الإبداعي لا التحقّق الفعلي من جهة، وذات ارتباط وثيق بكشف تحوّل يمسّ الواقع العربي في امتداداته المختلفة من جهة ثانية؛ على اعتبار «أنّ الرواية هي تعبير عن مجتمع يتغيّر، ولا تلبثُ أن تصبح تعبيراً عن مجتمع يعي أنه يتغيّر» (2). وكأنّ الوجه الآخر لهذه الفكرة يُبيِّن أن الرواية التي تؤسِّس مرجعيتها النّصيّة على الربيع العربي تقوم على مواكبة التحولات المجتمعية، دون أن تلتقط تلك التحولات وفق قانون «النقل» الفعلي المباشر؛ لأنّ الرواية في تلك الحالة ستصير مجرّد نصّ سردي «يسجل» وقائع وأحداثا. لهذا، فإنّ الربيع العربي في الرواية العربية تراءى بوصفه عالماً رمزياً، فتبدّى منفصلاً عن أيّ صيغة دالة على «حقيقته» في وضع سياسي وفضاء جغرافي وسياق تاريخي.

تكمن أهمية نتائج الربيع العربي الإيجابية (3)، إذاً، في جعل الرواية تعبّر، بكثير من الحرية، أولاً، عن قضايا «ممنوعات» السياسة في السياق العربي. وثانياً، تعبّر عن القضايا المسكوت عنها، انطلاقاً من تصورات الشباب الذي كشف يقظة كبرى، وطموحات نوعية في مواجهة القهر ومحاربة الاستبداد. وثالثاً، تعبّر عن التحوّل الفعلي الذي مسّ أنظمة السلطة المستبدة؛ بعدما انهارت سلط، أو أُزيحت، وعوضتها سلط أخرى، بنخب سياسية جديدة. بهذا المعنى، فالرواية العربية احتفت بالنتائج الإيجابية للربيع العربي، التي استثمرها الروائيون في بلورة روايات نوعية تبرز مدى التحوّل الخلاّق الذي حملته «الثورات» العربية. لهذا، فإنّ الربيع العربي شكّل منطلقاً هاماً لبلورة أفق ورؤية وتصور آخر لعلاقة الإنسان العربي بالسياسة، وكشف استراتيجيته الإبداعية في التعبير عن تلك العلاقة بما يناسب الفعل الإبداعي الروائي. لذلك، فإنّ وقائع الربيع العربي التي بنت عوالم الرواية أبرزت أهمية الإبداع الروائي في كشف «رؤية» و«واقع»؛ رؤية تستند على مواكبة المبدع لتحولات المجتمع بإيديولوجية خاصة أسُّها الفن والتعبير الإبداعي، وواقع يتحوّل بفعل تمرّد، متولّد من ضغط وأزمة ظلت ضاغطة لأزمنة طويلة، يبيّن أن الوطن مقدّسٌ، وأن مؤسساته وحكّامه ونظامه وسلطه .. يجب أن تكون في خدمة المواطن لا في تدميره، ومن خلاله تدمير المجتمع وتمزيقه.

يبدو أن علاقة الرواية بالربيع العربي أطَّرتها «فكرة» مركزية هي التحوّل. لكن أيّ تحوّل؟ بمنظور التقويم: هل التحوّل الإيجابي، أم السلبي؟ قد يسعف الواقع العربي في كشف مدى التحوّل الذي مسّ الأنظمة السياسية؛ تحوّل يمكن وصف معالمه الكبرى بمقولتين مفارقتين: تحول البناء، وتحول التدمير. قد نجازف ونقول إن تحوّل البناء كان ضعيفاً، بينما تحول التدمير كان قوياً. بهذا المعنى، فإنّ الرواية قد تمكنت من التقاط مظاهر تغيير المجتمع العربي جراء التغيير النوعي الذي مَسّه بفعل «الربيع العربي». لذلك، كشف الإبداع الروائي العربي واقعَ إنسان يعايش حلم التغيير، بل يساهم فيه دون خوف أو تردّد. كما أنه إبداع أبرز وجوداً إنسانياً صاغه «التغيير»؛ قد يكون تغييراً أفضى للتدمير المأساوي (الفوضى الخلاّقة)، وقد يكون تغييراً انتهى لتحقيق إصلاحات سياسية وتعديلات دستورية، والعمل على مأسستها بما يكفل لها الاستمرار بوصفها مكتسبات، وليس تغييراً لاستجابة ظرفية. لهذا، فإنّ الرواية العربية المؤسسة على وقائع وآثار الربيع العربي قد تكون بلورت أفقاً أخر لمجتمع يتحوّل، وبيّنت أن التدبير السردي لوقائع الماضي والحاضر يراهن على بناء المستقبل.

إنّ علاقة الربيع العربي بالعوالم الروائية كشفت الكثير من القضايا السياسية المعقّدة والمركبة؛ قضايا مؤتلفة حيناً ومختلفة حيناً أخر عن قضايا سياسية أنتجتها فترات وأزمنة مختلفة. لكن، في المجمل، فإنّ العلاقة بين الرواية ونتائج الربيع العربي كشفت أزمة عميقة بين الفاعل السياسي، مهما كان موقعه وصفته وغايته، والإنسان المواطن الذي ظلّ، لأزمنة طويلة، يعاني من الاستبداد السياسي. إنّه الاستبداد الذي كشفته روايات عربية كثيرة؛ شأن استبداد الفاعل السياسي، متمثلا في شخصية الوزير بوصفه فرداً فاعلاً وقائما بالتدبير السياسي، كما تبرزه الروايات الآتية: «يد الوزير» لمحمد صوف (المغرب)، و«سعادته ..السيد الوزير» لحسين الواد (تونس)، و«يوم خذلتني الفراشات» لزياد أحمد محافظة (الأردن). وشأن التحوّل الجوهري للمجتمعات العربية بفعل «الحراك السياسي» المقترن بـ«ثورة» الشعوب العربية على الحكّام المتسلّطين، وما رافقها من نتائج مؤلمة ومأساوية؛ سواء لحظة تشكّل «حركات» جماهيرية ثورية للمطالبة بالحرية والديمقراطية، أم لحظة بداية المواجهة بين «الثوار» والسلطة الحاكمة، أم لحظة انتشار الدّمار، المتنوّع الأشكال، بفعل المواجهات الدامية بين «الفصائل الثورية» والجيوش النظامية في صراعها على امتلاك السلطة. وهذا ما كشفته الروايات الآتية، تمثيلاً لا حصراً: «الحركة» لعبد الإله بلقزيز (المغرب)، و«فرسان الأحلام القتيلة» لإبراهيم الكوني (ليبيا)، و«جمهورية كأنّ» لعلاء الأسواني (مصر)، و«انتصاب أسود» لأيمن الدبوسي (تونس)، و«اختبار الندم» خليل صويلح (سوريا)، و«الذئاب لا تنسى» للينا هويان الحسن (سوريا)، و«جداريات الشام: نمنوما»، «ليل العالم» لنبيل سليمان (سوريا)، و«الموت عمل شاق» لخالد خليفة (سوريا).

يتّضح أنّ الربيع العربي قد جعل الرواية العربية تعبّر عن ملامح التغيير الكثيرة التي مسّت الواقع العربي بفعل ثورات ذلك الربيع. لهذا، كشفت الرواية، عبر متخيّلها النّصيّ، قضايا الحرية والعدالة، والصراع على السلطة بين فئات مختلفة، ودور التسلط في ترسيخ التخلف الاجتماعي والبؤس الثقافي والأزمة الاقتصادية، والقهر والاستبداد والفساد .. إلخ. بهذا المعنى، فإنّ الرواية، بوصفها «فنَّ» التفاصيل، قد اهتمت بالكثير من التفاصيل التي أفرزتها ثورات الربيع العربي، وساهمت في إبراز التفاعل بين «سلطة الجماهير» و«سلطة الحكّام». وكأنّ الرواية، وفق تلك المعطيات، أداة ثقافية تقوم في جوهرها الفنّي والفكري على «الفضح»؛ فضح الفساد السياسي، وتسلط الحكّام، وقادة السياسة الذين يتّجه تدبيرهم لتعميق أزمة الضعفاء. من هنا، يمكن فهم انخراط الروائيين في الانشغال بقضايا الربيع العربي بوصفها «دعماً» للثورات العربية، مما يصيّر الروائي، بالضرورة، «معارضاً» لمشاريع التدجين والإخضاع والإذلال .. التي يمارسها الفاعل السياسي الحاكم.

ولّدت علاقة الرواية بثورات الربيع العربي، إذاً، فعلاً إبداعياً بأفق تنويري؛ لأنّ الرواية، بمختلف مكوناتها الدلالية والجمالية، تطمح لكشف التواريخ المغيّبة والوقائع المنسية، وترغب في بناء التحولات المجتمعية برؤية مغايرة للمألوف. بهذا المعنى، فإن علاقة الرواية بالربيع العربي لا تقوم على إعادة إنتاج ما وَلّده وضع هذا الربيع، بل تتأسّس على كشف الخفيّ فيه، وعلى إبراز العمق الكامن فيه. لهذا، إذا كانت الرواية تسهمُ في كشف «الواقع الخفيّ» وإضاءته، فإنها، من زاوية أخرى، تسعفُ في تزويده بمعرفة قادرة على التأثير في سلوكه وأفكاره ومواقفه؛ لأنّ «الأدب لا يمنح قرّاءهُ المتعة والتشويق والترفيه، فحسب، بل يسعى، أيضاً، إلى تربية مواطنين صالحين لمجتمع حر ديموقراطي، لذلك فإنّ وظيفة الأدب هي تربية القارئ على الفكر النقدي»(4). من هنا، نتساءل: ما الأفق الذي تطمح إلى تحقيقه الرواية التي تشتغل على قضايا الربيع العربي بمخرجاته التدميرية؟                              

 

2.«الربيع العربي» في الرواية: النّص الدّال

كشف اشتغال الربيع العربي في الرواية تفاعلاً جدلياً بين خيال شيطانيّ (السلطة) وخيال تحرّري (المعرفة). إنّ هذا ما تبرزه المرجعية البانية لرواية «الموت عملٌ شاق» (5) للروائي السوري خالد خليفة؛ رواية مقترنة بـ«موضوع» سياسي أفرزه حراك «الربيع العربي». لهذا، بدت الرواية سيرة للموت، وسيرة للخراب العظيم الذي أفرزه هذا الحراك، بعدما تحوّل الحلم بالتغيير السياسي إلى كابوس، وانفتحت تجربة النّضال من أجل الديمقراطية على واقع إنساني مليء بالمآسي، ومغرق في صور البشاعة، ومفتوح على التدمير المختلفة مظاهره المأساوية.

 

1.الخراب العظيم: الانهيار المتعدّد

أفضى واقع «الربيع العربي» إلى هيمنة قانون التحوّل، فهمّ الإنسان والكتابة والحلم والفكر .. إلخ. لهذا، فإنّ المبدع المغربي والتونسي والمصري والسوري والليبي والعراقي ..، لن يكتب بنفس الطريقة التي كان يكتب بها قبل ثورات «الربيع العربي». من هنا، فإنّ ثورة الشعوب العربية على حُكَّامها قد أسهمت في التغيير المركب، على أكثر من صعيد، لبِنيَة «الدولة» والإنسان داخلها. لهذا، هل تبرز المرجعية البانية لرواية «الموت عملٌ شاق» هذا التغيير؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي مظاهر هذا التغيير وطبيعته؟

يتحدّد الجواب عن السؤالين السابقين في الحديث عن سيرورة «الثورة السورية» بجملة مشكّلة من صفة وموصوف: الخراب العظيم. بهذا المعنى، فإن عوالم رواية «الموت عملٌ شاق» تكشف خراباً عظيماً عمَّ سوريا، بعدَما تحوّلت «الثورة» الشعبية السلمية إلى صراع مسلح عنيف بين النظام القائم، ومختلف الفصائل المعارضة لهذا النظام السياسي. لهذا، فإنّ الصراع الهمجي الهدّام، الذي غلَّبَ رؤية الفاعل الإيديولوجي المؤسساتي القائم (النظام) أو الثائر الطامح لامتلاك السلطة (المعارضة)، أنتج خراباً هائلاً في الوطن. هكذا، تجلّت «الثورة» أداة لتدمير الوطن، وليس مدخلاً لبناء الديمقراطية؛ مما يبني تعارضاً مع التصوّر الذي يرى «أنّ الوطن ليس هو غطاء للقبيلة، ولكنّه هو الفضاء السياسي حيث يمكن بناء الديمقراطية»(6) من هنا، فإن الثورة السورية كشفت أفقَ الهيمنة، في زمنيّة الصراع المخرّب، الذي تنشُدُه الفصائل الطامحة لامتلاك السلطة، أو يتوخاه النظام القائم والمدبّر للسلطة. تُبيّن غاية امتلاك الحكْم ضياع الوطن، وتَشرّد المواطنين. لهذا، فإنّ الصراع، بين النّظام ومختلف القوى المعارضة، فسح المجال لانتصار البشاعة والخراب، وانشار التفكير في محو الآخر، وليس الحوار معه. لذا، فإن النظام السياسي القائم لم يعمل على تحويل مقترحات الفكر الثوري لفعل تنموي، بل أنتج كلّ شروط الصِّراع المدمّر. إنّه صراع أجْهزَ على الأرواح، وخَرّب مختلف بنيات الوطن، وصار قاموس التواصل بين الفصائل المتصارعة مؤطراً بلفظة مركزية: الموت (القتل).

تبدّى خرابُ الوطن كبيراً، والكائنات البشرية تعاني إكراهات الحرب المدمّرة بين الجيش النظامي القائم، ومختلف المعارضين لسياسة النظام وتدبيره للحُكم. لقد تجلّى الخراب الهائل للوطن عبر الموت، أو بالأحرى عبر رحلة ميت. لهذا، فأحداث الرواية، الكاشفة خراباً عظيماً في سوريا، ارتبطت بمقطع سردي متّصِلٍ بوصية ستتولّد منها «رحلة ميت»، وفي رحلته ستظهر بشاعة حرب «الإخوة الأعداء» المدمّرة والمؤلمة والمأساوية والفظيعة: «قبل موته بساعتين، نظر عبد اللطيف السالم بما بقي له من قوّة في عيني ابنه بلبل، كأنّه ينتزع منه وعداً مؤكّداً، ثم أعاد طلب دفنه في مقبرة قريته العنّابية» (ص 7). لقد مات عبد اللطيف في دمشق، وتَكفّل أبناؤه الثلاثة (بلبل وحسين وفاطمة) بنقل جثمانه إلى قرية العنابية قرب مدينة حلب. في المسافة الفاصلة بين دمشق وحلب تتجلى مآسي الوطن المتعددة، وتظهر كلّ عناصر التخريب الرهيب، بفعل الحرب المدمّرة. لهذا، إذا كانت المسافة الزمنية بين المدينتين (دمشق وحلب) قد تتحدّد في يومٍ واحدٍ زَمنَ السِّلم، فإنها مسافة، في لحظة الحرب، جعلت «رحلة الميت» تستغرق عدّة أيام. إنها رحلة كشفت بعمق المظاهر المتعدّدة للخراب الهائل الذي لحقَ الوطن (سوريا)، فتبدّى وطنّاً محكوماً بانهيارات متعدّدة. فما هي مظاهرها التي كشفت المآسي المتعدّدة للوطن للمواطنين؟

تتجلّى مظاهر الخراب العظيم والمؤلم، إذاً، في انهيار متعدّد الأشكال، يمكن تحديده، بناءً على تقديرنا التأويلي، في نوعين؛ الانهيار الوجودي، والانهيار القيمي الفكري. يحيلُ هذا التنوّع على المأساة، والمأساة نتيجة لحرب تُعتبر سببها الرئيس. إنها ليست حرباً «مقدّسة» ضد عدو خارجي، بل هي حربٌ «مدنّسةٌ» بين الجيش النظامي والقائمين بـ«الثورة المسلّحة» السورية، مما أنتج حرباً مُخرِّبة أسهمت في انتشار معارك تنتج المآسي، وتنشر المعاناة؛ مادام «أنّ الحرب عبث لا نهاية له» (ص 142).

يتبدّى أول مظهر لهذا العبث في الموت، بوصفه انهياراً وجودياً. يتخذ الموت، في ظلّ الحرب(7) بين أبناء الوطن الواحد، طابعاً فردياً وجماعياً. تكشف الرواية، في الوضعين معاً، أنّ الموتَ يؤسِّسُ عنف المتخيّل، ويَبْني بلاغة المحو الأبدي. ضمن هذه السيرورة التراجيدية، فإنّ الموت يُحيط بجميع المنخرطين في الحرب، وصارَ عادياً مألوفاً، بل «حدثاً» مطلوباً أو مُنتظراً: «في الحرب مرور جنازة حدث عادي لا يثير أيّ شيء سوى حسد الأحياء الذين تحوّلت حياتهم إلى انتظار مؤلم للموت» (ص 15). كشفت مرجعية الرواية حياة مأساوية، ووجوداً إنسانياً مقلقاً. صار الاستقرار مُعلّقاً في المجهول، بينما انتشرَ التّيهُ وتعملق. الذوات الإنسانية تعيش مغتربة في وجودها، وروحها مشروخة بالخذلان وانتظار اللامتوقع المرعب والمؤلم. حياة هذه الذوات صارت قاسية، وانتظار الموت صيّر زمنها ثقيلاً ومأساوياً. من هنا، تتراءى الكائنات البشرية ضعيفة وعاجزة أمام حياة مشدودة للموت ومتعايشة معهُ، والموت قد يكونُ حياتَها الأفضل؛ لأنّ الموتَ «طوفانٌ رهيب يحيط بالجميع» (ص 17).

يظهر أنّ الموتَ واحدٌ، وإن اختلفت أشكاله. لهذا، حين تنهار حياة الاستقرار، بفعل الحرب، يكون الانهيار الوجودي نتيجة مرتقبة، بل واقعة حتمية. إن الموت يُزاملُ الحربَ المدمّرة، والحربُ تفتح حياة الإنسانِ على العَدَمِ. من هنا، تَظهر شخصيات الرواية، ضمن البناء الرمزي والثقافي لأحداثها، كائنات بشريّة هشّة، وهشاشتها بارزة في عجزها عن صدِّ الموت، أو تفاديه على الأقلّ. إنّها الهشاشة التي أفضت لموت الكثير من الكائنات البشرية، مما أسهم في تكوُّن صلابَة فكرية ونفسية لمن أخطأه الموت. لقد انكشفت «أسرار» الموت في الحرب، ولم يَعُد يُفسد وُجودَ الأحياء بالسؤال عن مصدره، أو عن الكيفية التي «يفترس» بها ضحاياه. هكذا، أصبح الموت حدثاً مشهدياً يمنحُ فرجة في أنماطه المختلفة، ويلزمهُ، بالضرورة، مراكمة القلق ومضاعفة الغضب، وإلاّ تبدّى «موتاً عادياً» لا يدهشُ ولا يثيرُ: «في الأشهر الأخيرة لم يَعُد أحدٌ يسأل عن سببِ الموت وتفاصيله، يعرفونها جيّداً، الموت تحت القصف، تحت التعذيب في المعتقلات، قتل بعد الخطف لطلب الفدية، رصاص قنّاص، معركة، أمّا الموت كمداً أو بسبب خيانة الجسد لصاحبه، فهي ميتات نادرة هذه الأيام، الموت الذي لا يراكم غضباً لم يعد يعوّل عليه» (ص 46 – 47).

تكشف زمنية الحرب تجربةً دمويةً رهيبةً، فيصيرُ الكائنُ البشريُّ بموجبها متلبّساً بوحشيَّة مخيفة. لهذا، تُنتج الحربُ كائنات مهزومة؛ إما هزيمة وجودية فعلية يُجسِّدها الموت، وإما هزيمة نفسية يَكْشِفُها قلقُ الذاتِ وانهيارُها أمام الكائنات البشرية الميتة بطريقة بشعة. من هنا، فإنّ الحرب السورية، المتولّدة من صراع النظام الحاكم والمعارضين له أو الثائرين عليه، كشفت عن إخفاق كبير في تدبير الاختلاف الإيديولوجي، مما أنتجَ كائنات حاقدة هَزَمَتِ النُّبْل داخلها، وانتصرت للشّر المدمّر الذي لا يعرف حُرْمةً لجسد، بل يطمح للانتصار وربح المعركة، مهما أوغل الصراع في إنتاج البشاعة: «استيقظ فزعاً على يد تهزّه بقوة، حسين واقف قرب رأسه يخبره برمي الممرّضين جثّة أبيهما إلى الشارع. كانت لميا تنتظرهما في الميكروباص، قلقة وغاضبة، اتّصلوا بها لتأتي وتأخذ الجثة لأن جثث جنود مقتولين في معركة قريبة وصلت المشفى الوطني .. كان الممرض يشتم الأب، دخل بلبل إلى المشرحة للتوقيع على تسلّم جثّة أبيه التي تعاون حسين مع زهير في إعادتها إلى الميكروباص. كان المنظر مروّعاً، أكثر من أربعين جثّة في ملابس عسكرية مموّهة، جثث فقدت نصفها السفلي، وأخرى فقدت نصف الرأس .. أصيب بلبل بنوبة غثيان، وسط الفوضى استطاع الوصول إلى المكتب، لم يفهم الممرض طلبه، سأل بلبل عن الطّبيب المسؤول، كان الممرّضون يفتحون البراد، ويكدّسون الجثث بعضها فوق بعض كصناديق الليمون، إنّه برّاد صغير لا يستوعب هذا العدد الكبير من القتلى» (ص 67 – 68).

تُعبّر كثرة الموتى عن انتصار كاسح للموت، كما تبيّنه أحداث الرواية. انتصار صيّر الحرب بوابة لتحوّل الشخصيات النّصية إلى ذوات عنيفة بشكل غريب، ومتلبّسة بروح شيطانية شريرة تُبالغ في الانتقام من الخصوم السياسيين. لهذا، فإنّ الرواية، وِفْق مقتضيات التخييل الرمزية والجمالية، قد أنتجت كائنات بشرية موالية للنظام معطوبة في حِسّها الإنساني وتفكيرها العقلاني، الذي تمجّدُهُ الأدبيات الميتافيزيقية، ورهنَ الكوجيطو الديكارتي الوجود به؛ لأنها كائنات لم تَعُدْ بشراً، بل هي مُجرّد بقايا بشر تمَّ إنضاجهُ لقتل «شباب الثورة» بنزعة انتقامية متوحّشة: «.. لم يعرف هيثم أنّ علاجه الجرحى جريمة كبيرة بالنسبة للنظام، اعترف بكلّ هدوء بمداواته الجرحى في منزل عائلته .. وبعد أسبوع واحد رنّ جرس الهاتف في منزل نيفين، كان المتحدث ضابطاً رفيعاً في المخابرات، طلب منها تسلّم جثمان ابنها من المشفى العسكري في المزّة، وأغلق السمّاعة في وجهها .. طلبت نيفين من الجميع حمل هيثم ورفاقه إلى منزلها، حملوا جثامين الثلاثة، وكيساً أسود تجمّعت فيه قطع لحم ابنها المقطعة، طلبت بكلّ برود من رفاقه الأطبّاء الثلاثة إعادة تجميع جثته .. كانت جثة هيثم بدون أصابع، بقي الوجه وباقي الأعضاء تقريباً. مات نتيجة رصاصة في الرأس أطلقت من الخلف، قبل تقطيعه، لا يمكن تخيّل ما حدث» (ص 166 – 167 – 168).

تُعبِّرُ هذه البشاعة في تصفيّة الخصوم، تقديراً لا حقيقة، عن فظاعة الحرب، وتبيّن «أن سلوك السياسيين يفتقر دائماً إلى التّعقّلِ»(8).  إنّ فقدانَ التفكير العقلاني للفاعلِ السيّاسيّ يفسحُ المجال لهذا الفاعل في ممارسة أيّ فعلٍ، مهما بدا مغرقاً في «الوحشيّة». بهذا المعنى، فتراجيديا «الواقع» هي نتيجة لنظام سلطويّ فاسد؛ لأنّه يحتفي بالقتل والترويع، ويَعْملُ على تدمير القيم الإنسانية والفكريّة. لهذا، فإنَّ الانهيار الوجودي في عمقه الرمزي، وتحققه باعتباره سبباً ونتيجة، مرتبطٌ بشدّة بالانهيار القيمي الفكري. فما هي بعض مظاهر هذا الانهيار، في ظلّ واسع سياسي مؤطّر بحرب مدمِّرة؟

يتحدّدُ البؤس القيمي، في ظلّ حرب «الإخوة الأعداء» لماّ يتأسَّس التّواصل على أسِّ العنف والقَسوَة، باعتبارهما مدخلين للابتزاز المادي: «على حاجز بواّبة الخروج من دمشق قبل الانعطاف إلى الطريق الدّولي، سأل العسكري وهو يشير بيده إلى داخل السيّارة عمّا تحتويه البطانيّات، قال بلبل بهدوء: “إنها جثّة أبي” .. أشار العسكري إلى حسين بالسير إلى ممرّ فحص البضائع حيث تصطفّ سيارات نقل عامّة، يدور حولها عسكري في العشرين من عمره بجهاز كشف المتفجّرات .. وبعد دقائق تقدّم ضابط نحوَ الميكروباص، فتح الباب بحركة عنيفة، وأمرهم بالكشف عن الجثّة .. سألهم بلهجة محقّق قاسية عن الأوراق الرّسميّة للجثة، قدّمت له فاطمة شهادة الوفاة موقّعة من مدير المشفى العمومي ورئيس قسم المشرحة، بالإضافة إلى هويّاتهم .. أخذ الضابط الهويّات وعاد إلى الغرفة .. بسرعة ترك حسين الميكروباص، لحق بالضابط إلى الغرفة الصغيرة، دفع الرّشوة التي سميّت رسم العبور وعاد بهوياتهم، كان يشعر بانتصار غريب وهو يغادر الحاجز مسرعاً» (ص 21 – 22).

تَميلُ الذوات البشرية، في ظلّ حربٍ مخرِّبةٍ، صوبَ تغيير ماهية الوظائف. لهذا، يتحوّل الكائن العسكري من حماية الوطن والمواطن، إلى كائن يسلبُ المواطن ويبتزُّه. إنّ العسكريَّ النّبيهَ، بلغة، والحقير بلغة أخرى، لماّ ينتشر الانهيار القيمي، هو الذي يستغلُّ وضعَ «الفوضى»، ليس لأنّه وضعٌ يُيَسِّرُ القيّام بذلك، بل لأنَّ الشعور الفعلي لهذا العسكري بذاته رهين بهذا الوضع الفوضوي. إنه تحوّلٌ كاشفٌ انهيار القيمِ، لكن في العمق دالٌّ على فقدان الذات لكينونتها المكتملة في دولة صارت مفتوحة على العبث، نظراً لفقدانها وُجودَها السياسي الحقيقي؛ لأنّه «في الوقت الذي يفقد فيه شعب حرية الدّولة، فإنّه يفقد حقيقته السيّاسية، حتى وإن كان بإمكانه متابعة العيش فيزيقياً»(9). إنها الوضعية التي تفضي للغرق في عماء فكري، فتصير الحياةُ مجرّدةً من القيّم الإنسانية النبيلة العليا. الحياة تتجلّى مؤطّرة بتراجيديا مؤلمة، والإنسان يبدو منشغلاً بإنتاج الكراهية.

إنّ زمنية الانهيار المتعدّد، بما فيه انهيار شخصية الدّولة، تُنتج المآسي المتولّدة من تفعيل الانتقام. لهذا، لا تنشغل الذوات البشرية بزمنها المعاصر، كي تتجاوز قلق الحرب ومأساتها، بل تهتمّ بإبراز «رجولة» معطوبة وبئيسة تَميلُ لتصفيَّة حِساب بقيّ عالقاً من زمن الماضي؛ مما صيّر المدينة فضاءً مسوّراً بالانتقام، أو بالرغبة فيه: «في الأشهر الأخيرة من سنة 2013 بدأت المدينة تشعر بوطأة ثقيلة لا أحد يستطيع تفسيرها، في لحظة صفاء ذهني يقول بلبل لنفسه إنّها وطأة فكرة الانتقام، ونموّها في الضفة الأخرى بشكل رهيب، لم يعد لدى الآخرين سوى رغبة الانتقام. يفكّر ساخراً في هذه الفكرة الرهيبة، سيستيقظ ذات يوم ويرى حارته فارغة، لقد هرب الجميع خوفاً من الانتقام» (ص 93 – 94). صارت المدينة غابة، وتحوّل البشر إلى كائنات حيوانية «يفترس» القوي الضعيف. لا مجال لإنسان ارتكب خطأً في الماضي، لأنه سيظلُّ متعايشاً مع رُعبِ الموت بفعل انتقام ممكن في الحاضر.

يكشفُ التفكير والرغبة في الانتقام معنى المأساة السياسية التي تجلت في واقع التدبير الفوضوي للسلطة؛ تدبيرٌ مفتوحٌ على الرعب النفسي الذي يعيشه المواطنون. إنها المأساة التي أبرزت هيمنة الاستبداد السياسي على ماهية الدولة التي يتحارب أبناؤها، طمعاً في تحقيق كرامة المواطن في الظاهر، ورغبة في امتلاك السلطة في الباطن. من هنا، فإن هذا الوضع قد فتح الفعل السياسي على عماء الاستبداد، على اعتبار أنّ «النظام الاستبدادي هو ذلك النظام السياسي الذي يقوم على «الخوف» أو «الخشية»، على اعتبار أنّ ما يحكم الأفراد ليس هو القوانين، بل هو القوّة، والقوة الفردية المطلقة التي ليس لها أدنى ضابط أو عاصم»(10).

 

2.أنشودة العَدَمِ: الفَوْضى المُنظَّمة              

يقول السارد، في مقطع سردي متّصلٍ بِوَصْف حركية جنود وضباط في مشرحة مشفى عمومي بدمشق، ما يأتي: «كلُّ شيء يبدو قريباً من الموت في هذه الفوضى» (ص 13). إنّ تجربة الحياة انفتحت على العدمِ، فتبدّت الفوضى إطاراً قائماً على القتل. إنّ مأساة الموتى وجودٌ بإيقاع جنائزي، إيقاع أنشودة العدمِ التي تحتفي بالمريع والفظيع. لهذا، يقول السارد في مقطع آخر: «نظر بلبل إلى المدينة التي تغيب وتختفي الآن، تذكّر شغف زملائه برواية قصص إهمال البحث عن الجثث ودفنها. كانوا يتحدّثون بغضب عن اكتظاظ المشافي بالموت. أصبح البحث عن جثّة مهمّة شاقّة، كثيراً ما اضطرّ الأهل بعد إبلاغهم بموت أبنائهم للذهاب إلى مكان المعركة والبحث عن جثثهم التي دُفنت في قبر جماعي، أو ضاعت وسط ركام الأبنيّة المدمّرة، وحديد هياكل الدبابات والمدافع المحترقة. حتى هذه القصص فقدت بريقها الآن، لم يعد أحدها يرويها. أسوأ ما في الحرب تناسل الأفعال الغرائبية، وتحوّل القصص المأساويّة إلى حدث عادي» (ص 18).

صارت الحياة عدماً، وتحوّلَ العدمُ حياةً. الفوضى نظامٌ، والعجيبُ الغريبُ تبدّى طبيعياً وعادياً. يعيش سكّان المدينة، والقرى أيضاً، غربة وجودية؛ لأنّ الموت (العدم) صار مهيمناً، والقتلُ سائداً. لهذا، «يستمتع» الأحياء بأنشودة العدم، والإيقاعات الجنائزية، في مشهدية احتفالية مؤلمة. لا تقترن مشكلة الوجود الإنساني، في ظلّ حرب طاحنة، بعنف الموت المدمّرِ، بل بالتعايش مع الموت حدَّ السّخرية منه. من هنا، فإنّ أنشودة العدمِ تقربنا مِنْ حياةٍ مبدؤها ومنتهاها الموت، ومِنْ وجودِ بَشرٍ مطحونِ بالهوان والوهن. الحياة صارت رتيبة ومملّة، والإنسان تحوّلَ تحوّلاً غريباً في كينونته. لا وجودَ لقلق لحظي، يَكشفهُ وجود رمزي قِوامهُ الصراع الميتافيزيقي بين قوى الخير وأخرى للشّر، بل ثمّةَ وجودٌ غارق في العدمِ والفوضى. بهذا المعنى، صار الموت سائداً في وجود الإنسان؛ إنسانٌ يتعايش في ظلِّ حربٍ مأساوية، ويُكيِّفُ مَشاعرهُ مع واقعِ الدّمار ورهبته: «اقتنعت [نيفين] بأنّ أفضل الوسائل لهزم الحرب هي التوقّف عن الحديث عنها، لم تعد تخاف أيّ شيء منذ زمن بعيد، كانت أكثر حماقة من عبد اللطيف الّذي يندفع إلى الخطوط الأمامية حاملاً حقيبة الإسعاف، وهي تسير بهدوء في الشوارع الفارغة، ترى القذائف تنهمر على البلدة، لا تفكّر سوى بأنّها لن تقتل سوى الخوف، لم يعد هناك أحد تستطيع القذائف تدميره، لقد قتلت بما فيه الكفاية، دمّرت بيوتاً مدمّرة، المقاتلون يستطيعون حماية أنفسهم جيّداً، حفروا خنادق طويلة، أقاموا تحصينات سرّية، يتحكمون بكلّ شيء على الجبهات، في النهاية هي معركة ولن تنتهي بسهولة أو في وقت قريب. الحرب الطويلة تحمل رياحها معها تهبّ على الجميع، لا تترك شيئاً على حاله، تغيّر النفوس والأفكار والأحلام، تمتحن قدرة الكائن على الاحتمال» (ص 106 – 107).

يكشفُ المقطع السردي، بالرّغم من ركاكة بعض تعابيره، كيفَ أنّ الذات البشرية تكلّست، وصارت «حجراً» بلا عواطف، فتجلّى الكائنُ الأعزل، بعدما تدرّبَ، عملاقاً في الصّبر؛ لأنّ بالصبر النوعيّ قد تمتدُّ حياة هذا الكائن. لهذا، تبدّتْ الحربُ «أنشودةً» مُنتجَة للألم ومولّدة للعدم، لكن إيقاعَها المدمّر بنَى الذات على مبدأ الصلابة والصمود. من هنا، فإنّ الكائنَ المسلّحَ ظهرَ خائفاً من الموت، بينما الأعزلُ بَدَا مطمئناً له، يتعايش مع الحرب بأنشودتها العدمية وإيقاعها الجنائزي. لهذا، فإنّ المفارقة ظاهرةٌ، إذاً، في تمترسِ الكائن العسكري المسلح، والعمل على تحصين ذاته من موت محتمل، تتعيّن القذائفُ ترميزاً له، بينما الكائن المدني الأعزل اقتنع بأن الانكشافَ والظهورَ حلٌ، على الأقلِّ من النَّاحية النّفسية، لمواجهة «شراهَةِ» الحرب المدمّرة، والمفتوحَةِ على تغيير الإنسان في امتداداته المختلفة، والمنفَتِحَة على تحولات واحتمالات متعدّدة.

لم تتولّد الحرب بأوجهها المأساوية من عَدمٍ، بل هي نتيجة لرغبة مقنّعة لفئات طامحة للحكم. بهذا المعنى، فإنّ الحروب المدمّرة هي وليدة صراع على امتلاك السلّطة، وهي مجالٌ لكشف بؤس قيادة «الطاغية»؛ لأن حكْم الطاغية معنيٌّ بتأمينِ موقعه في القيادة والحكم، وغيرُ معنيٍّ بمنْ يعيش انهزامه في وجود ظاهره الحياة وباطنه العدم. من هنا، فواقعُ الحياة المؤلمة، بفعل حرب الإخوة الأعداء، يعدُّ نتيجة طبيعية «للحكم السيء»، لأنّ قادته يراهنون على الحُكمِ بأيّ طريقة، ولو أفضى الأمر إلى إغراق الوطن في «مستنقع» حرب بئيسة ومدمّرة. لهذا، فإنّ حكم الطاغية برغبة في الحكمِ لا تُحدّ، والذي يحوّلُ وطنَهُ إلى جَحيمٍ ولا يَهتمُّ سوى بالوصول للحكم أو البقاء فيه، هو حكمٌ سيءٌ، بينما «أنّ الحكمَ الجيّد، هو حكمُ من لا يريدون الحكمَ»(11).

ثمة، إذاً، مسافة فاصلة بين «كائن سياسي» لديه استعداد للحكم بنظام ديمقراطي، من أجلِ بناء الوطن، والعمل بقوّة على تطويره، ضمن سيرورة وصيرورة تنموية. وبين «كائن سياسي» طاغية غايته الحفاظ على «كرسي» الحكم، ولو اقتضى الأمر تدمير الوطن وتخريبه، وتحويله إلى مجرّد جغرافية مؤثثة بالموت والعدم، ومفتوحة  على الضّياع والمأساة: «قطعوا خمسين كيلومتراً في أربع ساعات، عناصر الحواجز الثلاثة تساهلوا معهم حين رأوا الجثة منتفخة، الحاجز الأخير سمح لهم بالعبور من الخطّ العسكري، فعاد إليهم الأمل بوصولهم قبل المساء إلى العنابيّة. في الطريق بقايا المعارك واضحة للعيان، دبابات محطّمة، سيّارات محترقة، بقع دم متيبّسة، البيوت القريبة من الطريق مدمّرة، مهجورة، وفي البعيد تبدو بيوت أخرى محترقة، وشوارع قرى صغيرة يتحرك فيها عدد قليل من البشر أو الحيوانات، شبه مهجورة لا توحي حركتها الصباحية سوى بالموت والنزوح» (ص 110). ثمة جثتان؛ جثة إنسان، وجثة وطن. الجثة الأولى لكائن بشري مات بشكل طبيعي، ويُنفذ أبناؤه الثلاثة وصيته بدفنه في مقبرة قريته العنابيّة. والجثة الثانية لوطنٍ قتله «أبناؤه» المتصارعون، الطامحون لحكمه أو حاكموه، فتبدّى وطناً غارقاً في بشاعة قوامها تخريب مؤلم وتدمير مأساوي.

يتألم الإنسان لتراجيدية وطنٍ صار مفتوحاً على الضيّاع، فتجلّى فيه العدمُ سلطةً رهيبة. تُبيّن مرجعية الرواية أنه لا شيءَ في الوطن غيرَ الخرابِ، وغيرَ قادةٍ سياسيين ينشرون الموت والرّعب. الحياة صارت كابوساً، ونابضة بالموت. لهذا، لما يقود الطغاة الشعوب للحروب، بدل قيادتها للتقدّم والرقي، تتجلّى الحياة سديماً، ويبدو الواقع البشع مخيفاً ومؤلماً: «لميا لم تستمع إلى كلمات أبيه الّذي قال إنّ النساء لا يحضرن الدفن، لحقت بهما، ساروا هم الثلاثة، شوارع البلدة موحشة، رائحة الموت تفوح من البيوت والأزقّة، الكهرباء مقطوعة، الظلام يلفّهم، عبروا الزقاق الضيّق وكان الرجال يتهيّأون للصلاة على الجثامين الستّة» (ص 128).

تَظْهرُ كلّ أمكنةُ الوطنِ وفضاءاتُه غارقةً في الألم، ومؤطرة بعنف الموت ومأساة التخريب. لقد انقلبت معايير الحياة، كما أَلِفَها الناس في الأزمنة العادية، فبدا الإنسانُ مدمجاً في صيرورة المحو. لهذا، يظهر فضاء الصراع مأهولاً بالمأساة، يوثِّق تاريخاً تراجيدياً. الحرب المدمّرة، بزمنها وفضائها، خانقة للناس وقاتلة لهم، ومختلف مكونات الحياة دَالٌّة على الفاجعة، ومُعبِّرة عن «الخراب العظيم» الذي تنتجه الحرب. لقد تغلغلت الكارثة في كلّ شيء، فعبّرت مشاهد الدّمار عن انهزام الكائنات البشرية أمام سُلطة العدمِ. لم تعُد للميِّتِ أيّ حرمة، لأنّ الموتَ يسوّي بين البشر والحيوانات في التّصفية، ويجعل من البشر «وجبة» شهية لكائنات حيوانية متعدّدة. لهذا، فإن دهشةَ معاينة «الخراب العظيم» مخالفةٌ كلّياً لأيّ تمثُّل ممكنٍ لهذا الخراب، لأنّ معاينته مفارقةٌ كلّياً للصورة المشكّلة عن السّماع به: «غادروا القرية فجراً، الضوء القليل كشف لهم حجم الكارثة، كأنّ أرواحاً ما زالت تئنّ تحت الركام، قطع ملابس الموتى ممزقة، بقاياهم وأشلاؤهم تتناثر في الحقول المهجورة، تختلط مع هياكل عظيمة لأغنام وبغال نافقة، التهمت الكلاب ما استطاعت منها وتركت البقيّة للذباب، إنّه خراب عظيم مكتمل سمعوا عنه لكنّهم الآن يواجهونه ويتشمّمون رائحته، رؤيته شيء مختلف تماما» (ص 177). كأنَّ الأمرَ يتعلّق بفيلم رعب يثير خوفاً كبيراً، فيلمٌ بدا كلّ شيء فيه خاضعاً للتنظيم، فصارت مأساة الوطن منكشفة عبر «فوضى منظّمة». أو بعبارة سياسية بئيسة قد بلورها سياق استراتيجي غايته التدمير، فإنّ مأساة الوطن السوري العظيم صار مفتوحاً على «الفوضى الخلاّقة»(12) ؛ فوضى خلقتِ الترهيب والتدمير، وولّدت الرعب والموت بكافة الأشكال والطرق.

 

3.دنيويّة السلطة: مآسي الحُكْم

يقول إدوار سعيد، في شرح مفهوم «الدنيوي»، ما يأتي: ««دنيوي» للدلالة على العام التاريخي الذي يستحيل على أيِّ منا التّفلُّت ولو نظرياً من شروطه». وبَعْدَ ذلك، يُضيفُ تفسِّيراً للمفهوم، فيقولُ: «أعني بالدنيوية مستوى ثقافياً أكثر تحديداً يقولُ إنّ كلّ النّصوص وكلّ التصورات كامنة في هذا العالم ومحكومة بوقائعه العديدة المتغايرة»(13). تؤكد «الدنيوية» الارتباط الشديد للإبداع الروائي بـ«الواقع التجريبي» في رمزيته التاريخية والحضارية، وفي طبيعته الثقافية الموجِّهَة للفكر والفعل الإنساني، ومنه الفعل الإبداعي. من هنا، أمكن الحديث، في رواية «الموت عمل شاق»، عن دنيوية السلطة، مما كشف ركاماً من المآسي سبَبُها الحاكمُ، وَمَنْ يُعينهُ في تدبير السّلطة. إنَّهُ واقعٌ مؤلم أسْهمَ في إنتاج الوضع الكارثي الراهن، بالنظر إلى تهافت القادة السياسيين على الحكم بسلطة القمع والمنع، وعلى تدبير السلطة بالترهيب والتخريب المادي والفكري. فهل ثمة، في المرجعية البانية للرواية، ما يؤكد سلطة المآسي التي أنتجَها «القادة» السياسيون بحكمهم السلطوي الديكتاتوري؟

يَحْمِلُ السؤال في طيّاته الإشارة إلى سيرورة سياسية قائمة على التملُّكِ السّلطوي للحكم، فبدا قادة الحكم كائنات لا تقبل بالتنازل عن السّلطة. في ظلِّ تعنتهم هذا يظهر الواقع السياسي، للمواطن والوطن، مفتوحاً على الانهيار والأفول. إنّ «القائد» السياسي المتسلّط ينتج، في مختلف الأزمنة والأمكنة، خطاباً وممارسةً قوَامُهما الإمعان في توطين الذات ضمن سيرورة الحكم، وفي نشرِ المأساة، إنْ لم نقل نشر القتل والترويع والتركيع والموت ..، وكلّ ما يُسهِمُ في مَحوِ القِيّم الإنسانية النبيلة، والفكر النضالي، ثمَّ يعمل على بِنَاءِ الشّر والاستسلام والتشاؤم. إنّهُ وضع مأساوي قد يفضي لإيمان فئات عريضة من الشعب بأن «القادة»، الذين يحكمون بسلطة النار والحديد، بلاءٌ سماويٌّ وليسَ شراً أرضياً، لذا وجب تقبُّلُهم، بل الإيمان بوجودهم اللامنتهي في وَرَثَة حكمهم، إذا تعذرَت مواجهتهم. بهذا المعنى، تبلغ المأساة مداها حينما يتأهب الكائن البشري، في ظلّ حرب مدمّرة غايتها امتلاك السلطة، لملاقاة الموت بكلِّ اطمئنان، بل إن هذا الاطمئنان يمنحُ الكائنَ قوَّة داخليةً (نفسية) وصلابةً فكريّة لتحمُّلِ إهانات «القادة» العسكرين، والصّبر على شرّهم المتنوّع والمتضاعف في زمنية حرب «الإخوة الأعداء»: «تابع تفكيره بأنّهم كلهم سيموتون في وقت ليس ببعيد، هذه الفكرة منحته شجاعة استثنائيّة خلال السنوات الأربع الماضيّة، زادت من صبره اليومي، واحتمال إهانة الجنود وعناصر المخابرات على الحواجز أثناء عمله، ينظر إليهم على أنّهم سيموتون اليوم أو بعد غد وعلى أبعد تقدير في الشهور المقبلة، لن يعود إلى أحبّتهم. كابوس ثقيل لكنّه حقيقي يشعر الجميع بوطأته، كلّ سكان المدينة ينظر بعضهم إلى بعض كموتى مقبلين. هذه المشاعر والنظرات تخفِّف من انفعال الجميع وغضبهم» (ص 16 – 17).

تَكمُنُ قِمّةُ المأساة في عدمِ قدرة الإنسان على ردِّ الإهانة، والشعور بأن المأساة لن يوقفها غير حدث ميتافيزيقي متمثلاً في الموت. لهذا، تبدو الذاتُ الإنسانية كسيحةً أمام «قائد» يُهِينُها، وتتجلى المدينة قبراً كبيراً لأحياء في وضع الموتى. بهذا المعنى، فإنَّ سلطة الحرب أبرزت مآسي الإنسان المتنوّعة؛ فبَدَا الوجود خاضعاً لسلطة الموت، ثمّ ظهرَ الكائنُ البشريُّ، حيناً، بلا عواطفَ أو فكرٍ يمنعه من ارتكاب القتل الفظيع، وحينا آخر، كائناً تائهاً ضائعاً خائفاً ينظر سقوطه الوجودي في كلّ لحظة: «.. وكلّ شيء على الطريق يزيد من خوفهم. عند مطلع الطريق الدّولي، كانت السيّارات تنعطفُ إلى طريق فرعي. سأل حسين سائق سيّارة أجرة إنْ كان الطريق مغلقاً، فأجابه بأنّ القنّاصة يمنعون المرور، وأضاف: منذ ثلاث ساعات قنصوا أربعة مسافرين، مشيراً إلى أربع جثث لرجل وامرأة وشابّ وفتاة. فكّر بلبل بأنّ هؤلاء اختاروا الموت كما عاشوا، كعائلة. انحرف حسين بالمكرو في زواريب ضيّقة، أصوات قصف الطّيران قريبة منهم، باستطاعتهم رؤية الطائرة وهي تطلق صواريخها من ارتفاع منخفض، الشظايا تتناثر حولهم. حاول حسين التركيز على الطريق كي لا يجدوا أنفسهم محاصرين وسط بساتين الزيتون المحترقة» (ص 24). كلّ الطرق، إذاً، تفضي إلى الموتِ، بما هو منتهى المأساة وقمّتها؛ الموت برصاصة قناص احترف القتل، أو الموت بشظية متطايرة من صاروخ طائرة، أو الموت في حاجز عبور يحرسه جنود صيرتهم الحرب كائنات تطلق النار بدم بارد، أو الموت في كمين للكتائب المعارضة للنظام الحاكم أو المساندة لهُ.

عَطّلتِ الحربُ حياةَ البشر، ودفعتهم لانتظار الموت القادم من أيّ مكان. هكذا، صار الكائنُ البشري مهزوماً أمام تأثير الحرب على نفسيته، فظهرَ كائناً مخذولاً بهذيان أربكَ وجُودَهُ، وعَصفَ باستقراره النفسي. إنه كائنٌ هزمتْهُ حَربٌ مدمّرة، حربٌ هندسها نظامٌ ديكتاتوري يعبث بالوطن والمواطنين: «ليلة أمس جلس قرب أبيه على السرير، أخبره بصوت واهن باقتراب موعد موته، حاول بلبل ثنيه عن إحساسه، ظنّ للحظة أنّ الموت المنتشر في كلّ مكان، وأصوات القصف الّذي لم يتوقّف منذ ثلاث سنوات هما سبب كوابيسه، ودخوله مرحلة الهذيان الذي ازداد في الشهر الأخير. الأب لم يكن الوحيد، فبلبل يشاركه مع الكثيرين هذا الهذيان، يقضون سهرات في تبادل وصفات للنوم، الجميع يشتكي من الأرق والنوم المتقطّع والعصبيّة المفاجئة والانهيارات النفسيّة، أزهار بابونج مع إكليل الجبل مغليّة، لبن مخلوط بثوم مدقوق، أو حبوب faustian، يتبادل بلبل خبراته في الوصفات التي جرّبها، ويتحدّث مع زملاء الوظيفة في ضرورة لصق النوافذ بجيلاتين بلاستيكي كي لا يتحوّل الزجاج إلى شظايا حين يتحطّم. وصفات كثيرة يتبادلها سكان المدينة الواقفون على الحواجز ساعات طويلة في قيظ الظهيرة، أو تحت المطر الغزير، يتفاءلون حين يعبرون بسرعة في ساعات القيلولة والمساء الموحشة. أشياء صغيرة تبهج البشر، أو تخرّب حياتهم وتقودهم إلى المجهول» (ص 44 – 45).

تُنتج الحربُ واقعاً قاهراً للإنسان؛ ذات مهزوزة بالقلق النفسي، فتتعايش مع هذيانها ببعض الوصفات العلاجية البسيطة. من هنا، فإنَّ الذات الإنسانية، في ظلِّ الحربٍ المدمّرة، تعيش انفصالاً بين الأمل والألم، بين الوجود والعدم. لهذا، يظهر الكائن البشري ممسرحاً بين عالمين مفارقين؛ لأنه كائنٌ يُواجِهُ مأساة الحربِ برُوحٍ مشْروخَةٍ بالتَّفكُّك والضَّياعِ، وينتظر موتاً صارَ جزءاً من الحياة، ويعيش رعباً دائماً منحته الحرب بسخاء كبير. بهذا المعنى، فإنّ عُمقَ مآسي حُكْمِ الطُّغاةِ كامنةٌ في تحويل الوطن إلى سجن كبير، حيث «إنّ الزنازين في كلّ مكان. في المرّة الأخيرة دخلت إلى الزنزانة أمّ وطفلاها، لم تنتظر طويلاً، جلست قرب المرأة العجوز وفاطمة، وأخبرتهما بعدم معرفتها لتُهمتها، كانت في طريقها إلى بيروت حيث يعمل زوجها عامل بناء، أمروها بالنزول من بين ركاّب الباص القادم من دير الزور. بعد دقائق قالت إنّ ستّة من إخوتها انظموا إلى الجيش الحرّ، وهم الآن يقاتلون مع الكتائب الإسلاميّة المتطرّفة في الميادين بعد انتهاء ذخائر كتائب الجيش الحرّ وانقطاع التمويل عنها، أضافت أن كثيرين تحوّلوا إلى الكتائب الإسلاميّة التي تملك الكثير من الأموال» (ص 39 – 40). صار الوطن جغرافية للصراع السياسي المسَلَّح، فيتقاتل أبناء الوطن من منطلق تثبيت النظام أو تغييره، وليس رغبةً في تطوير نظام الحكم صوب آفاق ديمقراطية. إنّه وضع قادَ المواطنَ البسيطَ ليعيش اغتراباً عن ذاته وعن أهله وعن وطنه، ويعيش جحيم انتمائه إلى فضاء معين داخل الوطن؛ لأنه انتماء مفتوح على «إعدام» محتمل، ما دام واقع الوطن غارقاً في سديم فَجَّرَتْهُ ثَوْرَةٌ بأفق إنساني شاسع وكوني شامل: «هما متّفقان [بلبل وأبوه] على أنها ثورة ضد العالم كلّه لا ضدّ النظام فقط» (ص 55).

لقد أنتجَ أفقُ الثورة المبهم كائناً يعيش تراجيدية انتمائه، لكن انتماءه الجغرافي لا الفكري. لهذا، فإنّ الكائن المنشغل بالسياسة يحلمُ بالانتصار، دائماً، على خصومه، لذلك يكفي أن تُعبّر هويتك عن انتماء دال على المعارضة للنظام، أو للثائرين عليه، ليكون المصير جحيما ممكناً للذات. إنّهُ جحيم يوهمُ بانتصار «جهة» سياسية على أخرى: «في السنوات الأربع الماضية أصبحت الهويّة الشّخصية كارثة حقيقيّة. اختفى الآلاف دون أيّ أثرـ فقط لانتمائهم إلى أمكنة معارضة، كما اختفى الكثير من الموالين في مناطق المعارضة، الخطف والفدية والاعتقالات العشوائيّة مزدهرة، والردّ بالمثل وصل إلى ذروته، أصبحت حركة الأشخاص محسوبة بدقّة، أيّ خطأ قد يكون مكلّفاً جداً» (ص 50). هذا هو الوجهُ المأساوي للسياسة. الإنسان في ظلّ الحرب من أجل الحكم يفقد الإحساس بأيّ انتماء، فيرغب في إخفاء هويته، لأن في إظهارها ينفتح «جحيم» الفقدان والضياع والمحو .. إلخ. لهذا، لا يَأْبَهُ «قادة» الصراع على السلطة بالوجود البيولوجي للإنسان، وبمواقفه من الاقتتال، بل يكتفون بكشف هوية انتمائه الجغرافي، لأنّ في كشفهم يحققون انتصاراً معنويا ورمزياً على الخصم السياسي. بهذا المعنى، إنّ الهوية تخذل في الحرب المدنّسة، لأنه لم تعدْ هويةُ الكائنِ البشريِّ دالةً على كينونة نوعيّة في وطن ما، وعلى وَضْعٍ نوعي للمواطن في وجوده؛ كما يكشفه «معنى التعابير المشهورة: المواطن هو «الملك»، أو المواطن هو «السّيّد»»(14).

إنّ الإنسان، في ظلِّ حربِ مدمرة حَوْلَ امتلاك السلطة، لا يَعيشُ مواطنَتَهُ باعتباره سيدّاً في وطنه، بل يعيش وجوده بقلق الخوف من انكشاف هويته الحقيقة. لا يعني هذا أنّه مواطنٌ جاحدٌ، بل إنّ ذلك يُعبِّر عن نسقٍ سياسيٍّ فرضَتْه سُلْطَةُ حَرْب كلّ «قائد» يبحث عن تحقيق غنائم السلطة. بهذا المعنى، فـ«إنّ من يمارس السياسة يسعى إلى السلطة – السلطة بوصفها وسيلة لخدمة أهداف أخرى – مثالية أو أنانية – أو «السلطة من أجل السلطة» من أجل الاستمتاع بشعور الامتياز الذي تمنحُهُ»(15). هذا ما يَظْهرُ في تشديد المراقبة على المواطنين في حواجز العبور؛ حواجز تؤسس لانتهاك العابرين، وتعميق العبث بنفسيتهم المدمَّرة، وممارسة قتلٍ بشعٍ دون الاحتكام إلى أيّ وازع فكري أو أخلاقي أو ديني: «الجنود على الحاجز كانوا يدقّقون في كلّ شيء، الهويّات، الحقائب، الأكياس، يفتّشون السيّارة بدقّة، يوجهون أسئلة غير متوقّعة عن العمل والجهة المقصودة، الأسئلة قد تكون عاديّة، لكنّها مربكة حين توجّهها مجموعة مسلّحة هي أقرب إلى العصابة منها إلى فصيل نظامي له شارات وعناوين واضحة. العناصر الواقفون (كذا !) على الحواجز على الحواجز أيديهم على الزناد، ألبستهم وعصبات رؤوسهم تشي بانتماء طائفي، أعلام حزب الله تختلط مع أعلام أخرى خضراء لفصائل شيعيّة عراقيّة كانت على الأرض تعمل مع مجموعات كثيرة أسّسها النظام للقتال، لا شيء يضبط سلوكها، ببساطة يحاكمون أيّ شخص على أيّ خطأ، يعدمونه برصاصة ويرمونه في قبر جماعي أو يتركونه لأهله لحمله والهرب بعيداً» (ص 132 – 133).

تتضّحُ المأساة في وطنٍ صار جغرافية للتطاحن الطائفي، فانعكس ذلكَ سلباً على كلِّ مواطن لا يُعلنُ انتماءهُ السياسي لفصيل أو طائفة أو حزب. لهذا، فإن مآسي المواطن «المجرّد» من أيّ انتماء تتضاعف حينما يتعامل مع كائنات سياسية مندمجة في الحرب الطاحنة تُغيّب الوجهَ، برمزيته الدالة على الوضوح، وتُعلي من شأن القناع، برمزيته الدالة على الإخفاء، في «مملكة الأقنعة»؛ حيث «لا وجوه، لا تفاصيل ولا ملامح» (ص 152). يشتغل القناع بصفته الإيحائية السياقية المُعبِّرة عن كائنات غريبة وطارئة على «الثورة» السورية؛ لأنها كائنات موجودة بصناعة أجنبية، مما كشف طابعها ووجودها الغريب في سيرورة الصراع المتولّد من «الثورة». بهذا المعنى، صار الوطن مُدرجاً في صيرورة الغرابة؛ غرابة وطن تحوّل من جغرافية للذّة والاستمتاع، إلى أرض للموت والضياع. صار المواطن يتعايش مع كائنات بشرية تنتج الرعب والخوف، ومستعدة لتشييد العدم، في زمنية تاريخية انقلب فيها المعايير، وتحوّلت هويّة زوّار الوطن، في حربٍ مدنّسة كاشفة استعانة النظام بالأجنبي «للثأر» من المواطن الثائر على أوضاع التردّي، والذي صار يعيش أوضاعاً مغرقة في الضياع والقلق والمأساة: «اقتربوا من ضوء شحيح، ورجل يشبه الرجال الّذين عبروهم في سيّارات سريعة منذ دقائق، أشار لهم بالتوقّف بإشارات من ضوء محمول يلوّح به، توقفوا وفتح حسين النافذة، أشار إليه الرّجل المسلّح بالتمهّل والسير نحو الحاجز. كانت لكنته غريبة، لم يكن سوريّاً، قال حسين إنّه شيشاني، أضاف أنّه يعرف تلك الملّة، كثيراً ما رافق راقصات روسيّات، وصلوا إلى الحاجز وانتظروا. قلوبهم تدقّ .. هم الآن في مرمى القنّاصة مباشرة، من السهل اصطيادهم، الانتظار يفتّت ركبهم، هذه المرّة لم يعرفوا في أيّ مصيدة وقعوا» (ص 150).

 

4.سياسة التخييل: الذكرى السخرية والحكمة

تشكلت المرجعية البانية لرواية «الموت عمل شاق» في إطار فنّي وجمالي قوامه، في تقديرنا على الأقل، ثلاثة عناصر أساسية: الذكرى والسخرية والحكمة. إنها عناصر متولّدة من الواقع المأساوي للحرب المدمّرة الدائرة بين النظام والفصائل المعارضة، ضمن إطار سياسي عام متّصل بالصراع حول السلطة. بهذا المعنى، فإن الحرب الطاحنة تدفع للتفكير، عبر سلطة الذاكرة، في الماضي المفرح أو المؤلم. كما أنها حرب دفعت لمواجهة البؤس والألم بالسخرية من واقع الخراب العظيم. فضلا عن كونها حرباً أفضت لتعميق الوعي بالحياة عبر تجارب متنوعة، وإن ظهر معظمها مؤلما، منحت الذات قدرة فكرية على إنتاج أفكار قريبة من الحِكَمِ تضيء الكثير من العتمات في علاقة الإنسان بذاته ومحيطه في ظلِّ حرب طاحنةٍ بين أبناء الوطن الواحد. فما تجليات وأبعاد هذه العناصر البانية لتخييل السياسة ضمن دائرة الحراك المعروف بـ«الربيع العربي»؟

ينفتحُ واقع القبح المتولّد من حياةٍ بئيسة، في ظلّ الحرب المدمِّرة، على الذاكرة، عَلَّها تُسهمُ في تجاوز المِحنِ التي تعيشها الذات الإنسانية في ذلك الواقع: «الاستسلام للذكريات أفضل ما يقوم به أيّ كائن يريد الهرب من جروح هذه الذكريات، تكرارها يفقدها الألق والمهابة، وقتها يطفح الألم ويغور في أعماق الأرض، هذا ما فعله بلبل وهم يغادرون حاجز البلدة “ص”» (ص 88). قد تنطوي الذكريات على ألم أو فرح انقضى. إنّ الذات حين تستلم للذكريات فهي تكشفُ حياةً مستمرةً ومؤسّسة على التحوّل المستمر، وتبرزُ رؤية خاصة للعالم وللذات في ظلِّ هذه الصيرورة. وكأنّ التجربة النوعية للذات الإنسانية في سيرورة الوجود تستمدُّ أهميتها الخاصّة من وضعية التّذكُّرِ، وهي الوضعية المفضية، بالضرورة، إلى وعي حدود الذات، وطبيعة هويتها، ضمن انسيابية الزمن. يتمُّ امتلاكه هذا الوعي عبرَ التذكّرِ، حيث «إنّ الإحساس بالهويّة الشخصية الذي يمتلكه كلّ واحد منّا هو إحساس بالاستمرارية عبر الزمن. وهو ما لا يمكن امتلاكه دون ذاكرة بالمعنى التام لكلمة التّذكر»(16).

يُسيطرُ الإحباط على الإنسان الذي يواجهُ خرابَ الحربِ، فيحسُّ بأنَّ الموتَ قريبٌ جداً منه. لهذا، تُعدُّ الذكرى لحظةً زمنيةً ماضيةً يَتمُّ استحضارها بوَصْفها حَيِّزاً زمنياً معرفياً، لأنّهُ يُسعفُ في تحقيق إدراكٍ لجوهر الحياة الإنسانية الآنية المفتوحة على الخراب العظيم؛ خرابٌ يتجلّى في انتشارٍ مهول للموت والموتى: «في هذه اللحظة وهو ينظر إلى ساحة العباسيّين المزدحمة بطوفان السيّارات، شعر بضعف رهيب، حين لم يستطع إيجاد حكمة مناسبة تكسر حدّة الصمت المهين على أخيه بلبل وأخته فاطمة. يريد لهما نسيان البصقة، حاول تذكّر أمثال تتحدّث عن الموت ولم يجد سوى «الحي أبقى من الميت». لم يكن يعجبه هذا المثل لكثرة ما يتداوله الجبناء، واليوم قد يكون الأمر مختلفاً والميت هو الـ«أبقى» من الحي» (ص 16).

تَبدَّلَ الواقعُ كثيراً، وصارت عناصر الماضي «الثقافية» (الحِكَمُ) غير ملائمة لهذا التحوّل. كانت الحياة هي المنشودة، وصار الموت هو المرغوب. واقع الحرب مسخ الحياة، لأنها فتحت الوجود على العدم. من هنا، فإنّ تجربة الذكرى تبيِّن كيف كانَ السفر متعةً، والرحلةُ صوب القرية شِفاءً: «في تلك الليلة أحسَّ بلبل بأنّ أباه لابدّ سيموت، فقد دخل إلى غرفته، أغلق الباب ولم يكلّم أحداً لعدّة أيّام، سافر بعدها إلى قريته. كان الأب، كلّما شَعرَ بالضعف كان يسافرُ إلى العنابيّة، هناك يكفيه السير في الحقول، وتلبية دعوات بسيطة ممّن بقي من أصدقاء طفولته، يلعبون الورق ويستعيدون ذكريات قليلة ببطء شديد. بعد عودته من تلك الزيارات، كان يشعر بأنّه معافى، وأكثر ثقة بنفسه» (ص 32 – 33). يظهر زمن الماضي، الذي صار مجرّد ذكرى، ممتلكاً لطابع فردوسيّ. تفاصيل صغيرة تدفع الإنسانَ ليحوّل هزيمته الداخلية النفسية إلى انتصار (الثقة بالنفس)، ويتخلّص من قلقه الداخلي، ومختلف الكوابيس التي تسيطر عليه في زمن الصراع الأسري. إن الوجه الآخر لهذه الفكرة يؤكد أن مديحَ الماضي، الذي تبرزه رمزية الذكرى، دالٌ على الطابع الجحيمي للزمن الراهن؛ حيث الذات الإنسانية تعيشُ مهزومةً في واقع خرّبته الحرب، وتُعايشُ الموتَ والألم، وتعاني من انهيار كرامتها الإنسانية. لهذا، تبدّى الموت والقلق والضياع .. أسياد الزمن الراهن. وكأنّ علاقات شخصيات الرواية، المتألمة من جحيم الحرب المدمّرة، بالذكريات الماضية يكشف سلطة الزمن القاهرة؛ حيث إنّ «الماضي فردوس ونحن مطرودون منه بحكم الضرورة، وهذه الحال تصحُّ حتى حين يكون الماضي وهو حاضر بعيداً عن صفات الفردوس»(17).

يُجسّد زمنُ الحرب، في واقعها السوري بعد «الثورة»، جحيماً «مثالياً»، لأنّ الوطنُ بدا فضاءً مرعباً وجغرافية مخربةً. ظهرَ الإنسانُ مستباحاً من لدُنِ كائنات مختلفة، ويعاني الذُّعر المستمرّ، فعملَ، محاولاً بجدٍّ، على حفظ كرامته، وقَبْلَها حفظ وجوده أمام سلطة المحوِ (الموت) التي أنتجتها الحربُ الوحشيّة. لهذا، فإن الذكرى تبرز تراجع الوجود الإنساني، في ظلّ حربٍ مفتوحةٍ على السّديم والعدم، لصالح الكائنات الكلبية الشرسة. لقد تحوّلت الكلابُ من وضع الوفاء، كما رسمها المتخيّل الإنساني الإيجابي، إلى وضع الشراسة الفتّاكة، مع ما يعنيه ذلك من بؤس سياسي قوامُهُ الفشلُ في تدبير الصراع في أفق حفظ الكرامة الإنسانية، وليس توظيف الحرب القذرة لأجل استباحة الإنسان. بهذا المعنى، يشتغل مجاز الكلب للتعبير على كلّ الكائنات المتحرّرة، في ظلّ الحربِ المدمّرة، من أي سلطة قيمية أو أخلاقية، فتمارسُ القتل والترويع دون رحمة، وتنتهك العِرْضَ والقيّم بتلذذ وتسلية. إن الكلاب، التي استأذبت، هي رمزٌ عامٌ لكابوس العدمِ المتولّد من كلِّ «حرب أهلية»، كابوس معبِّر عن إخفاق الساسة في تطويق الأزمة – الحرب بين «الإخوة الأعداء»: «تذكّر بلبل، في الأشهر الأخيرة هاجرت الكلاب الشاردة من البلدات المحيطة بدمشق، لتجول في قلب المدينة باسترخاء. هي لا تشبه الكلاب على أيّ حال، عيونها ذئبيّة وفكّها مرتخٍ، متعبة ولا تكتفي بالعظام، التهمت الكثير من الجثث التي لم يستطع أحد دفنها خاصّة بعد المعارك الكبرى، لم يكن خيالاً بل حقيقة أكّدها الكثيرون، شاهد بلبل الكثير منها حين كان يخرج ليلاً لغرض ما، أكلة لحوم بشر تجول بين البشر وفي الطرقات بكلّ هدوء، أصبح اللقاء آخر الليل مع كلب شيئاً مرعباً، قد يؤدي بحياة الشخص، حين تتمكّن الشراسة والجوع من الكلاب تفقدها لطفها فلا تعود تكتفي بالنباح، لقد تذوّقت طعم لحم البشر مرّة ولن تستطيع نسيانه» (ص 157 – 158).

تنتشر «الكلاب» في زمنية الحرب، ومعها ينتشر الألم والبؤس والرعب .. إلخ. إنّ الكلب المستأذب يتحدّد رمزياً باعتباره مستبداً مقنّعاً؛ حيث «يتحدّد المستبد عند أفلاطون، كما عند أرسطو، بأنّه «ذئب في هيئة بشرية»(18).  لم تعُد الحياة البشرية مفتوحة على الجمال، بل صارت واقعاً قائماً على البؤس والقبح. لكن المأساة، التي تنقض المنطق العقلاني والفعل الجدّيّ، تصلُ القمّة لماّ تتجلّى السخرية مدخلاً لاكتشاف مدى الاستهتار الذي انتشر في بنية الدولة المحكومة بصراع على السلطة: «رأى بلبل حسين قادماً من بعيد يرافقه عنصر يلوّح ببارودته، ويشير إليهم بالنزول. اقترب حسين من بلبل وهمس له: «سيعتقلون الجثّة». لم يفهم، ظنّ في الأمر التباساً، لكن حين فتح العنصر باب غرفة قرميديّة دون نوافذ ورماهم داخلها فهموا أنّ الأمر جدّي. لقد اعتقلوا الجثّة، الأدب كان مطلوباً لأكثر من فرع مخابرات منذ أكثر من سنتين» (ص 33).

بهذا المعنى، فإنّ الصراع العبثي بين النظام الحاكم والفصائل السياسية الثائرة عليه، صراعٌ أفضى بالإنسان إلى الضحك من أوضاع مغرقة في التراجيديا، وانتهى بالذوات النّصية إلى معاينة وضعيات تنتج ضحكاً أسود. لهذا، فالسخرية السوداء تشير إلى واقع سياسي مبتذل؛ لأن كلَّ «مالك» للسلطة يتعامل مع البشر على أساس قهرها، وليس على أسِّ دعمها لتجاوز المحن، وخدمتها في المرفق العمومي الذي تتقدّم إليه لقضاء أغراضها. من هنا، قد تجدُ شخصيات الرواية نفسها في موقف مثير للضحك، لكنه الضحك الذي يعبّر عن «احتراق» داخلي، فيوازيه الاحتراق الخارجي الذي أنتجته الحرب الهدّامةُ: «وقف بلبل أمام ضابط لم يتجاوز عمره ثلاثين سنة، كانت الأوراق بين يديه، هويّاتهم وشهادة الوفاة الموقّعة حسب الأصول، سأله بالتّفصيل عن كلّ فرد في العائلة وعن أصدقاء أبيه، قال إنّه سيحوّلهم إلى الفرع ويعتقل الجثّة حسب الأصول. كان كلام الضابط بارداً، رجاه بلبل السماح لهم بمتابعة السفر، أضاف أنه مؤيّد للنظام ولا علاقة له بأبيه .. شرح له الضابط أنّ أباه بالنسبة للسجلّات ما زال حيّاً ومطلوباً، لا يهمّ إن كان جثّة أو جيفة، ثمّ أضاف أنّ رئيس الفرع سيبتُّ أمره في النهاية، طالباً منه الجلوس في الغرفة الأخرى وملء استمارة معلومات كاملة وتوقيعها. كان بلبل خائفاً ويتصبَّبُ عرقاً. حقّاً اعتقلوا الجثّة. جاء عنصر وأخذ مفاتيح الميكروباص من حسين، قاده إلى كراج قريب، أغلق أبوابه، ونبّه الحرّاس بعدم السّماح للميكروباص بالخروج إلاّ بعد موافقة الضابط» (ص 36 – 37).

تبني حياة الحرب إنساناً بتجربة غنّية، والتجربة قد تصير «مصنعَ الأفكار». إنها الأفكار التي تجلت، في خطاب السارد أو الشخصيات، حِكماً معبّرة. وبحكم هيمنة بعض التعابير النّصية القريبة من الصيّغ الحِكَميَّة، فإننا سنقدّم بعض النماذج الدّالة على واقع السياسة المُفلس، والمفضي لوجود مفتوح على الموت والعدم. من هنا، فمن بين التعابير الحكميَّة التي تضمنّتها الرواية، نجد ما يأتي:

– «الموت واحد في كلّ الأوقات، إلاّ أنّه عبء ثقيل على الأحياء أحياناً» (ص 20).

– «إنّ الحياة هي مجموعة أفعال تافهة لابدّ ستنتهي» (ص 49).

– «الموتى حين يُدفنون قرب أحبتهم يرتاحون أكثر، ولديهم إشارات سريّة لا يفهمها الأحياء» (ص 89).

– «إنّ هدم جدار الخوف يشبه قلع ضرس عفن ورميه من النافذة» (ص 93).

– «فكرة موت عدوّك لا تكفي لإطفاء نار الانتقام داخلك، بل يجب أن تكون قاتله لشفاء غليلك» (ص 94).

– «في الحصار لا تمتلك ترف الاختيار» (ص 106).

– «الحرب الطويلة تحمل رياحها معها، تهبّ على الجميع، لا تترك شيئاً على حاله، تغيّر النفوس والأفكار والأحلام، تمتحن قدرة الكائن على الاحتمال» (ص 107).

– «في الموت العبثي يصبح الحفاظ على الذات مهمّة مقدّسة بقدر ما هي أنانيّة» (ص 122).

– «الموت في الحرب أعمى لا يتأمل ضحاياه» (ص 122).

– «إنّ الحرب عبثٌ لا نهاية له» (ص 142).

تنطوي هذه «الحكم» على الكثير من الدلالات والأبعاد، منها؛ أولاً، إنّ واقع الحرب يؤسس لهشاشة الإنسان والوجود حوله، فيصير كلُّ شيء مفتوحاً على الانتهاء والضياع. وثانياً، تظهر في زمن الأزمات رغبة الإنسان الكبيرة في «العيش»، رغم أن دائرة الرّعب والألم تتسع من حوله. وثالثاً، إن الإنسان المشحون بهواجس الموت، والغارق في الخوف المتولّد من حرب طاحنة، تبدو له الحياة عبثاً، بينما الموت هو «الحياة» الحقيقية الجديرة بالعيش. ورابعاً، إنّ كلّ طاغية طامح للحفاظ على سلطته لا يأبه بحياة أبناء شعبه، لأنه كائن مسكون بالرغبة في الحكم، وإن اقتضى الأمر تصفية الشعب، ومحوه بموت حتمي أو قتل بشع. وخامساً، إنّ تجربة الحرب، بفواجعها المترتبة عنها ومآسيها التي تنقشها في الحياة وذاكرة الإنسان، تفضي لتحقيق كائن بشري على قاعدة «الفكر الخلاّق»، فينتج الأفكار والحكم التي يمكن أن تصير مرجعية تفيد الإنسان في سيرورته الوجودية، وفي تفاعله مع العالم ورؤيته له.

 

خلاصة

إنّ خالد خليفة في رواية «الموت عمل شاق»، بحكاية رحلة نقل جثة بين جغرافيتين متباعدتين في الوطن السوري، ورحلة مضمرة في الماضي «المشرق»، وصل إلى عمق المأساة السورية بعد اندلاع «الثورة». لهذا، فإن المرجعية البانية للرواية كشفت دينامية مدمّرة، سببها تحوّل «الثورة» على النظام الحاكم إلى حرب مدمّرة للوطن والمواطنين. من هنا، لم يتحقّق التغيير المنشود، ولا التحرّر من النظام الديكتاتوري الحاكم، بل تحوّل الوطن وتشظى إلى «قبائل» و«فصائل» سياسية متصارعة غايتها الحكم، أو التموقع في القيادة. إنّه الطموح الذي جعل «القادة» السياسيين «كلاباً» مسعورة كشفت الحرب شراستها المدمّرة، وأبرز طموحها الجارف للسلطة. بهذا المعنى، إنّ الحرب على السلطة لن تنتج غير الموت؛ فيتحوّل الوطن إلى قبر كبير، وينتهي الفاعل السياسي إلى «قائد» صناعة الموت، فيتعذر، بالضرورة، العيش في أمان واطمئنان وسلام.

 

 

الهوامش

 

[1] – كمال عبد اللطيف، الثورات العربية: تحديات جديدة ومعارك مرتقبة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، سلسلة: بحوث ودراسات، رقم 61، ط1، 2013، ص: 23.

2- ميشيل بوتور، بحوث في الرواية الجديدة، ترجمة: فريد أنطونيوس، كتاب الدوحة، عدد 98، ط1، يوليوز 2019، ص: 93.

3- لتبيّن معالم هذه النتائج الإيجابية والسلبية لثورات الربيع العربي يمكن العودة إلى الدراسة القيمة الآتية: عبد الإله بلقزيز، ما بعد “الربيع العربي”، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء – بيروت، ط1، 2017، ص: 31 وما بعدها.

4- ماريو بارغاس يوسا، «عودة إلى الأزمنة العصيبة» (حوار: فلورنس بوشي)، ترجمة: رشيد الأشقر، الدوحة (مجلة)، عدد 146، ديسمبر 2019، ص: 52.

5 – خالد خليفة، الموت عمل شاق، رواية، دار العين للنشر، القاهرة، ط1، 2016. وأرقام الصفحات في الدراسة التي لا تحيل على الهامش هي صفحات الرواية.

6-Jean-Marie Guéhenno, La Fin de la démocratie, éd. Flammarion, Paris, 1995, p: 17.

7- يظهر أنّ الصراع في سوريا لا يعدُّ مجرّد نزاع، وإنما هو حرب. هذا يتعارض مع تصنيف أفلاطون، في الجمهورية، الذي يفرّق بين النزاع والحرب، بناءً على طبيعة ونوعية المتصارعين، فيقول: «العداء بين الأقارب يُسمّى نزاعاً محلّياً، وبين الأجانب يسمّى حرباً». أنظر: أفلاطون، الجمهورية، دراسة وترجمة: د. فؤاد زكريا، دار الوفاء، الإسكندرية، 2004، ص: 351.

8- أفلاطون، الجمهورية، ص: 382.

9-Hannah Arendt, Qu’est ce que la politique?, éd. Seuil, Paris, 1995, p: 134.

10 – د. زكريا إبراهيم، مشكلة الحرية، دار مصر للطباعة، القاهرة، دون تاريخ، ص: 238.

11- جاك رانسيير، كراهية الديمقراطية، ترجمة: أحمد حسّان، دار التنوير، بيروت، ط1، 2012، ص: 55.

12- تُنسبُ هذه العبارة لوزيرة الخارجية الأمريكية غوندوليزا رايس، في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن. وهي عبارة تعبّر عن رؤية سياسية لتنظيم الشرق الأوسط الجديد وِفْق سياسة تكفل للولايات المتحدة مصالحها، بعد الصراع الذي يتولّد داخل الدول العربية، وهو ما تحقّق فعلاً، بعدما كان الأمر مجرّد طرح نظري.

13- إدوارد سعيد، الأنسنية والنقد الديمقراطي، ترجمة: فوّاز طرابلسي، دار الآداب، بيروت، ط1، 2005، ص: 70 – 71.

14-Dominique Schnapper (avec la collaboration de Christian Bachelier), Qu’est ce que la Citoyenneté?,éd. Gallimard, Paris, 2000, p: 11.

15- ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما حرفة، ترجمة: جورج كتورة، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2011، ص: 264..

16- ميري ورنوك، الذاكرة في الفلسفة والأدب، ترجمة: فلاح رحيم، دار الكتاب المتحدة، بيروت، ط1، 2007، ص: 117.

17- ميري ورنوك، الذاكرة في الفلسفة والأدب، ص: 120.

18-Hannah Arendt, La Crise de la culture: Huit exercices de pensée politique, (Traduit de l’anglais sous la direction de  Patrick Lévy), éd. Gallimard, Paris, 1972, p: 140.

- عبد الرحمن التمارة

أستاذ باحث- جامعة مولاي إسماعيل الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية - المغرب

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.