الجمعة , 24 سبتمبر, 2021
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » تقديم ندوة الرواية والسياسة

تقديم ندوة الرواية والسياسة

ما موقع السياسة في الرواية؟ وما موقع الرواية في السياسة؟ في مقولة شهيرة لستاندال (Stendhal)، يشبه الكاتب الفرنسي السياسة في العمل الأدبي بـ”طلقة مسدس وسط حفلة موسيقية، فهي شيء مدو وبذيء، لكن لا يمكنك أن تصرف انتباهك عنه”. يعلق الكاتب والناقد الأمريكي إيرفينغ هاو (Irving Howe) في كتاب بعنوان السياسة والرواية (Politics and the Novel)، صدر في عز الحرب الباردة في عقد الخمسينيات وزحف تيار المحافظة وسياسة الاحتواء في الولايات المتحدة، وهو كتاب يعتبر من أهم المساهمات في الموضوع إلى اليوم، يعلق هاو على مقولة ستاندال بأسئلة إضافية: ماذا يحدث للموسيقى بعد خروج الطلقة؟ هل يمكن للطلقة أن تصبح جزءاً من الأداء الموسيقي؟ متى تكون هذه المقاطعة مرحباً بها ومتى تكون مصدر امتعاض؟

تطرح العلاقة بين الرواية والسياسة عدداً من الأسئلة البديهية الأخرى؛ إذا سلمنا بأن الرواية هي عالم المتخيل، فكم هي نسبة الواقع وكم هي نسبة المتخيل في الرواية التي تجعل السياسة موضوعاً لها؟ وهل اعتماد الرواية على المتخيل يقوض من مصداقية العمل الروائي في التعبير عن واقع سياسي معين وعن معضلات سياسية، وفي القدرة على تفكيك هذا الواقع السياسي ونقده؟ أم أن هذا المتخيل هو الذي يمنح المبدع إمكانية هذا النقد وهذا التفكيك ويمنحه إمكانية استكشاف عوالم لا يصل آخرون إلى سبر أغوارها؟ أي تأثير تتركه المواضيع والأحداث السياسية في العمل الروائي؟ أو ماذا يحدث للعمل الروائي بفعل ضغوط  هذه المواضيع السياسية؟ وإذا كان حضور الأحداث السياسية والأفكار والمذاهب والإيديولوجيات في الرواية قد يبرر الحديث عن صنف قائم بذاته يسمى عادة بالرواية السياسية، فكيف نصنف إذن الروايات التي تحضر فيها هذه الأحداث والأفكار بشكل أقل أو لا تحضر فيها بتاتاً؟ هل يمكننا الحديث عن رواية خالية من السياسة؟ يرى المنظر النيوماركسي الأمريكي ومحلل ما بعد الحداثة فريدريك جيمسن (Fredric Jameson) في كتابه “اللاوعي السياسي” (The Political Unconscious) بأن مصطلح الرواية السياسية ليس له أي معنى، لأن كل شيء سياسي في نهاية المطاف، والقول بأن بعض الروايات سياسية بينما البعض الآخر ليس كذلك هو من أعراض تكريس خصخصة الحياة وتشييئها أو تشيؤها، والتي هي سمة المجتمع الاستهلاكي المعاصر.

لا شك أن الهاجس الذي تحكم في تقييم جيمسن هنا هو هاجس أمريكي محض، إن صح التعبير، أي إنه رد فعل تجاه حساسيات وتجاذبات طبعت المزاج الثقافي والأدبي الأمريكي، وهو مزاج يميل عادة إلى التوجس من الحقل السياسي. ويرى بأن العمل الروائي يجب أن يركز على العوالم الفردية وعلى عمق المشاعر والتناقضات في حياة الفرد. لكن في جغرافيات أخرى مثل أمريكا اللاتينية ودول الجنوب بشكل عام، بما فيها دول شمال افريقيا والشرق الأوسط، لا ينظر إلى المسألة من نفس الزاوية، بل تكاد تكون محورية السياسي في العمل الروائي من المسلمات أو البديهيات.

لكن حتى إذا سلمنا بأن هذه الحساسية هي أمريكية صرفة، فهذا لا ينفي ملاحظة مهمة وأساسية، وهي أن العمل الروائي يستمد قوته من القدرة على حبك علاقة متشابكة بين الخاص والعام، بحيث تتجلى قوة حضور السياسة في الرواية ليس من خلال الخطاب السياسي المنمط أو الترسانات الفكرية للإيديولوجيات والمذاهب السياسية، بل من خلال رصد التأثير المتبادل بين الأحداث السياسية والأفكار من جهة، والعوالم الحميمية والخاصة لشخصيات الرواية من جهة أخرى. يذهب الناقد موريس ديكستين (Morris Dickstein) إلى أن الرواية السياسية ترتقي عندما تعكس تأثير التاريخ والعلاقات والأحداث السياسية في حياة الشخصيات ومسارها، وعندما تعكس هذه الشخصيات التناقضات والمشاعر التي يعيشها الأشخاص العاديون في الواقع، بحيث لا تكون هذه الشخصيات الروائية مجرد إطارات منمطة وجاهزة، ولا تكون الأفكار والمواضيع السياسية داخل العمل الروائي مجرد اجترار لعناوين مكررة من الحقل السياسي أو الإيديولوجي أو الإعلامي. إننا بحاجة للرواية السياسية الجيدة ليس من أجل إخبارنا بالوقائع والأحداث أو بتفاصيل السياسة، بل للغوص في عمق الواقع الإنساني الكامن وراء الحدث السياسي. وإذا كانت لغة السياسة قد أُفرِغت من المعنى وأصبحت نمطية ومجترة كما يذهب الروائي البريطاني جورج أورويل (George Orwell) في مقاله الشهير حول السياسة واللغة (Politics and the English Language)، فإن الرواية هي محاولة لاستعادة المعنى وإغنائه، وكذا تصور عوالم ممكنة تتجاوز مفردات وإطارات الخطاب السياسي والإعلامي. قد لا تغير الرواية الواقع كما نتصور، لكنها تسائله وتفككه. من الصعب، حسب إرفنغ هاو، أن نتصور مثلاً بأن اشتراكياً مؤمناً بأفكاره سيتراجع عن قناعاته بعد قراءة رواية “الشياطين” لدوستويفسكي. لكن قوة هذه القناعات ودرجة الإيمان بها وطبيعة علاقته بها لن تبقى كما هي.

يحاول المساهمون في هذه الندوة مقاربة العلاقة بين الرواية والسياسة من خلال تناول قضايا وأسئلة متعددة: ما دور الأحداث السياسية الكبرى (حالة “الربيع العربي”) ومآلاتها في التحول الذي سيطرأ على أكثر اللحظات أو التجارب الإنسانية خصوصية وحميمية كالموت؟ كيف تتشابك العلاقة بين السياسة والرياضة والإعلام والمال في واقع سابق أو مهيئ لهذا الحدث السياسي الأكبر (الربيع التونسي)؟ ما تأثير هذه التحولات والانتفاضات الكبرى على اللغة والكتابة الروائية؟ كيف ينعكس التاريخ والسياسىة في الفن التشكيلي وأدب الرحلة؟ ما موقف العلوم السياسية من الرواية، وأي دور للرواية في فهم الفعل السياسي والظاهرة السياسية التي هي موضوع اهتمام الباحث في العلوم السياسية؟

- محمد الداودي

كلية الحقوق/ جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.