السبت , 27 نوفمبر, 2021
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » قرن من القضاء العبري بالمغرب، من التعدد إلى الانفصال

قرن من القضاء العبري بالمغرب، من التعدد إلى الانفصال

جيسيكا مايا مارجلين، القضاء المتعدد- اليهود والمسلمون في المغرب المعاصر، ترجمة خالد بن الصغير ،كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط ، 2021.

قد لا يختلف كثير من الباحثين والمهتمين بتاريخ المغرب، في اعتبار تاريخ يهود المغرب كوة منفتحة على أغلب مراحله وتطوراته، وأحد المداخل الأساسية للتعمق في دواليبه، سواء تعلق الأمر بتطور الدولة ومؤسساتها ونظمها، أم أغلب الأحداث والوقائع المفصلية في هذا التاريخ، وكذا ما تعلق باستغلال المجال أو التطورات الاقتصادية في بعدها الداخلي والخارجي، أو بتدبير العلاقات مع الدول الأجنبية،أم بالمجتمع وتحولاته ومواقفه وتمثلاته لليهود، سواء عند الفقهاء أم النخب السياسية والإدارية أو المثقفين، بل وحتى العوام.وهو من المواضيع التي لا تحتاح فقط إلى المعرفة والوثائق، بل إلى النباهة  والحس المعرفي، إذ تدخلت فيه أيادي متعددة في موضوع علاقات المسلمين باليهود في تاريخ المغرب، بعضها بحسن نية، وآخرون لتأثيث فضاء كتابتهم، بينما غلب على آخرين المنطلقات الأيديولوجية ذات البعد الشوفيني.كما أعتبر أنها مواضيع ذات نفس جديد بالنسبة لتاريخ المغرب تعلق الأمر بالمنهج أم بالمحتوى،خاصة وأن بعض من المهتمين ليسوا بالضرورة في خط تماس مباشر مع المغرب بقدر ما جعلوا منه موضوع دراسة، ومن ضمنهم المؤرخة الامريكية جيسيكا مايا مارجلين التي فتحت بابا آخر من هذه العلاقة، ويتعلق الأمر بالقضاء من خلال كتابها الموسوم بـالقضاء المتعدد، اليهود والمسلمون في المغرب المعاصر.وبعيدا عن النقاش الذي سيظل مستمرا حول دور الترجمة ومفهومها وقدرتها على أن تكون مخلصة ووفية للنص أم هي خيانة له، فان المترجم الذي هو الأستاذ خالد بن الصغير، ولمن اطلع على إنجازاته وطريقة عمله طيلة العقود التي أغني فيها المكتبة المغربية باجتهادات مشهود له بعلو كعبه فيها…وهو الخط الذي لازال وفيا له فعلا بعد أن أتحفنا فعلا بترجمة رفيعة لهذا الكتاب،بعد أن قام بتعريب عدة  أعمال منها تجار الصويرة لدانييل شروتر(1997)،ويهودي السلطان لنفس المؤلف (2011)،ويهود المغرب وحديث الذاكرة لعُمر بُوم(2016)،وكلها إضافات نوعية سواء على مستوى الموضوع أم المنهج، ليصل بنا إلى هذه التحفة الفنية والعلمية شكلا ومضمونا(2021) الموسومة بـالقضاء المتعدد، اليهود والمسلمون في المغرب المعاصر.

تنتمي جيسيكا مايا مارجلين لمدرسة كاليفورنيا الامريكية، ويبدو بأن هذه المدرسة قد وصلت إلى مرحلة عالية من النضج باعتبار المنهج المعتمد في اشتغالها،وهو ما تم تجسيده بحنكة في هذا العمل، ويسير في ثلاث اتجاهات متوازية:

المنحى الأول، وهو البحث عن الوثيقة الأصلية (وهو صلب عمل الباحث في التاريخ)،ثم توظيفها بشكل مكثف…  فهذه المدرسة كشافة ورائدة لكثير من القضايا التي لم تأخذ حقها في تاريخ المغرب، وتكفي إطلالة صغيرة على أنواع الوثائق والمراجع المرتبطة بالموضوع لنصل إلى هذه الخلاصة، فجيسيكا مايا مارجلين اشتغلت على حوالي 1200 وثيقة  في ملكية عائلة أصراف لوحدها، إضافة إلى المئات من الوثائق المتوفرة في المكتبات الكبرى سواء بالمغرب أم بالخارج ما أعطى للموضوع جديته وجديده.

المنحى الثاني، هو الانطلاق من الخاص إلى العام، وهو ما يُمكن القارئ من متابعة التفاصيل الصغيرة…وغالبا ما يكون هذا الخاص اسم علم أو مكان،ليغوص بنا بعد ذلك في عوالم لم نكن نعرها كثير اهتمام وندرجها في سياقات عامة،لتكبر الصورة بسياقاتها، وحتى بعض الاجتهادات لتوضيح خلفياتها، كل ذلك بأسلوب بيداغوجي متميز.

المنحى الثالث، هو قوة الملاحظة واستغلال اللحظة، لحظة الانطلاق في المشروع والتي قد تكون صدفة مثل ما حدث لشروتر عند بحثه على «مَقْنين»، أو المؤلفة نفسها مع أحد حفدة «شالوم أصْرَّاف»، مع ما يرافق ذلك من إصرار وتتبع دقيق لكل الزوايا المهملة،والتركيز الشديد على الموضوع دون الانجراف إلى الهوامش التي تثقل الموضوع، بل وتشوش عليه.

ضمن هذا التصور اشتغلت الباحثة جيسيكا على«شالوم أصراف»،الذي لاندعي أنه شخصية مُلغزة مثل ما قدم به دانييل شروتر شخصية «مايير مقنين»، أو النقاش الذي لازال مفتوحا حول بالاش (Pallach)، بل هو شخصية فيها الكثير من الوضوح، ولها ارتباطات متعددة ومعروفة في كثير من الأوساط ، سواء مع المغاربة يهودا ومسلمين أم مع الأجانب، لاعتبارات مرتبطة بطبيعة أنشطته التي يختلط فيها ماهو تجاري بما هو سياسي وديني، وبالتالي جعلت منه العمود الفقري للبحث، ومفتاح كشف دهاليز كثير من جوانب القضاء بالمغرب، إضافة إلى بعضمن مظاهر حياة المجتمع المغربي وتحولاته.

صدرت الترجمة العربية للكتاب في452من الصفحات،وذلك ضمن منشورات مؤسسة أكاديمية راقية لها صيتها العلمي الواسع، يتعلق الأمر بكلية الآداب بالرباط. وقد استهل المترجم عمله بكلمة تصديرية،ثم مقدمة المؤلفة عرجت فيها على تحديات البحث وإمكاناته،ثم سبعة فصول وخاتمة،وأخيرا لائحة المصادر والمراجع المستعملة.

افتتحت جيسيكا الكتاب بمحاولة صياغة إشكاليتها المحددة زمنيا بأواسط القرن التاسع عشر إلى أواسط القرن العشرين، أما الموضوع فهو دراسة العلاقة بين اليهودي والقضاء بمفهومه العام أي القضايا وطرق تدبيرها والقائمين عليها بل وحتى البنايات، في مختلف المجالات الحضرية.ثم تلك العلاقات الملتبسة التي يعرفها المجال والتي حاولت إماطة اللثام عن كثير من عتماتها،في رصد دقيق للفسحة التي كان يمنحها القضاء المغربي بتعدد محاكمه (العبرية، الشرعية، المخزنية، القنصلية، وصولا إلى وزارة الشكايات) للتنقل بين مختلف هذه الأنظمة،ثم تتبع معالم التحول الذي عرفه القضاء خلال الفترة المعنية بالدراسة.وإذا أردنا تكثيف الإشكالية يمكن أن نوجزها في: كيف حاول اليهود حماية مصالحهم في مغرب متحول؟  هذا هو الجوهر، فعبر تتتبع مجالي (فاس، تطوان، نتيفة، مراكش، دمنات…)وبشري (يهود، مسلمون، أجانب)،رصدت المؤلفة مختلف الأوضاع والتحولات التي عرفها القضاء المغربي، في تفاعل مع ما طرح على اليهود من تحديات مرتبطة بالعدل ودور المؤسسات القضائية في تحقيقه.

أن يصل المرء إلى المحاكم، فهذا يعني أن هناك مشكلة موضوعية، وقد تكون ذاتية،وغالبا ما ترتبط بالمصلحة في بعدها المادي وحتى الرمزي، بغرض إحقاق حق أو الحصول على امتياز ومنفعة، لكن يبقى الإشكال قائما خاصة في غياب مراجع تميط اللثام على خصوصياته، وهذا ما سلطت عليه الباحثة أضواء أكبر بغاية إبراز طبيعة هذه العلاقة.ففي مجتمع تعيش أقليته اليهودية وعيا بإمكانية توظيف وضعيتها للاستفادة منها (ولو بدون وجه حق)وعلى الخصوص إذا انطلقنا – حسب تقديرنا -من اعتبار أن وضعية أهل الذمة ليست بالضرورة وضعية دونية، بقدر ما تعبر عن تراتبية اجتماعية، فهناك من عمل على استغلالها بطريقة وصلت حد البشاعة للوصول إلى مآرب تتجاوز المصرح به. لكن بالمقابل هناك من لاقدرة له من اليهود على الوصول إلى حقه. إلى جانب ذلك، ظل التحدي الذي واجه الباحثة مرتبطا بصياغة الموضوع في ديناميته بدل إعطاءه طابع الجمود الذي عادة ما يكون مسيطرا على العقل القضائي المحافظ والمرتبط بالنص القانوني، وهو ما جعل الموضوع يتجاوز القراءات التقليدية والتي أنتجها حتى المؤرخون الذين اعتمدوا فتاوى الفقهاء كمرجع أساس، وجعلهم أسرى رؤية أحادية.

تتضح ملامح الموضوعية، التي كانت بوصلة عمل الباحثة جيسيكا مايا مارجلين منذ البداية، على الأقل من خلال خلاصتين أوليتين حيث ذكرت: «… ولم يكن تاريخ اليهود القضائي في المغرب الحديث مسيرة ناجحة حققوا عبرها طريقهم نحو المساواة، ولا تقدما في الوقت ذاته نحو الاستفادة من فرص أحسن، بل كان على العكس من ذلك بمثابة حركة مكوكية وتذبذبية للرواح والعودة، تتكرر بصفة متقطعة وغير مستقرة، تحقق التحديث في سياقاتها لكن بتكاليف باهظة»(ص 48)، وهو ما يوضح مستويين من محدودية الفعل القضائي في تحقيق العدل، أولاها هي عدم الحسم في مسار تطور القضاء بالمغرب، وثانيها هو تأثير “الحداثة “على البنيات والنسيج الاجتماعي المغربي والتي حملها الاستعمار، بل ومسؤوليته في تقويضه، وهو ما عكسته بوضوح في فقرة موالية اعتبرت فيها أن الاستعمار حال«دون تمكين اليهود والمسلمين من التنقل بسهولة، كما كان ذلك معهودا من قبل، بين الأنظمة القضائية الخاصة ببعضهم البعض، أسهمت الإصلاحات الفرنسية أيضا في إعادة صياغة الاختلافات الدينية، وتجسيد فوارقها من جديد إلى درجة تشتيتها …»( ص49).مايعطي إشارة واضحة حول ما تعرضت له الجماعة اليهودية لاحقا.

على أساس هذه الرؤية، عرضت المؤلفة الأول ما أسمته بـ«الخريطة الطوبوغرافية للمحاكم»، حيث انطلقت من الملاح (ملاح فاس) الذي ساد فيه القضاء اليهودي وطبقت به أحكام الهلاخاه (الشريعة اليهودية) في كل ما يتعلق بالقضايا المدنية بين اليهود، وعرجت على المؤسسات الساهرة على هذه الأحكام والحافظة لها. ثم انتقلت إلى ما وراء الملاح حيث سيادة المحاكم الشرعية واعتماد اليهود على حجية أحكامها، سواء في إطار علاقة اليهود فيما بينهم أساسا، أو في علاقة اليهود بالمسلمين.لتوسع زاوية الرؤية بشكل أكبر عندما حولت البوصلة باتجاه طنجة التي كانت مقر أغلب القناصل الأجانب مع ما منحوا من امتيازات عُمم بعضها على بعض المغاربة ومنهم اليهود ما أحدث شرطا جديدا لقضاء جديد، وهو القضاء القنصلي.وقد اعتبرت هذا الجزء بمثابة خريطة أولية للتنظيم القضائي بالمغرب، وبأن هذه المؤسسات وآلياتها كانت منفتحة على بعضها البعض، بل وقد تتكامل في القيام بأدوارها الساعية إلى الاستجابة لطلبات المتضررين المفترضين أو المتنازعين في فهم وتأويل قضاياهم ومشاكلهم، وهو ما أشارت إليه بوضوح في خلاصتها حين اقترحت التالي:«من الأفضل قراءة الخريطة التي وضعناها للنظام القضائي المغربي، ليس على أساس اعتباره يمثل مجموعة اتجاهات خطية عابرة للفضاء، بل بالنظر إليها في هيئة أربع طبقات شفافة متداخلة، إلا أنها تتجسد في طوبوغرافيا واحدة»(ص 121).

انتقلت في الفصل الثاني إلى عرض بعض من القضايا النوعية موضع المنازعة في مختلف هذه المحاكم وأغلبها مرتبط بالأعمال وخاصة التجارية منها، وطريقة تدبير المشاكل المرتبطة بها، وقد كانت أمثلتها كثيرة فيما يتعلق باسترداد الديون، وهي قضايا كانت في حاجة إلى دراية كبيرة بالمساطر المختلفة وكذلك بالحيل التي يلجأ إليها بعض المتنازعين،كما أبرزت التعاطي مع القضايا الجنحية ومساراتها.وقد انعكس انتصارها لفكرة التعايش أو العيش المشترك على خلاصتها حين أعادت المؤلفة، مرة أخرى، التأكيد على أن المحكمة الإسلامية كانت منفتحة ومفتوحة على غير ذوي الديانة الإسلامية، وهو ما يبرزه توزيع تركة شالوم أصراف عندما اختار أبناءه كُتاب عدل مسلمين لتحرير «نص الوثيقة القضائية الأساسية التي تضفي المشروعية، وتزكي كيفية توزيع التركة على مستحقيها»(ص 171)لإثبات صحة التسوية، رغم ما أتار ذلك من اكراهات.

عادت  المؤلفة مرة أخرى في الفصل الثالث، وبشكل أكثر إجرائية إلى التداخل القائم بين الأنظمة حيث فضل كثير من اليهود مثلا اللجوء إلى المحاكم الشرعية من أجل تجاوز أحكام المحاكم العبرية، ليس في تضاد بل في إطار ما أسمته ب « تكييف القوانين واستيعابها من طرف المحاكم الشرعية»، وهو ما اعتبرته  تجسيرا للهوة القضائية وضبطا للتكامل بين المؤسسات القضائية بشكل واع، خاصة من طرف الفقهاء (قضاة وعدولا)، وأبرزت بأن اختيار اليهود للمحاكم الشرعية ليس بالضرورة ناتج عن خوف بقدر ما هو مرتبط بضمانات أكبر، أو ما أشارت إليه ب«الارتياح المتبادل»، ومن هنا نوهت إلى أن المحاكم كانت أيضا عنصرا إضافيا في خلق تقارب بين أنظمة قضائية مختلفة، لكن الأهم هو أنها خلقت عيشا مشتركا، وبالتالي لم تكن التجارة أو حتى الجوار هي العناصر الوحيدة المساهمة في ذلك، وهو ما أكدت عليه لاحقا بقولها :« .. وما ينتج عنها من تقارب قضائي بين المحاكم اليهودية والإسلامية، إلى أن التجارة ليست كما كان يعتقد من قبل، العنصر الوحيد الذي يحقق الترابط بين اليهود والمسلمين، ولكن يجب أن نضيف إليها القانون ومعطياته الدينامية التي تعزز الأواصر التجارية وغيرها في سياق الحضور المشترك لليهود والمسلمين فوق أرض المغرب منذ عدة قرون»(ص 214).ومن داخل منظومة التعايش التي يمكن القول أنها تفسر استمرارية “يهودية المغرب” –بخصوصياتها- عملت دائما على تفسير يذهب في اتجاه تجسير الهوة وضبط التكامل بين مختلف المؤسسات القضائية، فاستقلالية المحاكم اليهودية تسميها «احترام صلاحية المحاكم اليهودية»،أو من خلال التأكيد على دراية القضاة والموثقين المسلمين ليس فقط بوجود المحاكم اليهودية بل إلى مشروعية أحكامها بالنسبة لليهود، بل وذهبت أبعد عندما ذكرت في فصل لاحق إلى أن بعض المتقاضين المسلمين أنفسهم لجأوا إلى المحاكم اليهودية، بما يعني أن هناك مسارات منفتحة لأهل كلا الديانتين لولوج فضاءات قضائية متمايزة لكنها متكاملة. لكن المؤلفة لا تعني بأن القضاء بالمغرب كان يعيش وضع المدينة الفاضلة، بل كانت له حدود وهو ما أوضحته في أحد استنتاجاتها عندما نبهت إلى إحدى القضايا ذكرت فيها « وتجدر الإشارة إلى أن تأكيد قورياط على القول بأن قراره لاعلاقة له بالخوف غير قابل للتصديق وبعيد عن الاقناع، وذلك على الأقل إلى حدود الأخذ بعين الاعتبار أن قرارات أحبار اليهود اتخذت دائما سياق ضعفهم النسبي بحكم انتمائهم إلى أقلية دينية»(ص 212).

يبقى اليهود دائما من “أهل الذمة”، وحضن السلطان هو ضمانتهم الأساس ومن هنا كان عنوان هذا الفصل الرابع ذي معنى، رغم أنه استُهلك من طرف شروتر(يهودي السلطان: المغرب وعالم السفرد). ففي ظل بنيات إدارية مخزنية، قد يتولد إحساس بالظلم والإجحاف، والذي قد يرقى إلى الإحساس بالدونية لدى اليهودي،سواء تعلق الأمر بقضايا تجارية أم بالجنح والجرائم، بل وحتى ما تم اعتباره تعسف وشطط في استعمال السلطة من طرف أعوان المخزن أو غيرهم ، فكان اللجوء إلى طلب تحكيم السلطان أحد أدوات رفع المظلمة، وقد استجاب السلطان لكثير من القضايا التي بلغته وتابعها عن كثب إما مباشرة أو عبر أعوانه، وهو ما اعتبرته رابطا أساسا لتعزيز مكانة المخزن أمام الأوربيين وتجاوزا لضغطهم، من خلال  إصراره على اعتبار نفسه “حاميا لليهود“.

انتقلت المؤلفة في الفصل الخامس إلى محيط أرحب، ويرتبط الأمر بالضغط الدولي الجديد الذي عرفه المغرب – خاصة منذ منتصف الفرن التاسع عشر – سواء من طرف اللوبِيات اليهودية أم القناصل الاوربيين الراغبين في توسيع مصالحهم وامتيازاتهم، والتي كان شعارها «رعاية أحوال هذه الأقلية»، ولتجاوز هذا الضغط أحدث المخزن آلية قضائية جديدة وهي (وزارة الشكايات أو بنيقة الشكايات) ومقرها الأساس بفاس، دون أن يخل ذلك باستمرار رفع الملتمسات الى المخزن. وبالفعل كانت القضايا التي عرفتها آسفي، ودمنات،ونتيفة… نماذج معبرة عن تأثير هذا التحول الذي حدث في فكر بعض عناصر الجماعة اليهودية التي بدأت بالاستقواء بالغرب، لكن هذا الاستقواء بالنسبة للباحثة «لم يكن إلا أحد جوانب توسيع إمكانياتهم القضائية» رغم ما أشارت إليه من تداعيات، إذ اعتبرت أن استمرارية رفع الملتمسات للمخزن هي الأساس، وهي النقطة التي تعاملت معها بذكاء حيث مكنتها سلاسة اللغة ووضوح الأفكار من التأكيد مرة أخرى على تصورها لعلاقة اليهود بالقضاء المغربي.

لماذا اختار اليهود الالتجاء إلى المحاكم القنصلية ؟ قد يكون سؤالا محرجا بل ومدعاة لطرح أسئلة جانبية بعضها مغرض، لكن بالنسبة لجيسيكا المهمومة بالبحث عن الإجابات الموضوعية وغير المستكينة للمتداول من الأفكار، حاولت إعطاء عناصر الإجابة الموضوعية ومنها مثلا(طول المساطر مثل الدعوى المرفوعة من طرف زينب بنت ملوك والتي استغرقت أزيد من أربع سنوات)،وأدخلتها في سياق متناغم مع تصورها للنظام القضائي في المغرب – في عصر التحول والضغط الأجنبي – إذ اعتبرته خيارا إضافيا بالنسبة لهم، ما وسع فضاء بحثهم عن استحقاقاتهم وحقوقهم أو حصولا على امتيازات إضافية.

في كل مساراها البحثي كانت المؤلفة تنبه إلى خطورة الصور النمطية، ومن هنا انتقدت وجهتي النظر، التي تعتبر أولاها بأن الالتجاء إلى المحاكم القنصلية ناتج عن «نظام قضائي قوامه التمييز والاقصاء»، والثانية تعزوها إلى «انتشار ظاهرة الحمايات، وما ترتب عنها من فصل لليهود عن محيطهم الاجتماعي»، لكن تعليقها كان في غاية الأهمية، عندما تساءلت عن استمرار اليهود في التعاطي مع المحاكم المحلية بمن فيهم المحميون وعلى رأسهم شالوم أصراف.

كانت المؤلفة أكثر وضوحا في الفصل السابع والأخير في إبراز تأثير الاستعمار على الجماعات اليهودية بالمغرب، وعنوانه يبرز ذلك فهو موسوم بـ«أوهام الشفقة الاستعمارية وزيفها»، إذ مع السيطرة الفعلية والقانونية لفرنسا على المغرب وفق عقد الحماية (30 مارس 1912)، دخل التعاطي القضائي مع اليهود منعطفا جديدا من خلال إصدار قوانين همت الجماعات اليهودية بالمغرب تحت مسمى إعادة هيكلتها أو تنظيمها (قوانين 1918)، كما اهتمت بما اعتبر اصلاحا للأنظمة القضائية بالمغرب منذ 1913حيث تم إصدار قوانين جديدة. كل هذا ساهم في نأي الجماعة اليهودية عن المسلمين، ورفع جدار الخصوصية والإنكفاء على الذات والتطلع إلى عوالم خارجية أخرى، وهو ما عبرت عنه المؤلفة بأنه عنصرا مساهما في «فرض حدود تشريعية صارمة تفصل بين أنواع المحاكم…» وهو ما أدى إلى الانقسام القضائي وكانت له تداعيات على الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.

على أساس ذلك، انتهت المؤلفة إلى خلاصات تأكيدية لما قامت بتوثيقه تحليله وقراءته في المتن ومنها «لقد تحول القانون من عنصر يسهم في العمل على تحقيق اندماج اليهود في المجتمع المغربي إلى آلية يتم من خلالها تقسيم ذلك المجتمع إلى مجموعات منفصلة بتميزها، بل متناقضة أيضا»أو « وبعبارة أخرى أدت السياسات الاستعمارية، القانونية منها وغيرها، إلى حدوث انشقاقات وانقسامات جديدة بين اليهود والمسلمين»، وبذلك فتحت باب سردية جديدة عاشها يهود المغرب منذ منتصف القرن العشرين والتي أدت إلى خسوفهم من المشهد مع ضياع المغرب في مكون أساس، شكل معه المسلمون تاريخا وإرثا لازالت معالمه بادية أمامنا.

****

يدخل هذا الضرب من المعرفة في دراسة المؤسسات والنظم،وقد كان التحدي الأساس بالنسبة للباحثة هو: تحويل القضاء والمحاكم من طابعها المحافظ إلى مجال دينامي وحركي، زمنيا ومجاليا من خلال استعمال مصطلحات تنهل من التفاعل،والتي وظفتها كثيرا، ما مكنها من النجاح في إنجاز درس تاريخي متكامل المقومات.أما التحدي الثاني فهو غياب إطار مرجعي ومنتظم لمختلف المحاكم وتطوراتها، باستثناء ما توفر من وثائق متناثرة فكان عليها جمعها وإعادة ترتيبها وتصنيفها وفق منظور متكامل يُعرف بمختلف الأجهزة القضائية المغربية، وقد كان ترتيبها حسب القضايا وحسب المتعاملين، انطلاقا من مركزية القضاء اليهودي (وهو حق لها في الاختيار)، وقد تعاملت مع ريادتها في هذا المجال بتواضع كبير حيث اعتبرت أنها ستسهم فقط في إطلاع القراء على الخطوط العريضة الأساسية لكيفية اشتغال مختلف الأنظمة القضائية المغربية والتوافق الحاصل في ما بينها، وفي تقديري تجاوزت هذا الأمر بكثير من خلال اجتهاداتها المتميزة.

في هذا الاتجاه عملت على إعادة تركيب الموضوع من خلال قضاياه عبر تقديم الظاهرة أو القضية موضوع الدراسة، ثم تليها بمقارنات لوضع المغرب مع العالم الإسلامي وخاصة الإمبراطورية العثمانية(متى توفر ذلك)، ومنها مثلا القضايا المرتبطة بالربا التي اتهم بها اليهود، وأبرزت بأن يهود الإمبراطورية العثمانية كانوا أكثر من أقرض بالربا، وبأن منطق السوق هو الحكم، وإن كان في اطار إسلامي، أو عبر مقارعة بعض أفكار “غلاة التاريخ” من أجل تجاوز ضيق أفق تفكيرهم، وربما كان الفصل الخامس خير معبر عن ذلك، إذ يناقش الموضوع من خارج منظومة تفكير المؤرخين المغاربة الذين يسعون إلى تملك تاريخ المغرب، كل تاريخ المغرب، وبين شوفينية المؤرخين اليهود، وهو ما سارت عليه في مختلف مراحل البحث،ما أكسبه الخلاصات الواقعية  متجاوزة الصور النمطية السائدة، فهي في كل لحظة تبين بأن الأمر لا يتعلق باليهود بل اليهود والمسلمين، ومن أبرز علامات ذلك ذكرها بانه: «لم يسبق لكتاب العدل المسلمين أبدا أن أردفوا كتابة  أسماء اليهود الشخصية والعائلية في عقودهم ورسومهم  المختلفة بعبارة “لعنه الله” وإن اعتبرته من التعابير الشائع جدا إدراجها مباشرة بعد ذكر اليهود أو ما يتصل بهم في مختلف الأدبيات الفقهية » (ص86)، وهو تأكيد على أن قانون السوق له وجهة نظر تخالف تصور كثير من الفقهاء.

أما عندما تصل إلى مرحلة التأويل،فتذهب بشكل عام إلى افتراضات مبنية على حسن النية وربما رغبة في إبراز حيادها وعدم رميها بما يمكن أن يشوش على موضوعية العمل،وتبين بأن الأمر – هنا-  يتعلق بالمصلحة (مصالح ذات بعد تجاري مرتبط بحساب الربح والخسارات)،

في كل هذا، كانت المصطلحات تنهل من لغة التعايش بين الجماعة اليهودية والمسلمين، رغم أن الموضوع هو موضوع توتر ومنازعة، حيث استعملت لغة متعالية على التوتر الذي حاول بعض الكتبة الايديولوجيين تثبيته فعبارات مثل«العيش المشترك»، «التعايش الحاصل بين أنظمة قضائية متميزة»، «التقارب القضائي»، «مرونة النظام القضائي»، « الارتياح المتبادل»…  جعلت من التوتر موضوعا للتأمل بعيدا عن الانجراف.

كل هذا يجعل من العمل إضافة قيمة ونوعية بالنسبة للدرس التاريخي، ويمكن أن يستفيد منه أيضا القانونيون وأهل التشريع، كما يمكن أن يفيد دارسي النظم والمؤسسات والعقليات، بل ويدعوهم إلى المساهمة فيما تم تجاوزه مثل القضاء في الأرياف والبوادي بمؤسساته التي تتجاوز ما هو سائد في المجالات الحضرية، من خلال اعتماد الأعراف التي تساير نظيماتها القبلية، أو العلاقات بين قضاء الأرياف والحواضر، أو حتى قضاء النافدين والأعيان في مواجهة الفقراء والعوام …

وعلى العموم، هذا النوع من الكتابة يرفع الطهرانية على أصحاب الملة (يهودا ومسلمين) ويتفاعل مع الإنسان كما هو، خيره وشره، كما يخرجنا من شرنقة مركزية اليهود محور التاريخ وبكائيات الايديولوجيين وأنصار بؤس اليهود بالمغرب، فهي كثيرا ما استعملت عبارة “يهود ومسلمين” في اتجاه تكامل وتناغم نسبي للأنظمة القضائية بالمغرب، رغم أن الموضوع مرتبط بقضايا التوتر والمشاكل،فهي لاتجامل اليهود (تحصيل تعويضات مرتين/المبالغة في تقدير حجم الخسائر ) …

هذا النوع من الكتابة هو الذي يمثل المصالحة، إنه المصالحة مع التاريخ، كل التاريخ بعيدا عن المشاكسات السياسوية والأيديولوجية حيث يتم الارتقاء بالمعرفة كعنصر مؤجج وأساس الفهم والقراءة والتأويل، ومن المؤكد ان القارئ سيغير الكثير من القناعات والتصورات، أو على الأقل التشكيك فيها، فعمليات التفكيك التي قامت بها فيما يتعلق بالمحميين والمخالطين وغيرهم من المرتبطين بالدول الأجنبية ستصبح موضوع مساءلة من جديد حول مفهومها وحدودها وعلاقتها بالمخزن. إنه ترتيب جديد مبني على الوثيقة التي أعيد لها وهجها وتألقها.

- أمين الكوهن

باحث في التاريخ / أكاديمية الدارالبيضاء

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.