الجمعة , 9 ديسمبر, 2022
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » لكل صورة ألف حكاية

لكل صورة ألف حكاية

إن مختلف الأشكال التعبيرية التي أبدعتها التجربة الإنسانية عبر مسيرها الطويل تتقاطع جميعها حول فكرة إنتاج تمثيلات وسرد حكايات عن الوجود. كما أنها تتشارك في الغايات والأهداف نفسها من خلال منح الفضاءات التي يكتنها الإنسان والصور التي ينتجها عن الكائنات والأشياء معنى ودلالة. وفي السياق نفسه، يمكن أن ندرج “السيرة الفكرية” التي أصدرها الباحث السيميائي سعيد بنگراد. لأنها هي الأخرى تبوح وتصور وتحكي وتعبر وتناقش وتؤول جزءاً هاماً من مسير تجربة ذاتية في تفاعلها مع زمنية موضوعية. بعبارة أخرى، يمكن اعتبار هذه السيرة محاولة من طرف كاتبها لإعطاء تجربته الذاتية تفسيراً وتأويلاً، ومن ثم منحها معنى ودلالة ووجودًا.

وانطلاقاً من المواضيع المتعددة التي يحبل بها هذا الإصدار، هُيئت هذه الورقة المقتضبة التي سنحاول من خلالها أن نثير بعض الانطباعات والملاحظات. إن قراءتنا هذه لا تدعي بأنها ستتناول أو ستناقش كل القضايا الفكرية والأسئلة الفنية والخلاصات المنهجية التي جاء بها الكتاب، بقدر ما ستركز أساساً على تلك المساحات التي خصصها الكاتب للحديث عن علاقاته بالصورة، وتحديداً الآثار التي تركتها البورتريهات العائلية في نفسه،  مع الإشارة من حين لآخر إلى أسئلته وتأملاته في قضايا الصورة، وخاصة آليات اشتغالها وإنتاج المعنى فيها، وتأثيراتها المتعددة في المشاهد/القارئ.

وسيكون منطلقنا وفرضيتنا وموجهنا في هذه القراءة هو تلك الحكاية التي يرويها لنا الكاتب نفسه، والمتعلقة بالحادث المتهور والساذج الذي كان سبباً رئيساً في الإتلاف الأبدي لبورتريه الأب. أي، ضياع تلك الصورة الفوتوغرافية الوحيدة التي كانت ربما ستحفَظ للعائلة وللكاتب بالخصوص بذكريات قد تكون سعيدة أو حزينة، ممتعة أو مقلقة، أو غير ذلك عن صورة الأب وهيأته وملامحه وخاصة نظرته. يقول الكاتب في هذا الصدد: “فقد يكون غياب صورَته [أي الأب] هو الذي مكنني من أن أرسم له صورا كثيرة”. (بنگراد، سعيد (2021): 277). ثم يضيف في الصفحة نفسها: “إن الأب الذي أعرفه ليس هو الذي عاش حقيقة في الواقع، بل هو ما تقوله الصورة التي رسمتها العائلة عنه، وهي أيضا تلك التي لم تكف جدتي عن البحث عنها في بقاياه.” (بنگراد، سعيد (2021): 277). تأسيساً على هذين الاستشهادين، ألا يمكن أن نزعم بأن الانشغالات والتأملات المتعددة للكاتب بقضايا الصورة وأجناسها واستعمالاتها وإنتاج دلالاتها، ترجع بعض عناصر منطلقاتها ومرجعياتها وإيحاءاتها إلى تلك الشذرات والتمثلات والتخييلات التي أنسجها خيال أفراد العائلة عن صورة الأب وتداولوها فيما بينهم؟ وأن تحليلاته لموضوع الصورة وتمظهراتها ودراساته الكثيرة الخاصة بشرح معانيها وتبسيط أسرار آليات اشتغالها وإدراك معارفها، ليست سوى تفكيكا لبقايا هذه التصورات وإعادة ترميمها وبناءها ثم تمثيلها فكريا؟

إنه من المؤكد، أن هذا الغياب الحارق والناجم عن فعل إحراق بورتريه الأب ترك لسعة ووقعا نفسيا غائراً عند الكاتب. يحدثنا بنگراد في هذا السياق بقوله: “فطلبوا من والدتي إحضارها (أي صورة الأب) فمزقوها وأحرقوها وتخلصوا منها […] فقد كان من الضروري أن تختفي صورته لكي يموت حقا.” ب(نگراد، سعيد (2021): 277). إننا هنا أمام موت مضاعف، بل قتل رمزي أشد عنفا وجرحا من الأول. ذلك أن هذه الواقعة التي يحكِها لنا الكاتب، تقطع قطعاً فاصلاً مع الآثار المحتملة التي قد تولدها أو تحيل عليها أو تتركها مكونات الصورة الفوتوغرافية في ذهن أي مشاهد/قارئ. وإلا كيف يمكن تفسير إعادة تَذَكُّر واستحضار هذا الحادث بالذات وتفاصيله وشخوصه وزمنه وسياقاته من طرف الكاتب وليس واقعات عائلية أخرى؟ وكذا التدقيق في سرد بعض حذافيره وجزئياته في أكثر من مناسبة من صفحات هذه “السيرة الفكرية”؟

وبالعودة دائماً إلى فصول هذا الكتاب، نستشف أن هذا الغياب السرمدي مَكَّنَ الكاتب من إعادة تمثيل صور كثيرة عن الأب ليس بالمعنى الفوتوغرافي المحض بحيث يصبح للآلة الفوتوغرافية حضوراً ودوراً أساساً. وإنما بأسلوب يعتمد تفكيراً يمتزج فيه التجريد والتخييل والوصف والحكي والعشق، وأيضاً بوعي متآلف ومدرك لخصوصيات تاريخ المشاهدة وتقاليد الإدراك التي أرستها الصورة الفوتوغرافية في المجال البصري. نلمس كذلك، أن لهذا الفعل الساذج، أي، تواطؤ أفراد العائلة حول الطمس القسري لبورتريه الأب عن طريق إحراقه بدون تبريرات أو حجج منطقية، أثراً في كتاب/كتابات بنگراد من خلال اجتهاداته الفكرية المتواصلة من أجل تفكيك نواميس وسنن اللغة البصرية وجعلها متداولة على نطاق واسع. ومن خلال مقاومته الشديدة لمناصري ثقافة بُغْض الصورة. وأيضاً من خلال القلق الفكري والانشغال المعرفي والبحث المتجدد في ماهية الصورة باختلاف أسنادها وتاريخها وأدوارها ووظائفها وأخلاقياتها وجمالياتها، وخاصة من ناحية ميكانزمات اشتغالها وتأثيراتها في سلوكات الفرد وقيم الجماعة.

لقد تَحوَّل الاشتياق لصورة بورتريه الأب وَوَحْشَتِه عند بنگراد إلى اشتعال وشُحْنَة من الطاقات تبحث بلا توقف وبلا مهادنة في معنى النسيان واشتغال الذاكرة واستحضار فكرة الموت من خلال الصورة الفوتوغرافية، وكذلك التأمل في مدلولات الشهادة والأثر والتمثيل. كما سيكون لهذا الحداد مع تطورات الزمن دور موجب ومحوري بل ومتمفصل في تطوير تصوراته وطروحاته وترسانته المنهجية والمعرفية في المجال ذاته.

هكذا تقربنا مضامين فصول هذا الكتاب/”سيرة التكوين” بأسلوب حكائي مكثف وانتقائي من الفرضيات والمفاهيم والمصطلحات والمعارف، ومن كل العوالم الرمزية والفكرية التي اشتغل بها أو عليها الباحث سعيد بنگراد في مجالات الفوتوغرافيا والصورة عموماً، سواء في سيرته هذه أو في أبحاثه ودراساته المنشورة. وكل ذلك من أجل تمكين قارئه من إدراك معاني الفوتوغرافيا، والصورة بشكل عام، وتقريبه من خصوصيات جوهرها وتطوراتها التقنية وخاصة أكوانها الثقافية. إن المراهنات التي تُقدِّم بها هذه “السيرة الفكرية” تصوراتها عن الفوتوغرافيا ومن ثم عن الصورة، لا تقف فقط عند مستوى البحث في الأشكال والمحتويات والتقنيات المرتبطة بهذا المجال، وإنما تقترح نفسها باعتبارها مقاربة تحاول أن توصل أفكارها ومفاهيمها بوصفها طريقة في العيش ينظم بها الناس إكراهات تجربتهم الحياتية وأيضا بصفتها مقترحات وتجارب في فهم معنى الحياة وأشكال تحققها. ألم تطلعنا كتابات بنگراد في أكثر من مناسبة على ملاحظات وتحليلات وتصورات ورؤى سواء من خلال قراءتها للصور التلفزية أو الإشهارية أو صور الكتب المدرسية أو تلك المنشورة بقنوات التواصل الاجتماعي أو بمختلف التطبيقات عن المتغيرات السريعة والمقننة التي صارت تعرفها حياتنا ومعيشنا اليومي، سواء كأفراد أو جماعات، في الزمن الراهن؟ وكيف أسهمت مكونات وآليات اشتغال هذه الصور بإيقاعاتها المختلفة في إنتاج معيش موسوم بفُرْجَات مُقَنَّعة ومزيفة وزائلة؟ وخاصة، كيف صارت فيها معاني الظواهر والأشياء والوقائع والسلوكات والعلاقات الاجتماعية تتخذ صيغا مألوفة جدا عند عامة الناس، بل تمثيلات وجودية بديهية؟ أي كيف تحولت كينونة حياتنا اليومية من ما هو طبيعي إلى سلسلة من التمثيلات الرمزية؟

كذلك نجد في تعبيرات بنگراد المقترنة بحكاية بورتريه الجدة وجنوحه الجموح في التقاط صورة فوتوغرافية لها، من خلال قوله: “فأخذت لها صورة وكانت تلك هي الصورة الوحيدة التي تركتها وراءها بعد مماتها”،(بنگراد، سعيد (2021): 279) إبرازا ضمنيا، من خلال هذه الواقعة، عن رغبة جامحة في إنجاز ألبوم فوتوغرافي عن العائلة. بمعنى آخر، كتابة ذاكرة أفراد العائلة وحيواتهم من خلال الصورة الفوتوغرافية؟ ثم أليس في إنجاز أو التقاط بورتريه الجدة بالذات، عودة ضمنية إلى المنبع وإلى استحضار الرَّحِم الذي أنجب أو تدفق منه الأب. أي، إعادة تمثيل ثم بناء شجرة العائلة فوتوغرافيا/بصريا؟ إن شغف الكتابة عن الصورة، والفوتوغرافيا تحديدا، هنا وعن أدوارها ووظائفها عموما، هو تأبيد للحظات نادرة ومتفردة في حياة الكاتب، يقول بنگراد في هذا الصدد: “إننا نحاول التمسك عبر البصر بكائنات عزيزة نخاف من فقدانها، وتلك كانت وظيفة الألبوم ومبررَ وجوده”. (بنگراد، سعيد (2021): 279).  هل مكننا هذا الألبوم العائلي الذي رسمت ملامحه النتف والشذرات البصرية التي أثارتها هذه السيرة من الاقتراب شيئاً ما من تفاصيل وجزئيات ووقائع وفصول حياة سعيد بنگراد؟ إن كاتبنا يدرك جيداً مدارات هذه التحديات، لأنه يملك معرفة واسعة عن قضايا التمثيل والأكوان الثقافية للصورة الفوتوغرافية وعن الإكراهات التي تتصل بالمجال البصري عموماً. ألم تؤكد كتاباته في أكثر من مناسبة على نهج أسلوب الحذر والحيطة في التعامل مع المعنى المباشر للصورة الفوتوغرافية والصور عموماً تفادياً لأي انزلاق وانحراف عن دلالاتها، وعلى الاهتمام أكثر بالجوانب الرمزية فيها؟

إن القضايا البصرية الشائكة التي تضمنتها الصفحات المتعددة لهذه السيرة، كتحديد جوهر الفوتوغرافيا، والصورة عموماً، وتفكيك ماهية النظرة وتحليل إنتاج المعنى وكشف دور اللغة في هذه السيرورة، ليست في واقع الأمر سوى تأملات في المساحات التي أمسى يشغلها البصري في ثقافتنا المعاصرة من خلال الشاشات المتعددة التي تطل علينا يوميا بصور يطبعها تارة طابع الإثارة وحينا التحكم وزفة التضليل، وفي حالات قليلة يسكنها هاجس تقاسم الإحساس باللذة والشعور بالإمتاع والرغبة بالالتذاذ مع المشاهد/ القارئ.

إن الدرس الذي تقدمه فصول هذه “السيرة الفكرية” بخصوص موضوعات الصورة الفوتوغرافية، والصورة عامة، ثم قضاياها المتشعبة وقدراتها الهائلة على الاستقطاب والاستدراج والغواية ومختلف أشكال التأثيرات، هو أنها تمنح المشاهد/القارئ ترسانة من الأدوات والآليات الإجرائية التي تجعل منه ذاتاً شديدة الملاحظة، وممارساً بارعاً لفعل التفكيك، ومتمرساً في إعادة بناء المساحات المصورة، ومحنكاً في توليد معاني الصورة. أي، إنها تعمل على تغيير علاقاته بالصور عموماً وتقاليد مشاهدته لها، ومن ثم إدراكه وتأويله للموجودات. أي تمكينه من اكتساب مناعة تجاه التزييفات والاختراقات المحتملة لشتى الصور بأجناسها المختلفة وأسنادها المتعددة في زمننا المعاصر.

- جعفر عاقيل

أستاذ باحث في الفوتوغرافيا . المعهد العالي للإعلام والاتصال - الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.