الخميس , 11 أغسطس, 2022
إخبــارات
الرئيسية » أطروحات » محمد الفقيه البصري: مسار سياسي في مغرب ما بعد الاستقلال

محمد الفقيه البصري: مسار سياسي في مغرب ما بعد الاستقلال

نعيم الخرازي، محمد الفقيه البصري: دراسة في النخبة السياسية المغربية بعد الاستقلال، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ، إشراف الأستاذين جمال لكراكز ومعروف الدفالي. نوقشت بكلية الآداب والعلوم والإنسانية بالرباط، بتاريخ 5 نونبر 2021.

يشكل هذا البحث محاولة في كتابة بيوغرافية تاريخية لأحد رموز النخبة السياسية المغربية بعد الاستقلال. يتعلق الأمر بمحمد الفقيه البصري. وتتجلى أهمية هذه الأطروحة في راهنيتها، ومسار الشخصية المدروسة نظرا للأدوار التي اضطلعت بها في محطات مهمة من تاريخ المغرب الراهن مثل المقاومة المسلحة ضد الاستعمار، والصراعات السياسية التي عرفها المغرب بعيد الاستقلال، ومعارضة نظام الحكم، والتآمر ضد النظام في  16 يوليوز 1963، والمحاولة الانقلابية الثانية في 1972، وأحداث 3 مارس 1973، وغيرها.

كان محمد الفقيه البصري أحد قادة المقاومة وجيش التحرير بالجنوب، وعضوا في اللجنة السياسية لحزب الاستقلال ما بين سنتي 1956 و1959، وأحد مؤسسي حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. كما يعد من أبرز معارضي الحكم في عهد الملك الحسن الثاني، ورمزا من رموز “التنظيم السري” التابع لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وحركة “الاختيار الثوري”. وخلال ارتباطه بالمعارضة في الخارج، صارت له علاقات بعدد من الأنظمة والقيادات والتيارات السياسية العربية التي كانت تصنف نفسها قومية أو ثورية اشتراكية أو تقدمية.

تحاول هذه الأطروحة معالجة إشكالية تتعلق بمسار المقاومين الذين التحقوا بالنخبة السياسية غداة الاستقلال ثم انتقلوا إلى المعارضة، من خلال نموذج محمد الفقيه البصري، وعبر تتبع مساره من المقاومة إلى المعارضة، ورصد منعطفات ومآلات هذا الجيل من المقاومين.

 

توزعت الببليوغرافيا بين سبعة أصناف أساسية هي: الوثائق التاريخية، وكتابات أكاديمية تنهل من تخصصات معرفية مختلفة ومتقاطعة، ومذكرات رجال الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير، والفاعلين السياسيين المغاربة والأجانب زمن الحماية وما بعد الاستقلال، وأرشيف الصحافة الحزبية والمستقلة الوطنية والأجنبية منذ سنة 1956 إلى غاية يناير 2021، وبعض المواقع الإلكترونية، خاصة منها موقع www.maroc.realites.com، والرواية الشفوية من خلال إجراء 29 حوارا، وأخيرا المواد الإيكنوغرافية.

 

اعتمد البحث المقاربة التاريخية ومنهج البيوغرافيا التاريخية التي تشكل وسيلة للتعرف على المجتمع، وبوابة للولوج إلى حياة وتاريخ الجماعة التي تنتمي إليها الشخصية المدروسة. كما استعان بنظرية النخبة السياسية التي تشكل واحدة من المداخل الأساسية لدراسة وتحليل وفهم التاريخ السياسي المغربي. ووظف البحث كذلك نظرية البطل في التاريخ لسدني هوك، ونظرية الإحباط – العدوان في علم النفس السياسي، والسيرة النفسية Psychobiographie في علم النفس الاجتماعي.

يتكون البحث من مقدمة عامة ومدخل للبحث وسبعة أبواب بالإضافة إلى خاتمة و21 ملحقا وببليوغرافيا وفهرس. وشكلت بيوغرافيا الفقيه نافذة للاطلاع على مسار جيل من المقاومين، وعلى مسار حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتنظيم السري، وحركة الاختيار الثوري، والمعارضة المغربية، وفرصة للتعرف على العديد من المحطات والأحداث التاريخية الهامة وفهمها. وهو ما مكن من الخروج بعدة خلاصات تهم شخصية الفقيه البصري، وأخرى حول تاريخ المغرب الراهن؛ ولاسيما التاريخ السياسي، نذكر أبرزها:

– تميز مسار محمد الفقيه البصري ما بين أواخر عهد الحماية وما بعد الاستقلال بازدواجية جمعت بين العملين السياسي والمسلح.

– مكن تتبع سيرته من التعرف على بعض سمات شخصيته التي يمكن أن نجملها في: الراديكالية، والكاريزمية، والتطلع إلى الزعامة، والقيادة، والبراغماتية، والطموح الجامح، والكبرياء، بالإضافة إلى تصلب المواقف، والإصرار على الرأي والموقف الشخصي.كما تميز الرجل بالقدرة على التواصل والإقناع، والصرامة، والمناورة، والمكر السياسي، وحضور سلطة الزعيم والقائد والعقاب لديه، والميل إلى البروز الإعلامي، فضلا عن البشاشة واللباقة، والكرم، والتواضع، وخفة الظل. لكن يبقى الغموض وتعدد الوجوه صفتين لازمتا الفقيه في مختلف مراحل حياته.

– ساهم الانتماء الطبقي ونوع التعليم التي تلقاه أفراد نخبة الحركة الوطنية ورجال المقاومة في تحديد توجهاتهم السياسية، وفي طريقة تعاملهم مع النظام، ومواجهتهم له.

– افتقار حركة المقاومة المسلحة وجيش التحرير إلى قيادة مركزية ذات رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وإلى وعي سياسي واضح، بالإضافة إلى قصر المدة التي قضتها في ساحة النضال، وأمية أغلب العناصر المنتمية إلى صفوفها، وكذا انقسامها إلى خلايا ضعيفة العدد والعدة. وهو ما حال دون تحولها إلى قوة مؤثرة موحدة قادرة على فرض مطالبها ووجهة نظرها في المفاوضات مع المستعمر، ومع نخبة الحركة الوطنية، والقصر.

– ساهمت رغبة القوى السياسية الفاعلة بعيد الاستقلال في السيطرة على حركة المقاومة وجيش التحرير، وكذا ارتباط بعض المقاومين بالأحزاب المتطاحنة إلى جانب ضغط فرنسا لإيقاف العمل المسلح، واستمرار تحكمها وتغلغلها لسنوات بعد الاستقلال في دواليب الإدارة والجيش والأمن، في احتواء حركة المقاومة وجيش التحرير، والحد من إمكانية مشاركتها في الحكم وبناء الدولة.

– نجاح القصر في تشتيت صفوف المقاومين وعناصر جيش التحرير اعتمادا على عدة وسائل.

– احتكار الدولة منذ سنة 1956 لملف أسرة المقاومة وجيش التحرير من أجل بناء ذاكرة جماعية تخدم مصالحها.

– تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959 على يد مكونات مختلفة ومتناقضة حال دون توضيح هوية هذا الحزب الإيديولوجية والسياسية، وحمل في طياته بذور الانشقاق والخلاف والصراع بين عناصره. فقد كان لكل مكون من مكوناته قراءته الخاصة للحزب، وأهداف معينة يروم تحقيقها.

– بدأت المواجهة العنيفة بين الدولة والاتحاد الوطني للقوات الشعبية عقب حادثين أساسين: أولهما تأسيس بعض عناصر وقادة المقاومة وجيش التحرير المرتبطة بالحزب المعارضة لتوجهات الدولة، لتنظيم مسلح هو “التنظيم السري” بين سنتي 1959 و1960. وقد تعرض أعضاؤه للاعتقال والتعذيب في إطار ما سمي بــــ “مؤامرة اغتيال ولي العهد في فبراير 1960″، ثم تلته عدة تطورات انتهت بحل جيش التحرير في مارس 1960. والحدث الثاني كان هو إقالة حكومة عبد الله إبراهيم في ماي من السنة نفسها. وقد احتدم الصراع بشكل أكبر بعد وفاة محمد الخامس في فبراير 1961 وتولي الحسن الثاني الحكم.

– تراوحت أهداف قادة “التنظيم السري” في الفترة الممتدة من سنة 1962 إلى سنة 1974 ما بين محاولة اغتيال الملك الحسن الثاني والضغط عليه لتليين مواقفه، ودفعه للحوار مع قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وإشراكهم في الحكم أو القيام بإصلاحات وتقديم بعض التنازلات.

– فشل “التنظيم السري” في تحقيق أهدافه يعزى إلى غياب قيادة متجانسة في الفكر والتكوين والتجربة فضلا عن الصراعات والخلافات بين عناصرها، وإصرار القيادة على الإمساك بزمام الأمور مخافة أن تنفلت من يدها.كما أن استقرارها خارج الوطن في مناطق متباعدة (سوريا، ليبيا، الجزائر، فرنسا) حرم التنظيم من فعالية وسرعة التنسيق والتواصل مع المناضلين بالداخل دون أن ننسى الاختراق الأمني.

– فشل أحداث 3 مارس 1973 ساهم في تصدع “التنظيم السري”، وبروز أصوات داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (مجموعة الرباط) طالبت بالقطع النهائي مع الجناح المسلح. وهو ما مهد لانعقاد المؤتمر الاستثنائي في يناير 1975 الذي شكل محطة حاسمة في تاريخ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية؛ حيث تخلى عن النضال المسلح وتبنى النضال الديمقراطي كوسيلة لتحقيق أهدافه، وجعل القيادة مقتصرة على عناصر الداخل فقط.

– تعتبر قضية الصحراء والوحدة الترابية قضية محورية في الهوية المغربية. فرغم استقرار عناصر المعارضة المغربية في الجزائر وليبيا وحصولها على دعم البلدين، فإنها لم تنحز للطرح الانفصالي وظلت متشبثة بمغربية الصحراء.

– على الرغم من حدة الأزمة وتوتر العلاقة بين الملك والمعارضة الاتحادية في فترات متعددة، فقد حافظ الطرفان على قنوات اتصال بينهما لتمرير الرسائل، وترك هامش للتفاوض. وبقدر ما أبداه الاتحاديون من مرونة وليونة في العديد من المحطات، وما قدموه من تنازلات، كان تجاوب النظام محدودا، حيث أجاب عنها بالقمع والتنكيل والاعتقال.

- نعيم الخرازي

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.