الثلاثاء , 4 أكتوبر, 2022
إخبــارات
الرئيسية » بإيـــجاز » وفاء لروح عبد الرحمن المودن

وفاء لروح عبد الرحمن المودن

عتبات مؤرخ، مسار عبد الرحمن المودن، تنسيق عبد الرحيم بنحادة، عبد الأحد السبتي، عبد الجليل ناظم،  دار أبي رقراق  للطباعة والنشر، الرباط، 2021.

يجمع هذا الكتاب بين دفتيه شهادات مفعمة بالمحبة والتقدير للمؤرخ المغربي المعروف الراحل عبد الرحمان المودن (1946- 2020). يتعلق الأمر بتحية وفاء بثلاث لغات: العربية والفرنسية والإنجليزية، إلى روح الأستاذ عبد الرحمان المودن الذي توفي في عام 2020، في ظروف وباء كوفيد 19، في العاصمة القطرية الدوحة التي كان يدرس فيها آنذاك، بعد أن قضى سنوات طويلة من التدريس والإنتاج العلمي في الجامعة المغربية. اشتهر عبد الرحمان المودن بمساره البحثي الحافل بالعطاء، وبخاصة في الحقل التاريخي الجديد الذي أسسه، رفقة عدد من الزملاء، في كلية الآداب بالرباط، وهو حقل الدراسات العثمانية-الإيرانية، في إطار “وحدة البحث والتكوين حول المغرب والعالم الإسلامي 1500 – 1900″، التي تأسست في سنة 1997.

هي شهادات مطبوعة بالتأثر العميق، كتبها أساتذة وتلامذة وأصدقاء عرفوا الراحل عن قرب أو عن بعد في مجالات التدريس والبحث العلمي في المغرب وخارجه. وقد حاولوا التوفيق بين التعبير عن مشاعرهم الشخصية، وبين التجرد الموضوعي الذي تفرضه الشهادة التاريخية.

ولما كان من الصعب ذكر جميع الشهادات التي جاءت في الكتاب، فإننا سنقتصر على ثلاثة منها فقط، تمثل جيلين مختلفين من الباحثين. وهكذا نجد عبد الرحيم بنحادة، الذي عاش واشتغل عن قرب مع عبد الرحمان المودن، قد استعمل الوثيقة التاريخية في شهادته، وكشف في نص بعنوان “سيرة مشتركة” عن رسالة شخصية أرسلها إليه الراحل قبل ثلاثة عقود حول قضايا البحث العلمي وبعض يوميات العيش الأكاديمي المشترك في تركيا وأمريكا. وتحدث بنحادة عن مغامرات البحث عن الوثائق التاريخية التي خاضها مع الراحل في دروب ومكتبات إسطنبول. كما تناولت الشهادة بعض جوانب نضال الرجلين في إطار العمل الجمعوي من أجل تنظيم وتأطير المؤرخين داخل “الجمعية المغربية للبحث التاريخي”.

وكانت شهادة محمد حبيدة قوية أيضاً في توصيفها لمسار وحصيلة ما بناه الراحل في مجال الدراسات العثمانية. وقد تأسف محمد حبيدة لكون جهود عبد الرحمان المودن ذهبت سدى عندما يقول: “للأسف، تراجعت تجربة التكوين في حقل “الدراسات العثمانية” وانطفأت، مثلما تراجعت تجارب أخرى كثيرة وانطفأت”. ويسجل حبيدة بالمناسبة حصول تحول مهم في المشهد الثقافي والتعليمي بشكل عام في المغرب قائلاً: “في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي كان المثال هو الأستاذ المتمرس الذي يبحث ويكتب ويمارس سلطة معرفية. أما اليوم، فقد اختفى هذا المثال، وتشتت الأمور، وسارت في اتجاهات كثيرة، أحيانا لا اتجاه لها”.

أما شهادة المؤرخ ووزير الأوقاف أحمد التوفيق بعنوان “مخضرم من الأطراف”، فكانت ذات نبرة مختلفة، إذ جاء فيها أن الجيل الذي انتمى إليه عبد الرحمان المودن هو “جيل تجلت فيه سلطة التعليم فاعلاً أعظم في نقل أفراد معدودين من المجتمع خارج تطورهم التاريخي العادي. أراد بعضهم أن يجعل للمستضعفين تاريخاً يمكن أن يُحكى، فاختاروا المونوغرافية بمثابة احتجاج على التاريخ الحولي المكرَّس”.

ويتضمن الكتاب كذلك شهادات لأساتذة أجانب من فرنسا وأمريكا، إلى جانب شهادة مؤثرة بالإنجليزية قدمتها ابنة الراحل سناء المودن، وكذا شهادة عميقة عن المرحلة الطلابية المتميزة للراحل كتبها أستاذه المؤرخ الفرنسي المعروف دانييل ريفي الذي درس عدة سنوات في الجامعة المغربية.

شارك في تقديم الشهادات بالعربية ثمانية وعشرون أستاذاً وأستاذة في التاريخ والآداب ومن تخصصات أخرى في العلوم الإنسانية، من بينهم إدريس بن سعيد، وخالد بن الصغير، ورحمة بورقية ومينة لمغاري… وأحد عشر أستاذاً وأستاذة وباحثاً وباحثة بالفرنسية وبالإنجليزية.  ولم يتمكن منسقو هذا الكتاب من تقديم شهادات من قطر التي اشتغل فيها المودن كأستاذ زائر بـ”معهد الدوحة للدراسات العليا في العلوم الاجتماعية”، ومن تركيا التي درس فيها أيضاً في فترة معينة، وكان قد ترأس في هذا الصدد “الجمعية المغربية للدراسات التركية والإيرانية”.

نشر عبد الرحمان المودن العديد من الأبحاث والدراسات في كلية الآداب بالرباط، وفي “المعهد الملكي للبحث التاريخي”.  واشتهر بأبحاثه حول البادية المغربية وعلاقات قبائل إيناون (نواحي مدينة تازة التي ينحدر منها) مع المخزن قبل الاستعمار. وقد توجها بأطروحة دكتوراه ناقشها في 1982 في جامعة برينستون في أمريكا حول العلاقات بين المغرب وتركيا، وتحمل عنوان: “البادشاه والسلطان: العلاقات المغربية العثمانية بين القرنين السادس عشر والثامن عشر: مساهمة في دراسة الثقافة الدبلوماسية”

 “ Sharifs and Padishahs: Moroccan-Ottoman relations from the 16th through the 18th centuries: contribution to the study of a diplomatic culture, Princeton University, 1992”.

ويمكن اعتبار هذا الكتاب الجماعي تكريساً لثقافة الوفاء والعرفان الخالصة التي نحتاج إلى الكثير منها.

- محمد مستعد

مترجم وإعلامي / الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.