الخميس , 23 مايو, 2024
إخبــارات
الرئيسية » دراســات » مفهوم دراسات النوع

مفهوم دراسات النوع

1. أركيولوجية النوع

لم يظهر مفهوم النوع مع الحركات النسوية، ولكن تداوله بدأ من قبل المجموعات الطبية التي تكفَّلت، في النصف الأول من القرن العشرين، بالرضع الذين ولدوا بجنس مخالف للمعهود والذين تمت تسميتهم آنذاك ب”مزدوجي الجنس” (Intersexes)[1]، حيث انخرطت هذه المجموعات الطبية – التي يرجع إليها الفضل في تعريف وتحديد ما سمي في البداية بـ ‘دور النوع’ – في تغيير جنس الرضع مزدوجي الجنس وتحديد هويتهم الجنسية عبر العلاج الهرموني والجراحي والمتابعة السيكولوجية التي تجعل الجهاز التناسلي للذكر أو الأنثى يتناسب وسلوكه الجنسي الذي من المفروض أن يكون متباين الجنس.

وبناءً على نجاح هذه الإجراءات اعتبر بعض المتخصّصين في هذا المجال أن الجنس البيولوجي في حالة الأطفال مزدوجي الجنس بالتحديد، وفي حالة كل الأشخاص عمومًا، لا يعدّ عاملا محدّدا للهوية الجنسية للأشخاص بشكل قطعي وملزم (لا يحدّد دور النوع وسلوكه الجنسي إلا بشكل نسبي). في هذا الإطار أعلن جون موني John Money الذي سيصبح من أقوى المتخصصين في الازدواجية الجنسية في الولايات المتحدة الأمريكية في خمسينيات القرن العشرين “أن السلوك الجنسي أو الميول إلى الجنس الذكر أو الجنس الأنثى ليست له أسس فطرية”[2] .

وقد شاع بعد ذلك مصطلح “النوع” على يد الطبيب النفسي  روبير ستولر Robert Stoller  الذي أسس سنة 1954م عيادة البحث عن الهوية الجنسية، واقترح سنة 1955م التمييز بين الجنس البيولوجي والهوية الجنسية، وهو الاقتراح الذي استأنفه سنة 1968 للتمييز بين “الجنس والنوع”[3] ، وبعد عدة سنوات من ذلك أصدر أنكو إيرهاردت وجون موني John Money  و Anke Ehrhardt كتاب رجل وامرأة، ولد وبنت[4]، وقد أثار هذا الكتاب نقاشاً مستفيضًا دفع موني للحديث عن حكاية الطفل Bruce/Brenda  التي ارتبط بها مفهوم النوع، ويتعلق الأمر بطفل فقد عضوه التناسلي إثر عملية ختان غير ناجحة في شهره التاسع، فلجأ والداه إلى موني لعلاجه.  وقد ارتأى هذا الأخير أن أحسن حل لإنقاذ حياة الطفل النفسية هي تغيير جنسه إلى أنثى، ما دام الطفل الذكر بيولوجيًا لا يمكن أن تكون له هوية جنسية طبيعية بدون قضيب.  وهكذا تم خصيه وتحويله إلى أنثى باسم Brenda  قبل إتمام ثلاث سنوات من عمره، واتخذه موني بمثابة حقل تجارب لإجراء عمليات جراحية لتغيير الجنس لشخص طبيعي بيولوجيًا، على أساس أن مزدوجي الجنس أشخاص غير طبيعيين بيولوجيًا بسبب شذوذ أو خلل جنسي يجعل جنسهم غير محدّد.  وهكذا أجرى موني واحدة من العمليات الأولى التي ستكون بعد سنوات هي العلاج الطبي للراغبين في تغيير الجنس، وبالنسبة إليه فإن هذه التجربة ستبرهن بدون شك على مرونة ونسبية التمييز بين الجنس والنوع[5]، أي إن الجنس البيولوجي لا يحدّد الهوية الجنسية للأشخاص، لأن الهوية الجنسية يمكن إعادة بنائها أو تغييرها أو تحديدها بواسطة تدخل جراحي تقني خارجي.  ومن تمّ فهو لا يبالي بالعملية البيولوجية للجنوسة ويتشبّث بازدواجية الهوية الجنسية على أساس أن ما نجمع على أنه الجنس البيولوجي للشخص، يحيل على الأدوار والسلوكات الجنسية أكثر من إحالته على العملية البيولوجية للجنوسة.  وهكذا يتبيّن أن ثنائية التصنيف الجنسي للأشخاص ذكر وأنثى تخضع أكثر لعوامل خارجية منه لتحديدات داخلية.

وفي سنة 1972م أصدرت السوسيولوجية البريطانية آن أواكليAnn Oakley   كتابها الجنس، النوع والمجتمع[6]،  وهو كتاب ميّزت فيه بين النوع والجنس وسجّلت فيه بروز مفهوم النوع في النظريات النسوية، وارتكزت في ذلك على أبحاث Money  وStoller، وقد ساعد هذا التمييز على إلغاء العلاقة السببية المفترضة عادة بين الاختلافات الجنسية لدى الأشخاص، وتحديدًا بين النظام الطبيعي أو البيولوجي من جهة، والعلاقات الاجتماعية غير المتساوية بين الرجل والمرأة من جهة أخرى.

وقد عرف التمييز بين الجنس والنوع، كما تمّ تقديمه في مجموعة من الأبحاث، عدّة انزلاقات لعلّ أبرزها إدراج كلّ التساؤلات المتعلّقة بالبناء الاجتماعي للأنوثة والذكورة ضمن مفهوم النوع، ممّا أدّى إلى نقاش واسع ضمن الدراسات النسوية المعارضة لاستعماله بهذا الشكل، الشيء الذي عطل ترجمة هذا المفهوم والعمل به بفرنسا.

ومع نهاية ثمانينيات القرن العشرين انكبت مجموعة الدراسات التاريخية والاجتماعية ودراسات فلسفة العلوم، على دراسة الجنس البيولوجي من أجل إعطاء مفهوم جديد للنوع، كمفهوم نقدي ودراسة تحليلية تعتمد طريقة معيّنة تقوم على الاستغناء المؤقت عن معرفتنا المسبقة بوجود جنسين مختلفين. ذلك لأن هناك على الأقل مجموعة من النظريات النسوية التي تبرهن على أن تصنيف ظواهر الجنوسة في جنسين ذكر وأنثى تصنيف خاطئ، وهذا لا يعني استحالة التصنيف بقدر ما يعني تعدد التصنيفات، ذلك أنه إذا أخذنا بعين الاعتبار على الأقل مجموع مستويات الجنوسة (الفيسيولوجية، والتشريحية، والصبغية (الكروموزومية)…) فإنه يوجد أكثر من جنسين.

2. مفهوم النوع وأبعاده

لا يقتصر مفهوم النوع على معنى المصطلح في حدّ ذاته، بل يتجاوزه إلى منظومة فلسفية متكاملة من القيم الغربية التي تدعو إلى إلغاء كل الفوارق بين الرجل والمرأة والتعامل معهما على أساس أنهما متساويان في كلّ شيء. واقترح بعض الدارسين استخدام ‘نوع اجتماعي’ للإشارة إلى البناءات الاجتماعية والثقافية للذكوريات والأنوثيات، وليس للإشارة لحالة كون الفرد ذكرًا أو أنثى بكليته[7]. وفي سنة 1988م استخدمت الحركات النسوية، في أمريكا الشمالية وبعدها في أوروبا الغربية مفهوم الجندر، إلا أنه عاد للظهور من جديد في مؤتمر القاهرة عام 1994م، وتكرّر ذكره في مؤتمر بكين للمرأة عام 1995، فأثار حوله مجموعة من التساؤلات وأشار إلى معان مختلفة.  ويرى داعمو هذا المفهوم أنه لا قيمة للفوارق الهرمونية والسلوكية والتشريحية بين الرجل والمرأة ولا تكامل بينهما في مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والجنسية، فكلّ منهما يستطيع أن يستغني عن الآخر ويبني حياته بشكل مختلف.  ويرى بعض معارضي هذا المفهوم أن أصحابه يلتقون مع دعوة ماركس إلى هدم الأسرة وإذكاء نار الصراع بين الرجل والمرأة، وفي هذا تهديد للحياة وللاستقرار، وهنا يمكن أن نتساءل عن مصير المجتمع واستمراريته في ظل أسر قد تتكون من شواذ جنسيين لا يستطيعون الإنجاب، ونتساءل أيضًا عن موقف المجتمع الإسلامي من هذا المفهوم، خصوصًا وأنه يخالف بعض المبادئ الأساسية التي تحدّد وتؤطر علاقة الرجل بالمرأة.  لكن في المقابل هناك من يعتبر مفهوم النوع الاجتماعي بمثابة آلية لتحليل العلاقة بين فئة النساء وفئة الرجال والبحث عن الطرق الأنجع لتحقيق العدالة بينهما، وهنا قد نبتهج لأبعاد مفهوم النوع الاجتماعي الداعية إلى بناء مجتمع تعمّ فيه المساواة بين الرجل والمرأة في التعليم وفي إيجاد فرص عمل وتقاضي الأجر عنها، ورفع كل أشكال الحيف والظلم عن المرأة وإعطائها مساحة كافية للتعبير عن نفسها في مختلف المجالات، والتعامل معها من منطلق النوع الاجتماعي وليس من منطلق كونها أنثى من حيث الجنس، لأن مسألة النوع هي مسألة ثقافية، بمعنى أن البناءات الثقافية ليست مؤسسة على الطبيعة، وإنما مؤسسة مبنية اجتماعيًا وفق الترسبات الثقافية، وروح المفهوم هي أن تطوّر الإنسان لا يرتبط بجنسه، بل بقوة فكره وقدرته على الإبداع.  ولعلّ النجاحات التي حققتها المرأة على مستويات متعدّدة والتي ظلت إلى وقت قريب حكرًا على الرجل خير دليل على التأثير الإيجابي للنوع الاجتماعي في التطوّر بشكل عامّ، شريطة الحفاظ على المنطق الطبيعي في تقسيم الأدوار الاجتماعية المتعلقة بتكوين الأسرة.

3. دراسات النوع وتأثيراتها على المجتمع

لا يمكن لأي مجتمع أن يتطوّر دون أن يملك كل فرد فيه حريته وحقوقه القانونية والاقتصادية والاجتماعية كاملة، ودون إشراك جميع طاقاته في مجال التنمية، وهذا يتطلّب تحرير المرأة من كل القيود وإطلاق طاقاتها المبدعة بمساواة مع الرجل.  ويتجلّى هنا دور النوع الاجتماعي على أساس أنه المنطلق الأهم لتجريد جنسي الذكورة والأنوثة من كلّ الفوارق الاجتماعية والتاريخية التي يمكن أن تميّز بين الرجل والمرأة اللذين أثبت العلم أنهما يشتركان في بنية جميع الأجهزة، باستثناء بنية جهاز التكاثر والأعضاء الجنسية، أما الاختلافات الأخرى من حيث الطباع أو الأدوار الاجتماعية فترجع إلى عوامل اجتماعية صنعها البشر على مدى تاريخهم الطويل، وهي لا تعني تفضيل جنس على آخر. ويصف النوع الاجتماعي خصائص الرجال والنساء المحدّدة اجتماعيًا، في مقابل تلك المحدّدة بيولوجيًا، والتي يعبّر عنها بلفظ الجنس، وتتغيّر خصائص النوع الاجتماعي بتغير المكان أو الزمان، أو العوامل الاجتماعية والثقافية المتغيّرة والمتنوّعة، كما تختلف الأدوار الاجتماعية من بلد لآخر ومن مجتمع لآخر في نفس البلد، وحتى من حيّ لآخر حسب الثقافة السائدة والعادات والتقاليد والوضع الاقتصادي، كما تؤثر البيئة الاجتماعية على حياة الطفل.  لكن الدراسات الاجتماعية أوضحت عدم ثبات الفروق بين المرأة والرجل باختلاف الأزمنة، وكلّ منهما يقوم بأدوار اجتماعية تتغيّر من زمن لآخر. وقد أثبتت دراسات قامت بها الأمم المتحدة أن تقسيم العمل بين الرجل والمرأة على أساس النوع الاجتماعي، يوضح أن النساء يشتغلن أكثر من الرجال (ثلثي حجم العمل العالمي) ويتقاضين أجرًا زهيدًا (عشر الدخل العالمي)، كما أن التمييز بينهما على نفس الأساس، أي حسب النوع يؤدي إلى تحديد حجم الأجور وأشكال العمل التي يقوم بها كل شخص، وغالبًا ما ينفرد الرجال بمراكز صنع القرار، بينما تلعب النساء دور المنفذ للقرارات.

هكذا يدعو إدخال مفهوم النوع الاجتماعي في عملية التنمية إلى إشراك النساء في عملية التنمية على ألا يقتصر هذا الإشراك على جعلهن أكثر إنتاجية، بل تمكينهن من احتلال المناصب التي يحتلها الرجال، والمشاركة بصورة عادلة في العملية التنموية، من خلال الحصول على دخل يوازي جهد العمل، والقيام بمسؤوليات اجتماعية تعزز قوة المجتمع وقدراته، وذلك قصد تحقيق العدالة الاجتماعية.  ويتطلب إدراج مفهوم النوع ضمن العملية التنموية مراعاة مجموعة من النقط من قبيل:

– عدم استخدام الأفكار المستوردة أو النصائح الجاهزة واحترام خصوصية المجتمع؛

–  تأمين احتياجات النساء على الصعيد العملي؛

– إلغاء القوانين التي تحمل تمييزًا ضد المرأة؛

– مساعدة المرأة على الوصول إلى مراكز صنع القرار وإلى عوامل الإنتاج؛

– تحسين المستوى الاجتماعي والاقتصادي للمرأة؛

– الوعي بأهمية دور المرأة في المجتمع واحترام هذا الدور؛

– ضرورة إشراك النساء في فريق التخطيط والتحضير والتنفيذ للمشروع وأهمية وعيهن بمفهوم النوع؛

– احترام مفهوم التمكين والمشاركة (أي تقوية القدرات الذاتية للمرأة، والقدرة على التعريف بالإرادة واتخاذ القرارات المؤثرة في الحياة).

بهذا، تتمكن المرأة من تحديد مصيرها وتحقيق اختياراتها من أجل دفع عجلة التطور نحو خدمة الإنسان والمجتمع بشكل عام.

4. دراسات النوع الاجتماعي في الجامعات

نظرًا لأهمية دراسات النوع ولضغوطات الحركات النسوية فقد خصّصت بعض الجامعات الغربية والعربية مقاعد دراسية في العلوم الاجتماعية للدراسات النسوية، وتعدّدت الأسماء المقترحة على هذا الحقل الدراسي بتعدّد الحركات النسوية وتطوّرها إلى أن استقرت على اسم دراسات النوع الاجتماعي، وقد ظهرت بداية الأمر في الجامعات الأمريكية في أواخر ستينيات القرن العشرين وتمت صياغتها اقتداء بالدراسات الأمريكية والدراسات العرقية، وتم عقد أول دورة دراسية معتمدة للدراسات النسوية سنة 1969 بجامعة كورنيل، وتم تسطير برنامجين للدراسات النسوية سنة 1970 في كلية سان دييجو وجامعة نيويورك، وفي عام 1972 أصبحت كلية سان لورانس أول مؤسسة تمنح درجات الماجستير في التاريخ النسوي، وتلتها جامعات متعدّدة بإنشاء أقسام وبرامج في الدراسات النسوية إلى سنة 2012 حيث بلغ عدد المؤسسات التي تمنح شواهد الدكتوراه ست عشرة مؤسسة. ويمكن العثور على دورات دراسية في المملكة المتحدة وكندا.  وعلى المستوى العربي هناك عدة دول لها برنامج أو معهد يمنح درجات علمية في دراسات النوع من قبيل فلسطين والأردن والسودان ولبنان ومصر واليمن.

وللإشارة، فقد تكونت دراسات النوع خارج حقل الأدب المقارن، إلا أنه سرعان ما ضمها إليه شأنها شأن كل المجالات التي تنطلق من الاختلاف أو تداخل الاختصاصات لتصبح من مجالاته الأساس.

 

——————-

هوامش

1/ Dorlin, Elsa (2004) , Hermaphrodisme , in D. Lecourt (dir), dictionnaire de la pensée médicale, Paris, PUF, p.568.

2/ Money, John (2000), hermaphosoditism, Ph. D. Thesis, Harvard University, 1952, cité par Anne Fansto-Sterling, Sexing the body, New York, Basic Books, 2000, p. 46. Ma traduction.

3/ C.E. Robert Stoller (1978) , Sex and gender: on the developement of masculinity and fiminity, New york, science house, 1968, trad: recherche sur l’identité sexuelle, Paris. Gallimard.

4/ Money, John and Ehrhardt, Anke A. (1972), Man woman, boy girl, Publisher, Johns Hopkins, University Press.

5/ Lowy , LLana (2003), Intersexualités : les technologies de la médecine et la séparation du sexe biologique du sexe social, in,  les cahiers du genre n° 74, p. 91

6/   Oakley, Ann (1972), sex, gender and society, Londres, Harper, C. cephox Books.

7/ Garret, Gender, S. 1992

- مليكة معطاوي

كلية الآداب والعلوم الإنسانية/الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.