الأحد , 21 يوليو, 2024
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » صورة المرأة بين الرق والأسر والتصوف

صورة المرأة بين الرق والأسر والتصوف

الوثيقة والصورة والذاكرة: دراسات في تاريخ المتوسط الإسلامي، أعمال مهداة إلى روح الفقيد عبد الرحمان المودن، تقديم العميد مصطفى الغاشي، تنسيق عبد الحي الخيلي ومحمد الخداري، تطوان-منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2022

 

“لا يأسف أحدنا على شيء لم يملكه قط، فالأسف لا يكون إلا بعد المسرّة، ولا تأتي ذكرى الفرح إلا بعد ترح. إن طبيعة الإنسان أن يكون حراً وأن يرغب في أن يكون حراَ، غير أن من طبيعته أيضاً أن يتطبّع بما تربّى عليه.

يصعب على المرء أن يصدق كيف أن الشعب متى تم إخضاعه يسارع إلى السقوط فجأة في هوة النسيان العميقة لحريته حتى ليمتنع أن يستيقظ لاستعادتها ويقبل على الخدمة بحرية وتلقائية حتى ليظن من يراه أنه لم يخسر حريته بل ربح عبوديته”.

إتيان دولا بواسييه

 

وأنا أتصفح كتاب الوثيقة والصورة والذاكرة: دراسات في تاريخ المتوسط الإسلامي، أدركت أنني أبحر في ماء لا أحسن الغوص فيه، ولذلك ستجدونني أتسلل من نوافذ أخرى ليكون لحضوري بينكم شرعية الكلام.

في القسم الثالث من الكتاب، قضايا من تاريخ المغارب، استوقفتني مقالتان موضوعهما المرأة، أذكر بالخصوص، مقال وفاء المصمودي الأسيرات الأوربيات في بلدان المغارب بين ثلاثية الحرية والاندماج والسلطة (ق 16-18)، ومقال نسرين الصافي التصوف النسوي في المغرب الأقصى من خلال كتاب أنس الفقير وعز الحقير لابن قنفذ. وهما مقالتان تتقاطعان في جعل المرأة (الأسيرة والمتصوفة) موضوعا للبحث التاريخي، وتختلفان في الموضوع وفي الهوية والانتماء (المرأة الأسيرة الأوربية / المرأة المتصوفة المسلمة).

كما استوقفتني مسألة بالغة الأهمية في اعتقادي وهي مسألة الرق ذات الجذور التاريخية المغرقة في القدم، وقد تطرق لهذا الموضوع مقال ماجدة الهاشمي قانون إلغاء الرق في المغرب وتونس بين القرار السياسي والخطاب الديني والواقع الاجتماعي، وأبرر إشارتي إلى هذا المقال رغم أنه لا يتطرق على نحو مباشر لمسألة المرأة الرقيقة إلى أمرين سأتطرق لهما فيما يلي من فقرات.

يعود اختياري لهذا المحور ضمن مجمل المشاركات الأساسية في هذا الكتاب القيم، إلى طرح قضايا وإشكالات ترتبط دائما بالمرأة التي توجد على هامش المجتمع، المرأة الموسومة بالهشاشة والاستكانة والخاضعة لظلم واقعي ولظلم رمزي أهم سماته أن ما يمكن أن تتمتع به من حقوق لا يستقيم إلا إذا كان الرجل متمتعا بالحقوق نفسها فتأتي المرأة في ركابه لتحصل على نفس الامتيازات أو على بعضها. وهذا ما سنشير إليه في فقرة المرأة الأسيرة على سبيل المثال.

1- المرأة في الأسر

خاضت وفاء المصمودي في موضوع مصادره على العموم شحيحة والكتابات فيه نادرة، وقد أشارت إلى ذلك منذ البداية مؤكدة على ندرة الكتابات التي تناولت فئة الإناث من الأسرى مقارنة بالاهتمام الذي حظيت به فئة الذكور. وقد بررت الباحثة هذه الندرة من جهة بقلة الأسيرات الإناث مقارنة بعدد الأسرى الذكور، ومن جهة أخرى بعدم تدوين الأسيرات لتجاربهن في الأسر بعد العودة إلى الأوطان.

غير أنني أود أن أضيف من خلال تصوري الخاص لهذه المسألة في علاقتها من جهة بالمكون التاريخي وبالمكون الثقافي من جهة أخرى، إلى مجموعة من العوامل المتداخلة التي ترجح هذه الندرة، أهمها:

عدم كفاية التوثيق التاريخي بشأن حياة النساء وتجاربهن بصفة عامة، حيث تميل السجلات التاريخية إلى التركيز على الرجال والأحداث السياسية والعسكرية بشكل أكبر من النساء وحياتهن اليومية.

التمييز الجنساني متمثلا في القيود والتحيزات التي تتعلق بالجنس في التوثيق التاريخي، مما يؤدي إلى إهمال تجارب النساء أو تجاهلها. حيث يتم التركيز على تجارب الرجال كأسرى ومقاتلين، بينما يتم تجاهل تجارب النساء الأسيرات.

التقاليد الثقافية: حيث تعتبر قصص النساء وتجاربهن الشخصية في بعض الثقافات أمورًا خاصة وغير مناسبة للتوثيق العام. وقد تكون هناك تحفظات ثقافية تحول دون تسجيل تجارب النساء الأسيرات بشكل كاف.

القيود المجتمعية: فقد تكون هناك قيود مجتمعية وثقافية تحول دون ظهور تجارب النساء الأسيرات في السجون وخلال الحروب بشكل عام. وبالتالي يتعذر على النساء الأسيرات التحدث عن تجاربهن أو قد يكون لهن صعوبة في الوصول إلى الموارد التي تساعدهن على توثيق هذه التجارب.

ولهذه الأسباب مجتمعة يكون مقال وفاء المصمودي إضاءة أساسية لموضوع المرأة في الأسر لا سيما النساء الأوربيات الأسيرات في بلاد المغارب. فمن خلال المعطيات المسهبة والمرجعيات المعتمدة تبين أن المرأة الأسيرة (حالة المرأة الأوربية في بلاد المغارب)، تواجه معضلتين: معضلة الأسر من جهة ومعضلة كونها امرأة من جهة أخرى الشيء الذي يفسر شح المعطيات حول الموضوع كما سلف الذكر، وقد وقف المقال على ذلك حين فصل القول في ثلاث عوامل أساسية تنضاف إلى ما ذكرناه أعلاه وتبرر رأينا في أن هوية الأسيرة باعتبارها امرأة، أمر يُعد في حد ذاته معضلة:

العامل الأول: غياب النساء عن حقل الكتابة عبر التاريخ، حيث بحسب الباحثة ارتبط هذا الغياب بعدم تشجيع المجتمعات الذكورية الأوربية المرأة على الكتابة. مع ذلك فقد عرف القرن الثامن عشر كتابات نسائية عن تجربة الأسر من خلال ما كتبته كل من الهولندية ماريا تيرمتلين (اثنا عشر سنة من الأسر في مكناس 1731 – تم نشر المذكرات سنة 1748) والإنجليزية إليزابيث مارش (سبع سنوات من الأسر في المغرب 1756 – تم نشر المذكرات سنة 1769).

العامل الثاني: المستوى التعليمي والثقافي لمعظم النساء الأسيرات قد كن بدويات تنتمين إلى أوساط اجتماعية متواضعة بجزر السواحل الأوربية وقراها وتجهلن قواعد القراءة والكتابة، وبالتالي فإن الأسيرات القلائل اللواتي تمكن من الكتابة بعد التحرر من الأسر هن من تنتمين على أوساط اجتماعية راقية.

العامل الثالث: يتمثل في غياب أي أثر عن الأسيرات بعد الأسر مما يدفع إلى وضع فرضيتين الأولى أن هاته الأسيرات قد اندمجن في المجتمعات الجديدة عن طريق الزواج والإنجاب والثانية أن تجار النخاسة نقلوهن إلى مناطق أخرى خارج بلاد المغارب.

كل هذه العوامل تفسر كيف أننا لا نتوفر على ما يكفي من المعطيات وتزيد في تأكيد فرضية أن أسر المرأة في حد ذاته معضلة لأن العديد من الكتابات التي تطرقت إلى هذا الموضوع هي عبارة عن كتابات الأسرى الذكور (مثال الأسير الطبيب الذي حكى في مذكراته قصة الأميرة لالة الضاوية إحدى زوجات السلطان سيدي محمد بن عبد الله) أو بعض الرحالة الأوربيين الذين تمكنوا من الدخول إلى قصور الحكام وتمكنوا من الاتصال بالأسيرات وحكي قصصهن فيما بعد، أو كتابات رجال الدين الذين أتوا إلى بلاد المغارب من أجل افتداء الأسرى. (مثال الراهب فيلمون دو لاموت الذي أورد في رحلته قصة الأسيرة الإيرلندية الآنسة دوبورك التي وقعت أسيرة في الجزائر سنة 1719.

من جهة أخرى، يعد المقال وثيقة أساسية في إحاطته بطبيعة الحياة الاجتماعية والسياسية في بلاد المغارب وعلاقتها بكيفيات التعامل مع الأسيرات الأوربيات التي اتسمت عموما بكثير من التفهم والإنسانية وأحيانا التعلق والارتباط بالأسيرة من خلال الزواج والإنجاب. لا ننسى طبعا أن المقال أشار إلى أن تجربة الأسر كانت كذلك تجربة مريرة خصوصا في الحالات التي اعتبرت فيها الأسيرات موضوعا للاستغلال الجنسي ولمتعة الرجال خصوصا إذا كن شابات تتوفر فيهن عناصر الإغراء والجمال وإرضاء رغبات الرجال من أهل المال والسلطة، بينما يتم التخلص من المتقدمات في السن عن طريق البيع أو المبادلة بأسيرات مسلمات في أوربا أو المقايضة بالمال. لم تستثن في ذلك حتى الأسيرات الجميلات إذ كان تحريرهن مقابل مبالغ ضخمة من المال بسبب انتمائهن الاجتماعي إلى طبقات راقية من النبلاء أو من أهل السلطة.

ومن بين الإشارات بالغة الأهمية في هذا السياق أن الأسيرات اللواتي لم يتم تحريرهن وبقوا في بلاد المغارب بسبب الفقر أو تشبث مالكيهن بهن، انقسمن إلى فئتين: الفئة التي اندمجت في المجتمع المغاربي الإسلامي عن طريق الزواج بمسلم أو عن طريق اعتناق الدين الإسلامي، وبالتالي لم يعد يظهر لهن أثر في المصادر التاريخية بعد أن انصهر تاريخهن بتاريخ نساء البلد. أما الفئة الثانية فهي فئة العذارى الأكثر جمالا وشبابا حيث لم يكن يسمح لهن بافتداء أنفسهن فتكون وجهتهن هي قصور الحكام ومنازل الأعيان ويفرض عليهن اعتناق الإسلام والتأقلم مع نمط الحياة الجديد. غير أن الملفت للنظر أن من استطاعت تجاوز درجة الجارية ضمن حريم القصور، حظيت بالزواج من الحاكم وإنجاب الأمراء، وبالتالي كانت حظوتها كبيرة وصلت إلى درجة المشاركة في السلطة والمساعدة في ربط الجسور التجارية والدبلوماسية مع أهلها الأصليين.

فمن جهة زواج الحكام بالجواري جاء في الصفحة 204 أنه “في المغرب وبعد سقوط حصن سانتا كروز في يد السعديين سنة 1541، تم أسر دونا مثيا ابنة حاكم الحصن دوم غثيري دي مونروي، حيث تزوج منها محمد الشيخ السعدي (1540–1557) وعاملها مثل باقي زوجاته إلى أن توفيت بعد سنتين. وتزوج عبد الله الغالب (1557-1574) من أسيرة إسبانية، وتزوج أحمد المنصور (1578-1603) من علجية تدعى للاجوهر، والتي أنجبت له ولدين هما زيدان (1603–1623) ومحمد الشيخ المأمون (1610–1613)، وتزوج زيدان بدوره من إسبانية أنجبت له ابنه محمد الشيخ الأصغر (1636–1654) الذي تزوج بدوره من إسبانيتين. كما أصبحت لالة شهرزاد رابع زوجات السلطان محمد بنعبد الله وأنجبت له ابنه مولاي اليزيد (1790–1792)”.

أما من جهة المشاركة في السلطة فقد استطاعت الأسيرات الذكيات من تبوأ مكانة مرموقة والحصول على مجموعة من الصلاحيات من بينها التدخل من أجل تعزيز علاقات استراتيجية مرتبطة بمنح امتيازات تجارية وتسهيل عقد المعاهدات بيد بلدانهن الأصلية والبلدان التي احتضنتهن. من بينهن نذكر: السلطانة لالة بلقيس زوجة السلطان مولاي إسماعيل والتي كانت في الأصل فتاة انجليزية وقعت في الأسر سنة 1675. “أتقنت لعبة السلطة والمكر” على حد قول الأسير فرنسيس بروكس”. فقد اعتمد عليها السلطان في تحسين العلاقات الإنجليزية المغربية وربط علاقات مع السلطات البريطانية. والأميرة لالة الضاوية، كانت فتاة صقلية وقعت أسيرة في المغرب في سن الثامنة وتزوجها السلطان محمد بن عبد الله بعد اعتناقها الدين الإسلامي، وقد لعبت دورا سياسيا في تحسين العلاقات الدبلوماسية المغربية الإسبانية وكانت تتبادل الرسائل والصور مع ملكة اسبانيا.

إن ما يمكن استنتاجه من هذه الرحلة في عالم الأسيرات الأوربيات في بلاد المغارب، أن وضعية أسر النساء اتسمت بالكثير من التعقيد ذلك أن عوامل كثيرة تدخلت في تحديد مصير المرأة الأسيرة: جمالها وسنها وانتماؤها الطبقي، ولذلك فإن طبيعة حضورها في المجتمع وفي الطبقة التي احتضنتها لم يكن منفصلا عن رؤية يحكمها اللاوعي الجنسي (الجمعي) واعتبار المرأة أولا وأخيرا موضوعا لنظرة جنسية شبقية بغض النظر عن المكانة التي وجدت فيها: جارية كانت أو زوجة رجل من الأعيان أو حتى زوجة حاكم من أهل السلطان. ورغم أن المصادر التاريخية تؤكد بحسب الباحثة إلى أن معظم الأسيرات تمت معاملتهن بما يحفظ لهن الحقوق والكرامة سواء بالحصول على الحرية أو بالزواج وتكوين أسرة في بلاد الأسر، إلا أن خلفية الرق كانت البراديغم الذي طغى على الرؤية التي تشكلت عن المرأة حين تتحول من حرة في بلادها إلى جارية تعصف بها رياح الأهواء الذكورية في بلاد الأسر. وهذا الأمر يعكس في اعتقادنا منظور شرعنة الرق بالنسبة للرجال والنساء باعتباره رأسمال لا يخالف الأعراف والشرائع ويجيزه المنظور الفقهي كما سنشير إلى ذلك في الفقرة الموالية.

2- المرأة الرقيقة أو العبودية في اللاوعي البشري الجمعي

جاء في خاتمة مقال ماجدة الهاشمي ما يلي “جاء إلغاء الرق في سياق دولي شهدت معه أوروبا توسعا لأفكار التحرر منذ نهاية القرن الثامن عشر. وارتبط في بعض بلدان العالم الإسلامي في أواسط القرن التاسع عشر بالتيارات الإصلاحية، وهكذا فقد استجابت تونس لموجة تحررية كبرى انطلقت منذ انعقاد مؤتمر فيينا في 1815، بهدف منع تجارة الرقيق. وجاء قرار الباي في 1846 في هذا الصدد محققا السبق. وعلى الرغم من الصعوبات التي اعترضت التجربة التونسية في إلغاء الرق، فهي تبقى متفردة في الوقت الذي كان المغرب يماطل من أجل تنزيل هذا القرار، وانتظر إلى سنة 1922 كي تتجلى الرغبة في وضع حد لمؤسسة العبودية”. (ص. 234).

تطرح هذه الخلاصة عدة إشكالات تتصل بوضعية الرق عموما، وثانيا بالموقف الفقهي من الرق على مر العصور وثالثا بالموقف المخزني المغربي ورابعا بوضعية المرأة في كل ذلك. وتتبين الأهمية التي يكتسيها هذا المقال في انه كشف النقاب عن وضعية معقدة لم تحسم بسهولة على مر العصور وربما ما زالت لم تحسم بشكل نهائي لسببين أولهما أن فكرة العبودية متجذرة في اللاوعي البشري منذ غابر العصور ومازالت متجذرة فيه وفي السلوكات البشرية تجاه الآخر رغم أنها انتهت بالصيغة التي عرفت بها إلى حدود منتصف القرن العشرين، وثانيهما أن ألفة الحياة داخل وضعية العبودية تؤدي بالمستعبد إلى استحلاء الوضع لتصير عبودية مختارة على حد قول دو لابواسييه وتستقر الاستكانة في هذا الوضع إذا كان القوت والأمان فيه مضمونا ويتشكل عند المستعبد وعي فردي بتقبل الرق سواء كان حقيقيا أم رمزيا كما هو حال معظم شعوب الأرض.

بغض النظر عن الإشارات التاريخية حول مسار إلغاء الرق على المستوى الدولي والنقاش القانوني الذي رافق ذلك بكل من فرنسا القرن الثامن عشر والولايات المتحدة الأمريكية القرن التاسع عشر ثم قضية إلغاء الرق في ميثاق عصبة الأمم، فإن أهمية هذا المقال تعود في اعتقادي إلى أمرين: أولهما المراحل التي عرفها النقاش حول إلغاء الرق في كل من المغرب وتونس والذي لم يكن أمرا يسيرا لأنه ارتبط بتصور متجذر في اللاوعي والممارسات والتي كانت ترى في الرق أمرا مشروعا. من ذلك مثلا موقف السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام الذي اعتبر الضغوط الأوروبية على المخزن بشأن إلغاء الرق أمرا غير مبرر، وقد ظهر ذلك بوضوح في الرسالة التي بعثها إلى أحد أعوانه قائلا: “لقد بلغ إلى علمنا أن أربعة من الضباط قد وصلوا من لندن متجهين إلى طنجة، يحملون كتابا من الجمعيات الإنجليزية والفرنسية ويطلبون المثول بين أيدينا حتى نقطع الوعد بعدم بيع أو شراء العبيد. فإن جاؤوا وبأيديهم كتب فابعث بها إلى مقامنا الشريف، أما هم فاحتفظ بهم هناك لأنهم أناس أذكياء وثاقبو الذهن، فلا يجب تركهم يجوبون إيالتنا الشريفة. كما لا يجب أن يحشر طغاتهم أنوفهم فيما لا يعنيهم من هذا الأمر، وهذا راجع لفضولهم الزائد…”. بالطبع رفض المخزن الانصياع لهذه الضغوط واستمرت النخاسة وفقا لتصور معين لحرية التجارة الداخلية. وهنا ثاني الأمرين، ذلك أن التشبث بمبدأ الاسترقاق لم يكن معزولا عن رؤية دينية تلجأ إلى مقتضيات الشريعة الإسلامية، ذلك أن الرق وفق المنظور الفقهي “يتحدد كوضعية استثنائية، فالأصل في الإنسان هو الحرية ولا يجوز استرقاق الإنسان إلا إذا توفر فيه شرطان: الولادة في الرق أو الأسر في الحرب. ومن الناحية الشرعية لا يوجد عبد مسلم إلا من ولد في هذه الوضعية، أو من كان في وضعية الرق قبل اعتناق الإسلام. (…) ويجوز استرقاق الأسير إذا توفرت فيه صفتان: الكفر والحرب، سواء كان محاربا بنفسه أو تابعا لمحارب. وقد اتفق على جواز استرقاق الأسرى من أهل الكتاب، الذين اشتركوا في حرب المسلمين، وكذا جواز استرقاق النساء والأطفال سواء من كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين الوثنيين عربا أو غير عرب” (ص. 224).

لم يطرح المقال مسألة استرقاق المرأة مباشرة، لكنه قدم أكثر من إشارة دالة على ذلك، في سياق موسع يشمل المرأة والرجل. ففي الصفحة 223 تمت الإشارة إلى ما صاحب عمليات البيع من ممارسات لا إنسانية كالتفرقة بين الأم وابنها، وفي الصفحة 225 بشأن جواز استرقاق النساء والأطفال أثناء الحروب، ثم في الصفحتين 230 و231 في سياق الصعوبات التي رافقت إجراءات القضاء على الرق، منها أن منع الرق اقتصر على منع المتاجرة بالرقيق، ولم يستطع الوصول إلى الرقيق المنزلي لحرمة فضاء البيت في المجتمع، ولكون قانون المنع لم يجرم ملكية العبيد، ولم ينص على أية عقوبة في حق مالكي العبيد.

أما ما يبدو لافتا للانتباه في هذا السياق، أن “وضعية الرقيق المحررين لم تشهد تغيرا يذكر خاصة في صفوف الإماء، وعدد من الرجال الذين ظلوا يعيشون كموالي للأسر التي امتلكتهم لسنوات، وذلك لصعوبة الاندماج في مجتمعات لا مكان فيها لأفراد منسلخين عن مجتمعاتهم الأصلية”.

رغم أن هذا لمقال طرح إشكالات واسعة حول النضال الاجتماعي والسياسي والديني والقانوني والتشريعي من أجل القضاء على الرق دون أن يكون للمرأة حيز مخصص للحديث عن هذا الأمر، فإن ما نقرؤه بين سطور هذا المقال من إشارات تخص المرأة الأمة الرقيقة، تعكس نفس الانطباعات التي تشكلت لدينا منذ الحديث عن المرأة الأسيرة، ألا وهي وضعية الهشاشة التي اتسمت بها والتي جعلتها من أكثر الفئات تعرضا للمعاناة وطمس الهوية والذوبان في مجتمع الاستقبال حتى وإن تمتعت بالحرية الشكلية بعد إلغاء الرق نهائيا في كل من المغرب وتونس.

إن ما طرحه المقالان من قضايا يمكن أن يفتح حولها نقاشا واسعا لا فقط من وجهة التاريخ والمسارات التاريخية التي وسمت انتقال المرأة من وضعية إلى أخرى في ظل مجتمعات متحولة، بل وأيضا من خلال الرق الرمزي الذي ما زالت تعاني منه المرأة في وضعيات مختلفة وتحت مسميات لا حصر لها.

3- المرأة وتجربة التصوف: التصوف النسوي بين خاصية الحرية ورمزية الأسر

ما هي العوامل الذاتية والموضوعية التي تدفع بالمرأة إلى تجربة التصوف؟وكيف تتحول المرأة من عابدة زاهدة إلى جامعة في إطار تجربة التصوف النسوي بين الزهد والانقطاع والتمتع بالسلطة؟(إنها السلطة الرمزيةوأحيانا الفعلية للنساء الصوفيات).

هي أسئلة طرحتها وانا أقرأ مقال نسرين الصافي الذي قدمت فيه صورة عن التصوف النسوي من خلال كتاب ابن قنفذ أنس الفقير وعز الحقير.

ذكر ابن قنفذ في كتابه نساء صالحات: (الفترة المرينية)

فاطمة الأندلسية (الحرة الصالحة)

مؤمنة التلمسانية (المرأة الصالحة)

فاطمة زوجة الشيخ عبد الواحد الصنهاجي (الحرة الصالحة فاطمة)

عزيزة السكسوية(الحرة الصالحة)

يمكن تلخيص أهم الخصائص المذكورة في صفات الحرية والصلاح والتأثير في محيط الرجال النساء بما في ذلك المشاركة السياسية والنفوذ والسلطة داخل المجال الجغرافي الذي تنتمين إليه، صفة العلم والدراية، المقام العالي في الطريق الصوفي، الولاية والزهد والتقوى، الاتصاف بالكرامات.

ما يقدمه كتاب ابن قنفذ لا يتجاوز مجموعة من المعطيات حول ما تتصف به هاته النسوة المتصوفات وطقوس حياتهن اليومية والاجتماعية وحدود مشاركتهن في الحياة العامة. فضلا عن ذلك فإن ثلاثة من سبع نساء مجهولات الاسم. غير أن اللافت للنظر أن ابن قنفذ في حديثه عن المتصوفات الأربعة المعلومات الاسم (ومنهن من كانت له بها وبزوجها صلة ود وصداقة مثل فاطمة زوجة الشيخ عبد الواحد الصنهاجي أو من كانت أقامت في بيته أياما مثل مؤمنة التلمسانية) وصفهن جميعا بالحرائر الصالحات، وكأن صفة الزهد لم ترتبط في الممارسة الصوفية بالنساء الجواري، وهو ما قد يفيد أن وضعية العبودية منعت أن ترتقي الجواري درجة بلوغ مقام الزهد والصلاح وبقيت هذه الصفة حكرا على النساء الحرائر، مع أن  هناك من يدحض الفرضية، ويؤكد أنه كانت هناك جواري متصوفات، وهو أمر يحتاج الخوض فيه إلى سياق آخر من البحث والتقصي.

الملاحظة العامة التي يمكن استنتاجها دون أن تكون واردة في الكتاب، أن المعطيات المتوفرة عن تجربة التصوف النسوي انتقلت عبر العصور من خلال المرويات المتفرقة في الكتب التي ألفها الذكور، ورغم أن المتصوفات المعروفات في التاريخ مثل الأميرة الأغلبية مهرية وعائشة المنوبية وعزيزة السكسوية كن متعلمات قارئات حافظات بل وفي بعض الأحيان ساهمن في الحياة السياسية وخطب ودهن ملوك وأمراء وكانت لهن مشاركات في اتخاذ القرار بما في ذلك القرارات العسكرية، إلا أنه لم يثبت أن واحدة منهن أقبلت على الكتابة والتأليف.

ما يستفاد من هذه المعطيات أن المرأة المتصوفة لم تكن تختلف في زهدها وورعها عن باقي النساء في نوعية حياتها الاجتماعية، ما عدا المتصوفات اللواتي عرفن بقربهن من دوائر الحكم والسلطة، فكانت لهن المكانة المرموقة في المجتمع. فضلا عن ذلك، كانت صفة المرأة المتصوفة مقرونة بالتحرر من العبودية. وهنا أطرح سؤالا يحتاج إلى نقاش واسع: ألم تكن تجربة التصوف النسوي بشكل من الأشكال هي الأخرى نوعا من الأسر الرمزي في دوائر مكانية مغلقة وفي بنية ذهنية كانت في حالات كثيرة تعزل المرأة عن واقعها باستثناء من جمعن بين التصوف والسلطة؟

خلاصات

كان الهدف من رحلتنا فيما كتب عن المرأة (الأسيرة أو الرقيقة أو المتصوفة)، إيجاد خيوط جامعة بين تجارب من حياة النساء في هذه الفترة من تاريخ المغارب جعلتهن في أحايين كثيرة ضحايا مجتمع ذكوري متسلط من جهة، ومنظومة سلطة تجد مبررات سلوكها فيما يتيحه الفقه من فتاوى تحظر وتبيح وتحرم من جهة أخرى.

وقد سعت المقالات التي تشكل مادة هذه المداخلة إلى تقديم صورة عميقة عن واقع المجتمع في تاريخ المتوسط الإسلامي من خلال قضايا مست المرأة إما على نحو مباشر (الأسيرة والمتصوفة) أو على نحو غير مباشر (المرأة في وضعية الرق). تشكل هذه المعطيات ومنهجية طرحها ومناقشتها من طرف كل واحدة من الباحثات الثلاث مادة خصبة من أجل فهم وتمثل المنطق الذي حكم المجتمعات القديمة وجعل المرأة جزءا من نظام يحرك الرجل خيوطه دون قيد أو شرط.

- سعيد الحنصالي

معهد الدراسات والأبحاث للتعريب / جامعة محمد الخامس - الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.