الأحد , 21 يوليو, 2024
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » البحر الأبيض المتوسط: بين المركز والأطراف

البحر الأبيض المتوسط: بين المركز والأطراف

باتريك بوشرون (إشراف)، تاريخ العالم في القرن الخامس عشر، تنسيق الترجمة العربية ومراجعتها وتقديمها لطفي بوشنتوف، الدار البيضاء-مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، سلسلة ترجمات، بيروت-المركز الثقافي للكتاب، 2022، في 1130 صفحة.

 

يعبر هذا الكتاب عن انخراط المؤرخين الفرنسيين في تجربة كتابة التاريخ باعتماد مقاربة أنجلو-سكسونية، تبنتها المدرسة التاريخية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، وهي تتوخى بلورة شاملة لتاريخ العالم تتجاوز النظرة الكلاسيكية التي تحكمها المركزية الأوروبية، وتبرز مساهمات كل مكونات العالم بما فيها الأطراف في بناء وصناعة العولمة، وتطالب بكتابة تاريخ عالمي عادل ومنصف يعطي الكلمة للمجالات غير الأوروبية في كتابة التاريخ، وهي المقاربة التي اصطلح على تسميتها بـ”تاريخ العالم”،كما يمثل مساهمة في التعريف بتصور المدرسة التاريخية الفرنسية لهذه المقاربة.فهو ينطلق من فرضية أن القرن الخامس عشر يمثل مرحلة تشكلت خلالها أول عولمة، إلا أن تصوره للعولمة لا يمت بصلة لتعريفات العولمة الحالية، بل يرى عولمة القرن الخامس عشر عبارة عن مجموعة عولمات تترابط بواسطة حلقات متراصة نتجت عن دينامية عالمية وقديمة تربط عوالم وفضاءات وأزمنة ومعارف ومصائر مستقبلية ممكنة، وتتجاوز النظرة المركزية النابعة من الإحساس بالتفوق التي تجعل أوروبا منطلق هذه العولمة.

إذا كانت الكتابة التاريخية، قبل مدرسة “تاريخ العالم” قد كرست الفكرة القائلة بأن بلدان الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط تمثل مركز صناعة التاريخ، فإن مدرسة “تاريخ العالم” حاولت تغيير تلك النظرة من خلال قراءة مسار عولمة القرن الخامس عشر انطلاقا من الضفة الجنوبية لهذا البحر، لما في ذلك من إعادة الاعتبار لمساهمة هذا الجزء من العالم الإسلامي في تشكيل معالم التاريخ العالمي للقرن الخامس عشر.

تركز هذه الورقة على مساهمة العالم الاسلامي، والمجال المطل على البحر الأبيض المتوسط منه بالتحديد، والمتكون من المغرب والدولة العثمانية، في تشكيل معالم القرن الخامس عشر، خاصة وأن البحر الأبيض المتوسط هو الجزء الوحيد من العالم الذي يلتقي فيه “مركز العالم”، حسب النظرة الأوروبية، والمتمثل في الضفة الشمالية لهذا البحر، والذي انطلقت منه كل المقومات التي ساهمت في بلورة العولمة الأولى من حركة إنسية، ومطبعة، وإصلاح الديني،وفكرة الدولة الحديثة، ومبادرة الاكتشافات الجغرافية، بجنوبه الذي همشته الكتابات الأوروبية، وذلك في محاولة لإبراز حجم مساهمة هذا الفضاء الجغرافي في التحولات التي عرفها العالم على المستويات السياسية والاقتصادية والفكرية خلال القرن الخامس عشر.

وقد ربط هذا الكتاب عولمة القرن الخامس عشر بشخصيتين عالميتين هما تيمورلنك وماجلان، وحصرها زمنيا بين تدشين تيمورلنك لمشروع غزو العالم سنة 1370 ونهاية رحلة ماجلان سنة 1522.

إن تحديد بداية القرن الخامس عشر، أو العولمة الأولى، ببداية تحركات تيمورلنك، الذي يعتبره هذا الكتاب أحد أهم محركات العالم،ارتبط بما أحدثه هذا القائد من تغيير جذري في الأنظمة السياسية في جزء من العالم الإسلامي. كما أن رحلة ماجلان التي شكلت واقعا بيَّن، بما لا مجال للشك فيه، أن العالم محدود الأطراف،بحيث يستطيع الإنسان أن ينطلق فيه من نقطة ما وأن يعود اليها بعد أن يقوم بدورة حول العالم، لم تكن إلا تتويجا لمسار مغامرة الاكتشافات الجغرافية الذي انطلق من مدينة سبتة بعد احتلالها من طرف البرتغال سنة 1415. مما يحيل على أهمية مساهمة العالم الإسلامي في تشكيل عولمة هذا القرن.

إن التركيز على هاتين الشخصيتين له دلالته على مستوى الدور الرمزي الذي لعبتاه في تشكيل معالم القرن الخامس عشر. ففي الوقت الذي تمكنت فيه غزوات تيمورلنك من إحداث تحولات سياسية مست قلب العالم الإسلامي، كانت رحلة ماجلان تحيل على التحول الذي مس طرق ومحاور التجارة العالمية، كما أنها شكلت ثورة ذهنية وثقافية على مستوى تصور الإنسان للعالم الذي يعيش فيه.

تبرز أهمية مساهمة العالم الإسلامي في تشكيل معالم عالم القرن الخامس عشر من خلال تضمين الكتاب لمجموعة من المقالات المتعلقة بهذا المجال،ونخص بالذكر أول مقال من الباب الأول من الكتاب والذي يحمل عنوان “من آسيا الوسطى إلى مصر:العصر التركي” والذي يتطرق لمختلف التحولات السياسية التي انطلقت من آسيا الوسطى والتي أفضت إلى وصول العثمانيين إلى السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط.

إذا كانت الكتابات الأوروبية لا تتصور العالم الإسلامي خلال القرن الخامس عشر سوى ابتداء من اللحظة التي ضغط فيها الأتراك العثمانيون على أبواب أوروبا والبحر الأبيض المتوسط، وأصبحوا يشكلون تهديدا مباشرا لها بعد القضاء على الإمبراطورية البيزنطية والسيطرة على مدينة القسطنطينية سنة 1453، فإن كتاب تاريخ العالم في القرن الخامس عشرلا يعتبر سقوط القسطنطينيةأهم حدث عرفه القرن الخامس عشر، بل يقترح سنة 1370 كبداية لهذا القرن. فلماذا تم اختيار هذا التاريخ بالضبط كمحدد زمني لبداية القرن موضوع الدراسة؟

تحيل سنة 1370على الاضطراب الذي أحدثته تحركات القائد المغولي تيمورلنك غداة تدشينه لمشروعه الإمبراطوري للدولة الإسلامية انطلاقا من آسيا الوسطى، هذا المشروع الذي أقحم مجموعة من القوى الإسلامية من أتراك وتركمان وأتراك مغول في منافسة حول تزعم الأمة الإسلامية خلال القرن الخامس عشر،والتي كانت في مجملها قوى حديثة العهد بالإسلام ودائمة التحرك، بحيث حولت الأراضي التي كانت تشكل قلب العالم الإسلامي إلى حلبة صراع بين تطلعات هؤلاء الحكام.وقد مكَّنت عمليات التخريب، التي دامت نصف قرن، تيمورلنك من الاستيلاء على قلب المجال التركي المغولي المكون من العراق وإيران وبلاد ما وراء النهر، وواصل فتوحاته غربا حيث تسببت حملته على سوريا سنتي1400-1401 في أزمة خانقة للمماليك الذين كانوا قد أسسوا بسوريا والقاهرة دولة تملكت إرث الدولة العباسية، وشكلت الكيان السياسي الأكثر استقرارا والأعظم قوة في العالم الاسلامي منذ منتصف القرن الثالث عشر. كما أغرق انتصاره على العثمانيين في معركة أنقرة سنة1402 السلطنة العثمانية الفتية في دوامة الصراع على العرش بعد وفاة بايزيد الأول، قبل أن تتمكن من تجاوزها وتصبح وريثة المشروع الامبراطوري التيموري في الأراضي الإسلامية.

لا يقتصر هدف هذه الورقة على رصد تحركات تيمورلنك في الأناضول وشرق المتوسط التي أفضت الى سيطرة العثمانيين على المنطقة، أو على رصد الامتداد الجغرافي للإمبراطورية العثمانية،باعتبارها قوة إسلامية عالمية فقط، بقدر ما يحيل هذا التحول السياسي الذي عرفه العالم الإسلامي، والذي امتد إلى البحر الأبيض المتوسط على انتقال الثقل والمبادرة والتأثير والقدرة على صنع الحدث من مركز الإسلام القديم إلى أطرافه، مما يمكن من  تفسير الدينامية التاريخية التي أدت إلى التحولات التي عرفتها الضفة الجنوبية للبحر المتوسط خلال القرن الخامس عشر، ويقدم مادة كافية للمقارنة بين الأنظمة السياسية التي كانت محركا لهذه التحولات، والأسس التي سيرت مؤسسات هذه الدول، والتي أدت إلى نجاح واستمرار تجربة سياسية دون أخرى. والتي تمثلت أهمها في مؤسسة الجيش ونظام ولاية العهد والمشروعية.

– مؤسسة الجيش، ركز الكتاب على طبيعة أصول وتكوين الجيش لدى مختلف القوى المتنافسة على زعامة الأمة الإسلامية في المنطقة، وتأثير ذلك في نجاح أو فشل تجربتها السياسية. ففي الوقت الذي اعتمد فيه تيمورلنك على نخبة عسكرية منحدرة من القبائل الرحل المغول، اعتمدت دولة المماليك في تكوين جيشها على عبيد معظمهم من الشراكسة، تم شراؤهم وتدريبهم على فنون الحرب وتجنيدهم بعد اعتناقهم للدين الإسلامي وإعتاقهم، مما يفسر استمرار قوة دولة المماليك  التي لم تندثر إلا بعد ان تغلبت عليها الدولة العثمانية  التي حذت حذوها، واعتمدت بدورها في تكوين جيشها، إلى جانب الأرستقراطية العسكرية التركمانية المكونة من الغزاة وسلالاتهم، على جيش دخيل مكون من سكان المقاطعات البلقانية الذين تم أسرهم أو جمعهم في إطار “الديوشرمة”، أي ضريبة الدم، التي كانت تفرضها الدولة العثمانية على رعاياها المسيحيين في البلقان، بهدف تكوين جيش قوي مجهول الأصل يدين بالولاء للسلطان العثماني فقط، ومكنها هذا الإجراءمن تفادي قيام  النعرات الطائفية التي قد تنتج عن تعدد القوميات في صفوفه.

– نظام ولاية العهد، أغرقت وفاة تيمورلنك سلالته في مواجهات دامية لمدة طويلة، كانت سببا رئيسيا في فشل مشروعه الإمبراطوري، نتيجة عدم التمكن من الحسم في مسألة انتقال الحكم،في حينتمكن مماليك مصر وسوريا من الحفاظ على استقرار حكمهم، لكون أغلب السلاطين المماليك كانوا من قدماء العبيد الشراكسة الذين تمكنوا من تسلق جميع الرتب العسكرية قبل الوصول الى السلطنة، وشكل عامل الكفاءة المحدد الأساسي للوصول للحكم، ولم يكن لعامل الولادة أو صلة القرابة بالسلطان السابق أية أهمية. الأمر الذي شكل مفتاح الاستقرار الكبير للحكم بهذه الدولة طيلة قرنين من الزمن، قبل أن تتمكن الدولة العثمانية من القضاء عليها، هذه الدولة التي لجأ سلاطينها، منذ القرن الخامس عشر إلى سَن طريقة جد متطرفة من أجل الحفاظ على تماسكهاوحل مشكل ولاية العهد،والتي تمثلت فيعادة قتل أشقاء السلطان.

-المشروعية، شكل البحث عن إضفاء الشرعية على الحكم أحد مقومات الاستقرار السياسي في العالم الإسلامي، فقد استغلت الدولة العثمانية مجموعة من المحطات في تاريخها لإضفاء هذه الصبغة على حكمها. فعلى الجبهة الشرقية، استغلت الاختلاف المذهبي مع الدولة الصفوية والقضاء على المذهب الشيعيلإضفاء الشرعية على حربها على الحدود الإيرانية، كما تطلب شن حرب  على دولة المماليك المسلمة السنية، تهيئة حجة شرعية تسمح بذلك،ووجد سليم الأول (1512-1520)، في طرح مسألة حماية الحرمين الشريفين والأماكن المقدسة التي كانت خلال هذه الفترة معرضة للضغوط البرتغالية التي استفحلت بعد نجاح البرتغاليين في النفاذ  إلى خليج  البصرة  وباتوا على مشارف بر الأماكن المقدسة، وربط هجوماته على المماليك  بدرء الخطر البرتغالي الذي يهدد العالم الإسلامي وخاصة المناطق المقدسة. وبعد معركة مرج دابق أصبح السلطان العثماني سليم الأول يحمل لقب “خادم الحرمين الشريفين”. كان دخول العثمانيين إلى القاهرة يعني إعلان نهاية الحكم المملوكي وبالنتيجة تبعية الحجاز والأماكن المقدسة للدولة العثمانية (1).

تجدر الإشارة إلى أن مسألة مشروعية الحكم لم تطرح داخل المجال العثماني، بل طرحت في موضع آخر في هذا الكتاب داخل فضاء إسلامي آخر وهو المغرب. فالمغرب، وهو البلد الذي يقبع في أقصى شمال غرب العالم الإسلامي، والذي لم يخضع للنفوذ العثماني، حضي ضمن هذا الكتاب بمقال يتعلق بمسألة مشروعية الحكم وقد تعلق الأمر باندلاع ثورة الشرفاء بفاس سنة 1465، باعتبارها حدثا بارزا يندرج ضمن تحولات القرن 15، وهي الثورة التي مهدت للتحول الذي طرأ على طبيعة الدولة في المغرب في القرن الموالي بوصول السعديين لحكم المغرب، بحيث أصبح الأصل الشريف مكونا لمشروعية الحاكم التي لم تعد تعتمد على العصبيات القبلية الكبرى ولكن على مشروعية الشرف. هذا الانتقال يعتبر مؤشرا على نهاية العمل بالنظرية الخلدونية فيما يتعلق بنشأة الدولة في الغرب الإسلامي. إلا أن ما لوحظ هو أن إضفاء المشروعية على الحكم لا يصبح مطلبا أساسيا في العالم الإسلامي إلا عندما يدب الضعف في جسم الدولة.فمسألة المشروعية لم تطرح في العهد المريني إلا بعد استيلاء البرتغال على مدينة سبتة، وحاجة السلاطين المرينيين إلى إضفاء المشروعية على حكمهم، باعتبارهم الورثة الشرعيين للسلطة. وهكذا شكلت ثورة 1465 التي أفضت إلى وصول شريف إدريسي إلى الحكم تحولا في تاريخ المغرب(ص. 501).

ونفس الأمر يمكن ملاحظته بالنسبة للعثمانيين الذين كانوا قد عززوا مرتبتهم بإضافة مصطلح ديني منذ أن سيطروا على الأراضي المقدسة، لكن مطلب الخلافة لم يصبح جزءا من الدبلوماسية العثمانية إلا في أواخر القرن الثامن عشر، بعد أن فرضته الظرفية الدولية المرتبطة بتوقيع معاهدة كوجك كينارجه سنة 1774 عقب هزيمة العثمانيينأمام الجيوش الروسية، والتي نصت على أن السلطان هو الخليفة الأسمى للدين الإسلامي.

فشل المشروع السياسي الضخم الذي تبناه تيمورلنك لتأسيس إمبراطورية إسلامية بمجرد وفاته، لكن سلسلة تحركاته الممتدة طيلة أكثر من ربع قرن شكلت الرجة الأولى التي حركت عددا من الأنظمة السياسية في العالم الإسلامي معلنة بذلك عن نهاية مركزية العالم الإسلامي في المنطقة العربية المكونة من مصر وسوريا والحجاز، وقادت الضغوط التي أحدثتها حملاته الإمارة العثمانية للاستقرار بالأناضول، وفسحت لها المجال لتصبح وريثة مشروعه الإمبراطوري التركماني بعد أن تغلبت على باقي القوى المنافسة لها، واستطاعت قيادة العالم الإسلامي وتوسيع مجاله الجغرافي بمنطقة البحر الأبيض المتوسط وخارجها لقرون قادمة.

فبعد أن تمكن العثمانيون من تجاوز مخلفات هزيمة أنقرة، بدأوا بالتوسع في البلقان إلى أن تمكنوا من السيطرة على مدينة القسطنطينية سنة 1453، وواصلوا بعد ذلك توسعهم في الشام ومصر، وقضوا على دولة المماليك بعد أن عرضوها لهزيمتين متتاليتين في كل من مرج دابق بسوريا سنة 1516 والريدانية بالقاهرة سنة 1517. وقد اعتبر القضاء على دولة المماليك حدثا لا يقل أهمية عن حدث سقوط القسطنطينية، إذ جعل من الدولة العثمانية قوة لا منازع لها في العالم الإسلامي المتوسطي، ومكَّنها من الاستقرار في البحر الأحمر، وفتح لها المجال للتوسع في شمال إفريقيا وشبه جزيرة البلقان. وهكذا استطاعت هذه الإمارة الصغيرة المتقوقعة عند حدود الإمبراطورية البيزنطية أن ترتدي حلة إمبراطورية الإسلام بعد ان أصبحت دولة بلقانية عظمى وقوة رائدة في البحر الأبيض المتوسط الشرقي، هدد توسعها مواقع القوى الغربية بالمشرق.

شكل نجاح الدولة العثمانية في استكمال مشروع تيمورلنك بداية عهد جديد في تاريخ البلاد الإسلامية لم تعد فيه الدولة العثمانية تتحكم في مجالات شاسعة فحسب، بل أصبحت تتحمل مسؤولية الدفاع عن الإسلام والمسلمين، وأصبح الإسلام أكثر من أي وقت مضى يحتل مكانة كبيرة في السياسة العثمانية على الأقل على المستوى الإيديولوجي للدولة. كما شكلت هذه السيطرة إيذانا بتحديث الدولة الإسلامية خلال القرن الخامس عشر في المجال الممتد من آسيا الوسطى إلى مصر، لكون نجاح العثمانيين بالمتوسط لم يكن ليتم لولا استفادتهم من التجارب المنافسة لهم، فتفوق العثمانيين لم يكن سوى نتاج أخذهم عن تجارب أخرى، وقدرتهم على مراكمة المزايا المتباينة لكل واحد من منافسيهم واستخلاص أقصى الفوائد منها، وهو مامكنهم من تحقيق طموح تأسيس دولة إمبراطورية تسيطر على جزء كبير من العالم الإسلامي.  ولم تتنازل عن هذه الريادة إلا عند مطلع القرن العشرين.

على عكس قلب العالم الإسلامي الذي احتدم به الصراع السياسي طيلة القرن الخامس عشر بين قوى إسلامية تنازعت الريادة حول الأراضي المقدسة، فإن هذا الصراع في الجزء الغربي منهشمل الجانب الاقتصادي، وجعل من البحر الأبيض المتوسط مجالا للتنافس التجاري والسياسي بين أوروبا والعالم الإسلامي قاد إلى عولمة تجارية.فالمقال الذي يحمل عنوان: ” البحر الأبيض المتوسط: منافسة جديدة في أسواق العالم القديم” يعرض للتحولات الاقتصادية التي شهدها هذا البحر، وحجم سيطرة البلدان الإسلامية على محاور التجارة العالمية المارة منه، ودور التنافس التجاري في نقل الثقل الاقتصادي من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلسي.

فإلى حدود القرن الرابع عشر سيطرت القوى الأوروبية، رغم التجزئة السياسية التي كانت تعرفها،على التجارة في هذا البحر، حيث استطاعت المدن-الدول الإيطالية، خاصة الجمهوريتان البحريتان جنوة والبندقية، والممالك الإسبانية، خلق فضاء تجاري في البحر الأبيض المتوسط وغزو الأسواق اعتمادا على قوة أساطيلها، ونشاط دبلوماسيتها، وتأسيسها لمجال استعماري خلق للتجار ظروفا ملائمة للإقامة والمتاجرة، ومكنها من السيطرة على أهم الممرات البحرية لطريق الشرق.

وفي المقابل، لم يدعم المماليك بالمشرق سياسة التوسع البحري واكتفوا بتشجيع التجار اللاتين على الحضور إلى موانئ مصر وسوريا التي كانت تشهد دينامية اقتصادية مهمة. كما لم تنجح جهود خلفاء الموحدين غربا في الحد من تفوق الأوروبيين، فاكتفوا بالتركيز على المراقبة الضيقة للأنشطة التجارية في الموانئ التي تحكموا فيها، والعمل على تسهيل حضور سفن الأوروبيين إليها والاستفادة من العائدات الضريبية التي يجنونها من وراء هذه المراقبة. وهكذا بدا البحر الأبيض المتوسط مجالا أساسيا للمبادلات، يربط أسواق الشرق بالغرب، ومثل التجار الأوروبيون الفاعلين الأساسيين فيه وداخل شبكات تمتد إلى مجمل العالم المعروف. لكنالمستجد فيهذه الجغرافيا السياسية المتوسطية في مطلع القرن الخامس عشرتمثل في بزوغ القوة الإسلامية العثمانية التي هددتوسعهاالإمبراطورية البيزنطية ومواقع القوى الغربية بالمشرق. ومنذ ذلك الوقت،أصبح القرن الخامس عشر بالنسبة للمتوسط موسوما بانقلاب جديد في توازن القوى، وذلك بعد فترة مفتوحة على القرنين 11 و12 شهدت غلبة اللاتين للقوة الإسلامية في البحر.

ببزوغ القوة العثمانية في مطلع القرن الخامس عشر التي جعلت من الجهاد في منطقة البحر الأبيض المتوسط أحد أسس سياستها ومشروعيتها، أصبح هذا البحر مجالا لصراع كبير بين المسيحية والإسلام، مما هدد الإمبراطورية البيزنطية ومواقع القوى الغربية بالشرق. فقد أدى زحف العثمانيين غربا وسيطرتهم على معظم الجزر المتوسطية، إلى تراجع الممتلكات اللاتينية وفقدان الجمهوريات البحرية لأهم مراكزها التجارية بالمتوسط، واضطرت هذه الجمهوريات لتوقيع مجموعة من الاتفاقيات مع الأسياد الجدد من أجل المحافظة على مصالحها بالمنطقة، حيث عمل الجنويون والبنادقة على الحصول على فرمانات تنص على منحهم امتيازات تمكنهم من التجارة البحرية.

كما شكلت المنافسة بين الدول الأوروبية على الحفاظ على مصالحها التجارية ومراقبة طرق التجارة الكبرى الدولية أهم المعايير التي رسمت معالم العلاقات بين ضفتي المتوسط، وساهمت بشكل أو بآخر في عولمة الأنشطة التجارية به، فقد تسببت الصراعات بين الدول المسيحية بالبحر المتوسط، خاصة في حوضه الشرقي، حول توسيع مجالها الاستعماري، في صرفها عن التصدي للقوى الإسلامية.وبالرغم من نداءات البابوية المتكررة الساعية لتعزيز وحدة  العالم المسيحي إلاأن جهودها فشلت في إحياء روح الحرب الصليبية، ولم تستجب للنداء سوى القوى البلقانية المهددة بشكل مباشر بالخطر العثماني، وغاب دعم أساطيل الجمهوريات  البحرية،خاصة جمهوريتي جنوة  والبندقية اللتين فضلتا الحفاظ على مكانتهما التجارية والتعامل مع المماليك والعثمانيين عن الاهتمام بدعوات المساهمة في الحرب المقدسة،خاصة بعد الاندفاع العثماني في البلقان وتبني العثمانيين لخطة الجهاد الهجومي في النصف الثاني من القرن، مما مكنهم من الحصول على موقع قدم بالبلقان، وأصبح بذلك الباب مفتوحا أمامهمللاستيلاء على بعض ممتلكات ومراكز جنوة والبندقية. وهكذا أصبحت القوة العثمانية جلية في البحر الأبيض المتوسط الشرقي، بل وبدأت تتأكد في الحوض الغربي،وسيطر العثمانيون خلال بضع سنوات على معظم الساحل المغاربي، بعد أن أرسل العثمانيون أساطيلهم بسرعة إلى غرب المتوسط، وتبنوا سياسة جهادية خاصة ضد الإسبان، بأن أعطوا دفعة قوية لنشاط القرصنة مما تسبب في عرقلة النشاط التجاري الأوروبي بهذا البحر.

أصبح العثمانيون يتحكمون في مجال هام بالنسبة للتجارة العالمية.فبالرغم من تحول الطرق التجارية خلال القرن السادس عشر، فإن الشرق استمر في لعب دور الوساطة، وحافظت التجارة البرية على أهميتها نظرا لقصر مسافاتها مقارنة مع الطرق البحرية، خاصة في ظل توفر شروط الأمن والسلامة.

إن هذا التراجع النسبي للبحر المتوسط مقارنة مع المجالات الأطلسية لا يخفي حقيقة أن هذا البحر عرف دينامية اقتصادية ملحوظة خلال القرن الخامس عشر، باستفادته من موقعه المركزي داخل الشبكات الأوروبية والإفريقية والآسيوية التي ساهم في الربط بينها. وإذا كان الأوروبيون يعتبرون الفاعل الأساسي فيها، فقد ظلوا بعيدين عن السيطرة عن مجموع المجال المتوسطي. ذلك أن قوة المماليك في سوريا ومصر والقوة العثمانية الصاعدة بالأساس لم تقتصر على إعاقة التوسع التجاري الأوروبي نحو المشرق وطريق التوابل، بل أدت أيضا إلى انحصار ذلك المجال وتحويل الاستثمارات نحو الغرب والمحيط الأطلسي، مما أدى إلى حدوث تدافع وتحرك مراكز ثقل الأنشطة الاقتصادية الأوروبية نحو الغرب، وتم تعزيز جاذبية المجال الأطلسي، الذي اهتم به البرتغال منذ وقت مبكر، وبالضبط منذ احتلال مدينة سبتة سنة 1415.

لعب المغرب أيضا دورا في التحولات الاقتصادية خلال القرن الخامس عشر، وشكل مجالا مركزيا في عولمة المبادلات التجارية. فعلى الرغم من كون سنة 1492 تعتبر أهم منعطف في القرن الخامس عشر، وإيذانا ببداية الفترة الحديثة بعد وصول كريستوف كولومب إلى العالم الجديد، فإن الإرهاصات الأولى لمغامرة الاكتشافات الجغرافية انطلقت من المغرب، إذ كانت نقطة انطلاقها هي مدينة سبتة التي كانت باب إفريقيا على أوروبا. ففي سنة 1415 احتل البرتغال سبتة التي كانت ميناء متوسطيا تصل إليه القوافل من عمق الصحراء محملة بالذهب والعبيد، وانطلاقا منها دشنت موجة احتلال المدن المغربية المطلة على المحيط الأطلسي، والتي واصل البرتغاليون بعدها طريقهم نحو الشواطئ الإفريقية عبر المحيط الأطلسي بهدف البحث عن طرق بحرية جديدة نحو الهند والتحكم في الأنشطة التجارية.وهكذا أصبح المحيط الهندي خاضعا للمراقبة البرتغالية، وشكل استقرار البرتغاليين ببعض الجزر وسط المحيط الأطلسي المؤشر لميلاد أول منظومة كولونيالية ارتبطت بتوسع تجارة العبيد (2).

نلاحظ أن التنافس بين القوى المطلة على ضفتي المتوسط لعب دورا محركا إلى حد ما في هذا التاريخ، مما أدى إلى عولمة المبادلات على مستوى العالم المعروف، وبروز اقتصاد عالم يظهر فيه البحر الأبيض المتوسط محورا أساسيا يربط بين الفضاءات التي يوجد بينها.

قدم كتاب العالم في القرن الخامس عشر،عبر مكتبة منتقاة تضم أهم الكتب التي ألفت خلال القرن الخامس عشر،ومثلت رأسمالا حضاريا غنيا، مجموعة من المقالات تعلقت بالعالم الإسلامي وخاصة الجزء المتوسطي منه. اعتبرت هذه المؤلفات كتابات مجددة مؤلفة من طرف مفكرين مسلمين أمثال ابن خلدون، وجلال الدين السيوطي، والحسن الوزان.كان لهذه المؤلفات تأثير فوري في زمنها، وعكست تفاعل مؤلفيها مع زمنهم، وعبرت بشكل واضح عن انخراط العالم الإسلامي ومساهمة مفكريه في تشكيل العولمة اللغوية والفكرية التي انطلقت خلال القرن الخامس.

سيتم التركيز على المقال المخصص لكتاب واحد من هذه الكتب، ويتعلق الأمربكتابكوزموغرافيا وجغرافية إفريقيا للحسن الوزان المعروف بليون الإفريقي.هذا الكتاب الذي يستمد غناه من مجموعة من العناصر، فهو يعكس من جهة المناخ الفكري العام والظرفية الثقافية الاستثنائية التي سادت خلال القرن الخامس عشر،والمتمثلة فيعصر النهضة الأوروبية، حين كانت أوروبا عموما وإيطاليا على الخصوص تعرف غليانا فكريا متميزا، وكان مناخ الرحلات الاستكشافية طاغيا ومؤثرا على ذهنية الإنسان الأوروبي الذي كان شغوفا بجمع المعطيات والكشف عن الأخبار التي تساعده على معرفة العوالم الأخرى خاصة على جزء من العالم الإسلامي، مما دفع البابا ليون العاشر إلى أن يطلب من الوزان كتابته (3). من جهة أخرى يعكس هذا الكتاب تجربة شخصية معولمة بامتياز، تشبعت بثقافة شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط وتأقلمت مع فضاءات ثقافية متنوعة. فالحسن الوزان ولد في غرناطة، ونشأ ودرس في فاس، وتاجر مع إفريقيا، وأرسل سفيرا إلى تلمسان وتونس، وزار مصر وإسطنبول، وعاش أسيرا في مدينة روما، وبها تخلى عن الدين الإسلامي واعتنق الدين المسيحي، وتعلم اللغة الإيطالية وكتب بها مجموعة من المؤلفات يعتبر كتاب كزموغرافيا وجغرافية إفريقيا أشهرها، باعتباره حصيلة تجربة ومشاهدات الحسن الوزان. تناول الوزان كتابه هذا من زاوية المثقف المحنك الذي تنقل عبر الأقطار وكان على وعي بأهمية الرحلات، وهو الدبلوماسي الماهر والعالم المتفتح الذي استطاع بفضل تجربة الأسر التي مكنته من التعرف على أوروبا من الداخل، أن يعيش ويغرف من حضارات وثقافات متعددة من دون أن يظهر عليه أي تميز داخلي، هكذا تسببت السنوات التي قضاها الحسن الوزان في إيطاليا في انبثاق رؤية أكثر اتزانا عن إفريقيا، بحيث أصبح بالإمكان تمثلها كوحدة مجالية ثم كقارة في وقت لاحق. مما جعل من هذا الكتاب المصدر الأساسي لدراسة المغرب خلال العصر الحديث، وما يزال يشكل مادة تاريخية وثقافية تنطلق منها قراءات تستوحى من شواغل معقدة راهنة. كما أن كوزمزغرافيا وجغرافية إفريقيا أعطى بعدا كونيا لمغرب مطلع القرن السادس عشر، فقدم الأوضاع المعيشة في تفاعلاتها الداخلية والخارجية دون إغفاله لظروفها التاريخية القريبة، وقدم صورة جديدة عن إفريقيا تقوض الصورة النمطية التي أنتجت عن هذه القارة، التي اعتبرها الأوروبيون لمدة طويلة موطنا للنقائص.

 

خاتمة

إن تخصيص فصول طويلة للعالم الإسلامي المتوسطي شملت المجالات السياسية والاقتصادية والفكرية، تبرز أهمية هذا المجال ومكانته في كتابة التاريخ العالمي، وبذلك فهذا الكتاب يشكل إعادة اعتبار لمساهمة العالم الإسلامي في تشكيل معالم العالم الحديث، ويمكِّن من التخفيف من رؤية المركزية الأوروبية للمتوسط، وإنصاف لجزئه الإسلامي. مع التنويه بأن محاولة إبعاد الرواية الأوروبية للكتابة التاريخية لا تعني بالضرورة اقتراح رواية مضادة لتاريخ معكوس أو افتراضي، بقدر ما تتوخى تقديما منصفا لهذا التاريخ، يسمح بإعادة النظر في التمثلات التي وُضعت للبحر الابيضالمتوسط، ويمكِّن من تخطي أسطورة المتوسط المهيمنة التي هي من وحي الشمال المتوسطي، وإعادة الأسطورة المتوسطية إلى حجمها الطبيعي، ووضع تصور جديد يأخذ بعين الاعتبار الرحم الحضاري للمنطقة المتوسطية ومسارها التاريخي ضمن التاريخ العالمي. إنها النظرة التي تطلع إليها مؤلفو هذا الكتاب عندما اختاروا الخريطة التي زينت الغلاف، والتي تمثل جزءا من خريطة رسمت سنة 1513 من طرف القبودان باشا بيري رايس بالاعتماد على معطيات حصل عليها من بحار رافق كريستوف كولومب في رحلاته إلى العالم الجديد، وتمكن بذلك هذا الأميرال العثماني من إكمال نظرته التركيبية للعالم المبنية حسب روايته على تجميع عدد من الخرائط البحرية الإيطالية والعربية وبعض كتب الجغرافيا. خريطة الأميرال العثماني بيري رايس تعكس تاريخا يمكن أن ننعته بالتاريخ العالمي، لأنه يتعلق بابتكار عالم بات بالإمكان تصور جميع أجزائه، وقامت هذه الخريطة بذلك اعتمادا على معلومات لم تستقها من مصادر غربية فقط، ومن هنا يؤدي تجاوز المركزية الأوربية إلى فهم أفضل لتاريخ العالم.

 

 

الهوامش:

1-عبد الرحيم بنحادة، العثمانيون المؤسسات والاقتصاد والثقافة،مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2008، ص. 37-38.

2- فتح الله ولعلو، نحن والعولمة.جواب الجنوب، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، 2020، ص 22-23.

3- عبد المجيد قدوري،المغرب وأوروبا ما بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر (مسألة التجاوز)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2000، ص 85-86.

 

 

- وفاء المصمودي

أستاذة باحثة في التاريخ (كليةالآداب والعلوم الإنسانية بالرباط)

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.