الأحد , 21 يوليو, 2024
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » سارد وما سرد: شعرية الازدواج وثنائية القيمة في رواية “عمر الغريب”

سارد وما سرد: شعرية الازدواج وثنائية القيمة في رواية “عمر الغريب”

-سلمى مختار أمانة الله، عمر الغريب، رواية، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء- بيروت، 2022.

مقدمة: لا يسمح تركيب مثل هذا العنوان ببناء أفق لما سيفرزه المخزون الروائي لرواية عمر الغريب، إذ نحيل على شعرية الازدواج في المصطلح النقدي الذي اعتمده ميخائيل باختين لقراءة أنواع التعارض الذي يوجد داخل حدٍّ واحد لتنتج قيمة ثنائية المفعول Ambivalence. بهذا التوظيف الفني  سينفتح صندوق السرد مرة أخرى عند سلمى أمانة الله على تنويع نصي يغني رصيد التجنّس الروائي برواية تبني ذاتها على قاعدة “سارد مسرود Je narrant Je narré”، بمعنى أن الشخصية الرئيسة هي ذات السرد وهي موضوعه، هي تتولى الحكي عن نفسها ومن خلالها يتشكل عالم روائي لعُمر غريب ذاتا موغلة في سرد الأعماق، ذات تفتح -بسردها المتماثل حكائياً- نوافذ تسمح لضمير مضرج بدمائه أن يبصر عالما مضرجا في غلوائه، فتكون حكاية بضمير “أنا-عمر”، ضمن استراتيجية سردية تلصق التجربة بصاحبها وتمنع كل توسط براني  Heterodiégetique قد يعطل تدفقا حميميا وحِمَمِيا يفرغ حمولته على واجهة التلقي.

الخطاب السردي أو المبنى الحكائي محمول على منظور عُمَرٍ غريبٍ لا يفلت زمام السرد من يده، يستجلي ذاته بسخاء غير مقدور سوى لعين بصيرته في لحظة برزخية تسترجع أوجاعها أمام جثة مجندلة لم تكن سوى هي هو نفسه الذي لم يكن أبدا هو هو عند نفسه اعتباريا. كانت “كينونة” تراهن على أن توازي ذاتها الغريبة بالعالم الغريب، عالم أنشأته الكثير من المتواليات السردية المتخلِّلة لنسيج الحكي لقيطا وابن حرام: أي غريبا؟ عالم معتوه يغرق الملايين من الناس في بؤس وضنك ويجني على أحلامهم الأخرى بقبضته العاتية غير عابئ، ففيم يكون اللوم على عمر وقد جنى بخبثه على بضعة أفراد لا يتجاوزون أصابع اليدين، وهو اللقيط وابن الحرام وابن هذا العالم؟

أليس مكرا بالقارئ حدَّ الغرابة أن يُسرد اللؤمُ والخبثُ لتتويج “عمر” بطلا وليس بطلا نقيضا أو مزيفا على الأقل؟ إنه لا شعور النص يتفاعل بالسرد الجواني وينفعل بسلطة أنا سارد مسرود، كي يوائم بين المشاهد ويقيمها على صرح الإكراه نتائج انجراحات مدمرة انغرزت في أعماق باطن غرير مستضعف، ثم تخزنت حِمما شكلها العقل الباطن قذائف تنفجر في وجه كل من صار مقدورا عليه. ستكون الرواية بالنتيجة تمثيلا سرديا لصدى الجناية على البراءة الأولى، صدى سيكولوجيا متماوجا في دروب حكي تتقدم فيه الأنا وسلطة السارد كاملة بيدها، والعالم البراني والجواني معاً يتشكلان بمنظورها. سيعيش السارد غرابته كاملة ميتا في النص يسرد عالما عاش به ما لم يكن يستحق أن يسمّى نصف حياة. ساردا ومسرودا، أدرك واستشعر واستنبط وحكم … أنه هو والعالم معاً بعيدان عن السواء المنشود.

تفتح الرواية مجال التحليل النفسي على مصراعيه، لتستعيد الإغراء الذي يمارسه السرد منذ تجلياته البدائية الأسطورية على علم النفس ليكتشف مزيدا من الرّضوض والعقد وتجلياتها المرضيّة في السلوك اللاحق. فملاحقة العقد السيكولوجية وتحديد بؤرها، يجعل هذا النص عينة نموذجية لفهم تشكل الوعيين الباطن والظاهر بأنساق محكي الكلام (الدييجيزيس) الذي جعل الذات ضحية لا تستقبل في مهد براءتها غير العنف والسب واللعن، وأنساق محكي الأفعال (الميميزيس) التي جعلت الذات موضوع اغتصاب جعل الأمكنة موحشة حتى ولو كانت بجوار بيت الله، وساكنها صاحب طهر مزعوم.

1  سارد بين التشييء والأنسنة

في بيته العامر بالخواء والهباء ضاعت فرص كاملة كي يولد للسارد من نفسه عُمْرُ عُمَرٌ، فنفض المكان من كل شيء جميل إلا من جثته الغافية؛ زوجة جميلة كانت عشقا مطمورا مستحيلا، فصارت حبا دانيا متاحا، لكنه أجهز على عشقه وعلى قلبه، واحتفل بساديته الفظيعة يغتال كل تجاوز ممكن لأغلال الآلام، “عمر” يرفض أن يفك الوثاق عن أمله الذي أطل بكل ناحية من تحولاته اللاحقة، فضيّع حلمه وأقبر احتمالات أن لا يبقى غريبا حين أحاط نفسه بصور ابنه وهو يبعد ابنه من حضنه، لقد تشكل الجرح في نسغه العميق حتى صار جزءا من أناه، تملأ ملفوظاته أحيازا نصية كثيرة يشارك السارد، يقومه، ينصحه، يغويه، يربكه… فلم يسمح لزمان ولا مكان ولا شخص أن يكون ضمادا لنزيفه الأبدي. وفي سلوكه المرضي، ونبذه الانفصامي (السيكوزوريني) لكل تغيّر ممكن نحو الأحسن، خرج عمر من زمانه ومكانه، وكان أولى أن يَفْسَخَ ذاته الجريحة ويلبس المتاح من بدائل الحياة؛ غير أن النصّ جعل البطل متفرّجا على الزمان والمكان يجوبان حياته وهو مترجّل عاجز… لا يملك من قواه الباقية خلف موته الغافي غير السرد مستندا إلى أناه الثانية الشيطان يقدّمان ما كان من أمره ذات عذابات طويلة:

“كيف قرر –الصيف- أن يقتحم علي البيت هكذا بلا استئذان ليكتشف بدهشة عيني المفتوحتين في اللاشيء؟! ليراني وقد صرت جثة هامدة” (ص. 9).

الصيف: يقرر، ويقتحم، ولا يستأذن، ويكتشف، ويرى؛

أما عمر: فلا يرى غير اللاشيء.

في وقت تفعل الذوات في الصيف وتملأ أحيازه بوجودها المتشكل بأمكنتها ونشاطها، فيندمغ الزمان والمكان بفعل الشخصية ليصير زمكانا ( كرونوتوبا Chronotope) حيّا شاغلا بالذات، يصنع السرد في عمر الغريب كرونوتوبا مستحيلا يحتله الزمان شاغرا من صاحبه، فيقتحم الصيف غير عابئ بذات-جثة، ذات لم يسمح لها أن ترى شيئا حتى وهي مبصرة، فكيف وهي معلقة في خواء الأشياء هامدة، يمسكها السرد شاهدة على أنها كانت مجتثة من أمشاج الوجود ورحم الإنسانية قبل أن تصير جثة. لقد أخذت الأشياء من حول عمر فيما سرد كل صفات الإنسان، وحصل هو في كل مقاماته ساردا على صفة شيء.

2 مسرود الانتظار بطعم الجحيم

         “سريالية معقدة رسم خطوطها الأولى طفل صغير لم يتجاوز السابعة من عمره، طفل يجلس في سكون مريب على عتبة مسجد عتيق في انتظار أم لن تعود أبدا. عيناه المتقدتان حيرة وخوفا تمسحان وجوه النسوة في ترقب قلق، وعنقه النحيف لا يتوقف عن الحركة كأنه فقد السيطرة على فقيراته العمودية. رأس صغيرة تدور في كل اتجاه لعلها ترسو على وجه ألفت ملامحه القاسية”. (ص. 16)

“-أمي..أمي

اختفى جلبابها الأحمر بسرعة وسط الزحام…

أغمض النهار عينيه تماما ليعري الليل بأضوائه المتراقصة وأصواته المرعبة؛ كل تلك الهواجس والمخاوف التي كانت تأكل مني على مهل…

كنت أبكي خوفي وجوعي ورهبتي، أبكي بيتا ضاعت مني طريقه، وأُمّا أجبرتني بقسوة على الضياع…

-مالك؟ فين أمك؟ …

  • الكل يسألني بإلحاح عن أمي، ونحيبي يسألهم في هلع عنها” (ص.17).

هذه البؤرة هي “غودو” الذي لن يأتي، وهي التي فجرت السرد، وجعلته نواة شديدة التكثيف والاختزال لكل العلامات السيكولوجية التي ستعبّر عنها مقاطع سردية متنوعة، وتعبُر عليها حقول دلالية لتشييد نسيج الحكي اللاحق ونشيجه. سوف يعيد النص إنتاجها في شكل معادلات معكوسة أو مقلوبة الاتجاه لكل المعاناة والألم والضيم الذي كان يدخل الذات، ليقلب اتجاهه مسلّطا على كل الذوات الأخرى التي سيصادفها. إنه متن نفسنصي/سيكونصي يذكر بالمومس العمياء التي انتهب العابرون جمالها ونسغها الآدمي، قبل أن يلقي بها الازدراء على قارعة النبذ أضيع من ذباب القمامة، وقط الأريكة الشبعان، والخيول المسرّحة من العربات والحقول؛ إنها رحلة الوجع بعد أن تحفز في الذات وصار أمراضا منقولة ومعدية تمخر جداول العروق في رحلة الدم الملوث نحو القلوب المتحجرة بالضغينة:

في كل عرق من عروق رجالها شبحا من الدم واللهيب

شبحا تخطف مقلتيها أمس، من رجل أتاها

سترده هي للرجال، بأنهم قتلوا أباها

وتلقفوها يعبثون بها وما رحموا صباها

3 السارد ووظائفه السردية: التقديم والتقييم

         لم يكن السارد محبوسا في مواجعه، فهو يسرد العالم من حوله، ويشارك في تحليله وتقييمه ليصدر أحكامه وأحيانا حِكَمه مفلسفا وناقدا:

         –“سيظل الجهل مصدرا مضمون المكاسب والأرباح داخل سوق قوامه الخداع والنصب”. (ص. 8)

         –“طريق تسلكه الحوادث كل يوم لتلقي على هوامشه الضيقة جموعا من القتلى والمعطوبين والمتسولين والممسوسين والحشاشين، كتل بشرية ضخمة تعيش على قفا الوقت يقتات منها على السواء النسيان والإهمال، والبعوض والذباب يمتصون دمها على مهل”. (ص. 18).

حتى وهو مضرج بدمائه غارق في انحباسه البرزخي، لا يعطل السرد وظيفتة الأدبية البارزة متمثلة في نقد عينة من المظاهر السلبية التي تتداعى من خلال آلية الوصف الروائي، ومن خلاله يرصد النصّ بذور آلام تتخلق في صرح الإذلال الإنساني بفعل تحضر نتائجه ويغيب فواعله؛ والنص صار محفلا لمحكيات صغرى كثيرة لهذا النوع من الوصف يتشكل بها النسيج الدلالي الكلي للرواية. غير أن خصوصية عمر الغريب السيكو سردية تجعل السارد، حين يستعرض البؤس، لا يعرف أداة لقياسه أوفى من ذاته، فيقيسه، فيشفق عليها ألا تكون طعما للهلاك:

“الغريب أن العجلات الطاحنة لتلك الحياة البائسة لم تتجرأ على دهسي، كما كان يتوقع الحال ويراهن على الوقت، بل ارتأت أن تترك شرف تلك المهمة الدامية لأشواك طريق طويل سأسلكه لاحقا بقلب حاف”. (ص. 18)

قلب حاف! فكيف يتقي أشواك الطريق، قلب يعبر مسالك الحياة ودروبها بلا نعل، هذا القلب القدم سوف يتلمَّظ بحرِّ الأرض وجمرِها، ويتألم بأشواكها ودبابيسها… انزياحات لغوية تستعرض بها الكتابة السردية ألوانا من الشاعرية المساندة لبناء صرح لا تكتمل معالمه الدلالية بدون إزاحة لحاف الدلالة عمّا وراء التعابير من رمزية معتقة؛ جودة التحبير تجعل النص السردي عند سلمى أمانة الله نصا مزدوجا بالسردية والشاعرية، لكنه مزيج محسوبة أقداره حتى لا ينقلب تشكيلا عمائيا بمفردات لا ينبني بها أفق دلالي قابل للتحليل والتأويل، فشرط اعتماد اللغة الشعرية سرديا أن يكون الحكي الشعري جزءا من مملكة السرد وليس نصّا بلا هوية، كما برهن على ذلك جون إيف تاديي في كتابه: “الحكي الشعري” Le récit poétique.  وقد صار هذا السلوك الخطابي عنوانا لتجربتها الإبداعية وسمة مميزة لكتابتها، استمرّ ترسيخه في هذا العمل أيضا صوغا شعريا للغة، وتشبيكا خطابيا شديد الارتباط بمملكة السرد وتوازناتها البنائية والدلالية.

رواية عمر الغريب سرد لا يغادر عين السارد الأنا، ليكشف جزءا من معنى الغرابة وقد صارت نصيا معنى ثابتا وعصيا على الإدراك: السارد ذاته يعرّف أناه ولا يعرفها! في تركيب عجائبي عميق الأثر على إدراك المتلقّي وهو يوشك أن يؤوّل معنى السّارد فيما سرد فيخيب ظنه، لأن النص مصرّ على أن اللاتعريف هو أفضل تعريف ممكن، فأقيسة العالم الجاهزة إدراكات تستسهل عمق المعرفة وسمكها، حتى ولو كان موضوع الإدراك هو الذات:

“دفع بي خارجا مردّدا على لا أحد الذي كنته”. (ص. 31)

هذه البلبلة ناجمة عن غرابة غير مستغربة، لأن النص جعل بينه وبين القارئ ميثاقا نُقِش على لوحة العنوان ليجعل عتبة التلقي تعجل بتوقّعات دلالية تهيّء القارئ لما سيصادفه من مستويات ملفوظية متنوعة، يؤشر مداها العجائبي على أن الشخصية السارد عمر هو فعلا غريب، ومن ذلك:

-إعلان صريح للسارد عن هويته النصية الموسومة بطابع المفارقة والغرابة:

“أن لا أحد يسمعني ولا حتى أنا الميت”.(ص. 9)

– ثم وضع سردي غريب أيضا، جثة تحكي عن نفسها!

“من أخرجني مني؟ من أماتني؟ من قتلني؟” (ص. 10)

أنا ميّت وأنا أسرد!

هذا التكنيك السردي غير مطروق كثيرا، ويحتاج مهارة إبداعية تحسن تدبير العالم السردي من خلال منظور شخصية جثة، وقد وقفت على اعتماد هذا الأسلوب السردي في رواية: رجل طريح بالشارع Un homme est tombé dans la rue.ل Vahé Katcha  والتي صدرت سنة 1975.

سيجعل النص شيئا من الغموض ينقشع من خلال مواكبة تقديم الشخصية بإحداثيات تجعلها منغرسة في تربة الواقع، وعبر توظيف آثار الواقع Effet de réel بمستويين من الإيحاء: إيحاء مكاني يستحضر إحداثية كلية الطب بالدار البيضاء؛ وإيحاء شخصي يستحضر نوعية من النطق الألثغ المعروف لدى من ينطقون الراء غينا. وهذا الاحتيال النصي تشكيل واقعي للشخصية، وغرس لملامحها النصية في أرض الإدراك الواقعي للقارئ، لتكون قابلة للتلقي على الأقل في بعدها المظهري.

ويسترسل السارد الشخصية في تقديم تعريف ضاف عن شخصه مستعملا نوعا من التكثيف الضاغط للمعلومات المقدمة فيما يشبه عملية اختزال دلالي على طريقة الانشطار الافتتاحي Mise en Abyme Inaugurale حيث تقول الحكاية كل شيء قبل أن تبدأ:

“معكم الدكتور عمر الغريب، طبيب مختص في أمغاض النساء والتوليد، حاصل على الدكتوغاه من كلية الطب بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، مطلق وأب لطفل لا أعرفه، يغتبط اسمه بي وتربطني به حكايات طويلة، قضايا شائكة بالمحاكم وحوالات بنكية غير منتظمة. ألثغ، أنطق الراء غينا وأعاني من تبوّل لا إغادي، أقصد: لا إرادي”. (ص. 12)

ثم ندرك أن النص ما زال مخاتلا، لا يكشف من الشخصية إلا قشرة رفيعة هي مدلول أولي مظهري يتحد بدالّها (عمر) سيميائيا، هذا هو عمر الرّسم أو المظهر، لكن هل هذا المستوى المدلولي الأول يمكن أن يشكّل حافزا لاستقطاب كل هذه المتواليات السردية؟ طبعا لا؛ لأن المستوى المدلولي الثاني المطلوب استقصاء تفاصيله هو عمر المَخْبَر أو المدلول الجوهري، وهو الذي تشكلت بعض معالمه في ملفوظ يختزل كل هذا الكون السردي في تضاعيفه العميقة، إنه “مَلَكُ الآثام”، هو موضوع التبئير الذي انشغل النص ببث علاماته وأنشأ من أجله هذا الكون السردي، وهو الغريب المتواري خلف عمر أو الذي يسكن عمر بالاستعمال الشعبي لمعنى “المسكون”:

“انتصب فزعا حين أدار عنقه يسارا لينهي صلاته بالسلام على ملك الآثام والذنوب، ليجدني واقفا أمامه.

-بسم الله الرحمن الرحيـــــم.. من أنت؟”. (ص. 38)

انشطار افتتاحي ستؤكده المتواليات السردية اللاحقة؛ كل الملفوظات الواردة في هذا النص كوحدات معجمية محدودة، ستصير متواليات يمددها السرد ويحولها محكيات تجيب على تطلعات القارئ إلى معرفة مقاصد هذا السرد الاستباقي.

سوف يستمتع السارد بسلطته السردية، وقد خوله النص زمام الحكي، فصار يقدّم ويقيم ويسخر، وينتقل بين محكي الكلام ومحكي الأفكار، عارفا بدواخل الشخوص، يحلل مزاجها وتكوينها السيكولوجي هي الأخرى، ليجعل ثنائية القيمة مبدأ كشفها وتعريتها نصيا، كما هو الحال مع إمام المسجد:

“عمل يقوم به على أحسن وجه بصوته الرخيم، وحسن أدائه لتلاوة القرآن…ذاع صيته فأصبح مسجده قبلة للجموع الغفيرة خصوصا في شهر رمضان؛ حيث يزدحم الطلب على الله كما على حلوى الشباكية المعسلة”. (ص. 27)

هذا التقديم للقيمة الأولى البرانية، سوف يردُفه تقديم آخر لقيمة ثانية جوانية، يسمح النص للسارد بالعبور إليها على متن قدرته الوظيفية لالتقاط هواجس الأعماق، والتسلل إلى باطن الشخصية لإسماع رنينه الداخلي وإبراز حقيقته الأخرى الكامنة خلف مظهره الذي يحرص على تلميعه، إنها ثنائية المظهر Paraitre والمخبر Etre كما حددها تودوروف.

لم يكن إحسانا حقيقيا ولا حماية لعمر من النبذ والانتراك كما تجلى في محكي كلام الفقيه، بل رياء كشفه محكي داخلي حريص على النجاة من الألسن القاذعة، فاندفع الجبن يلفّق بطولة مزيفة علّه يُتوّج ذاته بصلاح موهوم، فكان محكي الفقيه اختبارا آخر لبؤس العالم، جعل الأخير باغتصابه يزيد سمك الضغينة في قلب عمر، ويسد كوّة أمل جهيض.

وتستمر ثنائية الحد عبر اشتباك الأعلى والأسفل، ليفرز النص مفعول الاستكانة لثقافة التدني اشتغالا وانشغالا بثقافة البطن والفرج والأسفل: الجهل ولتهاوي؛ على حساب الرأس والرّوح والأعلى: العلم والتسامي. لقد قام ميخائيل باختين في تحليله لأعمال فرانسوا رابلي بفهم ثقافة القرون الوسطى ومثبطاتها، مكتشفا أنوية تيماتية وفنية ستشكل جينات لتشكل الكتابة الروائية على أساس فهم الوضيع، أما الرفيع فله علوم أخرى تحاوره. كذلك استعمل النص مجهره الوظيفي للوقوف على المكونات الميكروسكوبية لرمزية الانغماس المفرط في متطلبات البطن:

“وأنا لا أفكر إلا في عدد الخبزات التي يمكن أن يكون قد أكلها هذا الرجل لتنتفخ كرشه إلى هذا الحد”. (ص. 30)

فأسفر التشخيص الموضعي للاستجلاء الداخلي والخارجي لشخصية الفقيه عن أبعاد يمكن تمديدها بالغياب المثقل بالمعنى كما يسميه لوتمان لنفهم معنى شكلانية التدين بواسطة أدوات الرواية المعرفية:

“حكى لي بتفصيل عن تلك النار المشتعلة التي يرمي فيها الله كل من يخالف أوامره … تذكرت سطل الحديد وتلك اليد التي لا ترحم …

-هل الله أقسى من أمي؟

-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. نُوضْ نُوضْ أَلْبَرْهُوشْ مَنْ حْدَايا نْتَا ماشِي لَلنّارْ نِيشانْ … ركلني بقوة وهو يطلب مني أن أحمل له إبريق الشاي من على المجمر الملتهب”. (ص. 32)

في هذا السياق الحكائي حيث تشتغل تقنية التجاور البنائي للحم عناصر المركّب السردي داخل بنية النار واللهب والعذاب: الله كما صوره الفقيه، الأم كما قدمها سارد سابق، الفقيه كما يقدمه سرد آني؛ وداخل هذه الدوائر الدلالية يكون السؤال الوحيد المتاح لعمر هو: أيها أقسى وأشد عذابا؟  أما الله فهو أرحم الراحمين؛ أما الأم فلم تكن أُمّا؛ أَمّا الفقيه فله بطاقة شخصية عبّأها السرد على لسان السارد لتكون موضوع اختبار ومعايشة نصية:

“روضني كما يُروَّض حيوان بري على حلبة سيرك وقضبان قفص. روضني على آدمية لا إنسانية فيها…”. (ص. 33)

4 بين الرحلة والتيه:

بالاغتصاب نشأ التوتر بين الذات والمكان، صار الفضاء الهنا غريما نابذا، أكره الشخصية السارد على البحث عن الانعتاق والميلاد الجديد في الفضاء الهناك، فنشأت الرحلة النصية تيها. كما هو ثابت في الكثير من الأعمال الروائية، ينفصل البطل عن فضائه بسبب القهر، ليشتغل ميكانيزم الطرد عبر الخوف والاختناق، ثم البحث عن الخلاص في ضفة أخرى كما جسد ذلك نجيب محفوظ في روايته رحلة ابن فطومة. أما عمر فلم تكن رحلة تلك التي اندفع في سديمها ولم يُرتّب وجهتها ولا أعد متطلباتها، بل هاربا هائما نحو وجهة غير معلومة؛ إنه التيه لايخطئ القارئ طبيعته، ولا النص يخطئ تشخيصه وتعيينه بملفوظ صريح من السارد المعنيّ به:

“إحساس بالتيه دفعني للسير في اتجاه تلك الشاحنة البعيدة …”. (ص. 37)

البحث عن الأمان في مكان بلا شائبة، واحة راحة، أو إلدورادو، بتعبير جورج صاند، تستروح فيه الذات لذة التساكن والانسجام. كان ذلك ممكنا لو أن عمر لا يحمل روحا عُجنت بالكَدَر والشوائب والرّضوض، فلا فضاء في الآفاق يستطيع أن يستوعب فضاء الأعماق الملتهبة، وشم النار على جدار القلب ندبة لا تمسحها الأمكنة ولا الأزمنة ولا التحولات ولا التطور ولا النجاحات… حقيقة نصّية يكشفها السارد وهو يمدد وظيفة التقييم لتطول ذاته تحت مِجْهر السرد، فيخرج له حكم يدرك نتائجه ولا يدرك الطريق للفكاك منه:

قمعك لذاتك ولو مضطرا؛ أقسى من عقاب غيرك لها”. (ص. 19)

إنها شخصية عمر بتجلياتها واستجلاءاتها السيكوسردية تصير تمظهرا فنّيا برعت الرواية أكثر من أي عمل روائي آخر في جعلها “أنا” في وجه أناها وأنينها، “أنا” عاجزة عن مصالحة ذاتها مهما تغيّرت الظروف؛ تجربة إبداعية فريدة لقياس سمك عقدة نفسية صارت بحجم الهول بسبب اضطهاد مبكّر للذات يكبر مع الذات وينمو في تضاعيفها، لقد صار جزءا بانيا لنسغها وتجلّيا لوجودها ذاتا وسلوكا:

“حين تلد لك نفسك من أنفاسها المكتومة المخنوقة عدوا يلازمك كظلك…”. (ص. 20)

كاد التّيه يكون رحلة وكاد التحوّل يُثمر، كبر الطفل ونما في ظل حدب ورعاية أتاحهما الحظ، تعلّم وتفوّق وأدرك من نفسه مؤهلات كثيرة، ثم زاد وكبر أكثر وتحوّل مرة أخرى: طبيبا، ناجحا، موثوقا بكفاءته، وسيما، ذكيا، ميسورا ؛ لقد أوتي من كل شيء سببا؛ لقد منحه النص كثيرا من السيمات ليعبئ بطاقته السيميائية بأسرار التجاوز،  لكنه أبدا لم ينعتق من أناه الباقية في قعر الروح تصدّ كل العوامل المساعدة لتحقق الذات اتصالا بموضوع القيمة: الحياة الطبيعية؛ ثم لا تيسر له غير العوامل المعاكسة لتحقيق الانفصال بموضوع القيمة الأول، وتحقيق الاتصال بموضوع القيمة الثاني، الموتتان: موت داخل الحياة وموت خارجها. فيبقى صوتا وصوتا شيطانيا ينطق فيه أحيانا وينطق به أحيانا أخرى، يتعاونان في سرد هذه الغرابة السيكولوجية.

“غداً لي ملاذ في الزقاق الضيق والمزبلة المقابلة وأكواخ الجيران، أستيقظ في أماكن غفوتي لأكمل لعبي ولهوي وركضي الذي لا يوقفه إلا انهياري نائما”. (ص. 20)

فلا مكان ممكن والروح مطوقة بسيكولوجيا العذابات الأولى، وما من أفق تنشده الأنا الثانية لشخصية لا يمكن ترميم سيكولوجيتها السوداء بالعنف والنبذ والانجراح والاغتصاب، لقد عميت بوصلة الروح في فضاء اللعنة لا تمسك الذاكرة من ألوانها غير مراتع الصبا المغموسة في الضيق والزبالة والقهر، يجري ويركض وينمو بداخلها، ثم تجري وتركض وتنمو بداخله صورا وأفكارا وأفعالا سامة مثل أفعى مجلجلة تود أن تغمس كل شيء في سمّيتها القاتلة كما غمسته أمه في سطل اللعنة تفرك إحساسه بالحنان والرحمة والمتعة… حتى نفذ وتلاشى:

“حشرت جسمي الصغير العاري وسط سطل من الحديد، كان أبيض قبل أن يقشره الصدأ، سكبت فوق رأسي خليطا من الماء البارد ومسحوق التيد، أخذت تفركني بقوة بقطعة خيش خشنة، كأنها تفرك حنبل صوف متسخ…كل العذاب يهون أمام حبسة السطل تلك وأنت تحت رحمة كف لا ترحم”. (ص. 21)

5 ازدواج الحدّ وثنائية القيمة

عندما يصنع شيئان متعارضان هوية واحدة تزداد المفارقة وتتسع الغرابة؛ كان ميخائيل باختين يشرح ازدواج الحدّ/ الجمع بين النقيضين Ambivalence بمثال العجوز الحامل: عجوز مقبلة على الفناء والنهاية وفي جوفها جنين مقبل على الحياة والبداية، وهما معا متحدان بمعنى متعارض. تعارض وظفته رواية “عمر الغريب” لتستدرّ به ممكنات التحليل السيكوسردي لغرابة عمر، فقدم النص دلالات ملتبسة بالاتحاد في عدم الانسجام. فعمر في كل مراحله العمرية مجتاح بالتعارضات التي تتحد فقط في أحاسيسه، وأفعاله، وتصرفاته… رغم أنها لا تقبل الانسجام طبيعيا.

-أيها النتن : ألن تتوقف عن التبول كل ليلة؟ أصبحت رجلا، تْفُو!

صوت يتصاعد من عطور الماركات العالمية التي رصها بعناية فائقة فوق رخامة الحمام…”. (ص. 12)

بول وزجاجات عطر! لكن المقاطع اللاحقة ستضطلع بإنجاز وظيفة تفسيرية وتأويلية تفك لغز الثنائية الحدية لهذا المعنى المزدوج بالتناقض، تعلن الرواية من خلالها أن جذور التناقض وعدم الانسجام مخزنة في تجاويف عميقة لشخصية لن تكون هي الأخرى سوى تجلّ فادح وفاضح لاجتماع القيم على اللبس والانسجام المستحيل:

“هو شخص خاصمته المرايا منذ اضطر ذات إفلاس معلن لترك وجهه رهينة عند صانع الأقنعة، منذ ذاك وهو عبثا يقلب الركام الذي خلفه ظله، لعله يعثر على ملامح تشبهه”. (ص. 14)

فعمر هو التجلّي الفعلي للبرهنة على عدم السواء، هو مرافعة سردية على أن غير الممكن ممكن، لأن سوط الهول قادر على رأب الشيء وضده، والخوف الجامح يمنع مساءلة الاستحالة؛ لهذا صارت الرواية تمثيلا سرديا فائقا لشخصية هي في الآن نفسه مسرح المأساة والملهاة، للأهوال والمسرات، للدموع والضحكات:

         “هدم الجدار الذي يفصل الملهاة عن حدود المأساة، لينساب سيل الفرح الغامر مع زخات الألم الغزيرة في تناغم لا يخلو من نشاز بين الأهوال والمسرات، استمرت عروضه الشيقة مستنفرة الدموع والضحكات على حد سواء”. (ص.  14)

أي سواء هذا الذي لا يستوي به شيء، النص يفرغ طاقات الجذب والنبذ دفعة واحدة لينشطر المعنى الواحد شطرين متحايدين متنافرين متغايرين متصارعين… ينتجان فعلا واحدا مبنيا على قيمة ثنائية تتعايش نكراء على أرضية قلب غريب.

“…يعيش بشقة فخمة ولا يحيا في الواقع إلا منكمشا داخل قبو كوابيسه”. (ص. 15)

هذه الثنائية الحدية تنتج الضدية في المترادفات، فتصير يعيش التي تحيل على الفخامة نقيضا ليحيا التي تحيل على الانكماش، وهما فعلان مُترادفان في المعجم، مُتعانِفان في ذات عمر؛ لأن العقد التي شدت وثاقها على القلب حتى أفرغته من لونه الطبيعي هي التي كسته رداء داكنا ونشرت غلالته على عيني الشخصية حتى صار يخبط خبط عشواء مثل منايا زهير، وهو لا يرى الجادة من حول ناظرية إلا من خَلَلِ الضباب المُتكوِّم فوق بصيرته، فيمشي ويتعثر، ويسمو ويسقط، وذاكرته الموشومة بنزيف لا يندمل لا تمده بغير السواد يركب بعضه بعضا. هل الرواية منحازة للحتمية الاجتماعية وأن الإنسان نتاج ظروفه لا يملك إزاءها شيئا؟

“شخص نسي قلبه عند بائع الحلوى ذات طفولة بعيدة… بلعاب يسيل على لفافات اللذة وألوان الحرمان؛ متحسسا بأسى الحرمان المتكاثر بالجيب السرّي لصدره الصغير”. (ص.  13)

جيب لا يكشفه لغير روحه ولا ينكشف سوى عن حقيقة مؤلمة: لم تكن طفولة تلك ولا كان لعابا فحسب هو الذي سال من ثنايا الشفتين؛ بل ضجة الألم وصعقة الانتراك أذابتا كينونة الطفل فاندلقت هويةً مشبوحة هائمة، حتى قبل أن تصير جثة يبرر لها الاسترجاع معنى أن يكون عمر الغريب في تشكل أعماقه مهدورا؛ فلا شيء التأم بداخله كما تلتئم الأشياء. احتيال فني ندرك بواسطته جدوى التوظيف السردي للتنافرات الزمنية عبر الاستباق والاسترجاع، أي ما تجرعته الذاكرة حين كان وما توقعته الذاكرة النصية فكان.

وحتى مسرود امرأة الشطائر الذي كاد ينفس التوتر السردي بمحكي إيجابي صغير يضيء عتمة الإظلام الجواني للسارد والإظلام البراني لما سرد، ذاب في مسرود الشقاء:

“امرأة دخيلة على كسرة الخبز الناشفة، كنت أترقب مجيئها بفرح، أجري خلف سيارتها السوداء الكبيرة، أتزاحم مع الباقين حول قفة شطائر المشمش، كانت تمد يدها في قلوبنا الجائعة، فتسيل حلاوة روحها على شقاوة حرماننا وهي تبتسم بحنو في وجه تدافعنا”. (ص. 19)

امرأة دخيلة بحقلها الدلالي الإيجابي المحاصر بمساحات السلب التي تلتف حول كل شيء ممكن الإيجاب ليذوب ويخلف أشلاءه السردية بارقة أمل خاطف تنطفئ سريعا وتختفي. فيبقى سديم السرد الداكن ملفوفا في ذاكرة موشومة بالضغينة ووحشة الانتراك، وفعل سردي استبقاه الألم الفظيع داخل جرح الطفولة لا يندمل فيه ولا به، كل هذا السرد الغريب هو نزيف الحكاية بين يدي جثة تحكي وقائعها، فتكون سردا لسارد لم ينس شيئا من آلامه التي هي هويته المركوزة في باطنه، هي صورته الأولى وهي جوهره الأخير:

“كل الصور التي التقطتني بعد ذلك وطيلة حياتي الحافلة بها، عجزت على طمس ملامح تلك الصورة الأولى”. (ص. 27)

6 التحوّل والمسخ Métamorphose

عادة ما يحدث المسخ بوسائط السّحر والشعودة وأساليب أخرى رعتها الكتابات الأسطورية القديمة، وأول نص روائي معروف ومتعارف على استحقاقه هذه الصفة الأجناسية هو: مسوخات الجحش الذهبي للوكيوس. لكن السارد الطفل تحدث تحوُّلاته ومسوخاته كلها بالعنف الذي يبلغ حدا يوظّف له الوصف كل طاقاته الرمزية والشعرية ليجعله أكبر من السحر وأقدر من كل ساحر. لقد رزحت الفظاعة على قلب صغير فدكت بثقلها كل أنوية البراءة والحلم والرحمة والسكينة والأم واللعب والحنان والرعاية والعادي والطبيعي…، أُتلف الجوهر الغضّ، واحترق برعم الهوية الآدمية في منابته الأولى، لقد مسخت كينونة عمر حتى صارت منحوتة للهلع في شكل صلصال شاخص يسكنه شيطان رجيم لا يعرف معنى الرحمة والوفاء، لقد برع فنون الغواية والقسوة والكذب والنكران… وما من شيء كالصلصال الحمأ المسنون ينطبق على هذه الشخصية، وكلّ معنى إيجابي لن يكون سوى طلاء قابل للتقشير المستمر، لأنه في مقتضى الرواية مسيخ لم تبق منه المخاوف غير مادة صماء.

“مسخني الخوف، حولني في ثانية لتمثال من صلصال نحته الهلع”. (ص. 24)

إنه ولد لن يسأل عنه أحد، هو ما تخزّن في ذاكرة السارد والمسرود، وهو مايشكّل علامة الشخصية ومدلولها، فكل ما قاله السارد عن نفسه يتوحد مع ما قالته شخوص مشاركة عنه، ليبقى المعنى لا يقبل غير تفسير واحد، ولا يتيح إمكانية مراجعته خارج هذا التأويل:

“هاد الولد بصحة جيدة، وبلا أهل، خذوه لن يسأل عنه أحد”. (ص. 24)

حتى هذه الصحة الجيدة تنقلب مدلولا سلبيا حين يمزجها السياق بوحدات معجمية يخيب بها أفق انتظار القارئ وتطلعه إلى معنى إيجابي ولو كان شحيحا. بلا أهل ولن يسأل عنه أحد… تجعل هذه الصحة الجيدة تنقلب مرة أخرى معنى يليق بالأنعام، وسردا لا يفك عراه بالصلصال والمادة العجماء الصماء التي تجعله غريبا ساردا وغريبا فيما سرد:

-“كنت أنا لغزي الذي أهدرت كل ذلك الوقت لحله، أنا الغريب الذي يسكنني”. (ص. 41)

-“الحقيبة الصغيرة المهترئة التي ضمت تلك الرسالة المكرمشة كانت تضم أيضا صورة صغيرة شمسية، على ظهرها كتب اسمي وتاريخ ميلادي بأرقام مرتعشة: عمر الغريب واحد أبريل 1981”. (ص. 25)

هو إذاً في تعريف الرواية وعرفها المصطنع سرديا كل شيء ممكن إلا أن يكون إنسانا، هو: رسالة مكرمشة، وصورة شمسية، وتاريخ ولادة عبثي… والباقي طفل صغير وحقير تائه في ليل المدينة الغول، هو “الغريب” مهما تغير وتحول، فنفسه لا تنسى تعريفها الذي نقشته الرواية بتلفظ دال على ثنائية أناه التي يساكنها راغما.

 

- عبد السلام أقلمون

أستاذ باحث في المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، جامعة ابن زهر، أكادير

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.