الخميس , 23 مايو, 2024
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » الإعاقة وتمثلاتها في مجتمع المغرب والأندلس خلال العصر الوسيط

الإعاقة وتمثلاتها في مجتمع المغرب والأندلس خلال العصر الوسيط

سعيد بنحمادة، الإعاقة والمعوقون بالمغرب والأندلس في العصر الوسيط، محاولة في فهم أنماط الفعل والتفكير والإحساس، القاهرة-دار رؤية للنشر والتوزيع، 2022.

 

لن يكون من باب “الإنصاف” أبدا إغفال المنجز المحقق في حقل الكتابة التاريخية بالمغرب منذ أن اختار الجيل المؤسس من الباحثين المغاربة، في منتصف السبعينات من القرن الماضي، خيار الانفتاح على التاريخ الاجتماعي، عبر تجديد السؤال ومفهوم الوثيقة في آن. ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم، وكيفما كانت الحالة الراهنة للبحث التاريخي بالمغرب، فإن المؤكد أن جزءا من المنجز، ولو كان يسيرا، لم يبتعد عن خيار التجديد في المنهج والرؤية والموضوع، وفي طبيعة المتون القادرة على توفير الأجوبة الممكنة للثقوب المحدثة لغرض النفاذ نحو عوالم البسطاء وغيرهم ممن همشتهم نصوص المتن التاريخي التقليدي، دون قصد طبعا، ودون أن يكونوا بالضرورة مهمشين في مجتمعهم أو في متون أخرى خصصت لهم بعض المساحة أحيانا لإبراز حضورهم وفعلهم وتأثيرهم، من قبيل المناقب والنوازل والأدب والتنجيم والطب والصيدلة وغيرها.

في هذا السياق، تندرج إشكالية كتاب الإعاقة والمعوقون بالمغرب والأندلس في العصر الوسيط؛ محاولة في فهم أنماط الفعل والتفكير والإحساس، الذي صدر للباحث سعيد بنحمادة عن دار رؤية للنشر والتوزيع بالقاهرة، سنة 2022. وقد عبّر الباحث في تقديم الكتاب عن قلقه عما سماه ˮمعاطب ومهالك وقواصم‟، مرتبطة بعدم انتظام منحنى التجديد في الكتابة التاريخية بشكل عام بالمغرب، وعن عمل البعض بما وسمه بـˮالمقاربة المستنسخة للمناهج المستوردة آليا دون تبيئة ولا تكيف مع طبيعة الإشكالات المعروضة‟، وعما وصفه بالقراءات القطاعية المجزِّئة للسياقات العلائقية والتفاعلية للنصوص، والتي تركز على ˮالاتجاه الخطي للأحداث على حساب التركيز على التحوّل والصيرورة في دراسة الفعل الاجتماعي‟. وبغض النظر عن بعض التعميم الذي تسرب إلى هذا الرأي، دون أن يكون بعيدا عن قول “الحقيقة”، فإن المؤكد أن موضوع الإعاقة في المغرب والأندلس خلال العصر الوسيط، يندرج ضمن المواضيع “البكر” و”اللا مفکر فيها”، أو “المسکوت عنها” في البحث التاريخي المغربي.

يأخذ سعيد بنحمادة على الباحثين عدم انفتاحهم على هذا الموضوع بدعوى قلة المادة المصدرية ونذرتها، ويعتبر أن هذا الرأي لا ينطبق إلا على كتب الأخبار المنشغلة بالسلطة والسلطان، ولا يحضر فيها ذوو الإعاقة إلا باعتبارهم، في الغالب، موضوعا لإحسان السلطان وصدقاته، ووسيلة لتلميع صورته في إطار البحث عن منافذ لشرعية الحكم أحيانا. غير أن أخبار ذوي الإعاقة، وفق استقصاء الباحث، تحضر بشكل مهم في المصادر غير الإرادية، وهي التي أفادته في استكشاف أوضاع هؤلاء، وأدوارهم داخل مجتمع المغرب والأندلس في العصر الوسيط، فضلا عن أنماط تفكيرهم وإحساسهم ونظرة فئات المجتمع والدولة تجاههم.

وإذ نؤكد أهمية ما ذهب إليه سعيد بنحمادة بخصوص توسيع دائرة القراءة لتشمل مضانا لاشك تسهم النتف المنبثة بين ثناياها في فك بعض مستغلقات موضوع الإعاقة في تاريخ المغرب والأندلس، وإذ نؤكد أيضا تمكن الباحث من استنطاق أصناف عدة من المضان للإجابة عن أسئلته، فإنه من الإنصاف القول أيضا إن كثيرا مما توفر لديه من مادة علمية ينتمي بعض منها إلى كتب الأحكام، بما يحيل أحيانا إلى ما ينبغي أن يكون، وبعضها إلى التصنيف في الطب والصيدلة، وهو تصنيف يقدم معطيات طبية وصيدلية جيدة في موضوع الإعاقة لكنه لا يسمح بالضرورة بإثبات ما إذا كانت هذه المعرفة مستمدة من تجربة ممارسة، وما إذا كان الولوج إليها ميسرا لدى معظم المغاربة والأندلسيين، وهل كان الناس يستعملون هذه المعرفة لفهم إعاقتهم أو معالجتها، كما أن الباحث لم ينف بدوره ندرة المادة التي تسمح بالإجابة عن الأسئلة المرتبطة بالإعاقات العقلية والنفسية خاصة، وقدم في ذلك مقارنة مع الأرشيف الكنسي الأوربي الذي يوفر مادة مهمة في هذا الصدد. ثم إن المتوفر أكثر في المصادر، والذي يمكن أن يسمح بالتغلغل في أوساط المجتمع لتبين أوضاع ذوي الإعاقة وأدوارهم ونظرة مكونات المجتمع إليهم، يخص بعض الفئات من ذوي الإعاقة دون غيرهم من قبيل توفر المادة العلمية عن المكفوفين دون من سواهم، ما جعل الباحث يقدم أمثلة كثيرة عن هذه الإعاقة أكثر من غيرها، وكلها أسئلة تستدعي التخفيف من قساوة حكم الباحث عن ميل الدراسات إلى متلازمة قلة المادة المصدرية وندرتها.

عموما، فمن خلال “تثوير” آليات اشتغال الباحث سواء في السؤال أو الوثيقة أو المنهج، ودون الركون إلى السرد الآلي والنمطي، يمكن الحفر فيما سماه الباحث بالبنية العميقة، وقصد بها أنماطَ التفكير والإحساس والفعل التي كان ذوو الإعاقة، جسديا وذهنيا، موضوعا لها أو أسهموا في بلورتها، والتي امتدت عبر زمن متعدد المستويات والإيقاعات، كما يمكن الكشف عن موقع هؤلاء في مجتمع المغرب والأندلس. غير أن ما يبدو لي “نظريا” في هذا التوجه، يتمثل أساسا في انطلاق الباحث من تصور يدفع إلى “إلزامية” الانتقال من الحديث عن ˮالعالة إلى الحديث عن الفعالية والنجاعة‟، في رصد أوضاع ذوي الإعاقة، وأدوارهم وسط المجتمع، إذ لم يتمكن الباحث في هذا الاتجاه من الابتعاد عن منظور الأحكام الشرعية أحيانا، وعن ˮما ينبغي أن يكون‟ بالنسبة لأوضاع هؤلاء وحقوقهم ونظرة المجتمع إليهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بإعاقات أكثر تعقيدا إذا ما قورنت بالعُمي أو قِصر القامة أو غيرها مما توفرت عنه النصوص المثبتة لاندماج أصحابها وسط مجتمعاتهم.

عقد سعيد بنحمادة فصلا أساسيا للإعاقة الجسدية وأنواعها وأسبابها في المغرب والأندلس خلال العصر الوسيط، وعرّف من خلاله بمفهوم الإعاقة الجسدية؛ حيث تداخلت الأبعاد الدينية بالأبعاد الطبية والقانونية، وبالأبعاد الاجتماعية التي تغذت من تمثلات المجتمع وتصوراته. ومن الجيد أن حكمت الأجناس المصدرية رصد الباحث لهذا المفهوم؛ فبدت الإعاقة الجسدية في بعدها الديني مغايرة للسلامة الجسدية المستحبة، بل والواجبة، في مجموعة من الخِطط الدينية والسياسية من جهة، وحضرت في جوانب من التشريع من زاوية رفع الحرج والترخيص من جهة ثانية. أما البعد الطبي لمفهوم الإعاقة، فقد انشغل بأسبابها، الخلقِية والمرضية أو المكتسبة، في حين برز البعد الاجتماعي في هذا الفصل من زاوية ما كان يترتب عن الإعاقة الجسدية من حقوق وواجبات تضبطها العقود والالتزامات، والتي تستحضر الصحة الجسدية والعقلية في إبرامها؛ وقد رصد الباحث أشكالا من هذه الالتزامات من قبيل ما يترتب عن الزواج والطلاق والحضانة وبعض أنواع البيوع، خاصة تلك الخاصة بالعبيد، من تبعات وأحكام تتعلق بإثبات إعاقة أحد الأطراف، أو مدى سلامته الجسدية. وفي الفصل نفسه، عدد الباحث أنواع الإعاقات الجسدية كما ذُكرت في المصادر، ومن خلال مادتها رصَد أسباب الإعاقة، حيث ميز بين الخِلقية والأسباب المكتسبة الناتجة عن مرض أو تقدم في العمر أو أخطاء طبية أو الناتجة عن بعض الحوادث؛ من قبيل بعض النزاعات الفردية أو الجماعية أو اعتداء فرد على آخر، أو جماعة على فرد، أو سلطة على معارض وغيرها.

وفي إطار البحث في طبيعة التفاعل المتبادل بين الحالة الصحية لذوي الإعاقة والعوامل الظرفية المرتبطة بمحيط الشخص، وفي مختلف المواقف الاجتماعية المتعلقة بمفهوم الإعاقة ووضعية أصحابها وطبيعة مشاركاتهم الاجتماعية، إلى جانب نوع التدابير المتخذة من قبل المجتمع والدولة لحمايتهم، فكّ سعيد بنحمادة الارتباط الذي يمكن أن يعقده البعض بين الإعاقة والتراتب الاجتماعي، لاعتبارات أساسية أبرزها حضور ذوي الإعاقة الجسدية في مختلف المراتب الاجتماعية، كما لم تكن عائقا أمام الترقي في هذه المراتب.

ولأن سؤال الإدماج في علاقته بسؤال التهميش كان حاضرا في مقاربة بنحمادة، فقد تبين له أن كثيرا من ذوي الإعاقة الجسدية اندمجوا في وسطهم الاجتماعي، وأن تمثلات عموم الناس ومواقفهم منهم لم تسهم في إقصائهم وتهميشهم، وقدم أمثلة في هذا الصدد، ارتبط بعضها بحرص الإطار التشريعي، ممثلا في المذهب المالكي، على ضمان حقوقهم، وتيسير اندماجهم في “النظام التعليمي”، عندما وفر لبعضهم سبل التعلم والاندماج الاجتماعي، كما قدم أمثلة لدور الدولة في هذا الجانب حين وفرت البيمارستانات لعلاجهم، وخصصت بعض الأوقاف لهم، دون أن يثبت مدى بنيوية هذا التوجه وعدم ارتباطه بدولة دون أخرى بالمغرب أو الاندلس. ومن اللافت للانتباه أن معظم الأمثلة المقدمة، والمتوفرة للباحث، سواء في اندماج ذوي الإعاقة، أو تقبل المجتمع لهم وفعالية أدوارهم، كانت من أصحاب الإعاقات الحسية خاصة من فاقدي البصر، أو من بعض قصار القامة، دون أن تتوفر النصوص المشجعة على تعميم هذه الخلاصة على مختلف ذوي الإعاقات الجسدية بشتى أنواعها.

على أن سعيد بنحمادة لم يغفل أيضا بعض مظاهر الصورة النمطية السلبية التي كانت لدى بعض فئات المجتمع تجاه ذوي الإعاقة؛ وإن تم ذلك بصيغة أقل مقارنة برصد تجليات الصور الإيجابية، ومما رصده في هذا الجانب إطلاق الكُنى والألقاب المسيئة، أو اتهام بعضهم بكونهم مصدر كل الشرور، وقد فسر جزءا من تلك الصورة بسلوكات بعض ذوي الإعاقة الجسدية وسط المجتمع من قبيل التسول والزنى وغيرها.

في الفصل الموسوم بـˮالإعاقة العقلية والصحة النفسية‟، حاول بنحمادة أن يبحث في تاريخ هذا النوع من الإعاقة، وفي طبيعة التمثلات الذهنية والمواقف الاجتماعية المتعلقة بها، وفي مختلف التدابير المتخذة من قبل المجتمع والدولة للحد من أشكال الإقصاء أو التهميش أو الازدراء التي قد تكون هذه الفئة عرضة لها. وقد نبه الباحث على قلة انشغال متون المرحلة المدروسة بهذه الفئة مقارنة بالأرشيف الكنسي في أوربا، ومعظم ما أنتج عن “الجنون” و”المجنونين”، مشرقي في الغالب، كما نبه على ندرة الدراسات المعاصرة، مع الإشارة إلى أن بعض الأبحاث الواردة في متن العمل تندرج ضمن الأعمال “النظرية” لا التاريخية من قبيل مؤلّف ˮحقوق المعوقين في الإسلام‟ لمصطفى بنحمزة.

ومن أجل ضبط مفاهيم الإعاقة العقلية والذهنية، شدد الباحث على استدعاء مختلف المتون للحالة النفسية السوية لغرض تمييزها عن الخلل العقلي أو النفسي، واستدعاء صحة العقل لفهم حالة اعتلاله. وتحدث بنحمادة في هذا السياق عن غزارة المعجم الدلالي المرتبط بالحمق والجنون في متون المشرق والمغرب الإسلاميين، وأورد مختلف أسماء الإعاقات العقلية والذهنية، وتتبع أنواعها كما وردت في مختلف المتون، ثم دقق في أسباب الحمق والجنون، وأنواعه، الغريزي منه والمكتسب نتيجة التقدم في العمر أو الناتج عن عارض ما.

وقد بدا أن بعض المصطلحات الواردة في متن الدراسة، أصابت مصطلح الإعاقة الذهنية والعقلية في مغرب وأندلس العصر الوسيط ببعض الضبابية وعدم الوضوح، وذلك نتيجة حرص الباحث على الرصد الدقيق لكلمة الحمق كما وردت في مختلف المصادر، وكذا استعمالاتها الدلالية؛ من قبيل استدعاء الصرع والنسيان والسفه والخرف والوسواس والغباء والغفلة وقلة الفهم ضمن مرادفات الحمق الواردة في المصادر، أو من مثيل ما أورده الباحث في إطار المفهوم الاجتماعي والخُلقي للحمق، كأن يُوصف قرار شخص ما بالأحمق أو الأخرق لأنه ينافي المعقول بالنسبة للواصف، وذلك مثل لبس الخرقة واتباع طريق التصوف، أو معاندة سلطان في قراره، أو موافقة على تولية خطة تبدو للواصف مهلكة وغيرها. ومن زاوية أخرى، وردت ضمن أسباب الإعاقة الذهنية والنفسية حوادث يصعب إدراجها في هذا الاتجاه، من قبيل دعاء بعض الصوفية على البعض بالجنون، أو ترويج السلطة لجنون معارض ادعى المهدوية، أو الحديث عن خبل بعض الأمراء في أواخر الدول ودور ذلك في نهايتها وأفولها.

أما عن علاقة مكونات المجتمع بذوي الإعاقة النفسية والذهنية، فقد تحدث الباحث عن حرص ثَبتَ في التشريع المالكي يؤكد على شرط السلامة العقلية في تولي المناصب والمسؤوليات، وعن اعتناء بعض الدول بفاقدي هذه السلامة، وذلك عبر توفير بعض الأموال وإقامة البيمارستانات. أما نظرة المجتمع نحو هؤلاء، فكانت متباينة ما بين مواقف إيجابية دعمتهم، ومنها مواقف بعض المتصوفة والأولياء، وأخرى سلبية ازدرت أو استهزأت منهم.

في الفصل الرابع من هذا العمل، انشغل بنحمادة بالكشف عن تجربة المغاربة والأندلسيين الطبية في التعامل مع الإعاقة خلال العصر الوسيط، وتحدث عن تيارٍ متميز في تاريخ طب المسلمين، من حيث عقلانية التنظير للشؤون الصحية وممارستها، ووفق قواعد عملية تجمع بين “الصناعة” و”الأصول”، ما أسهم في ترسيخ البعد التجريبي في التعامل مع مختلف أنواع الإعاقة. ولم يفُته في هذا الصدد أن ينوه بمهنية الممارسة الطبية لدى الأطباء والصيادلة المغاربة والأندلسيين، وبالمعرفة الطبية والصيدلية بالعدوتين التي اتسمت بخصائص مميزة بفضل ارتكازها على قواعد عملية، وقطْعِها مع الثقافة الطبية الشعبية المعتمدة على الحس المشترك والتنجيم والسحر في خدمة الأبدان وصناعة الأدوية والعقاقير.

وفي تدبير الأطباء لأنواع الإعاقات، ذهب الباحث إلى أن المعرفة الطبية بالمغرب والأندلس خلال العصر الوسيط جعلت للإعاقة أسبابا خِلقية أو مرضية، وتداعيات صحية واجتماعية قابلة للوقاية والعلاج، وأن الأطباء اعتمدوا التشخيص قبل المداواة، واعتبروا الخِلقية منها صعبة العلاج، وحددوا أسباب بعضها، من مثيل ما كان ينتج عن زواج القرابة أحيانا، كما شخصوا بعض الإعاقات بكونها مكتسبة من قبيل ما قد ينتج عن التقدم في السن أو عن حوادث أو أمراض وعلل. وقد تدخلوا في علاج بعضها، وألفوا كتبا لوصفها ووصف دوائها. وكان للدولة أحيانا دور هام في دعم هذه الجهود بتوفير النفقات والأموال أو بناء البيمارستانات.

على أنني في هذا الموضوع، لم أستطع أن أتخلص من بعض الأسئلة، وذلك في إطار التفاعل مع الباحث؛ أولها يتعلق بمدى انتشار المعرفة الطبية ومستعمليها والمقبلين على الأطباء في مختلف مجالات المغرب والأندلس، وهل كان الوصول إلى هذه الخبرة متاحا للجميع، مع استحضار المقارنات اللازمة بين المغرب والأندلس، وبين البادية والمدينة فيهما، وبين مختلف فترات وقرون العصر الوسيط؟! كما أنه من المهم التساؤل عن مدى بنيوية جهود الدولة في الإنفاق على هذه الشريحة وبناء البيمارستانات بالنسبة لمختلف الدول التي حكمت المغرب والأندلس خلال العصر الوسيط؟

واعتبارا لأهمية ظاهرة التصوف والصلاح وأدوارها الفاعلة في مجرى الحياة اليومية بمغرب وأندلس العصر الوسيط، فقد كان الباحث محقا عندما أفرد فصلا خاصا لرصد موقع الإعاقة في المجال الحيوي للأولياء؛ وقد اختار، غير مضطر إلى ذلك، أن يدافع عن المضمون الاجتماعي والرمزي للكرامة الصوفية ردا على تصور أدرجها ضمن الممارسات الخرافية والأسطورية. أما الأهم، فميله إلى تأكيد فكرة أساس مفادها أن الإعاقة كانت من الآليات التي فعّلت ˮالمجال الحيوي للأولياء في المعاش اليومي، في ظل إعادة ترتيب أدوار المركز السياسي والهامش المجتمعي‟.

وقد حفر سعيد بنحمادة، بعد ذلك، في أشكال تدخل الصلحاء في مجال الإعاقة، خاصة خلال الفترة الممتدة ما بين القرنين 5 و9 هـ، متسائلا عما إذا كانت أدوار الأولياء تعد بديلا لتراجع وظائف الدولة الاستشفائية، أو أن له ارتباط بالمنظور الفقهي للاختلالات الجسدية والعقلية. وكشف في هذا الاتجاه عن موقف إيجابي للمتصوفة تجاه ذوي الإعاقة. ومما أبرزه، تدخلهم الرمزي في علاج بعضهم بالدعاء تارة، أو بالممارسات الطقوسية الحاملة لدلالات رمزية عنوانها البارز قدرة الولي على إنتاج الخوارق والكرامات، ومن ذلك اللمس والنفث باللعاب واستعمال الماء والأعشاب وغيرها من المواد والأساليب التي استعملها الأولياء في مداواة ذوي إعاقة عجز الطب والصيدلة عن علاجهم.

وبعد، فقد أفلح سعيد بنحمادة في اقتحام موضوع لم ينل من اهتمام غيره إلا القليل النادر، ونفذ من خلاله إلى عوالم فئة لم تكن في يوم من الأيام غائبة أو قليلة في مجتمعاتها، وكان انفتاحه على متون المغرب والأندلس خلال العصر الوسيط مغامرة لا شك أنه قدّر نتائجها؛ فكشف عن بعض أوضاع هؤلاء، وتمثلات المجتمع تجاههم، وعن أدوارهم داخل المجتمع لإثبات مدى اندماجهم. وسواء تعلق الأمر بأوضاع أصحاب الإعاقة الجسدية أو الذهنية وسط مجتمعاتهم، أو بنظرة مكونات المجتمع إليهم، أو بدور بعض الفئات في إدماجهم أو دعمهم، إلى جانب طبيعة تدخلات الدولة لصالحهم، فقد بدا لسعيد بنحمادة، وبعد الغوص في مختلف الأجناس المصدرية، أن ذوي الإعاقة، ولاعتبارات مرتبطة بكل جنس وسياقات إنتاجه والتأليف فيه، تحولوا إلى ˮبؤرة اجتماعية ورمزية التقت بخصوصها شرعية الأمراء وتشريعية الفقهاء وتجريبية الأطباء وقدسية الأولياء، في مشهد تاريخي أثّرَت تحولاته العميقة والدورية على مواقع السُّلط الزمنية والدينية، ومدى أحقية كل فاعل في خدمة المعوقين، وما وظفه كل واحد من رأسمال اجتماعي ورمزي‟.

ومن باب تثمين هذه الغلة أن نُتِمَّ الحديث عنها بإثارة سؤال الهامش والمهمش في موضوع الإعاقة بالمغرب والأندلس خلال العصر الوسيط؛ فإذا كان سعيد بنحمادة قد أكد هامشية ذوي الإعاقة في النص الإخباري التقليدي، وحضورهم في مركز بعض المتون الأخرى من قبيل المناقب، وإذا كان قد فك الارتباط بين الإعاقة والتراتب الاجتماعي، وأكد على فاعلية أدوار بعض ذوي الإعاقة، وأهمية تدخلات بعض مكونات الدولة والمجتمع لصالِحهم ما دفعه إلى استبعاد منطق التهميش واستحضار مدخل الاندماج، فإنه من المهم أن ننبه على أن حضور الإعاقة في مختلف المراتب الاجتماعية لن يمنع من التأكيد على أن أوضاع المستضعفين منهم لم تكن شبيهة بظروف غيرهم من المنتمين إلى مراتب علية المجتمع وأغنيائه، مع ما يتبع ذلك من ظروف الإقصاء والتهميش أو الاندماج، ومدى توفر سبل الترقي الاجتماعي، فوجب استحضار هذه المفارقة في تناول أوضاع هؤلاء، الاقتصادية والاجتماعية، ونظرة المجتمع إليهم.

وسيكون مفيدا أيضا مساءلة الإطار التشريعي في مسألة اندماج ذوي الإعاقة، وهو الذي اشترط السلامة الجسدية في كثير من الخطط والوظائف، واعتبر الإعاقة عيبا في بعض أنواع البيوع، ما يجعل إمكانية الحديث عن منافذ الاندماج الاجتماعي بالنسبة لذوي الإعاقة بعيدا عن تلك الاشتراطات، وهنا يصبح التساؤل عما إذا كان العلم والصلاح من سبل الاندماج والترقي الاجتماعي بالنسبة للمعاق؟ وإذا كانت هذه المنافذ قد سمحت باندماج بعض المعاقين، وبسيادة تمثلات إيجابية عنهم داخل المجتمع، فإنه من الواجب عدم الاكتفاء بتلك الخلاصة والسؤال عن ذوي الإعاقة من الأميين مثلا، وعن تمثل وضعياتهم في مجتمع القبيلة الذي مجد القوة الجسدية في الفلح أو الرعي أو الحرب. وهل يمكن لمختلف ذوي الاعاقات، الجسدية على الأقل، أن يندمجوا اجتماعيا عبر العلم أو الصلاح أو غيره، وأن يحظوا بصورة مقبولة داخل مجتمعاتهم، أم إنه يمكن الحديث عن تراتبية أمام طبيعة الإعاقة تجعل نوع الإعاقة من محددات درجة الاندماج؟ والقصد هنا أنه يمكن للمكفوف على سبيل المثال أن يندمج اجتماعيا عبر العلم أو الصلاح أو غيره، وقد توفرت للباحث معطيات كثيرة في هذا الجانب، عكس بعض ذوي الإعاقات التي لم يتمكن أصحابها من الاندماج لتعارض إعاقتهم مع طبيعة القيم المرعية والمتحكمة في تمثلات المجتمع وتصوراته.

 

- حميد تيتاو

أستاذ باحث في التاريخ في الكلية متعددة التخصصات بتازة

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.