الأحد , 21 يوليو, 2024
إخبــارات
الرئيسية » ترجمـات » التوحد

التوحد

Arnaud, Sarah, (2018) Autisme, l’encyclopédie philosophique, https://encyclo-philo.fr/autisme-gp

 

ملخص:

التوحد، ويسمى أيضًا اضطراب طيف التوحد (ASD)، اضطراب في النمو العصبي يوجد في حوالي 1.5٪ من سكان العالم. ويتكون من مجموعة من الأعراض أو المظاهر التي يمكن أن تؤثر بشكل متفاوت الدرجة على الأفراد وعلى رفاهم، كما قد يكون له تأثير أو لا يكون على استقلاليتهم، وتغيير حياتهم في المجتمع. هناك في الواقع درجات مختلفة لشدة التوحد، درجات تجعل أعراضه أكثر أو أقل إعاقة.

غالباً ما يختلف تداخل هذه الأعراض من شخص لآخر. فالتوحد حالة غير متجانسة للغاية، على المستويين الجيني والمعرفي. ورغم أن لهذه الحالة أسباب بيولوجية، إلا أنها تعتمد على العديد من العوامل.  وبخصوص السؤال الذي نوقش على نطاق واسع في فلسفة الطب النفسي حول ما إذا كانت الحالات الطب نفسية psychiatriques بشكل عام تُعَدُّ أمراضًا أم لا، فإن وضعية اللاتجانس في التوحد يجعل منه اضطرابا يصعب تصنيفه.

 

  • ما هي المظاهر المميزة للتوحد؟

وصف ليو كانر (Leo Kanner) ، وهو طبيب نفسي نمساوي، التوحد لأول مرة في عام 1943 بأنه اضطراب في الاتصال العاطفي (كانر، 1943). وحتى سبعينيات القرن العشرين، كان التوحد موضوعاً يكاد ينحصر في أبحاث التحليل النفسي، وكان يُنظر إليه بشكل أساسي على أنه انطواء على الذات (الجذر اليوناني autos يعني “النفس” soi-même)، والذي قد يكون أيضًا أحد أعراض الفصام. بدأت دراسته خلال السبعينيات، في علم النفس والعلوم المعرفية، تلك التي سعت إلى اكتشاف المظاهر المعرفية المركزية للتوحد والتي يمكن أن تقوم بتفسيره. وفي عام 1980 فقط، وبعد فشل المحاولات في اكتشاف مثل هذا التفسير الموحد، تم تصنيف التوحد على أنه اضطراب ذهني كامل من قبل الطب النفسي.  لذلك تنفصل الأبحاث عن التوحد إذن عن تفسيرات التحليل النفسي التي يرفضها الوسط العلمي اليوم، من أجل فهم الآليات الوراثية génétiques والأنماط الظاهرية phénotypiques للتوحد.

إن تشخيص التوحد أو “اضطراب طيف التوحد”، بحسب الباحثين المهتمين بالتوحد وتصنيفات الاضطرابات الذهنية، يتم اليوم عندما تظهر على الشخص الوضعيات التالية: خصائص معينة في التواصل الاجتماعي والتفاعلات والسلوكات الاجتماعية، والاهتمامات والأنشطة المتكررة وغير الاعتيادية التي يركز عليها الشخص (الجمعية الأمريكية للطب النفسي، 2013).  ويمكن اعتبار هذين المظهرين المتداخلين بمثابة “أبعاد”، أي مجموعات من الأعراض التي يمكن أن تظهر بدرجات مختلفة من الشدة.

يخص البعد الأول المعرفة الاجتماعية. ويرتبط بالكليات الشعورية والتعاطفية وبنظرية الذهن (أي القدرة على التعرف على الحالات الذهنية للآخرين)، وبالتكيف مع معايير التواصل بين الأفراد التي يقرها المجتمع. فعند الأشخاص ذوي الأنماط العصبية الطبيعية neurotypiques، أي أولئك الذين يعتبر أداؤهم العصبي “طبيعيًا” من الوجهة الإحصائية، تكون المعرفة الاجتماعية حدسية على العموم وتلقائية نسبيًا: ففهم مشاعر الآخرين وحالاتهم الذهنية المختلفة ليس نتيجة تفكير معقد، بل بالأحرى هو نتيجة ولوج سريع وميسر يظهر في مرحلة مبكرة جدًا من النمو. وعلى العكس من ذلك، فإنه بالنسبة للأشخاص التوحديين، ينبغي أن تكون القواعد التي تحكم التفاعلات الاجتماعية في كثير من الأحيان موضوعًا للتعلم.  فالتعرف على وجدان الآخرين، والوصول إلى الأسباب الكامنة وراء رغبة معينة أو رد فعل عاطفي تكون كلها موضوع معالجة صريحة وإرادية.  وغالبًا ما أدت هذه الاختلافات المعرفية إلى تفسيرات خاطئة للتوحد: فقد كان يُعتقد منذ فترة طويلة أن الأشخاص التوحديين ليس لديهم تعاطف، أو أنهم لا يفهمون مشاعر الآخرين، أو أنهم لم يطوروا نظرية للذهن.  ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن فهمهم للمواقف الاجتماعية يتطلب في الواقع معالجة صريحة لا يستخدمها الأشخاص النمطيون الطبيعيون.  فبالنسبة لهؤلاء، غالبًا ما يكون المظهر الاجتماعي، الجانبَ الأكثر بروزًا في موقف ما، وبالتالي فإن اكتشاف وفهم المؤشرات الاجتماعية (مثل تعبيرات الوجه، ووضعية الجسم، ونبرة الصوت، وما إلى ذلك) لا يتطلب معالجة صريحة. وهذا يجعل التواصل الاجتماعي بين الأشخاص النمطيين الطبيعيين وبين التوحديين صعبًا. ولذلك تثير صعوبة التواصل هذه، حتى بين المتخصصين، تفسيرات أخلاقية وأحيانًا كاريكاتورية للمظاهر السلوكية في التوحد.  ولقد بدأت الأبحاث في علم النفس وعلوم الأعصاب في تمييز بعض خصائص الدماغ التي يمكن أن تكمن وراء هذه الاختلافات في المعرفة.

وفيما يتعلق بالبعد الثاني للتوحد، فإنه غالبا ما يتجلى في حساسية خاصة لمظاهر معينة من الوسط الاجتماعي، والتي قد تبدو غير اعتيادية. فعند الأشخاص التوحديين نجد ميولات شديدة وغير عادية، وطقوسا معينة، وحركات ولغة متكررة أو نمطية (مثل الحركات المتكررة) قبل الأكل، وعادات حركية مميزة، ومصاداة Echolalie، وتكرارا متواصلا للعبارات التي سمعوها سابقًا، وما إلى ذلك).  فعند الأشخاص ذوي النمط العصبي الطبيعي، غالبًا ما يتم إدراك الموقف أو تفسيره في شموليته، في حين أن الأشخاص التوحديين يدركون ويحفظون ويركزون انتباههم على تفاصيل المحيط أو الموقف (صوت بسيط، لون مشرق، حركة لا علاقة لها بالموقف، وما إلى ذلك)، بدلاً من الوضع الشمولي الأكثر تلاؤما. وقد أدى هذا إلى فرضية مفادها أن التوحد يتميز بقصور في الانسجام المركزي، أي عدم القدرة على إدراك المظهر العام للموقف، أو لسياقه، بوصفها مظاهر بارزة. ومع ذلك، فقد أشار بعض الباحثين إلى أن الأمر يتعلق بقدرات معينة في الكشف عن التفاصيل أكثر من كونه قصورا في الكشف الشامل: تسمح مثل هذه المعالجة للمعلومات بدقة أكبر في الإدراك وفي الذاكرة نظرًا لأن العديد من المحفزات تؤخذ في الحسبان. يؤدي هذا إلى ” فيض” في المعلومات التي يجب معالجتها والتي يمكن أن تصبح ساحقة وتتسبب في ردود فعل انسحاب أو تجنب، أو على العكس من ذلك، ردود فعل قوية يصعب السيطرة عليها.

يمكن أن تنتج عن هذه الخاصية المميزة للتوحد أيضًا، مهارات معرفية وإدراكية في مجالات معينة، مثل مهارات معينة في الحساب، أو الرسم، أو تعلم اللغات، أو حتى الموسيقى. وفي حالات نادرة تكون هذه الخاصية مصدرا لبعض المهارات غير الاعتيادية، مثل مهارات العد، والقدرة على رسم مدينة بنسب دقيقة انطلاقا من تذكر المشاهد التي تمت زيارتها مرة واحدة فقط، كما يفعل ستيفن ويلتشير (الذي تم تشخيصه بالتوحد)، والأذن الفائقة، والتي توجد عند حوالي 11% من التوحديين، إلخ. لكن وجود هذا النوع من “المواهب” منتشر على نحو متعسف: فهو كثيرا ما يثير فضول وسائل الإعلام، وهو السبب في تصوير الأشخاص التوحديين بشكل كاريكاتوري على أنهم عباقرة أو علماء يتفوقون في ألعاب الورق ولكنهم غير مؤهلين اجتماعيا.  وهذا التمثيل بأسلوب الأشخاص التوحديين الموهوبين على نمط Man Rain لا يأخذ في الاعتبار التنوع في مظاهر التوحد.

 

       2 هل التوحد إعاقة؟

غالبًا ما تحيل فكرة الإعاقة في المخيال الشعبي على القصور الذهني، حيث لا تكون بعض الوظائف الذهنية كافية للاندماج الاجتماعي وللتنمية الجيدة وللاستقلالية ولرفاهية الفرد. بهذا الشكل يفهم الطب النفسي التوحد في غالب الأحيان. تأخذ تصنيفات الأمراض الذهنية، وخاصة أكثرها استخداما، أي الدليل التشخيصي الخامس للاضطرابات النفسية (DSM 5) في الحسبان درجات مختلفة من “شدة” مظاهر التوحد. وتعد هذه المظاهر أعراضا تؤثر على حياة الأشخاص، وبالتالي تفرض ضرورة الدعم والتكفل العلاجي.  وفي الواقع، فإن الكثير من التوحديين يحتاجون إلى الدعم لأنهم يتأثرون كثيراً بمظاهر التوحد لديهم والتي تتعارض مع اندماجهم في المجتمع.  ربما تكون حساسيتهم الحسية sensibilité sensorielle الخاصة مصدرًا للأزمات التي يصعب التغلب عليها؛ فالقوالب النمطية يمكن أن تمنع أو تبطئ بعض الأنشطة اليومية الأساسية (الوجبات الغذائية على سبيل المثال)، والتفاعلات الاجتماعية تثير الهلع بشكل خاص.  بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما يكون التوحد مقرونا باعتلالات مصاحبة troubles comorbides أخرى – أي إنها مرتبطة في كثير من الأحيان بالتوحد، ولكن دون أن تكون من خصائص التوحد نفسه – مثل القصور الفكري، والصعوبات الحركية، واضطراب الانتباه، وعسر القراءة.  وبهذا المعنى، يبدو التوحد بمثابة إعاقة لكثير من الأفراد.

ومع ذلك، فإن العديد من الأشخاص التوحديين – على سبيل المثال، الأشخاص الذين تم تشخيصهم حتى وقت قريب على أنهم من ذوي متلازمة أسبرجر (Asperger) (أي الأشخاص الذين لا يتسمون بتأخر في اكتساب اللغة أو التأخر الفكري) – يبدون بالأحرى خصائص معرفية والتي، على الرغم من أنها تختلف عن الحالة الإحصائية العادية، إلا أنها لا تتعارض مع استقلاليتهم، ولا مع تنمية قدراتهم.  يوافق التوحد في هذه الحالة مجموعة من العمليات المختلفة في مجموعتي الأحداث التي تم وصفها، والتي لا تحتاج بالضرورة إلى التخفيف منها: هؤلاء الأشخاص لديهم تواصل اجتماعي مختلف واهتمامات غير عادية، وبالتالي لديهم شكل آخر من أشكال الذكاء.

لكن هذا لا يعني أن الأشخاص التوحديين ليسوا في وضعية إعاقة بسبب التوحد. في الواقع، يمكن تمثل مفهوم الإعاقة بمعنى آخر، وهو المعنى الذي اعتمدته منظمة الصحة العالمية رسميًا، والذي يعني العائق أو الحاجز الذي يواجهه الأشخاص ذوو الإعاقة أمام إنجاز بعض الأفعال والتفاعلات الاجتماعية بالنظر لما هو منتظر في العادة. تشير عبارة الشخص في وضعية إعاقة، وفقا للمعنى المماثل الذي تعطيه حكومة الكيبيك، إلى “أي شخص يتسم بقصور يؤدي إلى عجز كبير ومستمر ومن المحتمل أن يواجه عقبات في القيام بالأنشطة اليومية”.  وبهذا المعنى، يمكننا أن نعتبر أن الأشخاص التوحديين بدون قصور فكري، على سبيل المثال، ليسوا في وضعية إعاقة.  ومع ذلك، حتى فيما يخصهم، يمكن أن يشوش التوحد على رفاهيتهم، وبالتالي يعتبر وضعية معيقة.  وهذا هو الحال بشكل خاص بسبب الاختلافات المعرفية التي لا يفهمها المجتمع ولا يقبلها إلا قليلاً، مثل تلك المتعلقة بموضوع المعرفة الاجتماعية على سبيل المثال، والتي تشجع الأشخاص التوحديين على التفاعل اجتماعيًا بشكل أقل مما هو متوقع عادةً؛ أو بالنسبة للتحديات التي تفرضها بعض بنيات الفكر والأحاسيس وإدراك الوسط الاجتماعي، مثل زيادة أو انخفاض الحساسية تجاه مظاهر معينة من الوسط الاجتماعي مما قد يحفز على تجنب بعض السياقات الاجتماعية الملائمة للأشخاص الطبيعيين neurotypiques (الضوء الشديد في قاعة الدرس، ضوضاء خلفية خفيفة في مكان العمل، الحركة المتواصلة في مكان عام، وما إلى ذلك).  في هذه الحالات، لا تأتي الإعاقة بالضبط من التوحد نفسه، بل من الاختلافات في الاشتغال والاختيارات المفضلة بين التوحديين وبين الأشخاص ذوي النمط العصبي الطبيعي، في عالم اجتماعي يتشكل في معظم الأوقات لصالح هاته الفئة الأخيرة.

قد تؤدي هذه الاعتبارات إلى اعتماد تصميم يأخذ بعين الاعتبار حركة التنوع العصبي. تهدف هذه الحركة التي أنشأها أشخاص توحديون في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إلى التعرف على الاختلافات في الأداء المعرفي لبعض الأشخاص التوحديين بوصفهم ليسوا مرضى، ولا يحتاجون إلى الدعم، ويطالبون بقبول خصائص التوحد من قبل المجتمع.  لذلك يوصي بعض الباحثين بهذه المقاربة من أجل فهم ما يعيشه جزء من التوحديين والمساعدة في اجتناب الوصم. تعترف هذه الرؤية بالتوحد، في الآن نفسه، بوصفه “حالة غير نمطية”، أي تطورا ينزاح عن المعيار الإحصائي السائد ولكنه ليس بالضرورة إعاقة، ويعترف كذلك بالحاجة إلى دعم العديد من الأفراد الذين تم تشخيصهم بالتوحد والذين تظهر عليهم أعراض معيقة للغاية.

 

  • هل هناك عدة أنواع من التوحد؟

حتى عام 2013، كانت تصنيفات الاضطرابات الذهنية، وكذلك جزء من البحث، تفصل بين العديد من الاضطرابات النمائية الشاملة (TED)، منها اضطراب التوحد، ومتلازمة أسبرجر. ومع ذلك، لم تتمكن الأبحاث حول التوحد من التمييز بين هاتين الفئتين باعتماد مجموعة من المعايير الضرورية والكافية لتعريفهما. فقد تم تمييز الأشخاص ذوي متلازمة أسبرجر عن الأشخاص التوحديين بغياب التأخر الفكري واللغوي اللذين لم يكونا معيارين أساسيين لاضطراب التوحد.  وفي عام 2013، اعتمد الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات الذهنية (DSM) رسميًا المصطلح الجامع “اضطراب طيف التوحد” (ASD) من أجل تجنب هذا التمييز الاعتباطي. وصار الآن تشخيص الأشخاص ذوي متلازمة أسبرجر على أنهم توحديون (لكن الكثير منهم يودون الاحتفاظ بتسمية “أسبرجرAsperger”). وبهذا المعنى، تم التوافق على أن هناك حالة واحدة تسمى “التوحد”.

ومع ذلك، فإن مظاهر التوحد تختلف بشكل كبير. وعلى الرغم من أن الأشخاص التوحديين يتقاسمون بعض الخصائص المعرفية، فإنهم يشكلون مجموعة غير متجانسة للغاية: فالنمط الظاهري للتوحد، أي مجموعة الخصائص التي تشكله والتي يمكن ملاحظتها، يختلف تمامًا من شخص لآخر.  ذلك أن التوحدي شخص قد تطغى عليه الأحاسيس، وهو يحتاج إلى دعم لتوجيهه مشاعر سلبية للغاية، ولديه طريقة للتواصل مع العالم تعزله عن المجتمع، ولا يتواصل إلا قليلا جدًا، وقد لا يتواصل لفظيا على الإطلاق؛ بينما يستطيع توحدي آخر تعلم القواعد النمطية للسلوك الاجتماعي، ولا تكون حالته معيقة له. علاوة على ذلك، فإن هذه الاختلافات المظهرية ليست نتاجا لمتغير جيني واحد قد يكون السبب المشترك لذلك، إذ توجد حاليًا العشرات، بل المئات من الجينات التي يمكن أن تتؤدي إلى التوحد. ونظرًا لأن عدم التجانس موجود بكثرة على مستوى النمط الجيني phénotype والنمط الظاهري génotype للتوحد، فليس من المستبعد أن تعمل الأبحاث على تحديد أنواع فرعية مختلفة من التوحد، تختلف عن بعضها البعض من خلال آليات معرفية محددة تدعمها آليات وراثية ودماغية مختلفة.

 

  • ما هي أسباب التوحد؟

بالرغم من تحديد المتغيرات الجينية التي قد تسبب التوحد وتحديد بعض الطفرات الجينية الكافية المسببة للتوحد، لا يمكننا حاليًا تحديد سبب مشترك لجميع حالات التوحد.  ومع ذلك، فإن البحث يتجه نحو التفسيرات المحتملة بفضل اكتشاف بعض نقاط الضعف الجينية التي يمكن أن تخلق قابلية للتأثر ببعض عوامل الوسط الاجتماعي. وهذا يشير إلى وجود تفاعل بين الجينات الوسط الاجتماعي في ظهور التوحد.

توالت محاولات عديدة لتفسير التوحد إلى حدود الثمانينيات، فقد رأى التحليل النفسي، على سبيل المثال، أن التوحد نتيجة لسلوك الوالدين السيئ، ولكن هذه الفرضية، بعد أن تعرضت لانتقادات واسعة، أثبتت أنها غير مُرضية وتم التخلي عنها.  وترى النظريات البديلة أن بعض اللقاحات أو تناول الغلوتين(gluten) يسبب التوحد، وقد تم أيضًا الاعتراض عليها واستبعادها بشكل نهائي من خلال الأبحاث الحالية.  وفي عام 1977، لاحظ الباحثون توافقًا عاليًا جدًا في الحالة بين التوائم.  ومن ثم نفهم أن التوحد له بصمات وراثية. ومنذ ذلك الحين، تم تحديد العديد من الخصائص الجينية والدماغية، ومن الممكن أن يكون بعضها هو مصدر تطور الحالة. ومع ذلك، فلا واحد من الجينات التي تم تحديدها على أنها مسببة للتوحد، خاص به، كما أن بعض الاختلافات الجينية التي تسبب النمط الظاهري للتوحد في بعض الحالات لا تكون كذلك في حالات أخرى. ولذلك فمن الممكن أن تكون عناصر الوسط الاجتماعي مسؤولة جزئياً عن تطوره. لكن هذه العناصر تتفاعل مع الإرث الجيني للفرد، لذلك، فقط إذا واجهت هذه العناصر فسيولوجيَا ونمطًا جينيًا ضعيفين فإن التوحد ينتج عنه (هربرت، 2010). وبالتالي فإن الوسط الاجتماعي ليست كافية لظهور التوحد. ومن ناحية أخرى، قد ينطوي الأمر على وجود طفرات صبغية (كروموسومية) “جديدة” de novo لدى بعض الأشخاص التوحديين، أي طفرة تحدث عندما لا تكون موجودة عند أي من الوالدين في إرثهما الجيني.

أخيرًا، جرت محاولات لتفسير التوحد من خلال توحيد القصور المركزي déficits centraux unificateurs، مثل التماسك المركزي أو نظرية الذهن. ولكن لم يثبت أي من هذه التفسيرات أنه كاف لتفسير التوحد. وتدعو الأبحاث اليوم إلى إجراء دراسة مجزأة fractionnée لاضطراب طيف التوحد، وذلك بفضل تحديد الأنماط الداخلية التوحدية endophénotypes، أي العناصر المظهرية الأكثر دقة من النمط الظاهري نفسه، والتي تكون قابلة للتوريث وقابلة للاكتشاف (سواء ظهرت الحالة أم لا)، وتكون موجودة عند أشقاء الأفراد الذين تظهر عليهم الحالة بدرجة أعلى من عامة الناس. إن تحديدها في التوحد من شأنه أن يجعل من الممكن النظر في سمات معينة من التوحد بدلا من التركيز على الأعراض التي يمكن ملاحظتها فقط من خلال السلوك؛ على سبيل المثال سيكون من الملائم أكثر بالنسبة للبحث دراسة التعرف على المشاعر من خلال الوجه في التوحد والتي يمكن أن ترتبط بآليات دماغية معينة بدلاً من دراسة الكليات العاطفية في شموليتها، وهي عبارة عن مجموعة ديناميكية من العمليات المختلفة.

 

       5 هل التوحد مقولة ذات مصداقية؟ هل يدل على مرض؟

التوحد، إذن، حالة غير متجانسة للغاية معرفيا وجينيا، وهو يظهر بدرجات متفاوتة من الشدة، على الرغم من تجميع المظاهر المشتركة والتي يمكن التعرف عليها بسهولة. وقد تم على إثر ذلك طرح سؤال حول مدى مصداقيته.  يمكن النظر إلى مقولة من الطب النفسي على أنها ذات مصداقية valide إذا ثبت أنها كيان منفصل عن المتلازمات المجاورة الأخرى وعن الحالة الطبيعية بواسطة منطقة نادرة. وهذا يعني أن العناصر التي تشكل المقولة “تنفرد بها هذه المقولة مقارنة بالاضطرابات النفسية الأخرى”. وبالتالي، لكي يكون التوحد مقولة ذات مصداقية، يجب أن تتوفر له إمكانية التمايز عن المتلازمات الأخرى بخصائص ينفرد بها. ولكن إذا كان التوحد غير متجانس إلى هذا الحد، فهل يعني ذلك أن مقولة اضطراب طيف التوحد غير ذات مصداقية ويجب التخلي عنها؟ هذا ما اقترحه ووترهاوس (2009) Waterhouse، مشيرًا إلى أن التوحد عبارة عن تجميع عشوائي لمجموعة من أنماط من القصور العصبيdéficits neuronaux . كرر ووترهاوس وزملاؤه (2016) مؤخرا هذا الموقف، موضحًين أن اضطراب طيف التوحد لا يعكس مصداقية بيولوجية دماغية، ولا خصوصية معرفية تميزه عن الاضطرابات الأخرى وعن الحالة الطبيعية، وأنه لا توجد أيضًا علامة سلوكية فريدة تتنبأ بالتوحد. ويضيف المؤلفون أنه لا يوجد مسار تطوري خاص بالتوحد، ولا تجانس في النمط الظاهري له، أو في مجموعات فرعية مختلفة من التوحد، ويستنتجون من ذلك عدم مصداقية هذه المقولة. ولذلك يقترحون استخدام مفهوم اضطراب النمو العصبي والتخلي عن مفهوم اضطراب طيف التوحد (Waterhouse et al., 2016). ومع ذلك، يثير باحثون آخرون مشكلة تحديدية يعتقدون أنها ستنشأ من التغييرات التي اقترحها ووترهاوس وزملاؤه، فمن المرجح أن تكون فئة “اضطراب النمو العصبي” هي أخرى هشة مثلما هو حال مقولة اضطراب طيف التوحد. والحال أنه يجب تعريفه وتحديده إذا أردنا أن يحل محل اضطراب طيف التوحد. بالإضافة إلى ذلك، فإن التعامل مع اضطرابات النمو العصبي في شموليتها ستجبر الباحثين على العمل على مجموعة غير متجانسة هي الأخرى وتخاطر بجعل عملية اكتشاف العناصر البيولوجية التي يمكن أن تحدد فئات الأمراض المختلفة أكثر صعوبة. وبالتالي، إذا كان مجال اضطراب طيف التوحد غير ذي مصداقية حاليًا، فهو مفيد على الأقل لأغراض البحث حتى يتم اعتماد مقولة أو عدة مقولات جديدة.

ومع ذلك، يبدو أن مفهوم “الاضطراب” الذي يميز التوحد له معنى غير محدد نسبيا. وتبعاً للفيلسوف مول Mole، فإن هذا الاصطلاح يسمح في الواقع بتجنب المسألة المعقدة المتمثلة في وصف التوحد بأنه “مرض” (مول 2017Mole). تندرج هذه المسألة في الواقع في القضية المثيرة للجدل حول ما إذا كانت الحالات النفسية بشكل عام تُعد أمراضًا. وينبع الجدل وعدم الإجماع بشكل خاص من حقيقة أن تعريف “المرض” في حد ذاته لا يزال موضع جدل. في الواقع، يمكن فهم المرض على أنه “حالة داخلية تؤثر على الصحة، أي إنها تضعف واحدة أو أكثر من القدرات الوظيفية إلى ما دون الكفاءة النموذجية”، حيث يتم فهم الصحة بالنسبة إلى الحالة الأحيائية الطبيعية المحددة إحصائيًا (بالنسبة للجنس والعمر) (بورس، 2014). وبهذا المعنى، يبدو أنه من الممكن النظر إلى التوحد بوصفه مرضًا لأنه ينحرف عن الحالة الطبيعية الإحصائية فيما يتعلق بفعالية وظائف معينة. غير أن هذا الرد يعني النظر إلى الاختلاف على أنه قصور. وفي حالة التوحد، لا يبدو أنه يؤخذ في الحسبان الأشخاص التوحديون الذين لا تعبر اختلافاتهم المعرفية بالضرورة عن قصور. علاوة على ذلك، فإن تعريف بورس Boorse للمرض مردود عليه من قبل الباحثين الذين يرون أن مفهوم المرض يجب أن يتضمن بالضرورة معيارًا آخر: وهو أن يكون ضارًا، أو مؤذيا للشخص الذي يعيشه.  وبهذا المعنى، يبدو أن مسألة المرض في التوحد يجب أن تُطرح بشكل منفصل عند كل شخص توحدي، وجوابها يعتمد على الضرر المحتمل الذي قد يتعرض له الفرد المعني.  ومع ذلك، فإن هذا الحل ليس خاليا من عواقب إشكالية، لأنه يعني ضمنيا الولوج إلى الترتيبات التيسيرية الاجتماعية وإلى دعم من الأموال العمومية المخصصة فقط لجزء من الأشخاص التوحديين، أولئك الذين يُعَدون “مرضى” لأنهم يتعرضون للأذى (مول، 2017).

إذا بدا أن سؤال “المرض” في التوحد لا يزال دون إجابة، فقد يكون ذلك لأن السؤال نفسه يمثل مشكلة. فمن جهة، للفلسفة دور ينبغي أن تضطلع به في البحث عن تعريف للمرض: عليها أن تفكك العديد من الرهانات التصورية، النظرية والعيادية على حد سواء، والتي تنشأ من المعاني المختلفة المعطاة لهذا المصطلح. يجب أن يكون سؤال تطبيق مفهوم المرض على التوحد مسبوقا بتوضيح مفهوم المرض قبل أن يتم طرحه.  ومن جهة أخرى، يمكن النظر إلى هذا السؤال على أنه يحتوي على “خلل دلالي” (Mole, 2017)، أي مشكلة متأصلة في تطبيق مفهوم المرض على التوحد.  فتبعاً لمول، لا يمكننا ربط مصطلحين بشكل مناسب إذا كان الموقف المعياري الذي يستلزمه الربط لا يتوافق مع معايير تطبيق المصطلحات، وبالتالي مع التعريف الذي نمنحه لها، وبالتالي فهو يؤكد على أن تطبيق مفهوم المرض على التوحد يُلزمنا بتبني موقفين معياريين: الموقف الذي ينبغي بموجبه علاج التوحد، والموقف الذي ينبغي بموجبه التفكير في تصميم بعض الترتيبات التيسيرية الاجتماعية من أجل تسهيل اندماج الأشخاص التوحديين. والحال أنه، من وجهة نظره، ليست هاتان النتيجتان المعياريتان لاستعمال مصطلح المرض في الحديث عن التوحد، (أي النتيجة المعيارية للجمع بين المصطلحين) متوافقتين مع معايير تطبيق “المرض” على “التوحد”: فتعريف التوحد لا يسمح باستنتاج ضرورة وجود علاج، وهو ما يجب أن يستلزم ضرورة رفض تطبيق مفهوم “المرض” على التوحد، لكن خصائص التوحد تعني ضمناً فائدة بعض الترتيبات التيسيرية الاجتماعية، لذا فإن هذا الرفض، هو الآخر، غير مُرض. وبعبارة أخرى، فإن المواقف المعيارية الناتجة عن ارتباط مصطلحي “التوحد” و”المرض” ليست متماسكة لأنها لا تتوافق مع التعريفات المعطاة لهذين المصطلحين. إن الارتباط بين “التوحد” و”المرض” يتجاوز مجرد تطبيق معايير أحدهما على الآخر. يصفه مول باستخدام مصطلحات دوميت(Dummett)  بأنه “عديم الانسجام”. ويخلص إلى أن سؤال المرض في صلته بالتوحد لا يمكنه أن يطرح بشكل مناسب (Mole، 2017).

 

 هوامش  

 American Psychiatric Association (2013) Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders: DSM-5. American Psychiatric Association.

Boorse, C. (2014). A second rebuttal on health. Journal of Medicine and Philosophy, 39(6), 683‑724.

Herbert, M. R. (2010). Contributions of the environment and environmentally vulnerable physiology to autism spectrum disorders. Current opinion in neurology, 23(2), 103110.

Kanner, L. (1943). Autistic disturbances of affective contact. Nervous Child, 2(2), 217250.

Mole, C. (2017). Autism and ‘disease’: The semantics of an ill-posed question. Philosophical  Psychology, 30(8), 1126‑1140.

Waterhouse, L. (2009). Autism is a portmanteau syndrome. Neuropsychology review, 19(2), 275‑276.

Waterhouse, L., London, E., & Gillberg, C. (2016). ASD Validity. Review Journal of Autism and Developmental Disorders, 3(4), 302‑329.

 

- سعيد الحنصالي

معهد الدراسات والأبحاث للتعريب / جامعة محمد الخامس - الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.