Lahoucine Aammari, British Travel Writers in Morocco, 1856–1937: Discursive Encounters, Liverpool University Press, 2026, 224 p.
يشكل أدب الرحلة أحد أكثر الحقول المعرفية ثراء وتعقيدا في الدراسات الإنسانية الحديثة، لما يوفره من إمكانات لفهم طبيعة التفاعلات الحضارية والثقافية التي نشأت بين المجتمعات المختلفة عبر التاريخ. فالنصوص الرحلية لا تنقل فقط مشاهدات الرحالة وانطباعاتهم الشخصية، بل تكشف أيضا عن البنيات الفكرية والتمثلات الذهنية والقيم الثقافية التي كانت تؤطر نظرتهم إلى الشعوب والأماكن التي زاروها. ومن هذا المنطلق لم يعد ينظر إلى أدب الرحلة باعتباره مجرد سجل جغرافي أو وثيقة وصفية محايدة، بل أصبح يُقرأ بوصفه خطابا ثقافيا وسياسيا يسهم في إنتاج المعرفة وإعادة تشكيل الواقع وصناعة صورة الآخر.
وقد تضاعفت أهمية هذه المقاربة مع صدور كتاب إدوارد سعيد “الاستشراق” سنة 1978، والذي أحدث تحولا عميقا في دراسة النصوص الأوروبية المتعلقة بالعالم الإسلامي، بحيث أبرز العلاقة الوثيقة بين المعرفة والسلطة، وبين التمثيل الثقافي والمشروع الإمبريالي. وفي ضوء هذا التحول النظري شهدت دراسات الرحلة خلال العقود الأخيرة تطورا ملحوظا، بانتقال الباحثين من الاهتمام بالبحث عن المعطيات التاريخية والإثنوغرافية داخل النصوص إلى دراسة آليات إنتاج الخطاب والتمثلات والصور النمطية.
يندرج كتاب الباحث المغربي الحسين أعماري “كُتَّاب الرحلة البريطانيون في المغرب، 1856-1937: لقاءات خطابية” الصادر سنة 2026 عن منشورات جامعة ليفربول، في هذا السياق. وهو يكتسي أهمية خاصة لأنه يعالج جانبا ظل مهمشا نسبيا ضمن الدراسات المغربية والدولية، ويتمثل في المدونة الرحلية البريطانية حول المغرب. فرغم أن الدراسات المتعلقة بصور المغرب في الكتابات الأوروبية عرفت تراكما مهما خلال العقود الأخيرة، إلا أن أغلبها انصب على النصوص الفرنسية والإسبانية بحكم ارتباطها المباشر بتاريخ الحماية والاستعمار، بينما ظلت الكتابات البريطانية أقل حضورا رغم أهميتها التاريخية والفكرية.
يسعى أعماري إلى سد هذا الفراغ العلمي من خلال دراسة واسعة لمجموعة من النصوص الرحلية البريطانية التي كتبت بين سنتي 1856 و1937، وهي فترة مفصلية في تاريخ المغرب المعاصر. فالسنة الأولى تحيل على المعاهدة التجارية البريطانية المغربية الموقعة بطنجة سنة 1856، والتي منحت الرعايا البريطانيين امتيازات واسعة في التجارة والإقامة والتنقل، أما سنة 1937 فتمثل نهاية مرحلة كاملة من الامتيازات البريطانية بالمغرب بعد تخلي بريطانيا عن معظم امتيازاتها القنصلية والتجارية لصالح فرنسا. وبين هذين التاريخين عرف المغرب تحولات عميقة تمثلت في اشتداد التنافس الإمبريالي الأوروبي، وتفاقم الأزمة المالية والسياسية للدولة المغربية، ومؤتمر الجزيرة الخضراء، وفرض الحماية الفرنسية والإسبانية سنة 1912، ثم بروز الحركة الوطنية المغربية خلال الثلاثينيات. وقد كتبت النصوص التي يدرسها المؤلف في قلب هذه التحولات، مما يجعلها وثائق أساسية لفهم الكيفية التي نظر بها البريطانيون إلى المغرب خلال هذه المرحلة.
تتميز مقدمة الكتاب بكونها لا تنطلق مباشرة من القرن التاسع عشر، بل تعود إلى الجذور التاريخية للعلاقات المغربية البريطانية. ويبين المؤلف أن صورة المغرب في المخيال الإنجليزي لم تتشكل مع توقيع معاهدة 1856، وإنما تعود إلى قرون سابقة، حيث لعبت العلاقات التجارية والدبلوماسية بين الدولة السعدية والتاج البريطاني دورا مهما في بدايات حضور المغرب في الثقافة البريطانية. كما يوضح أن المغرب احتل موقعا خاصا داخل الوعي الإنجليزي بسبب قربه الجغرافي من أوروبا وارتباطه بالعالم الإسلامي في الوقت نفسه، مما جعله فضاء يجمع بين الألفة والاختلاف، وبين الجوار المكاني والبعد الثقافي.
إلى جانب هذا البعد التاريخي، تحتوي المقدمة على تأطير نظري ومنهجي يوظف فيه المؤلف أعمال إدوارد سعيد وميشيل فوكو وفريدريك جيمسون وماري لويز برات، ويعيد النظر في أدب الرحلة باعتباره “ممارسة خطابية” مرتبطة بعلاقات القوة والهيمنة. فالنصوص الرحلية وفق هذا المنظور، ليست مجرد انعكاس للواقع، وإنما تسهم في إنتاجه وإعادة تشكيله. ولذلك ينتقل السؤال المركزي للكتاب من “ماذا قال الرحالة عن المغرب؟” إلى “كيف كتبوا عن المغرب؟” و”ما الشروط الفكرية والسياسية التي جعلت هذه الكتابة ممكنة؟”
تلخص عبارة «اللقاءات الخطابية» في العنوان الفكرة المركزية التي تتمحور حولها الدراسة، إذ لا يتحدث المؤلف عن لقاءات حقيقية بين البريطانيين والمغاربة فحسب، بل عن لقاءات تحدث داخل النصوص والخطابات. فالمغرب الذي يصل إلى القارئ البريطاني ليس المغرب الواقعي بقدر ما هو المغرب الذي أعاد الرحالة إنتاجه وصياغته وفق منظومة من التصورات والأحكام المسبقة والصور النمطية. ومن ثم تصبح الرحلة فعل تمثيل وإعادة بناء للواقع أكثر من كونها مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر.
في الفصل الأول المعنون بـ”إعادة رسم الجغرافيات ما قبل الاستعمارية”، ينتقل المؤلف إلى دراسة تمثيل المجال المغربي داخل النصوص الرحلية البريطانية. ويبين أن المعرفة الجغرافية خلال القرن التاسع عشر لم تكن منفصلة عن المشروع الاستعماري الأوروبي، بل كانت جزءا من آلياته الأساسية. وانطلاقا من أعمال فيليكس درايفر (Felix Driver) حول العلاقة بين الجغرافيا والإمبراطورية، يوضح المؤلف أن الرحالة المرتبطين بالجمعية الجغرافية الملكية لم يكونوا مجرد مستكشفين محايدين، بل كانوا يساهمون في تحويل المجال المغربي إلى فضاء قابل للمعرفة والتصنيف والإدارة والسيطرة. ويحلل المؤلف في هذا السياق أعمال الرحالة جوزيف تومسون (Joseph Thomson)، مبيِّنا كيف امتزج الوصف الطوبوغرافي بالأحكام العرقية والثقافية المسبقة. فالجبال والقبائل والمسالك الوعرة لا تُقدَّم باعتبارها معطيات طبيعية فقط، بل باعتبارها استعارات تعكس ما اعتبره الرحالة تخلفا اجتماعيا وحضاريا. وهكذا تتحول الجغرافيا إلى أداة لإنتاج خطاب يبرر التدخل الأوروبي ويمنح الشرعية لمشاريع السيطرة والاستغلال.
كما يبرز الفصل الكيفية التي تم بها تمثيل المدن المغربية. فقد تم تقديم طنجة باعتبارها فضاء منفتحا ومتعدد الثقافات، في مقابل تصوير مدن مثل فاس ومراكش ومكناس باعتبارها فضاءات للانغلاق والانحطاط. ويبين المؤلف أن هذا التمييز لم يكن بريئا، بل أدى وظيفة إيديولوجية واضحة، إذ ساهم في تكريس صورة المغرب باعتباره فضاء يحتاج إلى التحديث والتدخل الخارجي. ومن الأمثلة الدالة على ذلك الطريقة التي وصفت بها السجون والمطامير، حيث تحولت في النصوص الرحلية إلى رموز للتخلف والاستبداد، واستُخدمت لتبرير الخطاب الاستعماري الداعي إلى الإصلاح والتمدين.
يتناول الفصل الثاني ما يسميه المؤلف “بلاغة المرئي”، من خلال دراسة أعمال والتر هاريس وويندم لويس (Wyndham Lewis). ويعد هذا الفصل من أكثر فصول الكتاب أصالة، لأنه ينتقل من تحليل النصوص إلى تحليل الصور والرسوم والوصف البصري. ويوظف المؤلف هنا مفهوم “العيون الإمبريالية” لدى ماري لويز برات (Mary Louise Pratt)، ليبين أن فعل النظر والمعاينة لم يكن عملية بريئة، بل أداة لإنتاج المعرفة الإمبراطورية.
يحلل المؤلف بصورة خاصة كتابات والتر هاريس، الذي يمثل شخصية محورية في الكتاب. فقد عاش الرجل سنوات طويلة بالمغرب، وأقام علاقات واسعة مع شخصيات نافذة داخل المخزن، مما جعله أحد أهم مصادر المعلومات حول المغرب بالنسبة إلى الرأي العام البريطاني. غير أن هذه المعرفة كما يوضح المؤلف لم تكن محايدة، بل كانت مرتبطة بالمصالح الاستعمارية البريطانية وبإنتاج صورة معينة عن المغرب. كما يجسد هاريس التحولات التي عرفتها السياسة البريطانية نفسها، إذ انتقلت من الدفاع عن النفوذ البريطاني إلى تأييد المشروع الفرنسي بعد الحماية.
يبرز التحليل النقدي كيف عمد هاريس إلى تجريد السلاطين ورجال الدولة من هيبتهم السياسية عبر التركيز على جوانب فولكلورية أو كاريكاتورية، مما ساهم في تقديم السلطة المغربية باعتبارها سلطة عاجزة أو متخلفة. كما يبين المؤلف أن ويندم لويس وظف بدوره أدواته الفنية والجمالية لإعادة صياغة صورة المغرب كفضاء للجمود والانحطاط الحضاري. وهكذا تصبح الصورة أداة للهيمنة الرمزية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية أو النفوذ السياسي.
يتمحور الفصل الثالث على تمثيل السلاطين والأعيان المخزنيين في الكتابات البريطانية. ويؤكد المؤلف أن هذه الشخصيات لم تُقدَّم بوصفها فاعلين سياسيين لهم تعقيداتهم، بل باعتبارها شخصيات مسرحية أو فولكلورية تحيط بها الطقوس والاحتفالات. وقد أدى هذا التمثيل وظيفة إيديولوجية واضحة، إذ ساهم في تصوير الدولة المغربية باعتبارها بنية تقليدية عاجزة عن الإصلاح الذاتي، وهو ما انسجم مع الخطابات الأوروبية التي كانت تبرر التدخل الاستعماري باعتباره ضرورة حضارية.
ويحلل المؤلف كذلك الكيفية التي تم بها تصوير الوزراء والباشوات والقواد، حيث تتكرر صور الفساد والمؤامرات والقسوة والاستبداد. ويرى أن هذه الصور لم تكن مجرد ملاحظات وصفية، بل شكلت جزءًا من خطاب أوسع يهدف إلى نزع الشرعية عن المؤسسات التقليدية المغربية وإضفاء الشرعية على مشاريع الوصاية والإصلاح الاستعماري.
تكمن القيمة العلمية الأساسية لهذا الكتاب في نجاحه في الجمع بين التاريخ والأدب والدراسات الثقافية، وفي قدرته على توظيف نظريات ما بعد الاستعمار لتحليل مدونات واسعة من النصوص البريطانية التي لم تحظ سابقًا بما تستحقه من اهتمام. كما يتميز العمل بربطه الدقيق بين التحليل النصي والسياقات السياسية والثقافية التي أنتجت هذه النصوص، مما يمنحه عمقًا تفسيريا واضحًا.
ومن أهم إسهامات الكتاب أيضًا أنه يعيد إدراج المغرب داخل تاريخ الإمبراطورية البريطانية من زاوية جديدة، ويبرز أن المواقف البريطانية لم تكن متجانسة، بل تراوحت بين الدعوة إلى التوسع الاستعماري، والدفاع عن الإصلاح غير المباشر، ثم تأييد المشروع الفرنسي بعد فرض الحماية. كما يساهم في توسيع مجال الدراسات المتعلقة بالعلاقات الأنجلو-مغربية، وفي إبراز الدور الذي لعبته الكتابة الرحلية في إنتاج المعرفة الإمبريالية حول المغرب.
ومع ذلك، لا يخلو الكتاب من بعض الحدود المنهجية التي تستحق النقاش. فالحضور القوي لمقاربة إدوارد سعيد يمنح الدراسة قوة تفسيرية كبيرة، لكنه يدفع أحيانًا إلى قراءة معظم النصوص من منظور الهيمنة الإمبريالية وحدها. والحال أن بعض الرحالة البريطانيين كانت مواقفهم أكثر تعقيدًا وتنوعًا مما تسمح به هذه القراءة. كما أن حضور الفاعل المغربي يبقى محدودًا نسبيًا، إذ يركز الكتاب أساسًا على كيفية كتابة البريطانيين عن المغرب أكثر من تركيزه على ردود الفعل المغربية تجاه تلك الكتابات أو على أشكال التفاعل المحلي معها. إلى جانب ذلك، لا يهتم الكتاب بتوسيع المقارنة مع المدونات الفرنسية والإسبانية المعاصرة لإبراز خصوصية الخطاب البريطاني بصورة أوضح، وهو ما من شأنه أن يسمح بتحديد ما إذا كانت الصور والتمثلات التي يرصدها المؤلف جزءًا من خطاب استعماري أوروبي عام، أم أنها تحمل خصوصيات مرتبطة بالتجربة البريطانية وحدها.
يندرج هذا العمل ضمن الدراسات الرصينة التي أعادت قراءة المصادر الرحلية الأوروبية من منظور نقدي معاصر، مستكشفًا الأبعاد الثقافية والسياسية الكامنة وراء تمثيل المغرب في الكتابات البريطانية. وبفضل غنى مادته المصدرية وتماسك بنائه النظري، يشكل الكتاب إضافة مهمة إلى الدراسات المغربية والدولية المهتمة بتاريخ التمثلات والعلاقات الأنجلو-مغربية. لذلك يمكن اعتبار هذا الكتاب مرجعًا أساسيًا للباحثين المهتمين بتاريخ المغرب الحديث، وبالكتابة الرحلية، وبالتمثلات الأوروبية للمغرب، وبالدور الذي لعبه أدب الرحلة في إنتاج المعرفة الإمبراطورية خلال القرنين التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه