النقابة والسياسة: قراءة في مسار المحجوب بن الصديق

 

رضوان سليم، المحجوب بن الصديق رائد الحركة النقابية الوطنية، منشورات الاتحاد المغربي للشغل، 2025.

 

تقديم

      في يوم 17 شتنبر 2010، ووري جثمان زعيم الاتحاد المغربي للشغل، المحجوب بن الصديق، الثرى مرفوقا بأسرار كثيرة تتعلق بمساره الشخصي، وبتاريخ الحركة النقابية المغربية، وتاريخ المغرب زمن الحماية والاستقلال. لم يُخلّف المحجوب بن الصديق مذكرات تروي مساره الطويل، لذلك اعتبرت وفاته ضياعا لذاكرة حية يتأسف عليها القراء والباحثون. وفي هذه السنة، وبعد مرور سبعين سنة على تأسيس الاتحاد المغربي للشغل وخمس عشرة سنة على وفاة ابن الصديق، يصدر رضوان سليم، وهو مقرب جدا من الزعيم النقابي الراحل، كتابا بعنوان المحجوب بن الصديق رائد الحركة النقابية الوطنية، ضمن منشورات الاتحاد المغربي للشغل. يؤكد رضوان سليم في مقدمة هذا الكتاب أن المحجوب بن الصديق لم يكتب مذكراته “تعبيرا عن شعوره بأنه ليس فردا، بل ذاتا منصهرة في مجرى الزمن المغربي” (ص. 15)، ووفاء لذكراه يحاول المؤلف أن يبرز جانبا معيّنا من سيرة هذا القائد النقابي وهو دفاعه عمَّا أسماه بـ “النقابية الوطنية” وهو مفهوم “يصهر الفكرة النقابية في الفكرة الوطنية، ويدمج الوعي الطبقي العمالي في الشعور الوطني المغربي […] والذي تبلور من خلال مسلسل جدلي من الأفكار والممارسات” (ص. 15). ويشكل كتيب الحركة النقابية المغربية تمضي قدما اللبنة الأساس في بناء محاور هذا الكتاب مع امتدادات أخرى جاء بها المؤلف، وكان المحجوب بن الصديق قد ألفه سنة 1952 وهو معتقل بسجن القنيطرة.

إن مراجعة هذا الكتاب قمينة بفتح الشهية لمناقشة عدد لا يحصى من القضايا المعرفية والمنهجية المتعلقة بكتابة تاريخ المغرب القريب، وكتابة سير الأفراد، وسياقات الكتابة، …إلخ. لهذا تنحو هذه القراءة إلى إثارة بعض النقاط المركزية التي من شأنها أن تشحذ الأذهان على التساؤل، وبناء عليه سنركز على سياق صدور هذا الكتاب، ومنهج المؤلف في تأليفه، وبعض القضايا المنهجية التي سنثيرها على شكل قراءة نقدية لمضمون ومنهج الكتاب.

 

استدعاء المحجوب بن الصديق في سياق متوتر

بنهاية مارس 2025، تكون قد حلت الذكرى السبعين لتأسيس أول تنظيم نقابي مغربي، وهو الاتحاد المغربي للشغل الذي تأسس بالضبط في 20 مارس 1955. وبهذه المناسبة أصدر رضوان سليم كتابا “يؤرخ” للحركة النقابية المغربية عبر سيرة المحجوب بن الصديق (1922-2010)، أول أمين عام للاتحاد المغربي للشغل. وقد أبى الميلودي مخاريق، الأمين العام الحالي للاتحاد منذ 2010، في التقديم الذي قدَّم به الكتاب للقراء، إلا أن يربط الماضي بالحاضر ويذكّر بنضالات الطبقة العاملة في الماضي، رابطا إياها بالصراع الذي تخوضه المركزيات النقابية مع الحكومة الحالية بخصوص قانون الإضراب وكأن التاريخ يعيد نفسه بشكل ما، أو كأن الحركة النقابية المغربية تعود إلى نقطة الصفر. وإلى هذا يلمح الميلودي مخاريق بقوله: “كان مطلب “الحق النقابي” منطلق النضال من أجل تأسيس تنظيم نقابي عمالي وطني، وهو ما تحقق فعلا يوم 20 مارس 1955 بميلاد “الاتحاد المغربي للشغل”، ونحن نناضل اليوم ضد قانون مجحف يهدف إلى تكبيل ممارسة حق الإضراب، باعتباره السلاح القانوني الذي يلجأ إليه العمال عندما تفشل جولات الحوار” (ص. 9). ولعل فشل جولات الحوار هي التي جعلت الميلودي مخاريق يستغل تقديم الكتاب، ليس للتنويه بأهميته العلمية والتوعوية، وإنما لتمرير المواقف الرسمية للاتحاد المغربي للشغل من النقاشات الدائرة حاليا حول القانون التنظيمي للإضراب، فقد “عبرت عن رفضنا القاطع لهذا القانون، الذي نعتبره اعتداء على “الحق النقابي” وموقفا منحازا للباطرونا، ومعاديا للطبقة العاملة. وقد عبر “الاتحاد المغربي للشغل” عن موقفه الصارم بالدعوة إلى خوض إضراب عام يومي 5 و6 فبراير 2025، وهو الإضراب الذي عرف نجاحا كبيرا بفضل الانخراط الجماعي للقطاعات المنضوية تحت لواء “الاتحاد المغربي للشغل”، مما يدل على قوة التنظيم، وتلقائية الاستجابة ومشروعية الرفض. وكما ناضل الاتحاد المغربي للشغل بالأمس من أجل نيل الحق النقابي، فإننا نناضل اليوم من أجل صيانة الحق في ممارسة الإضراب” (ص. 10).

يبدو أن إصدار كتاب رضوان سليم، بغض النظر عن قيمته الفكرية، في هذه السنة بالضبط هو نوع من الاحتفاء بمرور سبعين سنة على تأسيس الاتحاد المغربي للشغل، واحتفاء بأحد رموزه المؤسسين أي المحجوب بن الصديق. لكن الكتاب أُقحِم في السجال السياسي والنقابي الدائر اليوم حول مشروع قانون الإضراب الذي تأخر صدوره لسنوات طويلة، ولعل الغاية من هذا الإقحام هي توجيه رسائل سياسية مباشرة لكل المعنيين (الحكومة، الأحزاب، المركزيات النقابية الأخرى، الشغيلة، …إلخ)، خاصة إذا استحضرنا أن صدور الكتاب جاء بعد أسابيع قليلة على تنظيم المؤتمر الثالث عشر للاتحاد المغربي للشغل أيام 21-22-23 فبراير من السنة الحالية. ولهذا كان التقديم مشحونا بالرسائل “النضالية” كقول الميلودي مخاريق “إن وفاءنا لروح 20 مارس 1955 يلزمنا بالسير على هدى أسلافنا الذين عملوا على صون منظمتنا العتيدة ودوام بقائها حصنا منيعا في وجه خصومها الذين لم يترددوا في السعي إلى إضعاف شوكتها وتقليص نفوذها، بل تحطيمها، وهو الأمر الذي يفرض علينا اليوم، مواصلة العمل من أجل تعزيز التنظيم وتدعيم التضامن وتطوير أساليب النضال” (ص. 11).

يقف الكاتب مطولا، وفي ست صفحات كاملة، عند دلالة صورة الغلاف التي يظهر فيها المحجوب بن الصديق وهو يقدم للملك الراحل محمد الخامس (يوم 27 أبريل 1959) الملتمسات التي صادق عليها المؤتمر الوطني الثاني للاتحاد المغربي للشغل. وقد أراد رضوان سليم لهذه الصورة أن “تعبر عن مشاعر تفيض مودة، ابتسامة الحاني [أي الملك محمد الخامس] يمنح اللقطة ديمومة خالدة، وتجلي شهادة على تاريخ مجيد ووفاء أصيل، وبرهان أكيد على الانسجام القائم بين نضال الملك ونضال الطبقة العاملة” (ص. 3). ويتوسل المؤلف بالصورة ليدعم أطروحة متداولة لدى النقابيين الأوائل وعلى رأسهم المحجوب بن الصديق، وهي من السردية الخاصة بالاتحاد المغربي للشغل، وتفيد بأن استقلال المغرب هو ثمرة تضحيات الطبقة العاملة والملك محمد الخامس، لأن هذا الأخير، يقول رضوان سليم، هو “الوحيد من بين جميع الملوك والرؤساء الذين نفتهم القوة الاستعمارية الفرنسية الغاشمة إلى الجزر النائية، رجع إلى وطنه منتصرا واعتلى عرشه مظفرا، وأذاق فرنسا مرارة الخيبة وتجرع غصة الفشل وإذلال الاستسلام المهين. الجماهير الشعبية هي التي أشعلت الثورة، والجماهير هي التي قادتها، والجماهير هي التي دفعت ثمنها دما ودموعا. قادتها طليعة من النقابيين والفدائيين، وخاضتها الجماهير الشعبية في المدن والبوادي، في السهول والجبال” (ص. 8). واضح من خلال هذا الاقتباس أن رضوان سليم ينظر إلى قضية استقلال المغرب بعيون المحجوب بن الصديق الذي جاهد طويلا للتغطية على دور السياسيين، أو تقزيمه، في الجهود المفضية إلى استقلال المغرب.

 

كتاب مهم، ولكن …

يكشف المؤلف رضوان سليم عن المنهج، الاختياري أو الاضطراري، الذي اتبعه في كتابة سيرة المحجوب بن الصديق قائلا: “يواجه كاتب سيرة المحجوب بن الصديق عائقا منهجيا، ذلك أن كتابة السيرة هي شهادة على حياة فردية، بينما يفرض تدوين سيرته سرد وقائع عصره التاريخي، أي كتابة تاريخ أشمل من تاريخه الخاص، لكن وفق رؤية جديدة تدمج الحركة العمالية في التاريخ الوطني المغربي، وهي الحركة التي حرص التمثل التاريخي للحركة الوطنية على إقصائها، وتهميش دورها وإسدال ستار النسيان على وجودها، ما يفرض حتما، إعادة كتابة تاريخ الحركة الوطنية المغربية والمقاومة العمالية الشعبية بمقاربة جديدة هي رؤية الحركة النقابية الوطنية” (ص. 233). ولهذا فقد جاء الكتاب فقيرا من حيث المعطيات الدقيقة المتعلقة بشخص المحجوب بن الصديق وأدواره الحقيقية في الحركة النقابية المغربية سواء أثناء النضال الوطني ضد المستعمر أو بعد استقلال المغرب، إما بسبب قلة المصادر حولها أو بسبب عدم الرغبة في الكشف عنها.

تقتضي المقاربة البيوغرافية الوقوف عند المنعطفات الكبرى في مسار الشخص، والوصف الدقيق لتمفصل هذه المنعطفات مع الأحداث الكبرى على المستوى الوطني والعالمي. ولهذا كان لابد من التركيز على لحظة تشكل الوعي السياسي والنقابي للمحجوب بن الصديق، وعلى حيثيات الصراع الوطني ضد الاستعمار الذي أوصل ابن الصديق إلى الأمانة العامة للاتحاد المغربي للشغل. كما أن تاريخ المغرب بعد 1955 عرف أحداثا مفصلية كان للمحجوب بن الصديق أدوار فيها مثل علاقته بالحزبين الكبيرين: الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ومواقف الاتحاد من بعض الحركات الاحتجاجية في المغرب المستقل، وصولا إلى حكومة التناوب، والصراعات السياسية والنقابية في العهد الجديد منذ مطلع الألفية الثالثة.

كان يمكن لبيوغرافيا المحجوب بن الصديق أن تفتح نافذة مهمة على تاريخ المغرب القريب بكل تموجاته الدقيقة، غير أن المؤلف غرق، وبشكل مبالغ فيه، في المقاربة السياقية التي أراد بها أن يدمج المحجوب بن الصديق في عصره. لكن عملية دمج بن الصديق في الاتحاد المغربي للشغل، وفي تاريخ الحركة النقابية المغربية، وبالتالي في تاريخ المغرب القريب، جعل هذا الزعيم النقابي يختفي خلف أحداث عصره وخلف تاريخ الاتحاد المغربي للشغل، ولا يطل علينا إلا في أسطر قليلة ومتفرقة، ليعود ويختفي ويبتلعه السياق من جديد. ويبرر المؤلف ذلك بقوله: “يتماهى المحجوب بن الصديق مع الاتحاد المغربي للشغل، وهو بالنسبة له، ليس موضوعا يتملكه أو تنظيما نقابيا يدير شأنه، أو حزبا سياسيا يرسم خطه، بل هو قطعة أصيلة من وجوده. لا يعبر التماهي عن روح مزاجي، أو رغبة نفسية أو مصلحة نفعية بل يعكس صميم هويته” (ص. 234). صحيح أن البيوغرافيا الحديثة، وكما نظرت لها مدرسة الحوليات، تتخذ من الفرد نافذة للإطلالة على عصره، وفهم اتجاه الأحداث والصراعات الدائرة فيه، لكنها لا تغيب دور هذا الفرد في التطور التاريخي، فالفرد مُنتِج ونتاجٌ لهذا السياق التاريخي الذي كان يتحرك فيه. ولهذا فوفاء لروح السيرة، ومهما كانت طبيعة التحديات المطروحة، كان الأجدر بالمؤلف أن يحرص على إبراز أدوار المحجوب بن الصديق، سلبية كانت أم إيجابية، في تطور الحركة النقابية المغربية وفي الأحداث المفصلية في تاريخ المغرب، على الأقل منذ 1955.

ولا يفوتني التنبيه إلى بعض الأخطاء التي وقع فيها المؤلف، والمرتبطة بالخصوص بالتدقيق في الوقائع والأعلام والحيثيات التاريخية، وسأكتفي بمثالين فقط. ففي تعليقه على المواقف من التصويت على دستور 1962، وقع المؤلف في بعض الهفوات مثل قوله: “وهو الموقف الذي عبر عنه عبد الهادي بوطالب عن حزب الشورى والاستقلال بقوله: “إن الشعب المغربي لما قال نعم فإنه قرر بناء مستقبله تحت ظل ملكه ومؤسساته التمثيلية”” (ص. 159). ولا يخفى على المطلعين أن حزب الشورى والاستقلال لم يكن له وجود سنة 1962 لأنه كان قد حل نفسه سنة 1959، ثم إن عبد الهادي بوطالب كان سنة 1962 بدون انتماء حزبي لأنه انشق عن حزب الشورى والاستقلال سنة 1959 لينضم إلى مؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية قبل أن ينسحب من القيادة الجماعية لهذا الحزب بسبب خلافات مع باقي القيادات، وعلى رأسها المحجوب بن الصديق زعيم التيار النقابي، ليتقلب من ساعتها في عدة مناصب سامية كأحد المقربين جدا من الملك الراحل الحسن الثاني. وفي غمرة الحديث عن الانتخابات التشريعية لسنة 1963 يؤكد المؤلف: “ذلك أن حزب جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية بقيادة أحمد رضا اﮔديرة، وهو الحزب الذي تأسس قبل شهرين من تنظيم الانتخابات وحصل على 74 مقعدا من أصل 104 مقعد ونال بذلك الأغلبية المطلقة” (ص. 168). وفي هذا الاقتباس بعض المعطيات غير الدقيقة. أولا، لم تكن جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية حزبا بالمعنى الدقيق للكلمة بل تكتلا سياسيا ضم ثلاثة أحزاب هي: حزب الأحرار المستقلين، وحزب الدستور الديمقراطي (وريث حزب الشورى والاستقلال)، ثم حزب الحركة الشعبية. ثانيا، لم تحصل الجبهة على الأغلبية المطلقة في انتخابات 1963 بل على أغلبية نسبية بعدد مقاعد يقدر بـ 69 مقعدا (وليس 74 مقعدا) من أصل 144 (وليس 104)[1]. ويبدو أن المؤلف وقع له خلط بين الأرقام التي أفرزتها الانتخابات التشريعية المنظمة في ماي 1963، والنتائج التي أسفر عنها الاقتراع غير المباشر لانتخاب أعضاء مجلس المستشارين في أكتوبر 1963 (حصلت جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية على 104 مقاعد من أصل 120 مقعد).

هذه ملاحظات منهجية ونقدية كان لابد من إثارتها، لكن يبقى الكتاب ذا أهمية قصوى في لفت انتباه القراء والباحثين إلى مجموعة من القضايا الرئيسية في تاريخنا الراهن، كما يثير فضول الباحثين لطرق مسالك بحثية جديدة والنبش في موضوعات قلما انتبه لها أو بُحث فيها في حقل العلوم الإنسانية. لابد أن نقر بداية أن الكتاب جاء ليذكرنا بقلة ما كتب، وتفاوت جودته، حول تطورات الحركة النقابية في المغرب، خاصة بعد التحرر من ربقة الاستعمار. ومن ثمة فالكتاب يكشف عن جهلنا بأدق تفاصيل الحركة النقابية المغربية وأدوار ابن الصديق فيها (حيثيات الميلاد والتأسيس، أشكال ومغزى النضالات النقابية، الأدوار السياسية للنقابات، الإشعاع القاري والدولي، …)، خاصة وأنه توفي سنة 2010 دون أن يخلف وراءه مذكرات شخصية.

وزيادة على ذلك، يسلط هذا الكتاب الضوء على قِدم معضلة قانون الإضراب، موضوع الصراع الحالي بين الحكومة والنقابات، وأنها ليست وليدة اليوم، وكيف أن كل الحكومات السابقة كانت تتحاشى الخوض فيها، لكنها كانت تحاول كبح الإضرابات بكل الوسائل. يقول رضوان سليم عن مدونة الشغل لسنة 1992: “يتجاهل مشروع مدونة الشغل حق الإضراب وهو تجاهل مقصود لهذا المكتسب الأساسي، للطبقة العاملة المغربية. يحدد المشروع مسطرة للصلح والوساطة والتحكيم قبل اللجوء إلى ممارسة حق الإضراب، وهي مسطرة معقدة وطويلة الأمد مما يؤدي في النهاية إلى وضع حواجز قانونية يصعب اجتيازها. وتسمح المادة 60 بتوقيف عقد الشغل أثناء مدة الإضراب وإحلال أجير محل أجير آخر في حالة توقف عقد الشغل وهذا يعني السماح للمشغل باستخدام عمال مؤقتين لتعويض العمال المضربين” (ص. 223). إن احتداد النقاش حول الحقوق النقابية، وحق الإضراب بالضبط، مرتبط بسياق خاص في تاريخ المغرب. لقد تَصدَّر قانون الإضراب النقاشات النقابية والسياسية منذ سنة 1992 على الأقل، أي منذ اللحظة التي دخل فيها العالم مرحلة جديدة في ظل نظام عالمي جديد، تقوده الولايات المتحدة في العلن، وتسيره لوبيات الشركات الكبرى متعددة الجنسيات. وقد مورست ضغوطات على المغرب من قبل المؤسسات المالية الدولية للتراجع عن بعض المكتسبات النقابية، وعلى رأسها حق الإضراب، لتشجيع الاستثمارات الخارجية، ولا يزال هذا الرهان واحدا من الرهانات التي تؤطر النقاش حول قانون الإضراب في أيامنا هذه.

وإلى جانب هذا، يثير الكتاب انتباهنا إلى موضوع في غاية الأهمية قلَّ ما اشتغلت عليه العلوم الإنسانية، وخاصة منها التاريخ، وهو موضوع تاريخ التشريعات والسياسات الاجتماعية في المغرب من الحماية إلى اليوم. ولا تخفى راهنية هذا الموضوع في ظل النقاش الدائر اليوم حول السياسات الاجتماعية التي انخرط فيها المغرب في العشر سنوات الأخيرة على الأقل، وعنوانها الأبرز السجل الاجتماعي الموحد. ولعل مقاربة تاريخ المغرب المعاصر والراهن من منظور تطور التشريعات والسياسات الاجتماعية سيساعد على الكشف عن طبيعة ورهانات الصراع بين الحكومات المتعاقبة والمركزيات النقابية منذ زمن الاستعمار إلى اليوم. كما سيساعد على فهم العوامل الداخلية والخارجية المتحكمة في تغير السياسات العمومية، خاصة منها الاقتصادية والاجتماعية، من عقد إلى آخر، وكذلك ملامسة أشكال وحدود تفاعل السياسات العمومية المغربية مع توصيات المؤسسات المالية الدولية.

 

تحليل الأحداث بمنظار الفاعلين التاريخيين

ذيّل رضوان سليم كتابه بضميمة سماها “ما بعد الخاتمة: حكاية سيرة” (ص. 243-301)، ضمنها شذرات من سيرته الشخصية منذ سن الحادية عشرة، وركز فيها بالخصوص على مساره الدراسي والسياسي، ونشاطه كمناضل في صفوف الاتحاد المغربي للشغل. يقول حول انتمائه إلى هذه المركزية النقابية: “كان انخراطي في “الاتحاد المغربي للشغل” […] سلوكا تلقائيا إن لم يكن ضروريا، اعتبارا أولا لارتباطي بالمنظمة العمالية منذ طفولتي وثانيا للعلاقة العضوية بين الاتحاد الوطني لطلبة المغرب و”الاتحاد المغربي للشغل” (ص. 254). وفوق هذا الانتماء إلى الاتحاد المغربي للشغل، يتقاطع مسار رضوان سليم مع مسار المحجوب بن الصديق منذ اللحظة التي عبر فيها المؤلف بوابة المقر الرئيسي للاتحاد لمقابلة ابن الصديق لأول مرة سنة 1973، لما “عبرت مدخل الاتحاد المغربي للشغل بشارع الجيش الملكي، عمارة شاهقة […] كان باب المحجوب بن الصديق بالطابق الثامن مشرعا، وقفت أمامه مترددا، وكان صخب المكان يدل على انعقاد اجتماع […] لم يغلق باب المكتب بعد نهاية الاجتماع. كان يتوافد نقابيون ويغادر آخرون. لاحظ المحجوب بن الصديق لزومي الصمت وانزعاجي من فوضى المشهد، خاطبني:

  • أدعوك لطعام الغذاء بالبيت.

ولم ينتظر ردي … رفع سماعة الهاتف وقال لمخاطبه:

  • سيصحبني صديق لطعام الغذاء”.

كلمات قليلة في برهة، دامت أكثر من ربع قرن” (ص. 258 و260). ومنذ هذه اللحظة ارتبط مسار رضوان سليم بمسار المحجوب بن الصديق مما يجعلنا في الواقع أمام سيرتين تقاطعتا منذ 1973 إلى تاريخ وفاة الزعيم النقابي سنة 2010. وفي ثنايا السيرتين يطالع القارئُ مسارا آخر هو مسار الاتحاد المغربي للشغل الذي تقاطع بدوره مع مساري الرجلين. فقد مثّل رضوان سليم الاتحادَ المغربي للشغل في عدة مؤسسات وطنية ومنظمات إقليمية. ففي سنة 1989 تأسس “الاتحاد النقابي لعمال المغرب العربي” بمبادرة من مركزيات نقابية من البلدان المغاربية. وعُيِّن رضوان سليم عضو الأمانة العامة لهذا التنظيم النقابي المغاربي ممثلا للاتحاد المغربي للشغل. وفي سنة 1990 أعلن الملك الراحل الحسن الثاني عن تأسيس “المجلس الوطني للشباب والمستقبل، وقد ُيِّن رضوان سليم ممثلا للاتحاد المغربي للشغل في هذا المجلس.

كان لابد من هذه الإطلالة السريعة على سيرة المؤلف، لأن ارتباطه النضالي والعاطفي أحيانا، بالاتحاد المغربي للشغل وبالمحجوب بن الصديق، كان له تأثير واضح على قراءة وتحليل الأحداث التي تناولها في الكتاب وكأنه كان ينظر للأحداث بنظارات الفاعل السياسي، المحجوب بن الصديق في هذه الحالة، وليس بنظارات الباحث الذي يتوسل بأدوات منهجية خاصة ويلزم الحياد ما أمكنه. ولم يتردد المؤلف في إصدار أحكام القيمة على التنظيمات السياسية التي اتخذت مواقف تختلف عن مواقف الاتحاد المغربي للشغل من بعض المحطات السياسية في تاريخ المغرب بعد الاستقلال. فقد وصف الأحزاب السياسية التي صوتت بـ “نعم” على دستور 1962 بقوله: “لكن تصريحات أنصار “نعم” لم تكن سوى كلمات جوفاء في مهب الريح، إذ انطلق بعد تزوير الإرادة الشعبية مسلسل متصاعد للسير بخطى حثيثة نحو الحكم الفردي والمطلق، واضطهاد المعارضين السياسيين والنقابيين والتنكر للحريات النقابية والسياسية، وترسيخ ديكتاتورية العسكر وتخريب المستقبل” (ص. 159)، ومعلوم أن الاتحاد المغربي للشغل كان من معارضي دستور 1962.

كما لم يتردد المؤلف في اتخاذ مواقف سلبية من الأحزاب السياسية التي، ولحسابات سياسية خاصة بها، أسست مركزيات نقابية موالية لها، واعتبر أن كل حزب لم يؤسس نقابة فهو حزب وفيٌّ لمبادئ “الوحدة النقابية” والاستقلال النقابي. وهكذا هاجم بحدة، وبشكل يتماهى بوضوح مع مواقف وقناعات المحجوب بن الصديق والاتحاد المغربي للشغل، كلا من حزب الاستقلال، والحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والعدالة والتنمية، ولم ينوه إلا بموقف حزب التقدم والاشتراكية إذ “تختلف مبررات التأسيس بين حزب وآخر، حينا بدافع محاربة البيروقراطية النقابية، وحينا آخر بدافع الحريات والتعددية النقابية، وفي غالب الأحيان بتوهم التشبه “بالاتحاد المغربي للشغل”، وتملك تراثه النضالي. تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى الموقف المبدئي لحزب التقدم والاشتراكية […] الذي تميز سلوك مناضليه داخل هياكل “الاتحاد المغربي للشغل” بالالتزام والانضباط والمسؤولية” (ص. 141). وكلما ظهر خلاف بين هذه الأحزاب والنقابات الموالية لها اعتبره المؤلف نتيجة محتومة لـ “مسلسل لا نهاية له من الاعتداء على الوحدة النقابية”، وعلق على مثل هذه الخلافات بقوله: “لكن ما دام الأمر مصطنعا فسرعان ما ترتد العصا المقوسة وتندلع مواجهة شرسة بين التنظيمين النقابي والحزبي تلحق ضررا بهما معا، تجسد ذلك في الصراع بين قيادة حزب الاستقلال وبين تنظيمها النقابي الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، وفي الصدام بين المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي وبين قيادة الكنفدرالية الديمقراطية للشغل” (ص. 201). ولا حاجة بنا إلى التذكير بأن الخلاف بين الحزب والنقابة واقع ملحوظ في تاريخ المغرب منذ 1955، وقد وقعت خلافات للاتحاد المغربي للشغل أولا مع قيادات حزب الاستقلال، وثانيا مع قيادات حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ولا يمكن أن نفسر هذه الخلافات فقط بحرص المحجوب بن الصديق على “الوحدة النقابية” و”الاستقلالية النقابية”. وقد كانت هذه النقطة فرصة كان على المؤلف أن يغتنمها للوقوف على التيارات التي كانت تتساكن، بل وتتصارع، داخل حزبي الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية: التيار السياسي، التيار النقابي، تيار حركة المقاومة وجيش التحرير. وقد كان المحجوب بن الصديق منغمسا في هذا الصراع، وحرص على أن تلعب نقابته أدوارا سياسية طلائعية، لا أن تكون مجرد أداة في يد التيار السياسي، ولعل هذا ما يفسر خصوماته المتعددة مع المهدي بن بركة.

 

متى سنكتب تاريخ الحركة النقابية المغربية؟

يتساءل رضوان سليم بنبرة لا تخلو من مظلومية: “لماذا يتجاهل التاريخ الوطني المغربي الحركة النقابية الوطنية، وأهمل دورها وأقصى قائدها التاريخي المحجوب بن الصديق، فهذه الأسباب في مجملها من تأليف تقليدي وتصور زمني للماضي التقليدي، وتجاهل للتحول الذي عرفه المجتمع المغربي وتغير بناه الاجتماعية وتطوره الاقتصادي والسياسي، إضافة إلى انتقائية الحدث وتبني الرؤية البورجوازية للحركة الوطنية، وعدم التزام المؤرخين بالمنهجية العلمية وغيرها من الأسباب الذاتية والموضوعية التي تفضي، حتما، إلى تزييف الحقيقة التاريخية” (ص. 241). يُذكِّرنا هذا التساؤل، أولا، بقلة ما كُتب حول تاريخ الحركة النقابية المغربية، وأن أغلب المنشورات يقف وراءها فاعلون سياسيون، وأنها تنتمي إلى تخصصات أكاديمية غير التاريخ. غير أن المؤلف، وهو يثير استعجالية كتابة تاريخ الحركة النقابية المغربية، يتبنى خطاب المظلومية مُلمِّحا إلى ما يراه إجحافا في حق الحركة النقابية المغربية وأدوارها التاريخية، إذ يؤكد أنه “تجدر الإشارة إلى أن غزارة التأليف التاريخي الرسمي للدولة المغربية، والتاريخ الأكاديمي الذي يهيمن على توجهه التصور الثقافي للحركة السياسية الوطنية البورجوازية، والتاريخ الكولونيالي الذي كتبه، بصفة خاصة، المؤرخون الفرنسيون. وهكذا، تتعدد منطلقات التدوين، ومرجعياته ومصادره، لكن القاسم المشترك بين مختلف أشكاله هو إقصاء دور الحركة النقابية الوطنية في النضال التحرري، وتجاهل تأثيرها الحاسم في مسير التاريخ الوطني المغربي” (ص. 239). قد نتفق على قلة ما كتب حول تاريخ الحركة النقابية المغربية لكننا لا نساير المؤلف في طرحه القائل بتحيز كل ما كتب في الموضوع. إذ يكفي الاطلاع على بعض الدراسات الجادة في حول الموضوع (أنظر على سبيل المثال كتابات ألبير عياش، وكتابات عبد اللطيف المنوني)[2] لنتيقن أن الصرامة المنهجية كانت لها الأولوية على الأهواء والميولات الإيديولوجية، وإن بدرجات متفاوتة.

يمكن أن نتفهم هذا الخطاب إذا عرفنا أن رضوان سليم كان مقربا جدا من المحجوب بن الصديق، وكانت له أدوار مهمة في تاريخ المركزية النقابية الاتحاد المغربي للشغل (أنظر الملحق المعنون بـ “حكاية سيرة”)، لكن كتابة تاريخ احترافي و”موضوعي” للحركة النقابية المغربية تتطلب شروطا موضوعية غائبة أكثر مما تتطلب حسن النية والتجرد. فلكتابة هذا التاريخ لابد من توفير رصيد وثائقي مهم رهن إشارة الباحثين يشرف عليه إما التنظيم النقابي والسياسي الذي أنتجه أو تشرف عليه مؤسسة رسمية مثل مؤسسة أرشيف المغرب. وعلى سبيل المثال، فإن أول ما كان على الاتحاد المغربي للشغل القيام به هو إعادة نشر كتيب الحركة النقابية المغربية تمضي قدما الذي كتبه المحجوب بن الصديق في دجنبر 1952 والذي اعتمد عليه المؤلف في كتابة بعض فصول هذا الكتاب، ولعل هذا الكتيب جدير بأن يكشف لنا عن التوجهات السياسية لصاحبها وتصوره الخاص للعلاقة بين النقابي والسياسي، أو النقابة والحزب. ويمكن أن تتبع هذا العمل خطوات مهمة أخرى مثل الإشراف على إصدار سلسلة تعنى بنشر وثائق الاتحاد المغربي للشغل، أو رقمنة هذه الوثائق على الأقل، بالإضافة إلى جرائد الاتحاد خاصة منها جريدة “الطليعة” بنسختيها العربية والفرنسية. ولابد هنا أن نشير إلى عائق موضوعي آخر وهو خفوت اهتمام الفاعلين السياسيين والنقابيين بكتابة مذكراتهم، على عكس نظرائهم في الغرب أو المشرق العربي. وهي ظاهرة ترتبط برهانات وهواجس كل فاعل، وأثارت انتباه كثير من الدارسين أمثال عبد الله العروي الذي يتساءل: “هل يدل الأمر على تدني المستوى الثقافي في المغرب؟ هل يعني أن الكتابة مكسب متأخر لدينا لم نتقن بعد استعماله؟ هل هناك أسرار فاضحة لا يود أحد أن يطلع عليها الجمهور؟ هل ذلك من أثر “الحشمة” التي هي من ثوابت تربيتنا أم خشية ادعاء القوة والاستطاعة”. إلا أن هذا المؤرخ القدير يعطي إجابة مقتضبة لكنها جامعة لكل هذه الأسئلة فيقول: “ندرة المذكرات عندنا تنم في نظري عن تخوف واحتراز، رعاية لمصلحة الأسرة والفصيل”[3].

إن غياب الشروط الموضوعية أعلاه، زيادة على التعاطف والانتماء النقابي، هي التي جعلت رضوان سليم يقع في التحيز الواضح الذي عابه على كل من كتب تاريخ الحركة النقابية المغربية، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة. يتحدث المؤلف عن لحظة تأسيس الاتحاد المغربي للشغل، يوم 20 مارس 1955، وكأنها مرت بسلاسة شديدة أفرزت انتخاب المحجوب بن الصديق كاتبا عاما دون الإشارة إلى تلك الخلافات التي صاحبت انتخاب أعضاء الأمانة العامة (ص. 66). والواقع أن المؤتمرين انتخبوا في البداية الطيب بن بوعزة، الذي انعقد المؤتمر التأسيسي في منزله في درب بوشنتوف بالدار البيضاء، كاتبا عاما قبل أن يتم التراجع عن هذا الاختيار بعد تدخلات من حزب الاستقلال لتفادي تصدع الحركة العمالية في مهدها، خاصة أن المحجوب بن الصديق هدد بالانسحاب من المؤتمر. نقرأ مثلا في مذكرات الطيب بن بوعزة: “فطيلة يوم كامل استمع المؤتمرون إلى التقرير الذي قدمه الطيب بصفته أمين اللجنة التنظيمية […] كل ذلك مر في جو أخوي إلى حين اللحظة التي ابتدأت فيها انتخابات الأمانة العامة. وعندما انتخب الطيب بن بوعزة كاتبا عاما للاتحاد المغربي للشغل والمحجوب بن الصديق كاتبا بالنيابة، ثارت ثائرة هذا الأخير وسلك أسلوب الشانطاج بالتهديد والوعيد. ووجه المحجوب بن الصديق إنذارا هدد فيه بالانسحاب وتأسيس مركزية نقابية أخرى إذا لم يتم تعيينه كاتبا عاما أولا للاتحاد المغربي للشغل […] وبناء على نصائح بعض المناضلين الاستقلاليين وخاصة عبد الله إبراهيم والمرحوم المهدي بن بركة، وخشية أن تستغل الإقامة العامة هذه الوضعية لتشجيع الانشقاق وسط الحركة النقابية المغربية، قرر الطيب أن يتنازل لصالح المحجوب ويقبل مهمة الأمين العام المساعد”[4].

يفتخر مناضلو الاتحاد المغربي للشغل، وعلى رأسهم المحجوب بن الصديق نفسه، بأن الاتحاد يفصل النضال النقابي عن المعارك السياسية. نقرأ، مثلا، عند رضوان سليم وهو يعلق على تأسيس الاتحاد المغربي للشغل: “قضي الأمر وانتهى عهد الاحتلال. ذلك أن تأسيس الاتحاد المغربي للشغل يوم 20 مارس 1955 مثل لحظة تاريخية حاسمة في مسير نضال الحركة النقابية الوطنية، وكفاح الشعب المغربي من أجل الحرية والاستقلال، فقد ولد من رحم مسير التاريخ المغربي. لم يتأسس بإرادة حزب أو دولة أو سلطة، بل من إرادة طليعة الطبقة العاملة المغربية وحدها” (ص. 67). واضح من هذا الرغبة الأكيدة لحجب دور حزب الاستقلال في تأسيس ودعم الحركة النقابية المغربية. ومن المعروف تاريخيا، ويؤكده صاحب الكتاب نفسه وبالأرقام (ص. 72)، أن المحجوب بن الصديق شرع في تأطير الخلايا العمالية تحت مظلة حزب الاستقلال منذ سنة 1946، وبفضل هذا التأطير بلغ عدد العمال المنخرطين في الحزب 100.000 منخرط. كما تشير المعطيات إلى أن هذا لم يكن اقتناعا راسخا لدى ابن الصديق منذ بداية مساره النضالي في صفوف العمال، فقد كتب في مخطوطة “الحركة النقابية المغربية تمضي قدما” (1952) ما يؤكد اقتناعه بعدم جدوى فصل النقابي عن السياسي لأن”عصر النقابية غير السياسية قد ولّى، وأن التحرر الاجتماعي رهين بالانعتاق السياسي” (ص. 48)، كما أن ارتباطه بالأحزاب السياسية معروف فقد كان عضو اللجنة السياسية لحزب الاستقلال حتى سنة 1958، وكان أحد أعضاء القيادة الجماعية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية. أما اتجاهه لفصل النضال النقابي عن المعارك السياسية فمرتبط بلحظة فارقة بعد 1960، وهو ناتج عن قراءة وتموقع في الصراع بين القصر والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وناتج أيضا عن صراعه الطويل مع بعض قادة الاتحاد أمثال المهدي بن بركة حول طبيعة العلاقة بين الحزب والنقابة: هل تخضع النقابة لتوجهات الحزب أم العكس؟ وكثيرا ما كان الاتحاد المغربي للشغل يوقف الإضرابات التي ينادي بها الحزب مما زاد من حدة الخلافات بين التيارين الكبيرين داخل التنظيم: التيار السياسي والتيار النقابي. نقرأ عند جون واتربوري ما يؤكد أن الاتحاد المغربي للشغل تبنى خيار فصل النقابي عن السياسي مكرها ورضوخا لتهديدات حكومة الملك محمد الخامس التي تلت إقالة حكومة عبد الله إبراهيم. فعلى ما يبدو “رضخ الاتحاد المغربي للشغل لضغوط الحكومة لأسباب متعددة: تلقى القادة النقابيون تنبيها بأن الاتحادات النقابية الأخرى سوف تشاركهم في مقراتهم المركزية إذا هم ساندوا الإضراب العام، وهذا يعني آنذاك اقتسام المقرات مع الاتحاد العام للشغالين بالمغرب […] كانت الحكومة تهدد بوضع حد لامتيازاتهم باعتبارهم مداومين متفرغين للعمل النقابي، وإرغامهم على الرجوع إلى عملهم بصفة عامة، وهكذا سيضطرون إلى الاستقالة إذا هم أرادوا التفرغ لنشاطاتهم النقابية […] ومن جهة أخرى توصل الديوان الملكي مع الاتحاد المغربي للشغل إلى تسوية مؤقتة بعد الإضراب المجهض لديسمبر/كانون الثاني […] ونتائج هذه التسوية واضحة: اضطرار الاتحاد المغربي للشغل إلى رفض كل تحالف عملي مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”[5].

 

خاتمة

تتخلل ثنايا الكتاب ثلاثة مسارات متقاطعة: مسار المحجوب بن الصديق، ومسار الاتحاد المغربي للشغل، ثم مسار المؤلف رضوان سليم. وكان لتقاطع هذه المسارات تأثير كبير في النظرة والتصور العام للكتاب ومضمونه. فقد جاء إصداره في سياق سياسي مغربي حساس، وأثار الانتباه إلى هزالة ما كتب حول تاريخ الحركة النقابية المغربية وكأني بصاحب الكتاب يوجه رسائل مباشرة إلى المؤرخين، ومؤرخي الزمن الراهن على الخصوص. كما تقاطع مسار المؤلف بمسار الشخصية موضوع الكتاب، بل ونظرا للعلاقة الحميمة التي ربطت بين الرجلين، جعلت رضوان سليم يرى الأحداث ويعلق عليها ويؤولها انطلاقا من موقع زعيم الاتحاد المغربي للشغل، وكأني بالمؤلف يكتب سيرة المحجوب بن الصديق بقلم المحجوب بن الصديق.

 

————————————–

الهوامش

[1] أنظر على سبيل المثال:

بيير فرمورين، تاريخ المغرب منذ الاستقلال، ترجمة محمد حزل، منشورات أفريقيا الشرق، الطبعة الثانية، الدار البيضاء، 2014، ص. 71.

جون واتربوري، أمير المؤمنين: الملكية المغربية ونخبتها السياسية، ترجمة عبد الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، الطبعة الثالثة، مؤسسة الغني للنشر، الرباط، 2013، ص. 248.

[2] أنظر على سبيل المثال الدراسات التالية:

Abdeltif Menouni, Le syndicalisme ouvrier au Maroc, les presses de Editions maghrébines, Casablanca, 1979.

ألبير عياش،

الحركة النقابية في المغرب، الجزء الأول: 1919-1942، ترجمة نور الدين سعودي، دار الخطابي للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 1988.

الحركة النقابية في المغرب، الجزء الثاني: مغربة الحركة 1943-1948، ترجمة نور الدين سعودي، منشورات مجلة “أمل” للتاريخ والثقافة والمجتمع، الدار البيضاء، 1997.

الحركة النقابية في المغرب، الجزء الثالث: نحو الاستقلال 1949-1956، ترجمة نور الدين سعودي، منشورات مجلة “أمل” للتاريخ والثقافة والمجتمع، الدار البيضاء، 2015.

[3] عبد الله العروي، استبانة، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، 2016، ص. 119-120.

[4] الطيب بن بوعزة، ميلاد الحركة النقابية العمالية الحرة بالمغرب، ترجمة، عبد الله رشد، مطبعة دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 1992، ص. 79-80. وتعضد رواية الطيب بن بوعزة كثير من الدراسات والشهادات الأخرى مثل جون واتربوري، وجون وسيمون لاكوتير.

[5] جون واتربوري، أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية، الطبعة الثالثة، ترجمة عبد الغني أبو العزم، عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، مؤسسة الغني، الرباط، 2013، ص. 298-299. وللاطلاع على تفاصيل أكثر حول هذه النقطة فليراجع المحور المعنون بـ “محن اليسار” من الكتاب نفسه.

- محمد العفاس

باحث في التاريخ من مراكش

شاهد أيضاً

الرواية المغربية وأفق الكتابة التأويلية

  جمال بندحمان، محنة ابن اللسان، افريقيا الشرق، 2024. مدخل منهجي:            تمكَّنت الرواية المغربية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.