عبد القادر الشاوي، كان وأخواتها، الطبعة الثالثة، دار الفنك للنشر، الدار البيضاء، 2021
“التاريخ رواية، لكنها رواية حقيقية” بول فاين
يتميز تاريخ الزمن الراهن، كحقل اسطوغرافي جديد في بلادنا، بتنوع مصادره بين المصادر التقليدية والمصادر الحديثة المسايرة لتحولات العالم الرقمي. ويقتضي الاشتغال على تاريخ الزمن الراهن دربة معينة على هذه المصادر الجديدة (الأعمال التخييلية، المصادر السمعية-البصرية، الأعمال السينمائية، المصادر الإيقونية، …)، إلى جانب الاجتهاد في طرح الإشكاليات والأسئلة التاريخية.
وتعد الرواية، والأعمال التخييلية عموما، واحدة من المصادر التي يلجأ إليها مؤرخو الزمن الراهن، وإن عاب عليهم مخالفوهم ذلك. ويحيل “التخييل التاريخي”، عموما، على الروايات المعاصرة التي اختارت التاريخ مادة لمتنها السردي كالروايات التاريخية لسالم حميش، وعبد الرحمان منيف، وواسيني الأعرج، وحسن أوريد، … ومع ذلك، فليس موضوع ورقتنا هذه أن ندرس نموذجا من الرواية التي اتخذ أصحابها من التاريخ مصدرا لبناء العوالم والشخصيات الأحداث بهدف إرسال رسائل تكشف عن التزامهم بقضايا معينة. وعوضا عن ذلك يهمنا أن نتحدث عن الرواية-الشهادة أي تلك التي كتبت في لحظة معينة، وفي سياق معين، وتعتبر نافذتنا لاكتشاف مجتمع في زمن فات. زمن أثلة ذلك: روايات هـ. دو بلزاك، التي تعتبر مرآة للمجتمع الفرنسي في القرن التاسع عشر، وروايات شارل ديكنز، التي تصور معاناة الطبقة العمالية الفقيرة في إنجلترا في العصر الفيكتوري، وروايات نجيب محفوظ التي تعكس الحياة اليومية في حارات القاهرة في النصف الأول من القرن العشرين.
وتسعى في هذه الورقة إلى تقديم قراءة في رواية “كان وأخواتها”لعبد القدر الشاوي، الروائي والمعتقل السياسي السابق، التي يلتقي فيها التخييل والتاريخ والسيرة لأنها تنهل من الرصيد الرمزي للمؤلف كمعتقل سياسي سابق في فترة السبعينيات. وسنقيس من خلال هذه القراءة مدى إسهام الرواية في كتابة التاريخ القريب، وحدودها، ومنهج المؤرخين في الاشتغال عليها.
I– التاريخ والرواية: الوقائع التاريخية في تماس مع الخيال
كثيرا ما يتساءل قراء الروايات: ما الغاية من كتابة رواية تستلهم الماضي في بناء العوالم والحبكة الدرامية؟ أليست الدراسات التاريخية كافية لإخبارنا عن أحداث الماضي كما حدثت بالضبط؟ وأين نلمس الحدود الفاصلة بين التاريخ والخيال في هذه الروايات؟ اهتم نقاد الأدب، أكثر من زملائهم المؤرخين، بالإجابة عن هذه الأسئلة، وخصصت لذلك دراسات وأطروحات تركز إما على الجانب الفني والسردي في الرواية التاريخية، أو تهتم بالغاية من كتابة رواية تاريخية الطابع، أو تسلط الضوء على التحوير الذي تخضع له أحداث التاريخ استجابة للحبكة وضرورات التصعيد الدرامي. يقول عبد الله إبراهيم، وهو بالمناسبة يفضل استعمال عبارة “التخيل التاريخي” عوض “الرواية التاريخية”، بأن التخيل التاريخي (أو التخييل التاريخي في عرفنا) هو “المادة التاريخية المتشكلة بواسطة السرد، وقد انقطعت عن وظيفتها التوثيقية والوصفية، وأصبحت تؤدي وظيفة جمالية ورمزية. فالتخيل التاريخي لا يحيل على حقائق الماضي، ولا يقررها، ولا يروج لها، إنما يستوحيها بوصفها ركائز مفسرة لأحداثه، وهو من نتاج العلاقة المتفاعلة بين السرد المعزز بالخيال، والتاريخ المدعم بالوقائع، لكنه تركيب ثالث مختلف عنهما”[1]. يقع التخييل التاريخي، إذن، في منطقة وسطى بين السرد الأدبي والتاريخ، وينتج عن هذا التشابك بين الخيال والتاريخ “تشكيل جديد يكون قادرا على التعبير عن حياة الإنسان بأفضل مما يعبر عنه التاريخ وحده، أو السرد الأدبي بذاته”[2]. يدفعنا هذا إلى التساؤل: ماذا يفعل الروائي بالضبط عندما يستدعي أحداث الماضي في عمل روائي تخييلي؟ يجيب عبد الله إبراهيم بأن الرواية “تدرج الوقائع التاريخية ضمن متخيل يعطي لإيهام بالحقيقة الموضوعية، التي ليست مهمة إلا من حيث هي تعبر عن لحظة متحركة في التاريخ، تستطيع الرواية إلقاء القبض عليها في كامل توهجها. ومن صلب هذه اللحظة تنجز الرواية عالمها وشخصياتها ومصائر شخصياتها المتضاربة، وتحاول إلقاء الضوء على اللحظات الأكثر حساسية والأكثر إنسانية، التي يعجز التاريخ عن الدخول في عمقها”[3]. ويؤكد ميلان كونديرا، الروائي الفرنسي من أصول تشيكية، في روايته الستارة أن التاريخ بكل أحداثه “لا يهم الروائي، بوصفه موضوعا للوصف والتشهير والتفسير، لأن الروائي ليس خادما للمؤرخين، وإذا كان التاريخ يسحره، فذلك لأنه مثل مصباح كشاف يدور حول الوجود الإنساني ويلقي ضوءا عليه، وعلى إمكاناته غير المتوقعة التي لا تتحقق وتظل غير مرئية ومجهولة في الفترات الراكدة عندما يكون التاريخ ساكنا”[4]. إن التاريخ، بهذا المعنى، يشكل مصدر إلهام بالنسبة للروائي لخلق عوالم وصراع درامي وشخصيات لا تعكس بالضرورة أحداث الماضي كما وقعت. كما يلجأ المؤرخون أنفسهم إلى كتابة الرواية التاريخية، بعد سنوات من التخصص في تاريخ حقبة من الحقب التاريخية بمقالات ودراسات أكاديمية وندوات علمية، ليس للتقرب من الجمهور الواسع ولكن من أجل سد الثغرات وملء البياضات في تاريخ حقبة من الحقب، وكذلك من أجل التخلص من المنهج التاريخي الضيق والمقيِّد[5]. فإذا كان المؤرخ مقيدا بمصادره ووثائقه، فإن الروائي لا تقيده إلا حدود خياله الإبداعي ورهاناته الخاصة. لذلك “لا ترتبط الرواية بالتاريخ لتعيد التعبير عما قاله بلغة أخرى، بل ترتبط الرواية بالتاريخ للتعبير عن المسكوت عنه. ولعل هذا ما جعل الرواية جنسا حواريا آكلا للأجناس كلها، إنها جنس لا قانون له”[6].
وفي العالم العربي، وظفت الرواية العربية المادة التاريخية بخمس طرق مختلفة[7]:
1- استحضار الوقائع والشخصيات التاريخية كوسيلة لخلق عوالم تخييلية لكن الرسائل موجهة لنقد الحاضر.
2- البحث عن مناخ تاريخي بديل بإعطاء مساحة أكبر للفعل لشخصيات لم يذكرها التاريخ بالقوة اللازمة.
3- توظيف نوع سردي قديم لإغناء السرد الروائي جماليا.
4- قراءة الأحداث التاريخية بتسليط الضوء على انعكاساتها على بسطاء الناس والمغمورين منهم، وليس بالإطناب في ذكر أفعال وردود أفعال الشخصيات التاريخية المعروفة.
5- عدم الميل إلى التاريخ الرسمي، حيث تستغل الرواية لتقديم وجهة نظر مغايرة عن الرواية الرسمية السائدة.
وإذا كان التاريخ يؤدي وظائف اجتماعية وعلمية أكاديمية، فإن التخييل التاريخي يؤدي وظائف أخرى تجمع بين الترفيه، ونقد الحاضر، وإضاءة الماضي، والسجال مع المرويات الرسمية السائدة. ذلك أن “التخييل التاريخي يميل إلى اللعب بالتاريخ حينما يفشل هذا الأخير في عرض حقيقة الماضي، وقد يكون ذلك بهدف التسلية والترفيه، أو معرفة الماضي وإضاءته. وقد يكون الهدف الطعن في شرعية الحاضر، بالطعن في شرعية الماضي”[8]. ويذكر المتخصصون أن التخييل التاريخي يؤدي أدوارا جوهرية في المجتمع حسب الفئة الاجتماعية والعمرية التي يستهدفها. إذ يقوم بدور تعليمي، إذ وجِّه للشباب، ويؤدي دورا سجاليا إيديولوجيا إذا وجه للكبار. وسواء استهدف الشباب أو الكبار، فإن التخييل التاريخي، على العموم، يساهم في تعميم المعرفة التاريخية لدى غير المتخصصين. وبناء عليه، نقول إن التخييل التاريخي هو “سرد قصة تجري أحداثها في عالم ذي مرجعية ماضوية. فإذا كان قراؤه شبابا فلا شك أن وظيفته تعليمية (ديداكتيكية). وإذا كان موجها للكبار، فإن وظيفته تصبح جدالية (إن لم نقل إيديولوجية). وفي الحالتين معا، نؤكد أن فضائل التاريخ والتخييل هي التي ستجعل من فهم التاريخ أمرا جديدا، ولربما أكثر تأثيرا وإقناعا وإمتاعا، من درس ينجز حول التاريخ البعيد”[9]. ولعل هذا ما جعل جورجي زيدان، أحد رواد الرواية التاريخية في الأدب العربي وصاحب سلسلة روايات تاريخ الإسلام، يؤكد على الدور التربوي والتثقيفي للرواية التاريخية حين يقول بأنها “تهيئ الناس لمطالعة التواريخ […] ولكن غرضنا الفائدة العامة، وأقرب الطرق إليها من حيث التاريخ الطريق القصصية التي نحن سائرون فيها. زد على ذلك أن لهذه الطريقة في نشر التاريخ مزية لا تتأتى لنا في التواريخ المحضة، نعني بها تمثيل الوقائع التاريخية تمثيلا لا يشخص تلك الوقائع تشخيصا يقرب من الحقيقة، تتأثر منه النفس، فيبقى أثره في الحافظة”[10]. غير أنه لا يمكن حصر التخييل التاريخي في وظيفته التربوية والتثقيفية، لأن هذه الوظيفة ارتبطت بجيل الرواد المؤسسين، ولأنها “استنفدت طاقتها الوصفية بعد أن جرى تحويل جذري في طبيعة تلك الكتابة السردية التاريخية، التي استحدثت لها وظائف جديدة لم تكن معروفة آنذاك”[11].
II– “كان وأخواتها”: رواية من داخل السجن
شكل عقد السبعينيات من القرن العشرين أخطر المراحل التاريخية اضطرابا في تاريخ المغرب القريب. وفيه واجه النظام الملكي المغربي مخاطر متلاحقة لا يكاد ينجو من أزمة حتى يقع في أخرى. فقد نجى الملك الحسن الثاني من محاولتين انقلابيتين، وواجه الجيش المغربي حركة مسلحا في الأطلس المتوسط، وتشكلت الحركة الإسلامية الرافضة للنظام القائم، وفي الوقت نفسه تشكلت الحركة الماركسية-اللينينية المغربية بفصائلها الثلاث: منظمة “23 مارس”، ومنظمة “إلى الأمام”، ومنظمة “لنخدم الشعب”. وقد وُوجهت هذه الحركات بقمع شديد، وطالت أفرادها الاختطافات والاعتقالات، ورموا في غياهب السجون لسنوات طويلة، وطواهم النسيان، وغلّفهم الصمت. لكن في سنة 1986، استطاعت رواية “كان وأخواتها” أن تكسر هذا الصمت وتحكي تجربة جيل كامل من الشباب الذي انتمى إلى حركة تؤمن بعقيدة ماركس ولينين، وتروم قلب النظام وإقامة الجمهورية في بلد لم يعرف غير الملكية لقرون طويلة من تاريخه.
كان عبد القادر الشاوي، كاتب الرواية، أستاذا للغة العربية في الدار البيضاء بداية السبعينيات، وأحد أعضاء منظمة 23 مارس الماركسية اللينينية، التي تأسست من خلايا طلابية سنة 1970. تعرض عبد القادر الشاوي للاعتقال، في نوفمبر 1974، في غمرة حملة الاعتقالات الواسعة التي شنتها السلطات المغربية ضد المنظمات التابعة للحركة الماركسية-اللينينية المغربية، وصدر بحقه حكم بعشرين سنة كاملة سنة 1977، وأفرج عنه سنة 1989، بعد خمس عشرة سنة قضاها بين المعتقلات السرية والسجون.
يبدو أن حياة السجن الرتيبة كانت محفزا لعبد القادر الشاوي للتأمل في تجربته وتجربة رفاقه ممن أسسوا أو انتموا إلى منظمات الحركة الماركسية-اللينينية المغربية، وجاءت “كان وأخواتها” عصارة هذا التمرين التأملي. استطاع عبد القادر الشاوي، بمساعدة آسية الوديع، التي كانت تزوره مع أخويها صلاح وعبد العزيز في السجن المركزي بالقنيطرة، أن يُهرِّب مخطوط الرواية خارج السجن وينشرها أواخر سنة 1986، عن دار النشر المغربية، لكن السلطات صادرتها ومنعتها من التداول. أراد عبد القادر الشاوي أن تكون روايته هذه بوحا وكشفا “حول تجربة فريدة ارتبطت، في تاريخ المغرب الحديث، بحركة سياسية ناشئة أرادت أن تكون، من الحلم إلى الحلم، جذرية وحاسمة في كل شيء، ولكنها أُجهضت، بسبب القمع الشرس والنواقص الفظيعة، قبل الأوان الثوري المحلوم به”[12].
تحاول رواية “كان وأخواتها”، أن ترصد مسار عبد القادر الشاوي السياسي منذ نشاطاته الطلابية، ومعه مسار منظمة “23 مارس” الماركسية-اللينينية منذ تأسيسها بداية السبعينيات إلى دخولها مرحلة المراجعات الفكرية واستعدادها للانخراط في العمل الشرعي والنضال الديمقراطي، أواخر السبعينيات، مرورا بتجربة الاختطاف القسري، والاحتجاز في معتقل درب مولاي الشريف، والمحاكمة، والإضراب عن الطعام، … إلخ[13]. وفي هذه العملية لا يحترم عبد القادر الشاوي التسلسل الزمني للأحداث، ويوظف لغة تمزج بين النثر والشعر، والاستشهاد بـ “الوثائق”، والإشارة إلى أسماء الشخصيات بالحروف فقط. وفي الوقت نفسه، شكلت الرواية نقدا ذاتيا لهذه التجربة، وعبر كاتبها، على لسان بطل الرواية (ش)، عن مواقفه من بعض الاختيارات التي اعتبرها مغامرات غير محسوبة. ولعل أشهرها الإضراب عن الطعام الشهير في نوفمبر 1977، الذي وصفه بـ “إضراب اليأس”، الذي شارك فيه رغم ذلك التزاما بما استقر عليه رأي الرفاق. كتب عن هذا الإضراب يقول متحسرا: “وها قد حدث ما كان متوقعا منذ مدة، لقد لجأ المعتقلون إلى أيأس الحلول: الإضراب غير المحدود عن الطعام إذ ابتدأ في السجن المركزي بالقنيطرة في يوم 8 نوفمبر 1977 ليشمل بعد بضعة أيام المعتقلين الأربعة بالدار البيضاء […] ورغم ذلك فإن سعيدة المنبهي ماتت صباح 11 دجنبر 1977. فهل كانت ستموت لو أنه تفودي إضراب اليأس هذا من طرف أولئك الذين عليهم مسؤولية احترام كرامة المعتقلين؟ … غدا يمكن أن يموت معتقلون آخرون”[14].
III–الرواية وكتابة تاريخ الزمن الراهن
يؤكد جون-فرانسوا سولي، أحد المتخصصين في كتابة التاريخ المباشر، أن “‘كلمتي “تخييل’ و’خيال’ ترعب جماعة المؤرخين وتثير لديهم الرفض الشامل لمجموع “الإنتاج الأدبي”، كما لو أن حائطا لا يمكن تجاوزه يفصل الرواية الأدبية عن السرد التاريخي، والروائيَّ عن المؤرخ”[15]. ويدافع سولي عن أهمية الرواية في كتابة التاريخ القريب[16] باعتبارها مرآة عاكسة للتغيرات الاجتماعية في حقبة زمنية معينة. ويستدل على ذلك بشهادة للمؤرخ الفرنسي روني ريمون، المتخصص في تاريخ الأحزاب اليمينية في فرنسا، الذي أكد قائلا: “لا يمكنني أن أصف كم أنا مدين، في دراسة أحزاب اليمين، للوصف الذي قدمه لوسيان لوين (Lucien Leuwen) للأوساط الشرعانية. وحتى أستشهد بمثال قريب، سواء من حيث الموضوع أو من حيث المؤلف، لم يساعدني شيء ربما في تمثل مجتمعنا عشية حرب 1914، كما ساعدتني اللوحة الوصفية لجول رومان في عمله (Jules Romain) في عمله رجال ذوو إرادة حسنة، أو سلسلة هنري ترويا (Henri Troyat) البذر والحصاد“[17]. وفي السياق المغربي، أكد عبد الواحد أگمير إمكانية الاعتماد على الأعمال الأدبية في الأبحاث التاريخية، حيث درس في مداخلة له بعنوان “معنويات الجنود الإسبان في المغرب إبان حرب الريف”[18] اعتمادا على ثلاثة أعمال أدبية: رواية (1930)، وسيرة ذاتية (1966)، وتقرير صحفي (1996). ولما قارن هذه الأعمال الأدبية مع ما جاء في وثيقة أرشيفية تعرف بتقرير “لجنة بيكاسو” (كان من المفروض أن يقدم للبرلمان الإسباني سنة 1923)، وجد تطابقا تاما بين الأرشيف المفرج عنه بعد سنوات طوال والأعمال الأدبية المنشورة والمتداولة، وقد عم التطابق حالة الرعب في صفوف الجنود الإسبان، وضعف الاستعداد العسكري، وفساد القيادة، والظروف المزرية التي عاشها الجنود الإسبان خلال حرب الريف وخاصة أثناء معركة أنوال (1921).
ويبقى السؤال الكبير بالنسبة للمؤرخ هو: كيف نخضع الرواية للنقد التاريخي لفرز التخييلي عن الواقعي؟ لا تختلف الرواية، في نظر المؤرخ الذي يقبل باستغلالها، عن أي مصدر آخر حيث يستند عليها تبعا لإشكاليته، ولشبكة القراءة الخاصة به. ويحدد هذان العنصران نوعية الروايات التي سيرتكز عليها (إلى جانب مصادر أخرى طبعا)، فإذا كان “يهتم أكثر بالحياة اليومية لجماعة أو مجتمع، فإنه سيتجه بالأحرى نحو الأجناس الروائية التي تدعي أنها تعكس عن قرب الواقع الاجتماعي والتاريخي، وإن اقتبست الشكل الحر للتخييل”[19].
هل تصلح الرواية “كان وأخواتها”، إذن، مصدرا لكتابة التاريخ المغربي القريب؟ يبدو من خلال التحليل السابق أن الجواب سيكون بـ “نعم” إذا وجدت أنواع أخرى من المصادر تعضدها وتسندها. ونشير بداية إلى أن عبد القادر كان له هذا الطموح أن “تؤرخ” روايته لمرحلة حرجة من تاريخ المغرب القريب. نجده يكتب في مقدمة الطبعة الثالثة: “إنه كتاب تجربة حياتية في طور الاعتقال والألم إذن، ولعله “يؤرخ”، على نحو ما، لمعركة متواصلة في سبيل الحرية لم يسبق أن كانت الكتابة حولها حارة وصادقة ومباشرة وفي أتونها تماما … بمثل ما هي عليه فيه من ذاتية ومكاشفة. وأضيف إلى هذا إنه أيضا ألم فئات عريضة من (اليسار الجديد) أيامها وهي تحلم بتحقيق الثورة المفترضة وتخطط لتحقيق الحلم”[20].
نميل إلى الجواب بـ “نعم” على السؤال أعلاه لأن المعطيات المتعلقة بتاريخ منظمة 23 مارس الماركسية اللينينية، التي أوردها عبد القادر الشاوي في روايته تتطابق كل التطابق مع ما جاءت به مذكرات المعتقلين السياسيين، وحواراتهم على أعمدة الصحف. ومعلوم أن هذه المذكرات والحوارات لم تنتشر بقوة في المغرب إلا بعد سنوات من نشر الرواية لأول مرة، أي مع السياق التاريخي الذي صاحب تولية الملك محمد السادس وتأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة، ونشاط الحركة الحقوقية المغربية. ويكفي للاستدلال على ذلك أن نذكر بعض الأمثلة المشهورة كـ: جواد مديدش، درب مولاي الشريف. الغرفة السوداء(2007)، وعبد الفتاح الفاكهاني، الممر. شذرات من سنوات الرصاص(2010)، ولحسن العسبي والصافي الناصري، أقصى اليسار في المغرب: مقارعة نبيلة للمستحيل (مجموعة حوارات)، 2002. وعند مقارنة رواية كان وأخواتها مع هذه النصوص الذاكرية نجد تطابقا يكاد يكون تاما حول عدد من القضايا مثل رواية تأسيس المنظمات الماركسية-اللينينية المغربية، وظروف الاعتقال وأشكال التعذيب داخل المعتقلات، معارك الأمعاء الفارغة داخل السجون، وظروف محاكمة يناير 1977، بل وحتى في بعض الوثائق المستشهد بها مثل قرارات الإحالة وبلاغات وسائل الإعلام، … إلخ.
خاتمة
تقدم رواية عبد القادر الشاوي، “كان وأخواتها”، مساهمة كبيرة لكتابة تاريخ المغرب القريب، وبالخصوص تاريخ الحركة الماركسية-اللينينية المغربية. وحتى تكون ذات فائدة أكبر للمؤرخ فإنه يخضعها لشبكة قراءة خاصة، ويضعها في سياقها الذي أنتجت فيه، ويقابل مضامينها بأشكال مصدرية أخرى كالمذكرات وقصاصات الجرائد. لم تعد الرواية مصدرا للمتعة فقط، بل صارت مصدرا للمعرفة التاريخية. فكل رواية، أو عمل أدبي، هي تاريخية بشكل من الأشكال.
الهوامش:
[1]عبد الله إبراهيم، التخيل التاريخي. السرد، والإمبراطورية، والتجربة الاستعمارية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2011، ص. 5.
[2]نفسه، ص. 6-7.
[3]نفسه، ص. 11-12.
[4]أورده عبد الله إبراهيم، نفسه، ص. 10
[5] Jean-François SOULET, L’histoire immédiate. Historiographie, sources et méthodes, 2éme éditions, collection U, Armand Colin, Paris, 2012, p. 144.
[6]سعيد بوعيطة، التاريخ والمتخيل السردي في الرواية العربية. دراسة في نماذج مختارة، دار نشر جامعة قطر، 2022، ص. 12.
[7]نفسه، ص. 18-19.
[8]الميلود عثماني، “التخييل التاريخي إبدال أدبي وتربوي”، مجلة أمل. التاريخ. الثقافة. المجتمع. العدد 52، 2018، ص. 7.
[9] نفسه، ص. 7.
[10]عبد الله إبراهيم، مرجع سابق، ص. 13.
[11]نفسه، ص. 13.
[12]عبد القادر الشاوي، كان وأخواتها، الطبعة الثالثة، دار الفنك للنشر، الدار البيضاء، 2021، ص. 9.
[13]انظر تفاصيل أكثر حول تاريخ الحركة الماركسيةاللينينية المغربية، وبالضبط منظمة “23 مارس”، في بحثنا المرقون:محمد العفاس، من منظمة 23 مارس إلى منظمة العمل الديمقراطي الشعبي (1965-1983). مساهمة في تاريخ الحركة الماركسية-اللينينية المغربية، بحث لنيل شهادة الماستر في التاريخ، إشراف. محمد كنبيب، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، أﯕدال، 2013.
[14]نفسه، ص. 28-29.
[15] Jean-François SOULET, L’histoire immédiate. Historiographie, sources et méthodes, 2éme éditions, collection U, Armand Colin, Paris, 2012, p. 140.
[16]نقصد بالعبارات التالية: “تاريخ الزمن الراهن”، و”التاريخ المباشر”، و”تاريخ القريب”، نفس المعنى وهو التاريخ الذي لا يزال شهوده والفاعلون فيه على قيد الحياة ومستعدون للإدلاء بشهادتهم حول أحداثه.أنظر تفاصيل أكثر في الفصل الأول من كتابنا تاريخ الزمن الراهن في المغرب. بحث في سياق الميلاد، مؤسسة آفاق، مراكش، 2023.
[17] Jean-François SOULET, Op., Cit., p. 142.
[18]عبد الواحد أگمير، “معنويات الجنود الإسبان في المغرب من خلال الأعمال الأدبية“، هسبيريس-تمودا، العدد XXXIX، المجلد 1، 2001، ص. 9-22.
[19]Ibid.
[20]عبد القادر الشاوي، كان وأخواتها، مقدمة الطبعة الثالثة، دار الفنك للنشر، الدار البيضاء، 2021، ص. 5-6.
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه