تقديم الندوة
كرّست معظم التيارات الفكرية الحداثية، وفي مقدمتها تجربة عصر الأنوار، قطيعة دالة بين الإنسان ومجاله الحيوي، وذلك بمركزََةِ الإنسان في الكون، وتهميش الطبيعة، بشتى عناصرها ومكوناتها، والنظر إليها كموارد وكيانات متاحة فقط للتملك والاستغلال والانتهاك المتواصل؛ في حين شكل الاتجاهان النفعي والرومانسي استثناءين من هذا التصور، حيث دافع الاتجاه الأول –منذ تأسيسه على يد جيريمي بِنْثَام (1748- 1832)، وإلى آخر النفعيين بيتر سينجر (1946- …)- عن حق الحيوان في الحرية والكرامة بسبب خضوعه، على غرار الإنسان، لمبدئي اللذة والألم، بينما احتفى الاتجاه الثاني بالطبيعة كأداة للهروب من واقع الحروب والأزمات الحديثة، وكذلك للاحتجاج على تصلب العقلانية الغربية. هذا التذبذب في المواقف الفلسفية والفكرية الغربية بخصوص العلاقة بين الإنسان ومحيطه الطبيعي، لم يكن هو حال الأدب –باعتباره مرتعاً قديماً لِلْهش والمهمش والمستبعد والمهمل- الذي حافظ منذ أولى الآثار الأدبية على علاقة وطيدة مع الطبيعة بشتى مكوناتها، وخير مثال على ذلك، هو حضور الحيوانات وعناصر البيئة الصحراوية في الشعر العربي القديم، وحضور الحيوان في الملاحم الإغريقية، وفي القصص على أنْسنة الحيوان في مصادر الأخبار مثل كليلة ودمنة، للحكيم بَيْدَبا، والروايات القديمة، مثل تحولات الجحش الذهبي، للوكيوس أبوليوس، وافتتان شعراء العربية بالطبيعة.
وقد تواصل هذا الحضور إلى اليوم، بطرق مختلفة في الآداب الكونية. إلا أن الوعي بالأضرار التي ألحقها الإنسان بالطبيعة، والتفطن إلى فكرة أن الإنسان جزء من الطبيعة، وأن مصيره ووجوده مقترنان بوجود الطبيعة، أو حسب تعبير راشيل كارسن، صاحبة كتاب الربيع الصامت التي ترى أن “لا شيء يوجد في الطبيعة بمفرده”. كل ذلك لم يتحقق إلا في القرن العشرين، مع تفاقم الأزمات البيئية. ومع انخراط الأدب، خصوصاً الأعمال السردية، في هذا التحول الجديد المتعلق بفهم حقيقة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، والمرتبط أيضاً بإبراز أهمية المجال الحيوي بالنسبة للبشر، ومخاطر انقراض الأنواع والكائنات المحيطة بنا، وتغير المناخ… ظهر ما يسمى بـ”النقد البيئي” (Ecocriticism/e)، في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، ثم أوروبا، وجنوب شرق آسيا، وأمريكا اللاتينية، وإفريقيا، في سياق تطور المناهج النقدية المعاصرة، وتقاليد النقد الأدبي. وقد تسلح “النقد البيئي” بخلفيات معرفية متنوعة مرتبطة في المقام الأول بفلسفات وعلوم البيئة، وأدبيات الحركات البيئية المعاصرة، من أجل إبراز هذا الوعي البيئي الجديد في الأعمال الأدبية، وطرق استثمار هذه الأعمال لعناصر الطبيعية والوسط البيئي في متونها.
وبما أن الإشكال البيئي المعاصر، صار هَمّا كونياً، فقد كان من البديهي أن ينتقل إلى السرود المكتوبة باللغة العربية. وقد كان الراحل عبد الرحمن منيف سباقاً لإبراز مخاطر الاعتداء على الطبيعة، وكشْف الآثار الجسيمة للاستغلال العشوائي لعناصرها، من حيوان ونبات، على الإنسان في البيئة الصحراوية، كما هو واضح في عَمَليْه: الأشجار واغتيال مرزوق، والنهايات. وقد سار على هذا النهج آخرون من كتاب اللغة العربية، في المشرق والمغرب، وإن كان هذا التوجه في الكتابات السردية العربية، الإبداعية والنقدية، ما يزال في بداياته.
ولعل الندوة التي عقدتها ‘مجلة رباط الكتب’ الإلكترونية حول “الرواية والبيئة“، تسهم في فتح آفاق جديدة في مجال الدراسات البيئية في الأدب العربي المعاصر. وننشر هنا المقالات الست التي عرضت في هذه الندوة، وهي:
– “النقد البيئي والدراسات المقارنة“، لأحمد بوحسن؛
– “تمثيل البيئة في الرواية”، لعبد الرحمان التمارة؛
– “المواقف الأخلاقية-البيئية تجاه الحيوان“، لرضوان ضاوي؛
– “السياسة البيئية والحياة البشرية“، لمليكة معطاوي؛
-“علاقة الإنسان بالطبيعة والأزمة البيئية”، لبوشعيب الساوري؛
– “ألما: مرثية الطبيعة والبشر“، لخاليد مجاد.
أحمد بوحسن، جامعة محمد الخامس، الرباط.
وخاليد مجاد، باحث في الدراسات السردية، الرباط.
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه
