الأرض والإنسان والثقافة بمقياس إثنوغرافي

 

عبد الله هرهار، إثنوغرافيا آيت وراين، الأرض والثقافة، سلا، منشورات مؤسسة فهارس/ مركز روافد، 2025.

 

الثقافة موضوعا إثنوغرافيا

يسعى العمل الإثنوغرافي إلى فهم وجهة نظر السكان المحليين، وعلاقتهم بالحياة، ورؤيتهم الخاصة لعالمهم، من خلال الملاحظة بالمشاركة، أو عبر الإقامة الطويلة بينهم، وعيش حياتهم اليومية. إنه بيان للمنهجية الإثنوغرافية الحديثة، التي دعا إليها مالينوفسكي[1]، قصد توجيه الأنثروبولوجيا، بشكل عام، نحو القيام بالأعمال الميدانية المباشرة، بدل الانغماس في الدراسات المكتبية المعتمدة على تقارير الغير. على هدي هذا التوجه المنهجي، وغيره، سار الباحث عبد الله هرهار، في كتابه: “إثنوغرافيا آيت وراين. الأرض والثقافة“، الذي يشكل ثمرة مجهود بحثي، تطلب حوالي عقدين من الزمن، بين العمل الميداني والنظر العلمي، بين التوصيف الإثنوغرافي والتحليل الأنثروبولوجي، حيث صدر سنة 2025، في 263 صفحة من الحجم المتوسط، مع العلم أن بعض فصوله نشرت، سابقا، في أعمال جماعية ومجلات متخصصة، ما بين سنتي 2001 و2024، إلا أنه ارتأى أن يضعها مع أبحاث تنشر لأول مرة، بتقديم من محمد مزور، أستاذ الفلسفة بجامعة محمد الخامس، وتحت غلاف يحيل على ثقافة الانتماء والهوية المحلية، في شكل لوحة زربية من ابتكار أنامل نساء آيت وراين.

 استهل الباحث هرهار، هذا العمل، باقتباس عن الإثنوغرافي الألماني فرانز بواز، جاء فيه: “ينبغي أن نفهم الفرد كما يعيش داخل ثقافته، وأن نفهم الثقافة كما تعاش من قبل الأفراد”. إن البحوث التي كان يتوق إليها لا تصف الظواهر خارجيا، لأن “محاولة تصور ثقافة كاملة، كأنها خاضعة لمجموعة واحدة من الظروف، لم تحل المشكلة… إن الرغبة في استيعاب معنى الثقافة ككل، تجبرنا على اعتبار أوصاف السلوك النمطي مجرد نقطة انطلاق، تقود إلى مشكلات أخرى”[2]. مما سلط الضوء، بصورة ملحوظة، على العلاقة الجدلية والتكاملية بين الفرد والثقافة، بعيدا عن الأحكام المعيارية، وعبر ممارسة العمل الميداني الطويل، اهتداء بمفهوم النسبية الثقافية، الذي دافع عنه بواز، باعتبار الثقافة نظاما متكاملا، لها منطقها الخاص، لا تحيل على قواعد جامدة، بل على توليفة من الممارسات والتمثلات التي يعيد الأفراد، يوميا، إنتاجها وتفسيرها.

في الواقع، يندرج كتاب “إثنوغرافيا آيت وراين”، ضمن الانشغالات البحثية للدكتور عبد الله هرهار[3]: انتقل من الفلسفة إلى السوسيولوجيا، قبل أن يحط الرحال المنهجي في حقل الأنثروبولوجيا الرحب، الذي يستهوي معظم العلوم الإنسانية والاجتماعية، لأنه يساعد على استشكال القضايا، التي كانت، إلى عهد قريب، مهمشة وبديهية، في رأي حراس المعبد المعرفي، خصوصا بعوالم جنوب المتوسط، حيث أدينت المعرفة الأنثروبولوجية، باعتبارها من أدوات اختراق السيادة الوطنية، منذ مطلع القرن التاسع عشر، قبل أن يعاد إليها الاعتبار مع الباحثين المحليين والأجانب، في النصف الثاني من القرن العشرين، كحقل يستحق جهودا متواصلة، في سياق التكوين والبحث والإنتاج.

أسس الأستاذ هرهار مسلك الأنثروبولوجيا بجامعة ابن طفيل، إسهاما في تشييد المعرفة الأنثروبولوجية بالمغرب، على ضوء النظريات والمناهج الحديثة، ذلك أن تعريف الأنثروبولوجيا “بوصفها دراسة للثقافات الأجنبية”، كما كتب حسن رشيق، “لم يعد يتناسب مع الحقبة ما بعد الكولونيالية بحكم أن الأنثروبولوجيين، ما انفك عددهم يزداد يوما بعد يوم، قد أقبلوا اليوم على دراسة مجتمعاتهم وثقافتهم “الخاصة”. والواقع أن الأنثروبولوجيا الممارسة “في عقر الدار”، إن صح التعبير، هي واقعة ما بعد كولونيالية، اللهم إذا استثنينا حالات نادرة”[4].

 

قبيلة آيت وراين: الأرض والثقافة من أسفل

يتألف عمل الأستاذ هرهار من عشرة فصول، قد تبدو غير متجانسة لكثرة موضوعاتها، وتباعد سنوات صدورها، إلا أنها تقدم صورة عن المجتمع الورايني، كنسيج يتفاعل فيه الواقع المادي، كالأرض والرعي والزربية والفخار، مع النظام الرمزي، مثل الطقوس والقداسة والتمثلات… نقرأ عند محمد مزور: “يقدم الباحث عبد الله هرهار في هذا الكتاب بحثا متفردا يتعلق بقبيلة محددة (آيت وراين). وهو بحث من طبيعة إثنوغرافية، ولذلك يعتبر بحثا نادرا… لكي نقدر الجهد المبذول في هذا الكتاب، يكفي أن نستعرض موضوعاته وفصوله. فهو يغطي مجالات متباينة” (ص. 7).

تعود أصول الباحث إلى قبيلة آيت وراين، الواقعة بالشمالي الشرقي من الأطلس المتوسط، جنوب ممر تازة، وهي منطقة جبلية، تتميز بقوة انحداراتها وارتفاعاتها الشاهقة، كجبل بويبلان، كما تتخللها غابات الأرز والبلوط، مما أثر على نمط العيش، القائم على الرعي والانتجاع، مع الزراعة المعيشية في الوديان، كنشاط مكمل. كتب هرهار: “في تحديدنا للقبيلة، نستبعد فرضية السلالة الواحدة، والتي لا يمكن أن تكون سوى وهما، لكوننا نتعامل إمبريقيا مع مجموعة من الأصول والسلالات التي تفاعلت فيما بينها أو مع غيرها، مجاليا وتاريخيا” (ص. 13). لكن هذا الانتماء، يثير عديدا من التحفظات، في نظر الأنثروبولوجيا “الكلاسيكية” خصوصا: هل يستطيع الباحث تحقيق الموضوعية عند دراسة موطنه؟ ألن يؤدي الانتماء إلى خلط بين الذاتي والموضوعي، إلى حضور طاغي للبداهة، وغياب شبه كلي للغرابة، التي تعد حافزا للبحث الإثنوغرافي؟ يقول محمد مزور: “رغم أن الباحث ينتمي إلى القبيلة عينها، إلا أنه عاد إليها بعيون مغايرة وبآذان مختلفة… إنها لمهمة شاقة تقتضي باختراق بداهات العوائد والمشاعر، وإزاحة ترسبات التربية والتنشئة، قصد الوصول إلى الظاهرة في صفائها الأولي” (ص. 5-6).

اعتمد المؤلف على مصادر متنوعة، على الوثائق الرسمية وعلى الدراسات المعاصرة وعلى النصوص الميدانية الطاغية على تفاصيل الكتاب، قصد معالجة موضوعات عديدة، تزاوج بين الظروف المادية والنظم الرمزية، تجمع بينها بصمة الجغرافيا والتاريخ المشترك. خاض المؤلف في سياسة الأرض وسبل التنمية، ذلك أن الأرض ليست مجرد فضاء طبيعي، بل كيانا وجوديا ورمزيا، صقل الهوية القبلية الوراينية، لهذا ناقش معنى العيش بجوار الغابة، من زاوية الانتفاع الفردي والاستغلال المؤسساتي، إذ توقف عند تفاعلات معقدة بين السكان المحليين والسلطة، في جوانب ذات صلة بملكية الموارد الطبيعية واستغلالها، لا سيما الغابة، لأنها ليست مصدر عيش فحسب، بل مجالا للتفاوض والصراع.

ناقش عبد الله هرهار، في فصل مستقل، ثقافة الرعي عند قبيلة آيت وراين، باعتباره محور حياتهم اليومية وعلاقاتهم الاجتماعية ومخيالهم الجماعي. إنه نمط عيش أهل الجبال بصفة عامة[5]، يقوم على تحركات مستمرة بين المراعي الشتوية المنخفضة والمراعي الصيفية الجبلية، التي تعكس البناء الاجتماعي والقبلي، ذلك أنه “لفهم الأبعاد الثقافية والإيكولوجية في علاقة الساكنة الجبلية بالحيوانات، ينبغي أن ننخرط فيما يحكم الكسب والرعي من طقوس ومعتقدات وممارسات، فوراء هذه المعتقدات والأفكار والممارسات، تكمن الفلسفة المؤطرة ثقافيا للفعل البشري” (ص. 90).

يميز بعض الباحثين بين الترحال والانتجاع. يحيل الأول على تنقل القبائل بأكملها، بمواشيها وأمتعتها وخيامها، التي تعد المسكن الأساس للرحل، بينما يعبر الانتجاع، كنمط عيش، على التردد القبلي المنتظم والموسمي، نحو المنخفضات شتاء والمرتفعات صيفا[6]، عند معظم القبائل الجبلية، في ضوء الحياة الرعوية “التي كانت تجري وراء العشب الهارب”، بتعبير فيرناند بروديل[7]. إن ظاهرة الانتجاع، أو الترحال الموسمي حسب هرهار، من أقدم الممارسات الفلاحية والثقافية، إذ “الطبيعة وحدها، هي التي كانت تطعم القطعان على مدار فصول السنة”[8]. لقد كان على إنسان الجبل، عموما، استغلال الأوساط الإيكولوجية، بصورة متكاملة، في إطار استراتيجيات التكيف والكفاف للبقاء على قيد الحياة، كما تعكس، أيضا، بعض الحرف المحلية، كصناعة الفخار والزربية، التي تتراوح بين الرمزية الأسطورية والوظيفة العملية، لأنها منتوجات اقتصادية محلية، تحمل بين أحضانها الفن التلقائي والنقوش والعلامات، الجديرة بالاهتمام والدراسة، باعتبار الأشياء اليومية الملموسة تكشف عن الهوية المحلية، عن الشخصية العميقة.

قارب الأستاذ هرهار موضوع السحر بين التمثل الاجتماعي والممارسة اليومية، قصد الاقتراب “من تجربة المرأة الأمازيغية في علاقتها بالسحر، علاقة إنصات تشمل حقلا اجتماعيا مسكونا بالرمز والدلالة والمعنى، متجاوبا مع التأويل للممارسات اليومية في بعدها الإنساني والوجودي” (ص. 151). في الإطار ذاته، إطار الرمز والمعنى، توقف الباحث عند سلطان القداسة، عند دور الأولياء والشرفاء في الحياة الاجتماعية والسياسية، من خلال موسم شرفاء آيت علي ويوسف، وما يرتبط به من شعائر ومعتقدات، ذات صلة بالمقدس والبركة، إذ تعكس الإيمان بالفعالية الروحية للولي، مما يحيل، من منظور تاريخي، على كثافة المقدس في معيش معظم القبائل المنتجعة[9]، لأن المجتمعات العتيقة، كما يشير جاك لوغوف، لم تعش بالطعام وحده، بل عاشت، كذلك، بالاعتقاد في كرامات وعجائب سمعت عنها أو توهمت رؤيتها، “التي تقع بين الغيبي الإلهي (الكرامة) والغيبي الشيطاني (السحر)”[10].

خصص الباحث الفصول الأخيرة، من إثنوغرافيا آيت وراين، لمجموعة من الممارسات المعبرة عن الهوية المحلية، على رأسها أحيدوس كطقس يحكي المعركة، يحكي تاريخ الجماعة وذاكرتها، وليس مجرد فن فلكلوري. هذا بالإضافة إلى زربية الرما، المعبرة عن هموم الناس وتطلعاتهم وتصوراتهم، في سياق آليات التضامن والتكافل التي تحكم القبيلة. وأخيرا، توقف عند ذاكرة الغذاء، أو الاغتداء المحلي بتعبيره، كثقافة تطبع الفعل الإنساني المرتبط بعادات الطعام ودلالاته الاجتماعية والرمزية، كوجه للهوية المحلية. كتب هرهار: “إن القاسم المشترك الذي يوحد هذا الكل البشري، هو هذا الشعور الذي نستشعره لدى الناس الذين قابلناهم، هو شعور بالانتماء لقبيلة لها اسم وعلامة تدل على هوية جماعة بشرية. ما يوحدها ثانيا، هو هذا التراب وهذا المجال الجبلي الذي تتأطر القبيلة في إطاره، ويوحدها أيضا اللسان الأمازيغي، الذي يميزها عن القبائل الأخرى. فضلا عن مجموع العلاقات الاجتماعية والثقافية التي تنسجها القبيلة وباقي مكوناتها، فضلا عن عادات وتقاليد وأعراف ومعتقدات، وأماكن تؤهلهم لبناء وعي جماعي، يميزهم عن غيرهم من الجماعات الأخرى” (ص. 28).

عموما، استهدف هذا الكتاب مجتمعا أمازيغيا هامشيا، حافظ على هويته الغنية برموز ودلالات، متأثرة بالبيئة الجبلية الصعبة، رغم تبدل بعض الشروط المادية، بفعل الاستقرار والاحتكاك بالتقنيات الحديثة. ما زال معظم الرعاة يمتلكون الخيمة كمؤشر على حياة الانتجاع، رغم امتلاكهم لمنازل في السهل أو الجبل. الأمر الذي يجعلنا، كما ينبه الأستاذ هرهار، “أمام تنظيم اجتماعي وثقافي، يضم مجموعة من المكونات، تشغل مجالا، وتحمل اسما، وتشترك في مجموعة من الرموز الثقافية” (ص. 13). باختصار، نحن “أمام تكوين شخصية جماعية تلحّمها القبيلة من خلال مؤسساتها ونظامها الاجتماعي والثقافي. إن هذا البناء المستمر لشخصية آيت وراين، هو الذي يفضي إلى تكوين هوية جماعية تستند إلى سيرورة العلائق والتفاعلات التي حصلت بين العناصر والأجزاء المكونة لهذا الكل” (ص. 16).

 

الثقافة موضوعا للتناهج: ملاحظات وامتدادات

يحوم جزء كبير من كتاب إثنوغرافيا آيت وراين حول مفهوم الثقافة، كعدسة إجرائية أو شبكة من الرموز والمعاني التي تنطوي عليها الممارسات والتمثلات. من الصعب، طبعا، تقديم تعريف دقيق لمفهوم الثقافة. يرى إدوارد تايلور بأن الثقافة، بمعناها الإثنوغرافي الواسع، هي ذلك الكل المركب والمعقّد الذي يشمل المعارف والمعتقدات، الفنون والأخلاق، القوانين والأعراف، التقاليد والقدرات، أي كل ما يكتسبه الإنسان بوصفه عضوا في المجتمع[11].

ويضيف رائد الأنثروبولوجيا الثقافية، كليفورد غيرتز، أن الثقافة ليست مجرد سلوكات وعادات، إنما نظاما من رموز مشتركة، تستخدم لإضفاء معان على التجارب المعاشة. لذا، فإن تحليلها لا ينبغي أن يكون علما تجريبيا يبحث عن قانون، بل علما تأويليا يبحث عن معنى، في إطار “البحث عن الشرح، شرح التعبيرات الاجتماعية، وإجلاء غوامضها الظاهرة على السطح”[12]. ألا تدعو هذه التعريفات إلى البحث عن التناهج بين الإنسانيات والاجتماعيات، على أرضية مفهوم الثقافة الغني بالرمزيات والدلالات؟ هناك تجارب بحثية هامة، اشتغلت على التقاطع القائم بين الظروف المادية والنظم الرمزية، وتمفصلاتها كذلك، انطلاقا من ظواهر “تكشف عن مختلف جوانب اشتغال المجتمع في عدة مستويات، بحيث تتداخل الجوانب التي عهدنا أن نميز بينها، من اقتصاد وعلاقات اجتماعية وسياسية وثقافية ومخيال”[13]. الأمر الذي حقق إنجازات منقطعة النظير، في مجالات بحثية متنوعة، أخذت على عاتقها اقتحام مجالات المهمش والخفي في الممارسات والخطابات، سواء ضمن الأنثروبولوجيا الثقافية، أو التاريخ الذهني والأنثروبولوجي، أو التاريخ الثقافي “الجديد”، أو الدراسات الثقافية…

ومن جهة أخرى، رغم أن الوضعية الإثنوغرافية للباحث تتطبع، أحيانا، بخصوصيات محلية[14]، غير أنه قد يستطيع توصيف الواقع المعاش وتأويله، إذا ضاعف الجهود، وتسلح بأطر نظرية ومنهجية منفتحة، بغرض بلورة خطاب علمي، يستفيد من إيجابيات الانتماء، بحيث وظف الأستاذ هرهار، كثيرا، اللسان الأمازيغي، بشكل لا يبدد، بطبيعة الحال، كل الصعوبات التي تعترض الباحثين المحليين. نقرأ عند الأنثروبولوجي رشيق: “إن وضعي كمغربي لا يتيح لي، بالضرورة، مجالا سهلا ومباشرا للوصول إلى ما تقوله الساكنة، وتفعله في وضعيات محددة، فبالأحرى الوصول إلى طبعهم. فلا الألفة أو القرب من الناس، موضوع الدراسة، ولا كون الباحث خارجيا عنها، أو بعيدا عنهم، يشكل ضمانات مطلقة في سبيل بلوغ أفضل إلى أفكار الناس قيد الدرس وسلوكاتهم”[15].

اعتمد صاحب إثنوغرافيا آيت وراين على مفاهيم ومقولات ومناهج العلوم المجاورة، خصوصا التاريخ والجغرافيا والسوسيولوجيا، فضلا عن استدعاء تراكمات البحوث الإثنوغرافية والإثنولوجية والأنثروبولوجية، على مستويات التوصيف والتحليل والتأويل، للتسلح بالأطر النظرية والمنهجية والمعرفية، التي من شأنها اختراق البداهات والمسلمات. عند اعتماد الأساطير، سجل معظم الحكايات الشعبية المتداولة حول الفخار والزربية والرماية، في أفق البحث عن وظيفتها اليومية، “باعتبارها ذات بنية تعبيرية بدلالات عميقة، وكإنتاج ذي علاقة بكل ما هو يومي” (ص. 234). كما هي الحال أيضا، حين دون أسطورة “تمغارت”، أو العجوز التي تجمدت وتكلست، في “أدرار” أو الجبل، مع قطيعها وراعيها وكلبها بجبل موسى وصالح، نظير استعجالها في عملية الانتجاع نحو الجبل. قال أحد المبحوثين، وهو رجل مسن: “إن العجوز عندما أرادت أن تتحدى شهر أبريل، فانتقلت إلى الجبل، معتقدة أن شهر أبريل انتهى، مما جعل أبريل يطلب من شهر ماي أن يمنحه يوما واحدا لكي يربي العجوز، وكان له ذلك. فها هي النتيجة، أليس أبريل هو من يحسم السنة الفلاحية” (ص. 92).

من أجل توسيع دوائر المقارنة، يمكن استحضار بعض الدراسات التي تناولت مجالات أخرى، رغم اختلاف منطلقاتها وإشكالياتها ومناهجها وقضاياها المطروحة، من قبيل دراسة “رعاة الأطلس” للباحث محمد مهدي، التي تناولت أشكال استغلال المجال والرمزيات الثقافية المصاحبة لها، كما تعبر عنها الطقوس والسلوكيات والتمثلات… إنه طرح منهجي يزاوج بين بنيات مادية ونظم رمزية، في إطار مفهوم الظاهرة الاجتماعية الكلية، بتعبير مارسيل موس، في ضوء ثلاثة عناصر: المجموعة، والأرض/التراب، والثقافة، من خلال التنقيب في تمفصلاتها الممكنة[16].

وكما هو ملاحظ في كتاب “قبيلة آيت وارين”، يعاب على الإثنوغرافيا تهميش البعد الزمني، حيث إن حضور التاريخ لا يكون بارزا، وتوظيف المصادر التاريخية يكون ضئيلا أو منعدما، بحكم الافتتان بالثقافة الراهنة، والسعي إلى بناء نصوص من خلال مستجوبين أحياء، اعتمادا على المعيش اليومي والذاكرة الجماعية، كإطار ثقافي يخترق الأجيال، عن طريق المشافهة، في أغلب الأحيان. مما يطرح عدة تحديات تهم منهجيات الانتقال من الشفهي إلى المكتوب، باعتبار التاريخ الشفوي “أفضل معبر عن العواطف والأفكار المكبوتة، والمواقف الممنوعة أو المحاربة من الفكر السائد أو “التاريخ السائد”[17].

لا تولي الأبحاث الأنثروبولوجية أهمية كبيرة للزمن والكرونولوجيا، مقارنة بالدراسات التاريخية. يقول فيرناند بروديل: “لدى الملاحظين للواقع الاجتماعي، البنية هي تنظيم وتجانس وعلاقات ثابتة، إلى حد ما، بين الواقع والشرائح الاجتماعية. أما بالنسبة إلينا، نحن المؤرخين، البنية هي، من دون شك، تركيب وهندسة، بل الأكثر من ذلك واقع يتصرف فيه الزمن بشكل سيء، ويقوده على نحو بطيء جدا، إذ أن بعض البنيات تصير، بفعل صمودها زمنا طويلا، عناصر ثابتة على مدى أجيال، فتثقل كاهل التاريخ وتعرقله”.[18] بطبيعة الحال، لا يمكن تجديد المعرفة التاريخية دون الانفتاح على المعرفة الأنثروبولوجية، والعكس بالعكس كذلك. لذا، تسعى هذه المراجعة، التي همت إثنوغرافيا آيت وراين، إلى إثارة أنظار الباحثين في الإنسانيات والاجتماعيات، نحو أهمية العمل الميداني، نحو أهمية المعرفة الأنثروبولوجية، في كشف الأصوات المكتومة والمهمشة في الكتابات المتداولة بين المتخصصين وغير المتخصصين. يقول عبد الله العروي: “قد يأتي يوم يثور فيه المغاربة على مفهوم التاريخ ويعوضونه بمفاهيم أنثروبولوجية، عندئذ سيكتبون في اتجاه مختلف”[19].

في الواقع، تدعو مجموعة من الأدبيات المعاصرة إلى ضرورة التفكير في قضية التناهج، وأجرأتها بين تخصصات العلوم الاجتماعية، التي تقارب الظواهر الإنسانية، بأبعادها المعقدة. نقرأ عند كلود ليفي سترواس: “ما هي الفروق الموجودة بين منهج الإثنوغرافيا ومنهج التاريخ؟… الاختلاف الأساسي بينهما لا يكمن، لا في الموضوع، ولا في الهدف، ولا في المنهج. بالنظر إلى موضوعهما المتمثل في الحياة الاجتماعية وهدفهما، أي فهم الإنسان فهما جيدا، وبالنظر أيضا إلى منهجهما، حيث لا تتابين سوى التقديرات المرتبطة بطرق البحث، يكمن الفرق في اختيار الآفاق التكميلية: التاريخ يرتب معطياته بالقياس إلى التعبيرات الواعية، بينما يتعامل الإثنولوجي مع الظروف اللاواعية للحياة الاجتماعية”[20]، غير أن هذا التقاطع في الهم المعرفي، لا ينفي الاختلاف المنهجي. إذا كانت الإثنوغرافيا، كعمل مباشر، ميداني ومنوغرافي، يشكل أساس الأعمال الأنثروبولوجية، فالبحث المصدري الوثائقي يعد قاعدة كتابة التاريخ بامتياز، الأمر الذي يسمح بتتبع الثوابت الثقافية ومتغيراتها المعلنة والخفية.

 

في الختام، قارب مصنف إثنوغرافيا آيت وراين، من زوايا الأرض والثقافة، مجتمعا أمازيغيا جبليا وهامشيا ومهمشا، بشكل ينتظر مزيدا من البحث والاستقصاء والكتابة، لإعادة الاعتبار، ولو على المستوى العلمي، مادامت سبل التحديث وعرة وشاقة في نظر السياسي! إن عديدا من معطيات الكتاب تنخرط، برأينا، في إثارة سؤال التنمية المستدامة في البوادي المغربية، من أجل تطوير الموروث المشترك وتوفير مسالك الإقلاع المنشود.

 

 

الهوامش:

[1] Bronisław Malinowski, Argonauts of the Western Pacific, London, 1922, pp. 1-25.

[2]  مقتطف من تقديم خص به كتاب طالبته روث بندكت، بعنوان “أنماط الثقافة”:

Ruth Benedict, Patterns of Culture, London, 1935, pp. IX-X.

[3]  عبد الله هرهار أستاذ باحث بجامعة ابن طفيل-القنيطرة، تخصص السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا. من أعماله: الديناميات الاجتماعية وأفق البحث بالصحراء (2016)، (تنسيق مشترك مع رحال بوبريك). التربية البيئية بالمغرب وإشكالية بناء المواطن الإيكولوجي(2021)، (تأليف مشترك مع فوزي بوخريص). نصوص فلسفية في الوضع البشري والمعرفة (2022)، (تأليف مشترك مع محمد مزوز ومحمد أفرفار). التنوع الثقافى: قضايا وإشكالات (2020). تزويج الأطفال بالمغرب، الأسباب والتداعيات (2024)، (إشراف مشترك مع فوزي بوخريص)…

[4]  حسن رشيق، القريب والبعيد. قرن من الأنثربولوجيا بالمغرب، تعريب حسن الطالب، الدار البيضاء، المركز الثقافي للكتاب، 2018، ص 28.

[5]  محمد أبرهموش، “الحياة اليومية في الهامش على ضوء كتاب “أعراف قبائل زيان” لروبير أسبينيون”، ضمن: الأوساط الريفية بالمغرب. الديناميات المجتمعية وإعادة تشكيل المجال، تازة، الكلية متعددة التخصصات، 2024، ص 129.

[6]  نفسه، ص 125.

[7]  محمد حبيدة، بؤس التاريخ. مراجعات ومقاربات، الرباط، دار الأمان، 2015، ص 92.

[8]  لوسيان فيفر، الأرض والتطور البشري، ج 2، ترجمة محمد السيد غلاب، القاهرة، المركز القومي للترجمة، 2014، ص 118

[9]  يونس غاب، “المقدس والإيكولوجيا عند القبائل المنتجعة قبل الاستعمار”، ضمن: تدبير المجالات الرعوية بالمغرب واستغلالها. مقاربة التاريخ والعلوم الاجتماعية، الرباط، الجمعية المغربية للبحث التاريخي، 2022، ص 279-299.

[10] محمد حبيدة، المدارس التاريخية: برلين، السوربون، استراسبورغ. من المنهج إلى التناهج، الرباط، دار الأمان، 2018، ص 107.

[11] Edward Tylor, Primitive Culture, V. 1, London, 1920, p. 1.

[12]  كليفور غيرتز، تأويل الثقافات. مقالات مختارة، ترجمة محمد بدوي، القاهرة، المنظمة العربية للترجمة، 2009، ص 82.

[13]  عبد الأحد السبتي، من عام الفيل إلى عام المَارِيكان. الذاكرة الشفوية والتدوين التاريخي، ميلانو، منشورات المتوسط، 2022، ص 133.

[14]  تحيل الوضعية الإثنوغرافية على علاقة الباحث بالمجال وموضوعاته ولغة المحاورة. راجع: رشيق، القريب والبعيد، ص 48-50.

[15]  نفسه، ص 34.

[16]  محمد مهدي، رعاة الأطلس. الإنتاج الرعوي، القانون والطقوس، ترجمة عياد أبلال وإدريس المحمدي، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، 2013، ص 17.

[17]  وجيه كوثراني ومارلين نصر(إشراف)، التاريخ الشفوي. المجلد الأول: مقاربات في المفاهيم والمنهج والخبرات، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015، ص 15.

[18] Fernand Braudel, “Histoire et Sciences sociales: La longue durée”, Annales ESC., N° 4, 1958, p. 731.

[19]  عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2007، ص 34.

[20] Claude Lévi-Strauss, Anthropologie Structurale, Paris, Plon, 1958, p. 4, 25.

- محمد أبرهموش

باحث في التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، القنيطرة

شاهد أيضاً

الرواية المغربية وأفق الكتابة التأويلية

  جمال بندحمان، محنة ابن اللسان، افريقيا الشرق، 2024. مدخل منهجي:            تمكَّنت الرواية المغربية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.