الاقتصاد الرأسمالي: وجهة نظر بروديلية

حوار مع إيف دافيد هيجو[1]

حاوره جوليان لوموف

تقديم

توفي فرناند بروديل سنة 1985، وبعد أربعة عقود على رحيله تبين أن فكره الاقتصادي، واجتهاداته الفريدة المتعلقة بالرأسمالية، وملاحظاته التاريخية قد انتقلت إلى الضفة الأخرى من العالم الغربي. ووجدت هناك من تلقفها وطورها وبنى على أساسها نظريات في السوسيولوجيا التاريخية والاقتصاد والعلوم السياسية. يتناول هذا الحوار الذي نشرته مجلة (La Vie des idées)* يوم 28 نونبر 2025 كيف أثَّر فرناند بروديل في العلوم الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي هذا الحوار الذي نقدم ترجمته إلى العربية لقراء مجلة رباط الكتب، يحاول إيف دافيد هيجو إبراز عبقرية فرناند بروديل، وكيف التقط إيمانويل والرشتاين وصامويل هانتينغون ملاحظاته وأفكاره لبناء نظريات قائمة الذات في العلوم الاجتماعية (نظرية المنظومة-العالم بالنسبة لوالرشتاين، ونظرية صراع الحضارات لصامويل هاتينغتون).

المترجم

ترك فرناند بروديل الذي رحل منذ أربعين عامًا بصمة عميقة في العلوم الاجتماعية بنحته لمفاهيم دائمة للتفكير في الرأسمالية. ولا يزال عمله يسلّط الضوء على تحوّلات الاقتصاد، وإيقاعاته، وفضاءاته، وموازين القوى التي تحكمه.

بأية طريقة ولأية غاية يتبنى فرناند بروديل، بوصفه مؤرخًا، مفهوم الرأسمالية مقارنة بالاستعمالات الرائجة في زمنه؟

إيف دافيد هيجو: عندما استعمل بروديل هذه الكلمة، التي ابتكرها وورنر سومبارت (Werner Sombart) سنة 1902 للإشارة إلى بعض الأنشطة الاقتصادية في الحقبة ما قبل الصناعية، فإنه كان على وعي بأنه يعرض نفسه لتهمة المفارقة التاريخية. تشكل الرأسمالية، في إطار هذا التاريخ الاقتصادي للعالم الحديث الذي أطر كتاب الحضارة المادية، الاقتصاد والرأسمالية[2]، المرحلة العليا للحياة الاقتصادية للناس، بعد اقتصاد السوق والحياة المادية (بمعنى اقتصاد الندرة والكفاف). لم “تشمل” الرأسمالية بعد “مجموع الحياة الاقتصادية” في العصر الذي درسه بروديل. ولم تصر بعد “نمط إنتاج سيصير خاصًا به ويسعى إلى التعميم”[3]. لقد كان مجرد رأسمالية تجارية. لكن دورها القيادي مقارنة بالمرحلتين الأخريين للحياة الاقتصادية أخذ يتعاظم باطراد.

تبدو الرأسمالية، مقارنة باقتصاد السوق الذي كان يتطور خلال هذه الحقبة، وكأنها “سوق مضاد”[4] حقيقي يستند على الالتفاف حول قواعده: إبعاد المنافسة (عبر البحث عن سند سياسي للحصول على مواقع احتكارية وتأمينها) وتباين المعلومات (تجسد التجارة البعيدة هذه الرأسمالية بامتياز)، وذلك لأن هذه القواعد هي شرط الحصول على أرباح مهمة، فالسوق الحرة  وغير المشوهة لا يسمح إلا بأرباح متواضعة.

ويكرر بروديل ذلك في الصفحات الأخيرة من كتابه دينامية الرأسمالية: “تغيرت الرأسمالية اليوم من حيث الحجم والأبعاد” لكنها لم تتغير من حيث “الطبيعة”[5]. إذ لا زالت تربط بين نقط متباعدة على الكوكب (إنها قضية اقتصاد-عالم)، وتستند على الاحتكارات وتتميز عن اقتصاد السوق وعن الحياة المادية.

إلى أي حد يقطع بروديل بهذا مع التصورات الماركسية الحاضرة بقوة في المقاربة المادية للاقتصاد لدى مؤرخي مدرسة الحوليات؟

إيف دافيد هيجو: بالفعل، يشكل تصور كهذا للرأسمالية، حسب إيمانويل والرشتاين “إطارًا نظريًا متناقضًا كليًا مع الأطروحتين الكبيرتين اللتين أسستا، خلال القرن التاسع عشر، الرؤيتين المتنافستين للعالم في شكلهما الكلاسيكي، أي الليبرالية والماركسية”، واللتان تؤكدان معًا أن “الرأسمالية تفترض قبل كل شيء إقامة سوق حرة وتنافسية”[6].

تتميز رأسمالية بروديل عن رأسمالية لينين. إذ يعتبر هذا الأخير أن الرأسمالية الاحتكارية ظاهرة نشأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر انطلاقًا من الاقتصاد الحر التنافسي إلى اقتصاد احتكاري تحت تأثير ظاهرة التركيز ومركزة رأس المال. يقر بروديل للزعيم البولشفي أنه أدرك “تعايش ما أسماه بـ “الامبريالية”، أو رأسمالية الاحتكارات، التي يعتبرها ظاهرة حديثة، و”الرأسمالية البسيطة، […] المبنية على التنافس”[7].  لكن الأمور اختلطت على لينين، في نظر بروديل، حين اعتقد أن الأمر يتعلق بظاهرة حديثة في تاريخ الرأسمالية. ويعتقد بروديل في المقابل أن اقتصاد القرون الممتدة من الخامس عشر إلى الثامن عشر يتضمن في الأصل “هو الآخر مستويين حسب التمييز العمودي نفسه الذي حصره لينين في “امبريالية” نهاية القرن التاسع عشر، أقصد بذلك، الاحتكارات، بحكم الواقع أو بحكم القانون، والمنافسة. وبتعبير آخر الرأسمالية، […] واقتصاد السوق الآخذ في التشكل”[8].

ما المقصود بـمفهوم الاقتصاد-عالم، الذي نحته بروديل انطلاقا من النموذج المتوسطي؟

إيف دافيد هيجو: يقصد فرناند بروديل بـعبارة اقتصاد-عالم كل “تقسيم جغرافي للعمل”[9]، بمعنى فضاء للإنتاج والتبادل. تمثل ابتكار بروديل في ترجمة العبارة الألمانية (Weltwirtshaft)، التي ابتكرها الجغرافي الألماني فريتز روريغ (Fritz Rôrig) سنة 1920، باقتصاد-عالم (وليس بالاقتصاد العالمي)، وتحيل هذه العبارة على كل اقتصاد يشكل عالمًا، بمعنى كُلًّا قادرًا على الاكتفاء بذاته، “كَونا في حد ذاته”[10]، ولكن أيضا “فضاء جغرافيًا واسعًا”[11] تُنتج فيه أهم المنتوجات الضرورية لتلبية حاجات السكان الذين يعيشون فيه – يمكن استثناء بعض مواد الترف والوجاهة الكمالية التي على نخبه النخبة أن تتزود بها من الخارج. تنتظم هاتان السمتان، الاكتفاء الذاتي واتساع النطاق، إحداهما مع الأخرى.  وبتعبير آخر الاقتصاد-عالم هو “قطعة من الكوكب مستقلة اقتصاديًا وقادرة في الغالب على الاكتفاء بذاتها، والتي تمنحها روابطها ومبادلاتها الداخلية نوعًا من الوحدة العضوية”[12].

بالنسبة لبروديل، فإن العالم المتوسطي في القرن السادس عشر، بضفتيه ومن شرقه إلى غربه، هو اقتصاد-عالم. ولكن هناك نماذج كثيرة يمكن أن نطلق عليها تسمية اقتصاد-عالم. لقد تمكنت روما في زمنها من تحويل الفضاء المتوسطي إلى شبه منظومة[13]. وشكلت روسيا لوحدها إلى عهد بطرس الأكبر اقتصادًا-عالمًا، مثلها مثل الامبراطورية العثمانية إلى أواخر القرن الثامن عشر[14]. أو المحيط الهندي، بطبيعة الحال، الذي “شكل كونًا في ذاته قادرَا بالكاد على الاكتفاء بذاته”[15].

ويرى بروديل أن “الحياة الاقتصادية تنظم نفسها بنفسها […] في كل اقتصاد-عالم”[16]، أي إنها تميل إلى تشكيل كليات. يبدو هذا الميل إلى الانغلاق وكأنه قانون طبيعي للحياة الاقتصادية، فبمجرد ما يتوسع فضاء ما للإنتاج والتبادل بالقدر الكافي لتلبية الحاجيات الأساسية لمجموع أفراده حتى لا يعود لديه أي سبب للبحث عن التوسع ولا تعود لضرورة التبادل أية أهمية ما لم يكن مدفوعًا إلى ذلك بضرورة داخلية كما حدث مع الرأسمالية ذات التمركز الأوروبي، باعتبارها اقتصادًا-عالمًا، والتي تشكل استثناء تاريخيًا من وجهة النظر هذه ما دامت قد توسعت حتى شملت مجموع كوكب الأرض.

يبدو أن المؤرخ الأمريكي إيمانويل والرشتاين، الوارث الأبرز للفكر الاقتصادي البروديلي، يوسع إطار الاقتصاد-عالم ليطبقه على اقتصاد مُعولم.  بِمَ يدين مفهوم “منظومة-عالم” لفرناند بروديل؟

إيف دافيد هيجو: جاء مفهوم منظومة-عالم لصاحبه إيمانويل والرشتاين نتيجة للاشتغال على مقولة الاقتصاد-عالم البروديلية. بالنسبة لبروديل، مفهوم الاقتصاد-عالم هو رغم كل شيء مقولة عامة، وغير دقيقة بما يكفي. وقد يتساكن بذلك مع كيانات أخرى: ممالك، امبراطوريات، مجتمعات، حضارات، لا تتقاطع حدودها.

ينطلق إيمانويل والرشتاين، القادم من السوسيولوجيا، وبالضبط من البنيوية الوظيفية وليس من التاريخ، من مفهوم المنظومة الاجتماعية باعتبارها فضاء لتقسيم العمل وللتبادل الكامل.  وقد جعل من مقولة الاقتصاد-عالم صنفًا من المنظومات الاجتماعية من بين أصناف أخرى في إطار بناء تصنيف للمنظومات الاجتماعية التاريخية. غير أنّه يميّز، ضمن هذه المنظومات الاجتماعية، بين تلك التي تكون على مستوى ثقافة واحدة، فيسمّيها “منظومات صغرى” بحكم أبعادها المحدودة بالضرورة، وبين تلك التي تشمل عدّة ثقافات، والتي يجيز لها حجمها، تبعًا لذلك، أن تُنعت على الوجه الدقيق بأنّها “منظومات-عالم”.

لقد عاش الجنس البشري، من الصيادين-القاطفين والمزارعين مربي الماشية الصغيرة، طيلة الجزء الأكبر من تاريخه في منظومات صغرى مندمجة بواسطة التبادل.  وقد أدى تطوّرُ القوى المنتِجة إلى ظهور فضاءاتٍ لتقسيم العمل وللمبادلات، تتّسع بما يكفي لاحتواء عدّة ثقافات، وهذا ما يطلق عليه المنظومات-عالم.

ولمعظم الوقت خضعت مثل هذه الفضاءات لبنية سياسية أدمجتها بواسطة نظام من التبعية وإعادة التوزيع. إنها الامبراطوريات-عالم. لكن لم يكن الوضع هكذا دائمًا. ويخصص إيمانويل والرشتاين مصطلح الاقتصاد-عالم لفضاءات تقسيم العمل والمبادلات متعددة الثقافات التي لم تُوحَّد سياسيًا حيث يتكلف السوق بإدماج المناطق المختلفة المكونة لهذه الفضاءات. وعلى العموم، فإن أمثال هذه البنيات لم تعمر طويلًا. لكن شيئًا ما جديدًا حدث في التاريخ العالمي طيلة القرن السادس عشر الطويل (1450-1640). لقد دام لزمن طويل اقتصاد-عالم أوروبي المركز ويربط بين أوروبا الغربية وأمريكا التي تم غزوها حديثًا وأوروبا الشرقية. لقد فشل شارلكان في غزو هذا الفضاء الشاسع وتحويله إلى امبراطورية-عالم. وعوضًا عن ذلك، تَبَنْيَنَت منظومة بيدولتية تنافسية حول مبادئ “توازن القوى” بين دول أوروبية وامبراطوريات إزاء المناطق الهامشية في المنظومة.

لا يثير هذا التمييز بين صنفين من المنظومات-عالم انتباه بروديل الذي يستعمل بشكل مختلف مصطلح اقتصاد-عالم للدلالة على بنيات قد تكون موحدة سياسيًا (مثل روسيا والصين)، وقد لا تكون كذلك (مثل الاقتصاد-عالم المتمركز حول أروبا).  وفي المقابل، يعتبر هذا التمييز بين امبراطورية-عالم تابعة واقتصاد-عالم خاضع للسوق أساسيًا بالنسبة لوالرشتاين الذي، وسيرًا على نفس خط ماكس فيبر ونظريته حول “الرأسمالية السياسية”، يمنح مكانة مركزية للتنافس بين الدول حول الرأسمال المتحرك في تطور الرأسمالية.

يبدو أيضًا أن الفكر البروديلي، وعبر قراءات متعددة ووسيطة، قد انتشر في اتجاهات متعددة، بل وأحيانًا متعارضة كليًا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المفكرين الذين ينتسبون إليه، أمثال والرشتاين وهانتينغتون. هل هذه علامة على فكر عميق أصبح يحظى بالإجماع، أم يجب أن نعتبر بعض القراءات تقريبية وقابلة للنقاش؟

إيف دافيد هيجو: تتباين الأنطولوجيات التاريخية التي يندرج فيها هؤلاء المفكرون. فبالنسبة لبروديل، تتعايش الاقتصادات-عالم مع كيانات أخرى من الدرجة الأولى، في حين أن المنظومات الاجتماعية لدى والرشتاين هي بمثابة كيانات دامجة لبعد اقتصادي، وسياسي، وثقافي. إن المنظومة-عالم الحديثة هي أيضًا تمفصل بين اقتصاد-عالم، ومنظومة بيدولتية وجيوثقافة (أي مجموع القيم التي تشرعن اشتغال المنظومة).

ينتج عن اختلافات كهذه عواقب أيضًا عندما يتعلق الأمر بدراسة الحضارات. وقد سبق أن التقطنا توترًا في مقاربة الواقعة الحضارية لدى بروديل.  ففي الوقت الذي يعتبرها، في كتابيه المتوسط، والحضارة المادية: اقتصاد ورأسمالية، مجرد منظومة منخرطة في منظومات أخرى، تصير هذه الحضارات، عندما تصبح موضوعًا للتاريخ، كليات شاملة ومتعددة الأبعاد: جغرافية، وديمغرافية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية، وثقافية ودينية.  إن مفهوم الحضارة الذي نحته ابتداء من 1959 هو بشكل صريح موجه ضد شبينغلر وتوينبي اللذين ينتقد فيهما المثالية، والغائية، وفلسفة الأحادية* والمنهج التعميمي القياسي**[17]. يجب التفكير في الحضارات، في نظر بروديل، بالإحالة على مارسيل موس بدون حيوية، وبلا عضوانية، وبلا غائية، وببساطة كمجموع بنيات الزمن الطويل، وذات طبائع متنوعة (جغرافية، واجتماعية، واقتصادية، وديمغرافية، وجمالية، وبطبيعة الحال دينية) تكون أسلوبًا اجتماعيًا وإنسانيًا معينًا في رقعة جغرافية معينة.   إن الشكل الخاص بأي حضارة هو نتيجة اقتباسات ورفض. قـ”رفض الاقتباسات حتى النافع منها” هو الذي، حسب مارسيل موس، “يفسر حدود الحضارات”[18]. يمكن لهذا الرفض، بطبيعة الحال، أن يحمل تصادمات، وهذا ما يعترف به بروديل: “توجد صراعات عنيفة بين حضارات”[19]. يبدو عنوان كتاب هاتينغتون، صراع الحضارات[20]، وكما لاحظ ذلك جيلبرت أشكار، مستعارًا من بروديل[21].  وصحيح أيضًا أن بروديل قد شخَّص “الصراع بين حضارة إسلامية عتيقة، وتقليدية، ومحافظة إلى يومنا هذا، مع حضارة حديثة تتفوق عليها في مختلف المجالات”[22].  إن هذا الخطاب، المتكرر لدى بروديل والمؤرّخ وغير المتخلص من استشراق متجاوز اليوم، هو الذي يفسر تبني هاتينغتون له[23].  يعني هذا الكلام، وكما لاحظ ذلك جيلبرت أشكار أيضًا، أن بروديل يحذر من كل جوهرانية اختزالية؛ فالحضارة الإسلامية نفسها، تبقى في نظره، متنوعة وغير بعيدة عن تأثير الحضارات الأخرى[24].

إذا كانت للحضارات “حدود، مثل الأمم”[25]، فإنه لا يجب النظر إليها كتنظيمات منغلقة على نفسها. فكل حضارة تتكون من حضارات فرعية وتدخل كعنصر واحد في حضارة أكثر اتساعًا. ويمكن أن نميز بين “طبقات” الحضارات، و”مناطق نفوذ متداخلة”[26].  يرفض بروديل، مثل مارسيل موس، “اللائحة الضيقة” والثابتة “للحضارات”[27] ما دام ينطلق من منظور تدرجي.

هل نجد أيضًا لدى والرشتاين هذا المفهوم للحضارة كما يوظفه بروديل؟

إيف دافيد هيجو: يعالج إيمانويل والرشتاين الواقعة الحضارية بشكل مختلف.  ليست الحضارات، بالنسبة له إليه، كليات تاريخية للزمن الطويل.  وحدها المنظومات-عالم ينطبق عليها هذا الوصف.  فما نسميه “حضارات” ما هو في الواقع إلا “جيوثقافات” لهذه المنظومات التاريخية.   والانطباع الذي يبدو أننا نتصوره عن الاستمرارية ناتج في الواقع من كون الامبراطوريات-عالم تشرعن لنفسها بالنهل من العمق الثقافي للامبراطوريات-عالم التي سبقتها على نفس الرقعة الجغرافية.  كما أن توسع الاقتصاد-عالم الرأسمالي الأوروبي المركز الذي شمل الكرة الأرضية في نهاية القرن التاسع عشر قد أدى إلى تدمير كل المنظومات الاجتماعية التاريخية الأخرى التي تم إدماجها في التقسيم العالمي للعمل في موقع هامشي أو شبه هامشي.  ورافق عولمة الاقتصاد-عالم الرأسمالي نشر لجيوثقافته التي نطلق عليها التغريب أو التحديث.  ونتج عن هذا أننا اليوم “نعيش في عالم ليس فيه سوى حضارة واحدة، الحضارة الرأسمالية[28].

هذا ما لم يفهمه هاتينغتون الذي “شيَّأَ الحضارات”، أي إنه يجهل “ما وقع تاريخيًا منذ القرنين الخامس عشر والسادس عشر”[29]، ومن ذلك ميلاد وتوسع اقتصاد-عالم أوروبي المركز هيمن على الحضارات الأخرى وهمَّشها.  وإذا كنا نعيش جميعًا داخل المنظومة الاجتماعية التاريخية نفسها، المنظومة-عالم الحديثة، فإن ما يسميه هاتينغتون بـ “صراع الحضارات” يشكل في الواقع احتجاجًا ترفعه بعض الدول وبعض السكان، من داخل المنظومة-عالم الحديثة نفسها، وفي إطار الحضارة الرأسمالية، في وجه التراتبية التقليدية للمنظومة-عالم الحديثة.  وتعتبر أشكال التأكيدات الحضارية هذه جزءًا من إعادة النظر في الهيمنة الجيوثقافية للغرب على المنظومة-عالم.  يمكن أن تتخذ إعادة النظر هذه أشكالًا وأن تستهدف غايات مختلفة، وإذا كان بإمكان بعض هذه التأكيدات أن تسلك منعطفًا رجعيًا صريحًا وتضع نفسها في خدمة أهداف امبريالية، فإن تأكيدات أخرى تفتح الطريق لإبستيمولوجيات جديدة بمقدورها أن تساعدنا على الخروج من الأنطولوجيات الطبيعانية المكونة لجيوثقافة المنظومة-عالم الحديثة.

واليوم، إلى أي حد يمكن لفكر بروديل أن يساهم في التفكير في التحولات المعاصرة للرأسمالية في عصر الرقميات، وعمالقة التكنولوجيا الرقمية في العالم (GAFAM)*، وعصر الذكاء الاصطناعي؟

إيف دافيد هيجو: لنصغ إلى بيتر ثييل، مؤسس بايبال وبالانتير**: “إن الرأسمالية والمنافسة متعارضتان. لقد بُنيت الرأسمالية على أساس تراكم رأس المال، وفي ظل وضعية مثالية للمنافسة، تنعدم المكاسب.  إن الدرس واضح بالنسبة للمقاولين … المنافسة هي للفشلة”[30].  يمكن أن يكون هذا اقتباسًا بروديليًا! ومن وجهة نظر بروديلية، تبقى الرأسمالية الرقمية، ورأسمالية المنصات، التي يطلق عليها بعض الاقتصاديين “التكنوفيودالية”، جزءًا من الرأسمالية.

بطبيعة الحال، يتطلب الحصول على مثل هذه المواقع الاحتكارية دعم الدولة، الذي يحتاجه الرأسماليون بشكل حيوي. وكما يقول بروديل في مقولة مقتضبة لكنها كاشفة: “لا تنتصر الرأسمالية إلا عندما تتماهى مع الدولة، بل عندما تصير هي الدولة”.  إن الرأسماليين لوحدهم أنفسهم غير قادرين على إقامة مثل هذه الاحتكارات ولا على حمايتها.

إن هذا “التكافل” بين رأس المال والدولة لا ينكشف أبدًا إلا عندما تهيمن دولة ما على المنظومة-عالم، ضامنة بذلك امتيازًا لكل رأسمالييها على رأسماليي الدول الأخرى.  وفي هذه الحالة، نعتبر هذه الدولة هي نفسها محتكرة. وهكذا، يمكن لبروديل أن يقول إنه في القرن السابع عشر، “مجموع موقف أمستردام هو الاحتكار في حد ذاته”.

الهوامش

[1] إيف دافيد هيجو (Yves David Hugot): أستاذ فرنسي مبرز في الفلسفة ومدرس لمادة التاريخ والجغرافيا في ثانوية غوستاف إيفل بمدينة رويل مالميزون (RUEIL-Malmaison). وقد نسق إلى جانب ستيفان دوفوا عددًا خاصًا في مجلة سوسيو (Socio) الصادر سنة 2021 تحت عنوان: إيمانويل والرشتاين، إرث ووعود (Immanuel Wallerstein, Héritages et promesses). وهو كذلك مؤلف كتاب:

Capitalisme et Modernité chez I. Wallerstein. La colonisation des mondes, Presses Universitaires du Septentrion, 2025.

* يمكن العودة إلى المقال الأصلي باللغة الفرنسية على الرابط التالي:

https://laviedesidees.fr/L-economie-d-apres-Braudel

[2] Civilisation matérielle, économie et capitalisme, XVe-XVIIIe siècle, 3 vol., Paris, Armand Colin, 1979.

[3] La Dynamique du capitalisme, Paris, Arthaud, 1985, rééd. Flammarion, coll. « Champs », 1988, p. 44.

[4] Idem, p. 56.

[5] Idem, p. 115.

[6] « Le capitalisme de Braudel ou le monde à l’envers », Impenser la science sociale (Paris, PUF, 1991), édition électronique, Chicoutimi, UQAC, 2006, p. 249.

[7] Civilisation matérielle, économie et capitalisme, XVe-XVIIIe siècle, t. 2, les jeux de l’échange, Paris, Armand Colin, 1979, p. 197.

[8] Idem, p. 514-515.

[9] La méditerranée et le monde méditerranéen à l’époque de Philippe II [1949], rééd. Paris, LGF, 1993, t. 2, Destins collectifs et mouvements d’ensemble, 1993, p. 47.

[10] La méditerranée et le monde méditerranéen à l’époque de Philippe II, t. 2, op. cit., 1993, p. 47.

[11] Immanuel Wallerstein, << The Itinerary of World-Systems Analysis, or How to Resist Becoming a Theory>>, dans The Uncertainties of Knowledge, Pheladelphie, Temple University Press, p. 88.

[12] Civilisation matérielle, économie et capitalisme, XVe-XVIIIe siècle, op. cit., t. 3, p. 14.

[13]La méditerranée et le monde méditerranéen à l’époque de Philippe II, op. cit., t. 1, La part du milieu, Paris, Armand Colin/Le Livre de Poche (9e édition, 1990), p. 203.

[14]  La Dynamique du capitalisme, op. cit., p. 88.

[15] La méditerranée et le monde méditerranéen à l’époque de Philippe II, op. cit., t. 1, p. 222

[16] Les Ambitions de l’histoire, éd. Roselyne de Ayala et Paul Braudel, Paris, Éd. de Fallois, 1997, p. 91.

[17] Fernand Braudel, « L’histoire des civilisations : le passé explique le présent » dans Lucien Febvre, Encyclopédie française, Paris, Larousse, 1995, rééd. Dans Écrits sur l’histoire, Paris, Flammarion, 1969, p. 255-314.

*الأحادية (le monadisme): نظرية فلسفية تنسب للفيلسوف غوتفريد فيلهلم لايبنتز، وتذهب هذه النظرية إلى أن الكون يتكون من جواهر روحية بسيطة، لامتناهية، ولامرئية، وغير مادية سماها الأحاديات (monades)، وهي تدرك الكون وتعكسه من وجهة نظرها الخاصة. (المترجم)

** المنهج التعميمي (le nomothétisme): مقاربة علمية تهدف إلى وضع قوانين عامة وكونية، أو مبادئ دائمة لتفسير الظواهر الملاحظة. تهدف هذه المقاربة إلى تفسير الظواهر بتحديد أسبابها دون اللجوء إلى التفسير بالصدفة، وإلى صياغة قوانين عامة لدراسة كل التجمعات البشرية. (المترجم)

[18] Marcel Mauss, « Les civilisations. Éléments et formes » [1930], rééd. Dans Techniques, technologies et civilisation, Paris, PUF, 2012, p. 90.

[19] Fernand Braudel, Grammaire des civilisations, Paris, Flammarion, 1987, p. 65.

[20] Samuel Huntington, Le Choc des civilisations, Paris, Odile Jacob, 1996.

[21] Gilbert Achcar, Le Choc des barbaries. Terrorismes et désordre mondial, Paris, Syllepses, 2002, n. 18, p. 96.

[22] Grammaire des civilisations, op. cit., p. 145.

[23] À ce propos : Blaise Dufal, « faire et défaire l’histoire des civilisations », dans Philippe Büttgen et al., Les Grecs, les Arabes et nous. Enquête sur l’islamophobie savante, Paris, Fayard, 2019, p. 317-358.

[24] Gilbert Achcar, Le Choc des barbaries, op. cit., p. 96.

[25] « Les civilisations. Eléments et formes », op. cit., p. 95.

[26] Idem., p. 89.

[27]  « L’histoire des civilisations : le passé explique le présent », op. cit., p. 291.

[28] Immanuel Wallerstein, Carlos Aguirre Rojas, Charles C. Lemert, Uncertain worlds. World-Systems Analysis in Changing Times, Londres, Routledge, 2012, p. 43-44.

[29] Idem, p. 43.

*يستعمل هذا الاختزال، GAFAM، للإشارة إلى الشركات الأمريكية العملاقة في مجال التكنولوجيا والانترنت، وهي:

Google, Apple, Facebook, Amazon, Microsoft (المترجم)

** بايبال (Paypal): مقاولة أمريكية متخصصة في خدمات الدفع عبر الانترنت على المستوى العالمي، وتقدم بدائل للدفع تعوض الدفع بالشيكات أو البطائق البنكية. (المترجم)

بالانتير (Palantir Technologies): مقاولة أمريكية مقرها في ميامي بولاية فلوريدا، متخصصة في الخدمات التكنولوجية خاصة منها نشر البرانم (logiciels) وتحليل البيانات. (المترجم)

[30] Cité par Cédric Durand, Technoféodalisme. Critique de l’économie numérique, Paris, Zones, 2020.

- محمد العفاس

باحث في التاريخ من مراكش

شاهد أيضاً

أعيش متشردا بين عدة لغات، ومعرفة اللغة لوحدها في الترجمة غير كافية – حوار مع الأستاذ محمد الولي

حاورته أميمة المحمدي يعد محمد الولي أحد أهم البلاغيين المغاربة المهتمين بحقل الخطابة والحجاج والبلاغة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.