محمد المنصور، دراسات في تاريخ المغرب الحديث، مكتبة دار الأمان، الرباط، 2025
ارتبط البحث التاريخي في المغرب منذ نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن العشرين بمجموعة من المؤرخين، الذين عملوا على كتابة تاريخ المغرب من منظور علمي يتجاوز كل مقاربة هوياتية ضيقة، لا تأخذ بعين الاعتبار التحولات الكبرى التي شهدتها المعرفة التاريخية، من جراء التأثير الكبير لمقولات مدرسة الحوليات، التي دعت إلى المزاوجة بين مجهود التوثيق والاستشكال باستثمار التقاطعات الممكنة بين التاريخ ومختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية والآداب والفنون، كما شددت على ضرورة انفتاح البحث التاريخي على التفسير والتأويل في أفق كتابة تاريخ علمي شمولي ينحو منحى التركيب.
ومن المؤرخين البارزين ضمن جيل الحقبة المذكورة أعلاه محمد المنصور، الذي اقترن اسمه بأحد الأعمال التاريخية القوية في البحث الجامعي المغربي، ونقصد هنا دراسته حول المجتمع والدولة والدين في المغرب خلال عهد المولى سليمان، وهي في الأصل أطروحة جامعية ناقشها في جامعة لندن سنة 1981. وقد نُشِرت أولا باللغة الإنجليزية في سنة 1990 تحت عنوان المغرب في عهد المولى سليمان، ثم ترجمت إلى اللغة العربية بعنوان المغرب قبل الاستعمار. المجتمع والدولة والدين (1792–1822م)[1]. وبصفة عامة، فقد استند هذا العمل إلى مقاربة شمولية في دراسة حقبة حكم المولى سليمان، وهي حقبة لم تحظ بالاهتمام الكافي من قبل المؤرخين المغاربة، الذين ركزوا بشكل كبير على النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لما شهده من تحولات متسارعة على إثر التغلغل الأوروبي في المجتمع المغربي، وهو ما أسهم في ترسيخ بعض الصور النمطية الـمُبَسَّطة عن حكم المولى سليمان. ومن ثم فإنه يقدم مناقشة علمية رصينة للتصورات والمفاهيم والطروحات التي روجت لها الإسطوغرافيا الأوروبية. ومما يسترعي انتباهنا في هذا العمل كذلك هو حرص مؤلفه الشديد على التحري والتقصي وتجنب كل موقف أو حكم متسرع، ولعل ذلك ما يفسر تنوع مصادره التاريخية التي ضمت وثائق ومخطوطات مغربية وأوروبية، فضلا عن اطلاعه الواسع على دراسات متنوعة: عربية وأنجلوسكسونية وفرنكوفونية.
والواقع أن القراءة المتأنية لهذا العمل تكشف عن الخطاطة العامة التي وجهت مسار محمد المنصور الغني بالدراسات التاريخية، فهي تنطلق من قضية مركزية تتمثل في طريقة تدبير الدولة في حقبة حكم المولى السليمان والعناصر المؤثرة فيها، لكن هذه القضية لم تكن بسيطة كما يبدو للوهلة الأولى، بل إنها ارتبطت بشبكة كثيفة من القضايا التاريخية المحورية، تطلبت من الـمُؤَلِّف بحثا مضنيا مسترسلا امتد على أزيد من أربعين سنة. ولعل كتاب محمد المنصور الأخير دراسات في تاريخ المغرب الحديث[2]، يشكل دليلا عمليا للوقوف على المحطات الكبرى لهذا المسار العلمي المتميز في البحث التاريخي بالمغرب. يضم بين دفتيه إحدى وعشرين دراسة، معظمها منشورة في المجلات المتخصصة واللقاءات العلمية والندوات، أما الدراسات التي نُشِرت لأول مرة فلا يتجاوز عددها دراستين: الأولى بعنوان هل يُحسب العلماء في عداد أهل الحل والعقد؟ والثانية بعنوان المغرب وبلاد السودان: ما كل شيء يأتي من الشمال.
قد يجازف البعض بالقول إن مثل هذه الكتب لا تضيف جديدا إلى التراكم العلمي في البحث التاريخي المغربي بقدر ما تروم إضافة رقم جديد إلى مسار الباحث إما لتحسين وضعيته الإدارية أو تضخيم سيرته العلمية. لكن المتأمل في واقع الإنتاج الإسطوغرافي في الدول الغربية التي قطعت أشواطا كبيرة في البحث العلمي، يدرك تماما أن هذا الأمر يندرج في إطار تقليد علمي راسخ يستند إلى اعتبارين أساسيين: أولهما أخلاقي يتمثل في رغبة المؤلف في تسهيل وصول الباحثين إلى دراساته عن طريق جمعها في مؤلف واحد، وهو أمر بالغ الأهمية يعبر عن نبل أخلاقه وحرصه على أداء رسالته العلمية على الوجه الأكمل، مما ينعكس إيجابا على تطور البحث العلمي، خاصة في ظل الثورة الرقمية التي تتيح إمكانية نشر الكتاب في مختلف مناطق العالم. أما على المستوى العلمي فتعد هذه الكتب سيرة ذاتية فكرية تنقل القارئ إلى عوالم تفكير المؤلف، حيث يتمكن من معرفة طريقه تفاعله مع القضايا المطروقة، وما شهده مساره العلمي من انعطافات ومراجعات فكرية وتجديد في المقاربة وتنوع في الأدوات المنهجية.
تسلط الدراسات الـمُتضمنة في هذا الكتاب الضوء على تحولات مرحلة ما قبل الاستعمار بالمغرب من منظور شمولي. وعلى الرغم من تعدد القضايا المطروقة التي قد تعطي انطباعا أوليا مفاده افتقارها إلى الخيط الناظم، إلا أن هذا الانطباع ما يلبث أن يتلاشى، خاصة بعد قراءة مقدمة الكتاب التي تعلن بشكل صريح أننا إزاء دراسات متكاملة ومتداخلة من الناحيتين الموضوعاتية والمنهجية. وعلى العموم يمكن توزيع عناصر هذا الكتاب على ستة محاور رئيسة:
أولا- التأمل في حصيلة البحث التاريخي بالمغرب منذ الحصول على الاستقلال. ففي الدراسة الأولى ميَّز محمد المنصور بين مرحلتين بارزتين في مسار تطور الإسطوغرافيا المغربية: أولاهما مرحلة التاريخ الوطني (1956–1976م)، التي شهدت ظهور بعض الأعمال التاريخية الساعية إلى “دحض الإسطوغرافيا الاستعمارية”، أما ثانيهما فهي مرحلة التاريخ الاجتماعي (1976–1986م)، التي أولت اهتماما كبيرا لمسألة انفتاح المؤرخ على الأدوات المفاهيمية للعلوم الاجتماعية بدل الاقتصار على المقاربة الأرشيفية الصرفة. والظاهر أن هاجس الرصد وتتبع الإنتاج الإسطوغرافي المعاصر لم يبق محصورا في هذه الدراسة فقط، بل نلاحظ أنه حاضر بشكل ضمني في بقية الدراسات سواء على مستوى المتن أو الهامش. ولعل ذلك يكشف بعض خصائص الكتابة التاريخية في مشروع محمد المنصور التي تنزع نحو التفاعل وتبادل الخبرات وتقييم التجارب عن طريق المتابعة النقدية الرصينة، وذلك في أفق رصد المكتسبات والثغرات، وبالتالي المساهمة في إغناء النقاش المنهجي حول بعض القضايا التاريخية، من قبيل التحقيب التاريخي ومدى إجرائية بعض المصطلحات والمفاهيم المتعلقة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية في البحث التاريخي. ومما يؤكد هذا الهم المعرفي لمحمد المنصور هو حرصه الشديد على الانخراط في تنظيم الندوات العلمية الجادة، كما هو الحال مع ندوة البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم[3].
ثانيا – الاهتمام بالسياسة الداخلية للمخزن في حقبة المولى سليمان، وهي حقبة كانت خاضعة باستمرار لمسلمات وصور “مبسطة”، إذ نُظِر إليها على أنها مجرد حقبة انتقالية تصل بين حقبتين رئيستين هما: حقبة السلطان محمد بن عبد الله (1757-1790م) الذي نهج سياسة الباب المفتوح مع أوروبا، وحقبة السلطان عبد الرحمن بن هشام (1822-1859م) التي اقترنت في الإسطوغرافيا المغربية بالضغوط الاستعمارية الأوروبية الساعية إلى فتح السوق المغربية أمام السلع الأجنبية. واللافت للانتباه في هذا المحور هو تركيز محمد المنصور على طريقة تدبير المولى سليمان لشؤون المغرب، وهكذا فهو يرسم صورة مكبَّرة لشخصية هذا السلطان تنطلق من كيفية تربيته والسياق العام لنشأته، ثم ينتقل بعد ذلك إلى تفكيك خصائص سياسته الداخلية، مستعرضا العناصر الرئيسة المتحكمة فيها. وفي هذا الصدد أيضا حاول إغناء بحثه بمقارنات مفيدة مع سياسة والده السلطان محمد بن عبد الله.
ثالثا – رصد علاقة الدولة بالمجتمع والاقتصاد. فمن الواضح الحضور القوي للمقاربة الشمولية في هذه الدراسات، إذ إن المؤلِّف لا يكتفي برصد الحدث السياسي بالاعتماد على المقاربة الكرونولوجية فحسب، بل عمل على تشكيل لوحة عامة ذات عناصر متشابكة، وهو ما مكنه من الانتقال من مستوى التوثيق إلى مستوى التحليل والتفسير والتأويل بسلاسة، مستثمرا أدوات مفاهيمية هي نتاج التكامل بين التاريخ والعلوم الاجتماعية والإنسانية.
رابعا – تسليط الضوء على بعض القوى المجتمعية التي كان لها حضور قوي في تاريخ المغرب خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ونخص بالذكر هنا الشرفاء الذين حظوا باهتمام كبير في هذا الكتاب، خاصة الشرفاء الأدارسة في المنطقة الشمالية، ولعل ذلك يرجع إلى عاملين رئيسين: أولهما المكانة المهمة التي حظي بها هؤلاء الشرفاء في هذه المنطقة التي احتضنت جبل العلم، أما ثانيهما فيتمثل في كونها كانت جبهة متقدمة في المواجهة بين المغرب والأوروبيين من خلال الثغور الشاطئية. زيادة على ذلك، ركز محمد المنصور على العلماء الذين أدوا دورا مهما في لحظات بيعة السلاطين، بل إنهم شكلوا أحد العناصر المؤثرة ضمن أهل الحل والعقد. والحق أنه خلص إلى استنتاجات مهمة واقترح فرضيات مبتكرة تعيد مساءلة بعض المسلمات التي رسختها الإسطوغرافيا التقليدية فيما يتعلق بمكانة هؤلاء العلماء ودرجة تأثيرهم في المجتمع.
خامسا – دراسة المجتمع الحضري في مرحلة ما قبل الاستعمار. فقد حاول محمد المنصور تعقب منابع السلطة انطلاقا من الدولة المركزية وصولا إلى المدينة، مع التركيز على الحواضر الكبرى ذات التقاليد الحضرية الراسخة، وعلى رأسها تطوان وفاس، وذلك في ضوء الدراسات الاستشراقية التي نظرت إلى المدينة الإسلامية من منظور التجربة الغربية. والظاهر أنه كان حريصا على الإمساك بآليات إنتاج السلطة المحلية مستندا إلى أدوات مفاهيمية ملائمة تمحورت بالأساس حول مفهوم العصبية لابن خلدون، وبطبيعة الحال فقد انتهى إلى عدد من الاستنتاجات التي أغنت التراكم الحاصل في هذا الباب. ومما يلفت انتباهنا هنا أيضا هو تركيزه الكبير على تحليل العلاقة بين المدينة والمخزن من خلال نموذج مدينة تطوان في عهد المولى سليمان، وهي علاقة طبعتها في كثير من الأحيان لحظات توتر وصراع بسبب إصرار المدينة على دعم منافسي السلطان والتمرد على قراراته. وليس هناك من شك في أن هذه المعارضة التي كانت تظهرها المدن من حين لآخر ضد المخزن وأعوانه، كانت إحدى الدوافع التي حفزت محمد المنصور على خوض غمار البحث في هذا الجانب، لأنه يدرك تماما أنها تُجوهلت عن قصد من قبل الدراسات الاستشراقية التي سعت إلى ترسيخ صور نمطية، استنادا إلى نصوص معيارية لا تعبر عن واقع المدينة الإسلامية.
سادسا – الاهتمام بالتاريخ العلائقي. سعى هذا الكتاب إلى إلقاء الضوء على بعض الجوانب غير المطروقة في السياسة الخارجية للمغرب منذ بداية الحقبة الحديثة. وقد استندت هذه السياسة إلى مفهومين رئيسين هما “دار الإيمان” و”دار الكفر”، فالمفهوم الأول ارتبط بعلاقة المغرب مع العالم الإسلامي، حيث اعتبر المغاربة أنفسهم جزءا لا يتجزأ من العالم الإسلامي، لسيادة شريعة واحدة وتشابه المؤسسات القضائية في مختلف الأقطار الإسلامية. لكن بداية من القرن السادس عشر ظهر واقع سياسي جديد في منطقة المغارب من جراء استيلاء العثمانيين على الجزائر وتونس وطرابلس، وهكذا فقد توقفت الطموحات التوسعية للمغرب في اتجاه الشرق، وتزايدت الضغوط العثمانية على السلاطين المغاربة. أما المفهوم الثاني، أي “دار الكفر” فقد اقترن بعلاقة المغرب مع العالم الأوروبي. وفي هذا الصدد نشير إلى أن هذا الكتاب قدَّم نبذة عامة عن الجهود المغربية من أجل استرجاع مدينة سبتة في عهد المولى إسماعيل (1672–1727م).
هذه إذن أهم المحاور التي يمكن القول إنها تشكل العمود الفقري لهذا الكتاب، وهي محاور لا تخلو من الأفكار المبتكرة والاقتراحات المنهجية المفيدة. وفي هذا الصدد لا يسعنا إلا أن نشيد بسلاسة اللغة الموظفة في هذه الدراسات التي تؤدي المعنى المقصود بوضوح، كما ننوِّه بإحكام صنعة عناوينها. وعلى مستوى آخر، نشير إلى أن هذا الكتاب لا يكتفي بتقديم إجابات عن بعض الأسئلة العالقة، بل إنه يحفز الباحثين على طرح المزيد من التساؤلات حول بعض الجوانب التاريخية، كما هو الحال مع مسألة مرتكزات السلطة المركزية وطريقة تدبير الدولة المخزنية في مرحلة ما قبل الاستعمار، وهي قضية تاريخية بالغة الأهمية لا تزال في حاجة إلى مزيد من البحث، لأن من شأنها أن تسهم في فهم ماهية الدولة المغربية وآليات نظام الحكم في الوقت الراهن. ولعل من المفيد أن نُذَكِّر هنا بأن محمد المنصور كان من المؤرخين المغاربة القلائل من جيل نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن العشرين الذين أولوا اهتماما لبنى الدولة المركزية في مغرب ما قبل الاستعمار، في حين ركز معظم المؤرخين على الأبحاث المونوغرافية التي عملت على مقاربة تاريخ المغرب انطلاقا من الملاحظة المجهرية، وهكذا فقد ظهرت مجموعة من الأعمال التي تناولت تاريخ القبائل والواحات والمدن والزوايا من منظور اجتماعي واقتصادي، وذلك تحت تأثير دراستين رئيستين، هما دراسة أحمد التوفيق حول إينولتان سنة 1976[4] ودراسة العربي مزين حول تافيلات سنة 1977[5].
تنطلق مقاربة محمد المنصور من السلطان بوصفه الممثل الفعلي لسلطة المخزن، إذ كان يتحمل مسؤولية الحفاظ على الدين والدفاع عنه وإقرار الأمن، كما تدخل ضمن اختصاصاته قيادة الجيش وتسيير الجهاز المالي والجبائي وإدارة الجهات والقبائل والعلاقات مع الدول الأجنبية. وقد اعتمد في إنجاز هذه المهام على جهاز مخزني قوامه قواد الجيش وخاصة رؤساء العبيد، بالإضافة إلى عدد من الطلبة أو الكُتاب. وقد شكلت بيعة أهل الحل والعقد آلية رئيسة لإضفاء المشروعية على حكم السلطان، وهي تكشف بوضوح عن بعض المرتكزات الإيديولوجية للمخزن أو الدولة المغربية ذات الجذور العميقة في النظام الإسلامي التقليدي. لكن من المهم أن ننبِّه هنا إلى أن نص البيعة لم يكن مجرد آلية لشرعنة الحكم فحسب، بل كان كذلك أداة لتقييد حرية السلطان ومراقبة سلطته. واللافت للانتباه أن قوة نص البيعة تزداد حينما يُبَايع السلطان الجديد في مرحلة ضعف الدولة المركزية، لا سيما إبان الصراع حول الحكم بين أبناء السلطان الـمُتوفَّى، إذ كان أهل الحل والعقد يفرضون شروطهم على هذا السلطان، وهو ما يَحُدُّ من حريته في بعض المجالات كالجباية أو التجارة الخارجية.
وعلى الرغم من المعطيات الغزيرة المتعلقة بالبيعة في الإسطوغرافيا التقليدية (الحوليات السلطانية، وكتب التراجم، وكتب التاريخ المحلي…)، فإنها لا تزال تطرح إشكاليات عديدة، في طليعتها إشكالية تحديد العناصر الأكثر تأثيرا في قرار اختيار الحاكم. ففي هذا الصدد انتهى محمد المنصور إلى خلاصة مهمة مفادها أن المكانة المحورية التي حظي بها العلماء داخل المجتمع خاصة أثناء لحظة البيعة بوصفهم عناصر فاعلة لها القدرة على اختيار الحاكم لم تكن سوى صورة مثالية رسمتها النصوص المعيارية وروجت لها الإسطوغرافيا التقليدية، أما على مستوى الواقع فقد كانوا مجرد عناصر ثانوية اقتصر دورها على مباركة أو تزكية قرار محسوم من قِبَل من لهم السلطة الفعلية، ويخص بالذكر هنا الأعيان والرؤساء الذين يحتكرون السلطة العسكرية والسياسية. ولا مراء أن هذه الخلاصة تعكس بوضوح النزعة النقدية في أعمال محمد المنصور، فهو لم يتوان في خلخلة الطمأنينة المنهجية التي يركن إليها بعض الباحثين عند مقاربة دور العلماء وعلاقتهم بالسلطة المركزية في تاريخ المغرب، مستعينا بأدوات مفاهيمية منبثقة عن النظرية الخلدونية، وفي طليعتها مفهوم العصبية. وبطبيعة الحال فإن ما قُدِّم في هذا الباب من أفكار واستنتاجات كفيل بإلقاء أضواء جديدة على دور العلماء ضمن أهل الحل والعقد.
فضلا عن البيعة حاول السلاطين كسب المشروعية عن طريق توظيف أدوات رمزية لا تخلو من قداسة لترسيخ سلطتهم، على رأسها الانتماء إلى النسب الشريف. فمنذ وصول الفتوحات الإسلامية إلى أرض المغرب الأقصى حظي الشرف بمكانة رمزية جعلته أحد ثوابت مشروعية الحكم، ولعل ذلك ما يفسر حرص أغلب الحكام على رفع نسبهم إلى سلالة الرسول كما هو الحال مع محمد بن تومرت أو على الأقل التقرب إلى الشرفاء عن طريقة إقامة مؤسسة الشرف بمعناه الديني والاجتماعي والسياسي كما حدث في حقبة الدولة المرينية. وللوقوف على أهمية الشرف في دعم مشروعية الحكم يمكن أن نستحضر هنا التجربة السعدية في بداية القرن السادس عشر، إذ حرص محمد بن عبد الرحمن (تـ 1517) على تأكيد انتمائه إلى أسرة شريفة يتصل نسبها بالرسول بناء على أدلة “قاطعة” تتمثل في الظهير الذي وقعه الإمام ابن عرفة وشيخه ابن عبد السلام[6]. والظاهر أن الدولة العلوية لم تحد عن هذه القاعدة، ذلك أنها راهنت على نسبها الشريف في فرض سلطتها على مختلف القوى السياسية المتنافسة حول السلطة بالمغرب خلال القرن السابع عشر، كما حرص السلاطين العلويون على احتواء بقية شرفاء المغرب الذين ينحدرون من فرق متعددة، عبر وسائل مختلفة منها ما هو رمزي مثل الظهائر السلطانية التي تحمل اعترافا صريحا بنسبهم، وتحث رجال المخزن على احترامهم وتوقيرهم، ومنها ما هو مادي من قبيل: المنح المالية والهبات المختلفة التي منحها المخزن للشرفاء، فضلا عن الامتيازات التي حظوا بها، وعلى رأسها إعفاؤهم من أداء الضرائب.
وعلى مستوى آخر نلاحظ أن بعض السلاطين قد عملوا على استغلال الكرامة وما تحمله من دلالات في دعم مشروعية حكمهم، كما هو الحال مع محمد بن عبد الرحمن الذي ذكر أنه “رأى رؤيا، وهي أن أسدين خرجا من إحليله، فتتبعهما الناس إلى أن دخلا صومعة، فوقف هو ببابها. وفسرت له بأن له ولولديه شأنا وسيملكان الناس”. يبدو أن غرضه من إشاعة مثل هذه الكرامات كان هو مخاطبة شريحة واسعة من المجتمع المغربي الخاضعة آنذاك لتأثير الخطاب الصوفي المرتكز بالأساس على الكرامة التي تؤمن بالخوارق، وذلك في أفق الترويج لمشروعية حكم أسرته. وعلى كل حال ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار هنا خصوصية التجربة السعدية وظروف قيامها عقب ضعف السلطة المركزية الوطاسية وما رافق ذلك من غزو إيبيري للسواحل المغربية، كما استدل على ذلك لطفي بوشنتوف في العالم والسلطان[7]. لكن ما هو مؤكد أن احتواء مجال الصلاح والتصوف كان في كثير من الأحيان رهانا رئيسا للدولة المغربية أو المخزن لكسب المشروعية، بل إن بعض السلاطين نظروا إلى شيوخ الزوايا على أنهم شركاء أساسيين لترسيخ السلطة السياسية واحتواء المجتمع لما يتوفرون عليه من رأسمال رمزي. وعلى الرغم من تشديد بعض الأدبيات الصوفية على ضرورة الابتعاد عن السلطة والانقباض عنها، فإن ذلك لم يمنع بعض الشيوخ من نسج صلات وثيقة بالمخزن، تحولت في كثير من الأحيان إلى هدايا وهبات أسهمت في تقوية مكانة الزاوية داخل المجتمع.
هذه إذن بعض المرتكزات التي قامت عليها السلطة المركزية طوال حقبة ما قبل الاستعمار. وتجدر الإشارة هنا إلى مسألة جوهرية مفادها أنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال حصر هذه السلطة في المفهوم الترابي بمعناه الحديث الذي يسعى إلى رصد مظاهر ممارسة السيادة من خلال تتبع مؤشرات الحضور الإداري والعسكري للدولة داخل المجال. بل ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الرمزية التي لها ارتباط وثيق بالتصورات المجتمعية والممارسات الثقافية. من هذا المنطلق فلا غرو أن نصادف في بعض المصادر التاريخية إشارات واضحة تفيد غياب الحضور المخزني الإداري والعسكري في منطقة معينة خلال حقبة محددة، لكن بالمقابل هناك اعتراف صريح أو ضمني مستمر بالسلطة الرمزية للدولة المخزنية. فعلى سبيل المثال رفض أهل تطوان عقب وفاة المولى إسماعيل سنة 1727م حكم الباشا أحمد بن علي الريفي، بل إنهم دخلوا في حرب مع رجاله كان من أبرز لحظاتها معركة “عيطة السبت”، بيد أنهم أكدوا أن ثورتهم لم تكن موجهة ضد السلطة المركزية بقدر ما كانت رد فعل ضد تعسفات الباشا المذكور الذي بالغ في استعبادهم. ولعل مثل هذا التحليل المتعدد الأبعاد من شأنه أن يعيد مساءلة بعض التصورات والخلاصات في الكتابات الاستشراقية، التي عجزت عن مقاربة الظواهر التاريخية في العالم الإسلامي من منظور جديد لا يفصل بين المجتمع والثقافة.
وإلى جانب هذه البنى الموروثة للسلطة المخزنية في مرحلة ما قبل الاستعمار، كانت هناك العديد من المتغيرات على رأسها سياسة السلاطين في الحكم التي خضعت لعدة محددات. فبخصوص المولى سليمان يشدد محمد المنصور على حرصه الكبير على مركزة الحكم، إذ كان يشرف شخصيا على كافة المجالات ويتدخل في تفاصيلها الدقيقة. كما حرص على إخضاع القبائل الجبلية المتمردة، بل عدَّ ذلك واجبا دينيا لا يمكن التهاون فيه، يندرج في إطار فرض الشريعة على حساب عرف الجاهلية. وفي هذا الصدد يمكن أن نذكر أيضا ما أدخله من إصلاحات دينية، حينما عمل على تعزيز الثوابت التقليدية للإسلام في المغرب، مع التركيز بشكل خاص على المنظومة المالكية الأشعرية، وهو ما أسهم في توطيد علاقته بالعلماء، لكنه في المقابل دخل في مواجهة مباشرة مع الزوايا والطرق الصوفية والشرفاء.
ليس هناك من شك في أن التربية الدينية التي تلقاها المولى سليمان منذ صغره والظروف العامة المحيطة بنشأته كان لهما دور كبير في تحديد طريقة حكمه، فقد تلقى تعليمه خارج المدن الكبرى انطلاقا من زاوية صغيرة قرب أسفي، مرورا بالقصر الكبير، وصولا إلى تافيلالت. وبطبيعة الحال فإن هذا المسار التعليمي للمولى سليمان لم يكن اعتباطيا، بل خضع لتخطيط صارم من قبل والده محمد بن عبد الله الذي اقتنع، بعد المحاولات المتكررة لابنه مولاي اليزيد ضد حكمه، بأن المراكز الحضرية الكبرى تشكل مرتعا خصبا لنمو التطلعات السياسية. والواقع أن المولى سليمان لم يكتف بأخذ العلوم الدينية عن الشيوخ، بل صار عالما بارزا له رأي في بعض القضايا الدينية، فضلا عن مؤلفات ذائعة الصيت لعل أبرزها: “عناية أولي المجد بذكر الفاسي آل الجد”.
يبدو إذن أن الهاجس الأكبر للمولى سليمان قبل سنة 1792م كان هو دراسة العلوم الدينية، وحسب صاحب تذكرة المحسنين، فإن مولاي سليمان “لم يكن مرشحا للخلافة، ولا هِمَّة له إليها، وإنما همته تعلم العلم حتى كان الناس يظنون أنه لا يحسن الركوب على الفرس”. ولما تولى شؤون السلطة بعد إلحاح أطراف معينة، حكم المغرب بصفته عالما مساهما في الحياة العلمية متقيِّدا بنصوص معيارية بعيدة كل البعد عن الواقع، ونتيجة لذلك كانت سياسته تجاه القبائل مرتبكة خاصة حينما أضعف برابرة “الوطا” وعلى رأسهم اتحادية آيت إدراسن في المرحلة الثانية من حكمه، وفي المقابل عمل على تنويع مكونات جيشه، حيث منح الأوداية مكانة أكبر، وطَعَّم قوات الجيش بقبائل شراكة وأولاد جامع وبني حسن. وقد ترتب عن ذلك عجز برابرة “الوطا” عن التصدي لضغط برابرة الجبل وفي مقدمتهم آيت أومالو، فتعرض المخزن لهزيمة قاسية أمام هؤلاء البرابرة في معركتين بارزتين: أولهما معركة أزرو سنة 1811م، وثانيهما معركة زيان الشهيرة سنة 1819م، التي كانت سببا مباشرا في انهيار سلطة المولى سليمان.
والظاهر أن مقاربة محمد المنصور لسياسة المولى سليمان لم تكن روتينية مقيدة بحدود زمنية ثابتة، بل عملت على تتبع مظاهر الاستمرار والقطيعة في السياسة التي اتبعها السلطان سليمان من خلال مقارنتها مع تجربة والده محمد بن عبد الله، الذي حرص على تفويض السلطة على المستوى المحلي إلى الأعيان ورؤساء القبائل، ليركز على ما هو أهم أي تقوية الدولة على المستوى المركزي، كما أولى اهتماما كبيرا لزيارة الأضرحة، على عكس المولى سليمان الذي عبر عن رفضه لكافة أشكال الإسلام الشعبي. ولعل هذا الموقف الذي يتماهى مع مصالح العلماء يكشف عن التأثير الكبير لبيعة فاس في توجيه سياسته، ونخص بالذكر هنا قرار إلغاء المكوس في المرحلة الثانية من حكمه، الذي كان يعني تحويل الثقل الجبائي من المدن إلى القبائل. ويبدو أن عودته إلى فرض هذه الضريبة في نهاية حكمه ترجع إلى عدم قدرته على ضبط المجال القبلي، خاصة بعد عجز برابرة “الوطا” عن الصمود أمام تصاعد قوة برابرة الجبال. ولا نستبعد أن قرار عزله أو إبعاده عن السلطة على إثر فتنة فاس (1820-1822م) قد ارتبط بهذا القرار.
وعلى مستوى آخر فقد تأثر حكم المولى سليمان بالتحولات المرتبطة بالسياق الخارجي الجديد في بداية القرن الثامن عشر، وعلى رأسها الحروب النابليونية (1798–1815م) التي أدت إلى تراجع المبادلات التجارية مع أوروبا، خاصة في اتجاه المراسي الفرنسية بسبب الحصار البحري للأسطول البريطاني الساعي إلى خنق الاقتصاد الفرنسي. وإذا كانت الإسطوغرافيا الفرنسية تركز بشكل كبير على هذا التراجع ولا تتوانى في ربطه بسياسة الاحتراز التي نهجها المولى سليمان بدعوى تشدده الديني، فإن محمد المنصور يؤكد أن هذه الحركة التجارية لم تتوقف وإنما تحولت لصالح دول أخرى ويتعلق الأمر ببريطانيا والدول الحليفة لها. ولا حاجة إلى التذكير هنا بأن تراجع المبادلات كان له تأثير مباشر على موارد الدولة وعلى مشروع المركزة، بل إن تراكم هذا العجز كان من الأسباب المباشرة لانهيار حكم المولى سليمان.
وعلى العموم يمكن القول إنه من الصعب دراسة الدولة المخزنية في مرحلة ما قبل الاستعمار دون الرجوع إلى عمل محمد المنصور، فهو نتاج مجهود توثيقي وتحليلي لا يخلو من التفسير والكثافة النظرية. والظاهر أنه لا يكتفي بتقديم إجابات جاهزة، بل إنه يشرك القارئ المتمعن في طرح الأسئلة عن بعض الجوانب المتعلقة بالسلطة المركزية في مغرب ما قبل الاستعمار، التي لم تحظ بالاهتمام الكافي في البحث التاريخي الجامعي بالمغرب. فعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر هنا مسألة النفوذ الكبير لفئة وصفان القصر الذين كان لهم تأثير كبير في سياسة بعض السلاطين، بل إنهم كانوا في كثير من الأحيان يستبدون بالقرار، كما حرصوا على تشكيل شبكة واسعة من الأتباع تضم رجال المخزن سواء في الإدارة المركزية أو المحلية.
ولعل الجانب الآخر المهم في هذا الكتاب هو تطرقه إلى قضية تشكُّل السلطة في المجتمع الحضري خلال مرحلة ما قبل الاستعمار. ففي هذا الصدد تساءل محمد المنصور عن منابع السلطة داخل المدينة وعن الآليات التي كانت تسمح بتمركز السلطة وقوة التأثير في أيدي مجموعة من الأفراد الذي يصبحون أعيانا دون غيرهم. والحق أن الإجابة عن هذا السؤال لم تكن بالأمر الهين، لأنها تطلبت إعادة النظر في المسلمات والأفكار “المبسطة” المتضمنة في كتب الإسطوغرافيا التقليدية، وهي كتب اعتادت ربط السلطة الحضرية بعناصر اجتماعية محددة على رأسها العلماء. ومن الواضح أن محمد المنصور كان حريصا على تجنب العمومية المفرطة في طرح الأفكار والفرضيات المتعلقة بهذه القضية، ولعل ذلك ما يفسر تركيزه على مدينتي فاس وتطوان، وبطبيعة الحال فإن اختياره لهذين المدينتين لم يكن من باب الصدفة وإنما انطلق من اعتبارات محددة، في طليعتها الوفرة النسبية للمادة الوثائقية التي تهم الموضوع المدروس، فضلا عن التباين النسبي للمدينتين من حيث الموقع الجغرافي، إذ إن فاس تقع ضمن مجال العواصم المخزنية التقليدية، أما مدينة تطوان فتميزت بموقعها الجغرافي في أقصى شمال المغرب، حيث تمتعت بقدر من الاستقلالية عن السلطة المركزية، خاصة في حقبة حكم أسرتي المنظري والنقسيس ما بين أواخر القرن الخامس عشر وأواخر القرن السابع عشر الميلاديين.
باختصار، يقترح محمد المنصور مقاربة جديدة مفادها أن منابع السلطة في فاس وتطوان تمثلت في الطاقة العسكرية المنبثقة عن العصبيات المحلية على مستوى الحومة أو الجهة، فهناك برزت زعامات استندت بالأساس إلى النسب، فضلا عن العلاقات الزبونية. والواقع أن بروز هذه الزعامات الحضرية قد اقترن بمراحل ضعف السلطة المركزي، فعلى سبيل المثال لا الحصر شهدت فاس عند انحطاط الدولة الوطاسية ومجيء السعديين في بداية القرن السادس عشر ظهور زعامات محلية على رأس مجموعات عسكرية أو شبه عسكرية ضمت الأحداث من كل حومات المدينة، كان هدفها الرئيس هو القيام بمهام الحراسة والدفاع عن السكان وحفظ الأمن الداخلي وصد هجومات القبائل على المدينة. واللافت للانتباه أن بعض الزعماء المحليين لم يكتفوا بما تقدمه الحومات من فتيان، بل إنهم استنجدوا بالعصبيات القبلية القريبة من المدينة، وخاصة قبيلة لمطة المجاورة. وهو ما أثر في مورفولوجية فاس حيث ظهر تقسيم مجالي جديد اشتمل على ثلاث جهات هي الأندلس والقرويين واللمطيين. وفي هذا الإطار يمكن أن نذكر أيضا فترة الثلاثين سنة التي أعقبت وفاة المولى إسماعيل سنة 1727م، حينما استأثر هؤلاء الزعماء المحليون بالسلطة المحلية، وعملوا على الحصول على أكبر قدر من الامتيازات أثناء مبايعة السلاطين.
لننتقل الآن إلى أخبار مدينة تطوان خلال الفترة نفسها، أي بعد وفاة المولى إسماعيل، فقد ذكر عبد السلام السكيرج في نزهة الإخوان أحداث الصراع بين أهل المدينة والباشا أحمد الريفي (تـ 1743م). فمن جهة أهل تطوان برز عمر لوقش (تـ 1736م) وهو أحد أشهر زعماء المدينة خلال هذه الحقبة الذي قاد حرب أهل تطوان ضد حكم الباشا أحمد الريفي. ولعل هذه الأحداث تؤكد بالملموس وجود هوية حضرية مشتركة أسهمت في توحيد كلمة حومات المدينة أثناء لحظات معينة. ويبدو أن عبد السلام السكيرج قد عبر عن هذه الهوية المشتركة بوضوح، إذ قدَّم عمر لوقش بوصفه البطل الذي كان يسعى إلى حل القضية بأسلوب سلمي، كما نلاحظ أنه ركز على وصف الخسائر الفادحة لجيش الباشا أحمد الريفي، لكنه في المقابل يقلِّل من حجم خسائر أهل تطوان، بل إنه لا يتوانى عن تبرير هذه الخسائر بما تعرضوا إليه من خداع وغدر. وعلى كل حال فإن هذا التضامن بين أهل تطوان كان ظرفيا ارتبط بلحظات تعرض المدينة لخطر خارجي، أما الصراعات والانقسامات الداخلية فظلت ظاهرة تكرارية في تاريخ تطوان. ولعل حادثة قتل القائد تميم سنة 1750م نموذجٌ معبرٌ في هذا الباب، فقد استعرض عبد السلام السكيرج معطيات مهمة عن الفاعلين الرئيسين ويتعلق الأمر بكل من عبد السلام بن قريش من حومة العيون وعبد الفضيل الصوردو من حومة الطرنكات اللذين نجحا في تعبئة أهل حومتهما ضد القائد تميم المنتمي إلى حومة العيون، وهو ما أدى إلى قتله والتنكيل بجثته.
والجدير بالذكر أن السلطة المركزية بالمغرب انطلاقا من حقبة السعديين قد أدركت تماما أهمية هذه الزعامات والعصبيات العسكرية في توطيد دعائم الدولة المركزية بالمجتمع الحضري. وهكذا فقد عملت على إلزام الحواضر الكبرى، وعلى رأسها فاس بتقديم مساهمة عسكرية تمثلت في تجنيد فصائل من الرماة. ولا عجب أن يسهم هذا الإجراء في دعم مكانة رؤساء هؤلاء الرماة داخل المجتمع الحضري، وهي عناصر سعت باستمرار إلى إبراز كفاءتها العسكرية والسياسية من أجل إقناع السلاطين بضرورة إشراكها في تدبير شؤون المدينة.
هذه إذن بعض القواسم المشتركة بين المدينتين التي خلصت إليها دراسة محمد المنصور، أما أوجه الاختلاف فبدأت ملامحها تتشكل تدريجيا انطلاقا من النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وتمثلت بالأساس في تزايد نفوذ كبار التجار بمدينة تطوان على حساب الزعامات المحلية التي كانت تعتمد على الكفاءة العسكرية، وهو تحول لم تشهده فاس حسب محمد المنصور. وليس هناك من شك في أن هذا التحول قد ارتبط بسياسة السلطان محمد بن عبد الله التي شجعت التجارة البحرية. وهكذا فقد أصبحت مدينة تطوان حلقة رئيسة في المبادلات التجارية المتوسطية، وصلة وصل بين التجارة الإفريقية والأوروبية. والظاهر أن نفوذ بعض العائلات التطوانية التجارية لم يبق محصورا في تطوان، بل امتد إلى المخزن المركزي، حيث تولى بعض أفرادها مناصب مهمة، ونخص بالذكر هنا عائلة الصفار وعائلة الطريس وعائلة الرزيني. وفي هذا الصدد أيضا نذكِّر بأن المخزن كان شديد الحرص على اختيار أمناء مراسيه من العائلات التطوانية العريقة التي راكمت خبرة كبيرة في التجارة البحرية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
من الواضح إذن أن مقاربة محمد المنصور قد استندت إلى التصور الخلدوني للسلطة الذي يعتبر أن أهل العصبية هم أصحاب السلطة الحقيقية في كل المجتمعات. وكما هو معلوم اندرج هذا التصور في سياق التنظير لظاهرة الدولة، الذي ركز بشكل كبير على البادية، وإن كانت هناك بعض الإشارات إلى المدينة فيمكن القول إنها جاءت في سياق الحديث عن العلاقة بين المدينة والدولة. والملاحظ أن هذا التصور يرتكز بالأساس على السلطة المادية التي تشكل امتدادا للسلطة المركزية من خلال مفهومي الجاه والعصبية. وهكذا فهو يرسم لوحة عامة للمدينة لا تخلو من التعقيد، ففي طور قوة الدولة يظهر المجتمع الحضري ككيان مفكك تخترقه عصبيات لها ارتباط وثيق بالسلطة المركزية، أما في طور الضعف فتخضع المدينة لسلطة الشخص الذي يتمكن من تعبئة أكبر عدد من الأتباع من الموالي والشيع والأحلاف.
وخليق بالملاحظة أن ما قدمه محمد المنصور من أفكار في هذا الموضوع تتقاطع في كثير من الجوانب مع دراسة نورمان سيكار[8] التي تناولت مدينة فاس منذ بداية الحقبة العلوية إلى حدود احتلال الجزائر. وهكذا فكلا العملين يؤكدان أن السلطة الفعلية أثناء لحظات ضعف الدولة المركزية كانت بيد رؤساء الجهات (العدوة، الأندلس واللمطيين)، وهم نخبة عسكرية وسياسية قادرة على تعبئة فتيان الحومات لتشكيل مجموعات عسكرية أو شبه عسكرية، وهي النواة الأساسية للرماة الذين كانوا يستدعون لحرْكات السلطان أثناء مرحلة قوة الدولة المركزية. بيد أن دراسة نورمان تنفرد بذكر عناصر جديدة كان لها تأثير في المجتمع الحضري، ويتعلق الأمر بـ”السُيَّاب” الذي تصفهم المصادر بأنهم لصوص ينشرون الرعب خلال فترات الاضطراب.
ومهما يكن من أمر فإن مقاربة محمد المنصور تلقي أضواء جديدة على إشكالية السلطة الحضرية في مغرب ما قبل الاستعمار. وهي تروم من جهة أولى إعادة النظر في التصورات المغلوطة والمسلمات الشائعة المتضمنة في الدراسات الاستشراقية التي تناولت المدينة المغربية، والتي روجت لها بعض الدراسات المغربية، أما من جهة أخرى فتسعى إلى بث دينامية جديدة في ملف الدراسات الحضرية من خلال اقتراح مسالك بحث جديدة، وفي هذا الإطار يمكن أن نذكر على سبيل المثال مسألة التمييز بين بعض الهيئات الحضرية، وعلى رأسها “الرماة” و”السياب”، وهي مسألة تستدعي مجهودا توثيقيا وتحليليا في أفق كتابة بيوغرافيات معبرة لبعض العناصر الفاعلة ضمن هذه الهيئات، مما قد يتيح إمكانية عقد مقارنات مفيدة مع هيئات مشابهة في مدن الشرق العربي التي حملت أسماء مختلفة، مثل: “الشطار” و”العيارين”، كما لاحظ ذلك لطفي بوشنتوف في أطروحته العالم والسلطان[9].
من القضايا المهمة في هذا الباب أيضا قضية التمييز بين الجهاز الإداري الرسمي والسلط المنبثقة عن الوسط الحضري، ونخص بالذكر هنا التأثير الرمزي والقيادة الروحية المتعلقة ببعض فئات المجتمع الحضري، وعلى رأسها الشرفاء وشيوخ الزوايا والصلحاء. وبكل تأكيد فإن هذا القضية تدفعنا إلى التساؤل عن مدى إجرائية مفهوم العصبية في تفسير تشكل السلطة الحضرية، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار سياق صياغة هذا المفهوم الذي منحه ابن خلدون كثافة نظرية وقوة تفسيرية لمقاربة إشكالية السلطة من منظور الدولة المركزية. من هذا المنطلق نعتقد أن بناء تحليل متعدد الأبعاد لظاهرة السلطة بالمجتمع الحضري يستلزم بناء أدوات مفاهيمية جديدة لها قدرة على محاورة التراكم الحاصل على مستوى العلوم الإنسانية والاجتماعية كما هو الحال مع مفهوم البركة.
يمكن تعريف مفهوم البركة بأنه قيمة رمزية أَوَّل بها المجتمع الحضري مظاهر النجاح، وقد خص الله بها أشخاصا محددين. والملاحظ أن هذه القيمة كانت تزداد قوة وتأثيرا كلما ارتبطت بحاجات المجتمع وانتظاراته ضمن سياقات اجتماعية محددة، مثل فترات الجفاف والصراعات المحلية. وهكذا فقد كان المجتمع الحضري يقدِّس بعض الأشخاص لأنهم يتوفرون على البركة التي تضمن الرزق والخير للبلاد، كما تضمن النصر على الأعداء. ومن الدراسات الحضرية الحديثة التي أظهرت إمكانية توظيف هذا المفهوم لتحليل شبكة العلاقات الحضرية دراسة عبد الأحد السبتي حول تاريخ فاس[10]، وهي دراسة مهمة بينت أن مفهوم “الجاه” يقترن على المستوى المحلي بمفهوم “البركة”، كما استعرضت بعض الأمثلة التي توضح كيفية إسهام الشرف في تنمية الأرباح التجارية لبعض العائلات الشريفة التي زاولت النشاط التجاري، بفضل ما تمتعت به من امتيازات مثل الإعفاء الضريبي، فضلا عن ذلك قدمت نماذج لبعض العائلات التجارية الكبرى في فاس، التي استندت إلى بركة الجد المؤسس لتحقيق التراكم المادي كما هو الحال مع عائلة بناني وعائلة ابن جلون.
والواقع أن مفهوم البركة يكتسب قوة تفسيرية أكبر حينما نركز على كيفية تشكُّل السلطة على مستوى الوحدات الجغرافية للمجال الحضري. فإذا أخذنا مثلا تطوان في مرحلة ما قبل الاستعمار نلاحظ أن أهل حومة البلد قد حرصوا على احتكار القداسة على مستوى المدينة من خلال دعم المكانة الرمزية لشخصية سيدي الصعيدي، إذ عملوا على ترويج روايات تتضمن خطابا تبجيليا، يذكر بعضها أنه إلى وقت قريب، كان من عادة حجاج أهل تطوان، إذا عادوا من بيت الله الحرام، زيارة زاوية الولي الصالح وتحية مسجده، ومنه كانوا يقصدون منازلهم. ويذكر بعضها الآخر أن أهل تطوان كانوا ينسبون المدينة إليه، فيقولون مدينة سيدي الصعيدي مثلما ينسبون فاس إلى مولاي إدريس الأزهر، وأن من مظاهر تقديسهم لهذا الولي تحبيس الممتلكات عليه، مثل الفدان الذي حبَّسه أحمد بن محمد الكطاطي البوسملالي سنة 1617م، بشهادة علي بن محمد الزياتي ومحمد بن يوسف بن طريقة. ومن اللافت للانتباه أن أغلبية هذه الروايات أُخِذت من أفواه شيوخ كانوا يقطنون بحومة البلد، أما في بقية الحومات، خاصة في حومة العيون، فقد لاحظنا أن الرواية الشفوية حول الولي المذكور أعلاه كانت سطحية ومفتقرة إلى التفاصيل الدقيقة. بيد أنه حينما يتعلق الأمر بولي ينتمي إلى حومتهم تصبح الرواية أكثر عمقا وتفصيلا، كما هو الحال مع الروايات المتعلقة بسيدي الجعيدي.
وعلى العموم نأمل أن تكون هذه القراءة قد أحاطت ببعض جوانب المسار العلمي لمحمد المنصور الذي لا يزال مستمرا. وبكل تأكيد فإنها لا تغني بأي حال من الأحوال عن القراءة المباشرة المتمعنة، التي تتيح إمكانية استكشاف جوانب جديدة. ولا يسعنا في الأخير إلا أن ننوِّه بمبادرة محمد المنصور التي سعت إلى جمع دراسات متخصصة منشورة سابقا في كتاب واحد، وهو أمر من شأنه أن يسهل مهمة الباحثين في التاريخ. ونرجو أن يحذو حذوه بقية المؤرخين المغاربة الذين تميزوا بمسار علمي رصين حتى لا تدخل دراساتهم المتناثرة هنا وهناك في طي النسيان.
————————————
الهوامش:
[1] المنصور (محمد)، المغرب قبل الاستعمار. المجتمع والدولة والدين (1792–1822م، ترجمة محمد حبيدة، الدار البيضاء وبيروت-المركز الثقافي العربي، 2006.
[2] المنصور (محمد)، دراسات في تاريخ المغرب الحديث، الرباط-دار الأمان، 2025.
[3] البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1989.
[4] التوفيق (أحمد)، المجتمع المغربي في القرن 19 (اينولتان 1850-1912)، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1983.
[5] Mezzine (Larbi), Le Tafilalt : contribution à l’histoire du Maroc aux XVIIe et XVIIIe siècles, publications de la faculté des lettres et des sciences humaines de Rabat, 1987.
[6] بوشنتوف (لطفي)، العالم والسلطان. دراسة في انتقال الحكم ومقومات المشروعية: نشأة الدولة الشريفة في المغرب، طبعة ثانية مزيدة ومحينة، الرباط-دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2024، ص. 43-45.
[7] حول هذا الموضوع، انظر بوشنتوف، نفسه، ص. 153-154 و157-159 و311-313.
[8] Cigar (Norman), Société et vie politique à Fès sous les premiers Alawites (1660-1830), Hespéris Tamuda, vol. XVIII. 1978-79, pp. 93-172.
[9] حول هذا الموضوع، انظر بوشنتوف، العالم والسلطان، م.س.، ص. 47 و317-320.
[10] السبتي (عبد الأحد)، التاريخ والذاكرة: أوراش في تاريخ المغرب، الدار البيضاء وبيروت-المركز الثقافي العربي، 2012.
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه