حوار مع ليلى سليماني
أجرته: مين تران هوي
عن مجلة مدام فيغارو – 21 مارس 2026
Leïla Slimani (2026) Assaut contre la frontière, Gallimard / Blanche.
تقديم المترجم
ليلى سليماني وهجوم على الحدود: في مديح الهوية الهجينة واللغة المفقودة
يأتي هذا الحوار مع الروائية الفرنسية المغربية ليلى سليماني، بمناسبة صدور كتابها الأخير يوم 19 مارس 2026 هجوم على الحدود عن دار غاليمار، ليضعنا أمام مراجعة فكرية لافتة لمسارها الإبداعي الشامل. فمنذ روايتها بلد الآخرين التي أرخت فيها لتمزقات الهوية في مغرب الاستعمار، وصولاً إلى هذا النص السيري التأملي، تظل ليلى سليماني وفية لموضوع المنفى الاختياري والصراع الوجودي بين لغة الأم ولغة الكتابة.
تغوص سليماني في هذا اللقاء في سوسيولوجيا اللغة بالمغرب، معتبرةً فقدانها للغة العربية نوعاً من بابل العكسية؛ حيث تحول الفردوس المتعدد اللغات في طفولتها إلى سقوط في تراتبية طبقية فرضتها التحولات السياسية وفشل مشاريع التعريب. وبرؤية تربط الشخصي بالعالمي، تستحضر الكاتبة تجربة والدها، كابنٍ للاستعمار، لترسم خريطة جينية لـلانسلاخ الثقافي الذي أصاب جيلاً بأكمله.
لكن الإضافة النوعية في هذا الحوار تكمن في تبني ليلى سليماني لمفهوم الأنثروبوفاجيا الثقافية، أو التهام الآخر كحل لمعضلات الهوية؛ فهي لا تدعو للقطيعة، بل لالتهام ثقافة الآخر وهضمها لصالح الذات المبدعة. إنها تعتبر الكتابة فعلاً افتراسيا بامتياز، يسعى لتفتيت الحدود الهوياتية والاجتماعية التي تحبس الإنسان خلف جدران الانتماء الضيق، ليصبح الأدب عندها هو الجسر الوحيد الذي يسمح لنا بالخروج من سجن الذات والحلول في أرواح الآخرين وفي حيواتهم.
تقديم الحوار
لماذا لا أتحدث لغتي؟ ماذا تعني لي هذه اللغة العربية؟
بقلم: مينه تران هوي
تتساءل الكاتبة الفرنسية المغربية، في كتابها الجديد، عن علاقتها باللغة العربية التي لا تتحدثها؛ في نص يمثل مديحاً للقوة التحريرية للكتابة.
عندما اقترح تياغو رودريغيز Tiago Rodrigues، مدير مهرجان أفينيون، على ليلى سليماني أن تكون الكاتبة ضيفة دورة عام 2025، موضحاً لها أن اللغة العربية ستكون هي ضيفة الشرف، أدركت صاحبة رواية بلد الآخرين على الفور أنها وجدت موضوعها. حيث كتبت في مؤلفها هجوم على الحدود (الذي قُرأت نسخة أولى منه في أفينيون في شهر يوليو من العام الماضي): «يبدو لي أن كل رواية هي محاولة للإجابة عن سؤال ما. والسؤال الذي كان أصل ومركز ثلاثيتي هو التالي: لماذا لا أتحدث لغتي؟ وماذا تعني لي هذه اللغة العربية؟
ومن خلال تأملها في العلاقة التي تربطها بالعربية، تحكي ليلى سليماني كيف انتهى بها الأمر إلى العيش مع لغة شبح langue fantôme، تماماً كما يتحدث المرء عن طرف شبحي. كما تشرح لنا كيف أن هذه الخسارة الأصلية، وما نتج عنها من سوداوية وخجل وإحباط وغضب، هي التي جعلت منها كاتبة.
نص الحوار
مدام فيغارو: هل يمكننا القول إن كتابك هجوم على الحدود يحكي قصة بابل عكسية Babel inversée؟ بمعنى أنكِ، بعد نشأتكِ في فردوس متعدد اللغات، عرفتِ نوعاً من السقوط؟
ليلى سليماني: نعم، كانت فردوسًا، بمعنى أن الطفلة التي كنتُها كان لديها شعور بأن الجميع ينجح في التواصل، وأن كل اللغات كانت متاحة. كنتُ أتحدث الأمازيغية والدارجة (العربية العامية الشفهية التي كانت تتحدثها جدة ليلى سليماني) بشكل جيد للغاية، وكنتُ أتقن الإسبانية أيضاً. لكن بعد ذلك، انكسرت هذه الجنة؛ بسبب المنفى لأنني غادرتُ المغرب، وأيضاً لأنني أدركتُ أنني أعيش في وسط اجتماعي كانت فيه اللغات تجسيداً للمكانة الطبقية.
لقد كان يتم دفع الأشخاص المنحدرين من تاريخ يشبه تاريخي نحو ما يسمى باللغات المهيمنة، أي الفرنسية أو الإنجليزية. وهذه القصة ليست حكراً عليّ وحدي؛ أفكر في الشاعرة اللبنانية إيتيل عدنان، والكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي، أو محمد مبوغار سار الذي روى كيف كان يُعلق عظم صغير حول عنق الطفل في السنغال قديماً لأنه تجرأ على التحدث بلغته الأم بدلاً من الفرنسية…
هل كانت اللغة العربية أقل قيمة مقارنة باللغة الفرنسية المرتبطة بالسلطة؟
ليلى سليماني: في المغرب، تُعد اللغة قضية سياسية كبرى. فبعد نهاية الاستعمار، حدث الكثير من التردد والمماطلة قبل المحاولة الأولى لتعريب التعليم الوطني. بدا الأمر منطقياً في بلد ناطق بالعربية، لكنه لم يخلُ من الصعوبات، إذ كان هناك خصاص في الأساتذة. وقد تم استقدامهم من دول أخرى، مثل مصر، وعندها أصبح الرهان دينياً؛ لأن هؤلاء الأساتذة كانوا يحملون رؤية مختلفة للعالم وللإسلام، مما ساهم في جعل المجتمع أكثر تحفظاً.
بعد ذلك، عُدنا إلى الفرنسية… وعلى مدى عقود عدة، تـقاذفت المجتمع المغربي لغتان، حتى إن هناك طُرفة تقول إننا أُمّيون مزدوجو اللغة؛ أي إننا نتحدث لغتين، لكننا لا نتقن أياً منهما بشكل مثالي. وبحكم انتمائي إلى أوساط ميسورة، تم تسجيلي في مدرسة فرنسية خاصة. كانت تلك المدارس تـقلل بالفعل من قيمة العربية، ولم يُصِرّ آباؤنا، الذين كانوا مقتنعين حينها بأن الثقافة الغربية هي ما يجب اكتسابه أولاً وقبل كل شيء، على أن نتعلم العربية. وقد ندموا على ذلك لاحقاً…
ألا تضاعف خسارتك للغة العربية تلك الخسارة التي عاشها والدك، الذي استلهمتِ منه شخصية مهدي؟
ليلى سليماني: بلى. والدي، بصفته ابن الاستعمار، ذهب إلى المدرسة الفرنسية، وبالتالي انسلخ عن تاريخه الخاص وعن تقاليده الأصلية. هناك حدث التمزق الأول… لكنني أريد أيضاً أن أقول إن الأمور تتغير من جيل إلى آخر: فعندما وصلت جدتي الألزاسية إلى المغرب، اكتسبت لغة، هي العربية، دون أن تفقد لغاتها الأصلية (الفرنسية، والألمانية، والألزاسية).
أما الجيلان التاليان فقد فقدا لغة، لكن أطفالي من جانبهم يتحدثون لغات أكثر مني، ويبدو ذلك طبيعياً جداً بالنسبة إليهم؛ فهم يتعلمون العربية ويتحدثون البرتغالية (تعيش ليلى سليماني حالياً في لشبونة). لا يوجد شيء لا يمكن إصلاحه. فما تفقده بعض الأجيال، يمكن للأجيال القادمة أن تستعيده.
لعل حل هذه المآزق المتصلة بالهوية يكمن في بيان أكلة لحوم البشر (Manifeste anthropophage) للشاعر البرازيلي أوزفالد دي أندرادي، الذي تشيرين إليه.. هل يمكن أن توضحي لنا فحوى هذا المفهوم في كلمات؟
ليلى سليماني: تساءل أوزفالد دي أندرادي عما يمكننا فعله حيال واقع كوننا قد خضعنا للاستعمار، وشملت رؤيته الشعر والرسم والهندسة المعمارية على حد سواء. هل ينبغي لنا التخلص من الرموز الغربية، واللغة الغربية، ومحو كل شيء للعودة إلى هوية أصلية ربما لا تعدو كونها وهماً؟
من هنا طور فكرة الأنثروبوفاجيا (أو التهام الآخر). فبدلاً من الغرق في الشعور بالضغينة ومحاربة الآخر، نقوم بـأكله، والتهامه، وهضمه؛ حيث نمزج بين ما جلبه المستعمر وبين ما كنا عليه في الأصل، لكي نتملك ما فُرِض علينا. إنها أيضاً وسيلة للتخلص من أي شكل من أشكال الشعور بالذنب أو الحكم الأخلاقي: فأنا لستُ خائناً ولا مستلباً، لأنني قمتُ بالتهامهم… ناهيك عن أنه لا يسعنا إلا تقدير هذه الاستعادة الساخرة للصورة النمطية الاستعمارية عن الهمج الذين يأكلون الرجل الأبيض!
أنتِ إذن، آكلة لحوم بشر…
ليلى سليماني: نعم، لكنني آكلة لحوم بشر لطيفة جداً! أينما ذهبتُ، آكل قليلاً من الآخرين؛ ليس لجعلهم يختفون، بل لأنني أريدهم أن يصبحوا جزءاً مني. إن الحياة التي ننظر فيها حقاً إلى الآخرين، حياة الروائي، هي حياة قائمة على التهام الآخر. ومثلما لا يمكننا استعادة المكونات الأصلية بعد أكل الكعكة، كفصل الدقيق عن السكر؛ فتلك هي الكتابة، في جوهرها.
إنها ابتكار لغتك الخاصة، وترجمة ذاتك، ثم الهجوم على كل الحدود؛ سواء كانت هوياتية، أو لغوية، أو اجتماعية؛ كل ما يحاصرنا ويقول لنا: «يجب أن تبقى خلف هذا الجدار». فبفضل الأدب، لم نعد مجرد مفاهيم أو أفكار، لم نعد “مهاجراً” أو “امرأة” بحروف استهلالية كبيرة: نحن أجساد، ووجوه قُذفت في هذا العالم، نحمل في كل مرة قصة فريدة بقدر ما هي غير قابلة للنضوب.
أعتقد أن أعظم حدود كان يقصدها كافكا حين كتب أن «كل أدب هو هجوم على الحدود»، هي نحن بالذات؛ حقيقة كوننا منغلقين على ذواتنا، وألا نكون سوى أنفسنا. الكتابة هي الخروج من الذات عبر وسيط الخيال؛ أن تؤمن بأنك تستطيع الاستيقاظ ذات صباح لتجد نفسك صرصوراً، أو صياد حيتان، أو جنرالاً كولومبياً… عندما أُسْأَل إن كنتُ أنا مِيا (إحدى بطلات الثلاثية)، أجيب دائماً: «ليس هذا هو السؤال. السؤال هو: هل أنتم هي ميا؟ هل يتحدث كتابي عنكم أنتم؟». حين أكتب، فأنا لا أحاول الحديث عن نفسي، بل عن الآخرين.
رابط الحوار:
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه
