ماذا لو…: المعرفة والتخييل بين التاريخ والتاريخ المغاير

يوسف زيدان، حاكم: جنون ابن الهيثم، الطبعة الثانية، دار الشروق، 2023

أعتقد أن من المفيد أن نعقد مقارنة بين ما تم وحصل، وبين ما كان يمكنه أن يحصل.

عبد الله العروي، بين الفلسفة والتاريخ (2020)

 

مقدمة

يمكن تعريف الرواية ذات الخلفية التاريخية بكونها عملا خياليا تدور أحداثه في بيئة تاريخية أصيلة، ولكنها تستند على المكون التخييلي مثل الشخصيات الخيالية أو الأحداث التي تمت فبركتها (بالمعنى الابتكاري التخييلي للكلمة) أو الأماكن المبتدعة.

تعود الرؤية التاريخية لهذا النوع الأدبي إلى العصور القديمة، مع أعمال مثل «الأوديسة» و«الإلياذة» التي مزجت بين الواقع التاريخي والخيال. وعلى مر القرون، قام مؤلفون مثل والتر سكوت scott في “الطلسم” أو “إيفانهو” وألكسندر دوماس Dumas في “الفرسان الثلاثة” أو “جورج الموريسي” وحتى جي آر آر تولكين John Ronald Reuel Tolkien في “السيلماريلين” أو “سيد الخواتم” بتعميم هذا النوع من الأدب من خلال إنشاء عوالم خيالية وقصص مستوحاة من فترات تاريخية حقيقية أو من أزمنة سحيقة تمتزج فيها الأسطورة والتاريخ والتخييل.

تقدم الروايات التاريخية الخيالية للقارئ انغماسًا كليا في الماضي، ورحلة من أجل استكشاف التاريخ، لكن هذا الانغماس لم يكن أبدا، في كل تاريخ الكتابة الروائية المستلهمة للتاريخ، استحضارا مجانيا أو بريئا للحدث كما جرى في الماضي أو كما تم تحويله في السرد. وهذا يعني بصيغة أو بأخرى أن الماضي بكل أبعاده الواقعية والمتخيلة صورة من صور القراءة الجديدة الواعية للماضي من خلال تطور الحدث، أو للحاضر من خلال الماضي. لا يمكن، بشكل من الأشكال، الإجابة عن كل الأسئلة الوجودية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية من خلال ما يدور في الزمن الراهن وحده. لذلك كان التخييل التاريخي ملجأ لكل الروائيين قدماء ومعاصرين، كلاسيكيين أو حداثيين من أجل فهم ألغاز الحاضر وتفكيك الذات البشرية في عمقها الإنساني والنفسي والوجودي.

كل رواية تستحضر التاريخ في التخييل، إلا وتعالج الحدث من منظورين: التاريخ كما وصل والتاريخ كما يؤوله المنظور السردي. وبين الحدث والتأويل يحضر التاريخ المغاير أملا في فهم الماضي أو في تفكيكيه. لعبة مرايا تحضر بقوة في رواية: حاكم: جنون ابن الهيثم ليوسف زيدان. وفيها يعالج الكاتب التصادم القوي بين العلم والسياسة والحكم في الحاضر أولا، ثم في قصة الحاكم بأمر الله وعلاقته بأخته ست الملك وبابن الهيثم، ومن خلالهما بكل السياقات المتوترة التي عرفتها فترة حكمه التي تضاربت حولها الآراء بين قائل بعدله وصلاحه وقائل بجبروته وجنونه وظلمه وعدوانه وتقتيله للأبرياء.

لم يكن زيدان، أول من كتب روائيا عن الفترة الفاطمية وبالأخص زمن سيادة الحاكم بأمر الله على مصر وتمكنه من بسط حكمه من المغرب إلى العراق. فقد سبقه إلا ذلك سالم حميش في مجنون الحكم (1990 وحسين السيد في الحاكم بأمر الله (2018). غير أن ما يميز رواية زيدان، حجم المعرفة التاريخية والسياسية والفلسفية والعلمية التي تم توظيفها في النص، وإدخال مكون ثقافة المخطوطات التي كانت المحرك السردي الذي أطلق الحكاية من بيت مغمور في صعيد مصر هو بيت جد راضي عبد المولى، وربط حياة الحاكم وملكه بقصة قدوم ابن الهيثم إلى مصر لأسباب علمية هي بناء سد أسوان وبقائه فيها إلى حين وفاته. يمكن اعتبار كل هذه العناصر الحكائية الحاضرة بقوة سماتٍ مميزةً لنص روائي تاريخي لم يكتف بقوة اللغة والتخييل في تحويل الحدث التاريخي، بل جعل هذا الحدث قنطرة لتمرير رسائل ضمنية حول التاريخ والسياسة والفكر والماضي والحاضر والعلاقة المرآوية بينهما.

تدور أحداث الرواية في الحقبة الفاطمية من تاريخ مصر، يتناوب فيها السرد مع الزمن المعاصر (الربع الأول من القرن 21). وبين الزمنين تختفي وتنكشف في الآن نفسه حقائق الفكر والسياسة وكيف يكون الحاضر امتدادا للماضي مع اختلاف الوقائع والأسماء والسياقات.

لا يكتفي زيدان بقراءة الحاضر باستلهام الماضي، بل يخلق تاريخا مغايرا يفجر الحدث التاريخي ويخرجه من السياق البسيط لمجرى الحدث، ويوظف في ذلك الخلفية التراثية لثقافته الموسوعية ومعرفته العميقة بالتاريخ والفلسفة والأدب والدين والسياسة وعالم المخطوطات القديمة والوثائق.

لم يكن زيدان وحده من فجر التاريخ في التخييل السردي. سبقه إلى ذلك امبرطو إيكو في اسم الوردة من منظور الفلسفة والدين، ودان براون في شفرة دافنشي من منظور ديني بوليسي، وأمين معلوف في ليون الإفريقي وسمرقند من منظور التاريخ والسياسة، وحسن علوان في موت صغير من منظور الفلسفة والتصوف، ويوسف زيدان في روايات سابقة من منظور التاريخ والدين والسياسة والفلسفة (النبطي وعزازيل وغوانتنامو وفردقان والوراق)، كما أن روائيين آخرين اصطبغ عندهم التاريخ بألوان المنظور الروائي الذي يصدرون عنه والزمن التاريخي الذي يحيلون عليه أو الذي يستلهمون منه المعرفة الروائية المستوحاة من التاريخ القديم كما عند أسامة الشاذلي في أوراق شمعون المصري (2021والتاريخ الحديث كما عند واسيني الأعرج في كتاب الأمير: مسالك أبواب الحديد (2007) وأميرة غنيم في نازلة دار الأكابر  (2021). وهي نماذج للتمثيل لا للحصر.

تسعى هذه الورقة إلى تفكيك الصلة التي بنتها الرواية بين التاريخ والسياسة والفلسفة والدين من خلال منظور مرآوي: منظور التاريخ ومنظور التاريخ المضاد contrefactuelle أو المغاير أو اليوكرونيا Uchronie، جامعين في ذلك بين أدوات ثلاث: أداة اللغة وأداة المعرفة وأداة التحليل التاريخي.

 

  1. البنية السردية ولعبة إعادة بناء الحدث التاريخي

تقوم البنية السردية على ثلاث لحظات حكائية ومعرفية: لحظة راضي وأمنية (أكتوبر 2018)، ولحظة مطيع والحاكم (ولدا معا في 23 ربيع الأول من عام 375 ه)، ولحظة الحاكم والحسن ابن الهيثم (وصل مصر عام 399 ه ومات فيها حوالي 430 ه). وهي لحظات تتوزع على عدة أقسام معنونة بأسماء شخصياتها: راضي: (ص. 7-71)، مطيع: (ص. 73-118)، حاكم: (ص. 119-238)، الحكيم: (ص. 239-350).

ترتكز بنية العمل، إذن، على مسار تصاعدي لحركية الشخصيات من الحاضر إلى الماضي، من راضي طالب العلم والحكمة إلى الحكيم ابن الهيثم منتج العلم والحكمة، وما بينهما مطيع صاحب الأمير منصور -الذي سيصير فيما يعد خليفة- والحاكم بأمر الله، محور التوتر السردي بين الدين والعلم والسياسة.

تبدأ رواية حاكم بسرد وقائع انتقال راضي عبد المولى من الصعيد إلى القاهرة لكي يعمل ولكي يواصل دراساته العليا. هناك يلتقي بأمنية زميلته في الدراسة. فاجأته هذه الأخيرة حين أخبرته أنها لا مسيحية ولا مسلمة، وأنها تود أن تتعمق في دراسة التاريخ القديم جدا (تاريخ ما قبل التاريخ). (ص. 29).

“لا يمكن فهم التاريخ الإنساني، إلا بعد دراسة البدايات الأولى والتاريخ القديم جدا أو ما يمكن أن نسميه: تاريخ ما قبل التاريخ” (ص. 30).

وتبدأ الإشارة إلى موضع المخطوطات حين تبدأ الحصة الأولى من الدراسات العليا حين أشار الأستاذ إلى أن “المجلس الأعلى للجامعات دعا الأقسام العلمية المرتبطة بالتراث القديم إلى الاهتمام بالمخطوطات”. (ص. 22). أما الإشارة الثانية، حين يخبر راضي أستاذه أن “بمنزلهم في الصعيد مكتبة كبيرة فيها كتب قديمة ومخطوطات”. (ص. 23).

تمثل المخطوطة، إذن، الخيط الرفيع الرابط بين الأحداث من جهة وبين المواقف من جهة أخرى، ثم بين الماضي والحاضر، فمن خلال المخطوطة التي عثر عليها راضي عبد المولى في مكتبة جده ننتقل إلى زمن أقدم (زمن الدول الفاطمية في القرن الحادي عشر الميلادي) وعلى لسان شخصية أخرى لتبدأ الحكاية مع مطيع (كاتب المخطوطة وأحد أحفاد عمرو بن العاص مؤسسة الدولة الإسلامية في مصر).

ألف عام بين العثور على المخطوطة في أحد منازل صعيد مصر وبين زمن كتابتها في القرن الحادي عشر، زمن حكم الفاطميين لمصر. ألف عام بين العلاقة التي تربط راضي بأمنية زميلته في الجامعة، وبين مطيع وتمني ابنة عم والده الذي لم يعد بعد رحلة حج في ظروف غامضة. لا يفوز راضي بالزواج من أمنية رغم أنه فاز بقلبها وبجسدها لكنها تغادر إلى خارج البلد لاستكمال دراستها العليا، لتنتهي بذلك مهمتها -هي وراضي- في تأثيث العالم الحكائي للرواية، بينما يفوز مطيع بقلب ابنة عم أبيه “تمني” بعد جهد جهيد لكنها تموت بعد الزواج ليجد مطيع نفسه زوجا ل”صفا، ومالكا لإماء يتسرى بهن ويحفظ بهن نسله جريا على ما تعارف عليه أهل المال والجاه قديما. لعبة تواز ينسجها الراوي بين هذين الزوجين من الشخصيات، تواز في دلالات التعلق ومعيقات الوصال، وتواز في البنية الدلالية للأسماء: يتعلق راضي بأمنية رغم ما يفرق بين كل منهما من تعارض، بين تشبث راضي بالتقاليد وبتصور مثالي للدين وللتدين وبين أفكار أمنية الثورية على هذه التقاليد وإيمانها بتصور طلائعي لمفهوم الاعتقاد وجوهر الأديان وحرية كل فرد في أن يعتقد ما يشاء. قبل ألف عام، يتعلق مطيع بابنة عم أبيه تمني. ترفض الزواج منه لفارق السن الشاسع بينهما ولأنها كانت في حكم مربيته، لكنهما يتزوجان لاحقا (395 ه) وينجب منها ابنته تمني قبل وفاتها في 397 ه. في كلا المثالين تفشل علاقة الحب والشغف. لكن الأهم من المشترك القائم على التعلق في كلا النموذجين، أن في كل مثال انفتاح عل علاقة ما بالتاريخ والسلطة والمعرفة. فراضي الذي ربطته علاقة متوترة ومتناقضة مع أمنية يفتح الباب على مصراعيه أمام قصة الحاكم بأمر الله الفاطمي وتناقضاته حين يكتشف المخطوط الافتراضي الذي كتبه مطيع السهمي. وقصة مطيع السهمي وعلاقته بالحاكم بأمر الله وسرده لوقائع حياة هذا الأخير والعلاقة التي جمعت بينها منذ الصبا حين كانا يتعلمان معا عند نفس المعلمين والشيوخ والمؤدبين، وعلاقة هذا الأخير بابن الهيثم إلى حين اختفائه الغامض، هي محتوى المخطوط الذي عثر عليه راضي عبد المولى. حكاية الماضي في مخطوط يُنفض عليه الغبار في الحاضر. حكاية في حكاية توجهها قواعد الانشطار السردي mise en abime، ومن خلال هذا الانشطار ينفتح عالم السرد على خبايا زمن حكم الفاطميين وعوالم الفكر والعلم والسياسة والمعرفة.

ينفتح السرد في القسم الرابع والأخير من الرواية على حكاية استقبال الحاكم بأمر الله الباذخ للحسن ابن الهيثم واحتفائه به حين وصل إلى القاهرة ثم انقلابه عليه حين فشل في حل مشكلة الفيضان في النيل، ثم ادعاء هذا الأخير الجنون حتى ينقذ نفسه من بطش الحاكم. حكاية ابن الهيثم في الرواية ليست زينة ختم بها يوسف زيدان قصة زمن الفاطميين في مصر من خلال حقبة أهم خلفائهم، الحاكم بأمر الله. إنها حكاية العلاقة المؤتلفة والمتوترة في آن بين السلطة والحكمة والمعرفة، بين الواقعة التاريخية والموازي التخييلي الذي يؤثث السرد في النص. وقد صرح زيدان نفسه أن المجال الحكائي المخصص لابن الهيثم بالغ الأهمية في الرواية، حتى وإن كان آخر قسم فيها، لأنه المجال الذي تنفتح فيه عوالم النص على جبروت السلطة من جهة والإمكانات التي توفرت لعلماء ذلك الزمان ومن بينهم ابن سينا في النفس والطب وابن الهيثم في الهندسة والبصريات رغم افتقادهم للأمان والاستقرار وحرية القرار بعيد عن سطوة الحكام.

يؤخذ على يوسف زيدان أن التخييل التاريخي عنده لا يعدو أن يكون إعادة صياغة لما يتوفر لديه من وثائق تاريخية قديمة في قالب روائي وهو ما ينفي عن كتاباته طابع الأصالة في إعادة بناء الماضي روائيا. فحكاية الحاكم هي نفسها كما ترويها الوثائق وعلاقته بابن الهيثم في النص هي نفسها كما تحدثنا عن ذلك كتب التاريخ، بل إنها تضع نفس الأسئلة المتشككة حول مصير الحاكم: هل قتله المجرمون قطاع الطرق وهو في طريقه إلى المقطم أم أن اختفاءه كان نتيجة تدبير محكم من أخته ست الملك التي ضاقت ذرعا بجنونه وجبروته، فدبرت مكيدة التخلص منه ودفنه في مكان مجهول ليخلو لها أمر الحكم وتنصب ابنه الذي حرمه من ولاية العهد؟

ليوسف زيدان رأي آخر في كل هذه التفاصيل وله من الحجج ما يرد به على منتقديه. كان أول هذه الردود أن التاريخ تلقيناه مزيفا مهلهلا خاليا من الدقة التي تخفيها الوثائق الصحيحة الغابرة. ومن هذا المعطى الأول يفكك سؤالا جوهريا هو: كيف أكتب أنا رواية تاريخية؟ (1).

يؤكد زيدان أن الوقائع والشخصيات موجودة بالفعل، وهو لا يخدشها ولا يعدلها لأن لديه شخصيات روائية متخيلة يستطيع أن يفعل بها ما يشاء (وهو ما صنعه بكل الشخصيات الروائية التي لا دليل عليها في التاريخ لكنها محتملة الوجود بل ضرورية الوجود). وبخصوص الحاكم بأمر الله فإن ما جاء في الرواية هو التاريخ الفعلي وليس التاريخ المهلَّل به على حد قوله، بل إن كل المعلومات عن الحاكم موثقة. “ولأن الملوك في كل الأزمان معروفون بأنهم ينتقون لأبنائهم أقرانا يدرسون معهم، فقد قمتُ بوضع شخصية تخييلية هي مطيع السهمي تم إدخالها في الحدث، وهذا الأمر يسمح به الواقع التاريخي دون أن يتم خدشه أو تحريفه”. يرى يوسف زيدان أنه من خلال الشخصية الروائية نستطيع أن نجعل الشخصية التاريخية أكثر نصوعا، بل وحقيقية أكثر.

من هذا المنظور، لا يخدش زيدان الحدث التاريخي، وفي الآن نفسه لا يقدم هذا الحدث كما يعرضه التاريخ الرسمي المزيف. وهذا ما فعله مع حكاية الحاكم بأمر الله، فالجميع يقولون إن الحاكم كان مجنونا. لكن في نظر زيدان، هل المجنون يستطيع أن يحكم ربع قرن منذ عامه الحادي عشر، وأن يشيد مسجدا جامعا بشارع المعز لدين الله الفاطمي بحي الجمالية، هو ثاني أكبر الجوامع في القاهرة (ص. 257)، وأن يصحح خلال حكمه واقع الفسق والفساد والتطرف والصراع بين السنة والشيعة، الذي كانت تعرفه مصر منذ زمن كافور الإخشيدي، وأن يحول مصر إلى إمبراطورية من المغرب إلى جنوب العراق. فضلا عن كل ذلك، لم يعرف حاكم أو ملك كان يتنقل إلى المكتبة ليقرأ غير الحاكم بأمر الله، وكانت له دكة خاصة به يجلس عليها ليقرأ الكتب التي لا يمكن أن تخرج من المكتبة. وقد تمت الإشارة إلى هذا الحدث التاريخي داخل التخييل الروائي في سياق تردد مطيع السهمي على دار الحكمة لقراءة كتب ابن الهيثم قبل قدومه. وقد أخبره قَيِّم الدار بما جرى حين طلب الحاكم بأمر الله كتابا نادر المحتوى للقاضي البهنسي يحتوي على رسائل إخنوخ في تصفية النفس بالزهد والتقشف وتحلية الروح بالاطلاع على أسرار الوجود. لم يكن بالإمكان أن يرسَل الكتاب إلى قصر الحاكم لأن شرط الواقف ألا تخرج الكتب من الدار، فما كان من الحاكم إلا أن “أمر النجارين فصنعوا له هذه الدكة التي بطرف الإيوان، وواظب على المجيء صباحا كل يوم، حتى انتهى من قراءة المجلد بعد تسعة أيام. ثم قال لنا ممازحا في آخر يوم أن نبقي أريكته في مكانها، فربما يضطر إلى المجيء والجلوس عليها مجددا” (ص. 254).

يلح يوسف زيدان على أن خيار بناء الرواية بربط الماضي بالحاضر بواسطة التخييل وخلق شخصيات خيالية ترافق الشخصية التاريخية في مسارها الحكائي لا يعود فقط إلى عوامل فنية تجنيسية تدرج النص ضمن الكتابة الروائية التخييلية، بل إن التناوب بين الماضي والحاضر يعود أساسا إلى أن التاريخ مهم لأننا نستلهمه ونتعلم منه لكننا لا نعيش فيه ولا ينبغي أن نعيش فيه.

لن نولي في هذه القراءة اهتماما كبيرا لما يؤثث المحكي من عناصر متخيلة من الماضي (تفاصيل حياة مطيع السهمي وزيجاته وتجارته…) أو من الحاضر (حكاية راضي وأمنية وتفاصيل الحب والتعلق والتوتر الناتج عن اختلافهما في المعتقدات). لكننا سنوظف منها ما يخدم منظورنا في مقاربة النص من منظور التاريخ والتاريخ المغاير، وخصوصا الأدوار السردية التي اضطلعت بها شخصيات من خيال المؤلف مثل راضي الذي سيعثر على المخطوطة التي يسردها مطيع في منزل جده بالصعيد، ومطيع السهمي وزوجته الثانية “صفا” ومساهمتهما في تقدم مسار الحكي والمهمات التي أسندها الروائي لشخصية مطيع السارد الرئيسي في النص، فهو حفيد عمرو بن العاص مؤسس الفسطاط ورفيق طفولة منصور الحاكم بأمر الله ورفيق رحلة ابن الهيثم في مصر إلى حين وفاته ومحرك المحفزات الحكائية التي تستدعي استحضار علوم العصر التي خبرها ابن الهيثم ومعه معاصروه أو سابقوه، علماء الأزمنة القديمة.

 

  1. تجربة الوعي الروائي المرتكز على التاريخ

هل يمكن قراءة رواية ‘حاكم’ على أنها رواية يوكرونية؟

يتطلب منا هذا السؤال وضع مفهوم اليوكرونيا في سياقه التجنيسي وتطور استعماله بين التاريخ والتخييل.

ما هي اليوكرونيا؟ أو: ماذا لو؟

يتكون مصطلح “Uchronia” من الكلمات اليونانية “U” و”Chronos” التي تعني على التوالي “لا” و”الزمن”، والتي يمكن ترجمتها على أنها “الزمن اللاموجود”. وهو المصطلح الذي ابتدعه الفيلسوف شارل رينوفييه (1857) Charles Renouvier بعمله الرائد: اليوكرونيا: اليوتوبيا في التاريخ. (2)

يعرف لاروس اليوكرونيا بأنها إعادة بناء خيالية للتاريخ، وربط للحقائق كما كان من الممكن أن تحدث، ويعرفها المركز الوطني للموارد النصية والمعجمية CNRTL   بأنها إعادة صياغة للتاريخ في الفكر كما كان من الممكن أن يكون لكنه لم يحدث؛ وكما يعرفها قاموس Le Robert بأنها محكي لأحداث خيالية ذو نقطة انطلاق تاريخية. (3)

من جانبه، يرى السبتي (2023) أن منظور الوقائع البديلة أو تاريخ الممكنات قد اتخذ عدة أساليب منها الكتابة ذات المنحى التخييلي الصرف وهو ما يمكن تسميته بالرواية اليوكرونية. (4)

في السياق ذاته يشير السبتي إلى أن نموذجا سرديا تشكل عبر الكتابات اليوكرونية التي توالت حتى نهاية القرن 19 يقوم على مركزية دور شخصيات تاريخية كبرى، وحصول حدث-منعطف ينطلق منه التخييل لبناء تطور مغاير للواقع التاريخي. حدث ذلك حين صارت اليوكرونيا نوعا قائم الذات بتزامن مع ازدهار الكتابة الروائية واستمرار الحدود الفضفاضة بين الرواية والتاريخ. (5)

لقد طرحت هذه المسألة بأشكال مختلفة، فجابلونكا (2014) Jablonka  يتساءل في سياق مراجعته لمعايير الكتابة التاريخية وشروطها، هل بمقدورنا أن نتخيل نصوصا هي في الآن نفسه تاريخ وأدب؟، ويرى أن هذا التحدي لن يكون له معنى إلا إذا أفسحنا المجال أمام ظهور أشكال جديدة، بل يرى أن الأدب يتمتع بقدرة تاريخية وسوسيولوجية وأنثربولوجية. (6)

أما ديلورموز  وسنغارفيلو (2016) Deluermoz  & Singaravélou، فينطلقان من أن التاريخ المضاد أو المغاير يكتب بصيغ: ماذا لو؟ L’histoire contrefactuelle s’écrit avec des si. ، وذلك من قبيل سؤال : ماذا لو اتخذ التاريخ أو الحياة مسارا مختلفا؟ ماذا لو كان أنف كليوباترا أقصر؟ ماذا لو انتصر نابليون في معركة واترلو؟ ماذا كان سيحدث لو لم تجر الأمور على هذه الشاكلة؟ (7)

هي أسئلة تخص المنطق المضاد للواقع، أسئلة تعبر الحوارات البسيطة كما يمكنها أن تعبر الأدب والسياسة والتاريخ، وتستقصي العلاقة بين التاريخ والخيال، بين الحتمية والصدفة وبين ما يتيحه العمل حول احتمالات الماضي من سيناريوهات غير متوقعة. إنها بالذات ما يتجه نحو منطق اشتغال اليوكرونيا أو التاريخ المغاير.

  1. اليوكرونيا والوعي بالتاريخ المغاير

اليوكرونيا، في مستوى أوسع من التحديد، مصطلح يُستخدم في العلوم الاجتماعية والتاريخ لوصف تحليل تاريخي يتخيل ماذا كان سيحدث إذا تم تغيير حدث معين في الماضي، وكيف سيؤثر هذا التغيير على النتائج في الحاضر. تساعدنا فكرة اليوكرونيا في فهم التأثيرات المحتملة للأحداث التاريخية وتوقع السلوك المستقبلي.

وعندما يتعلق الأمر بالوعي بالتاريخ المغاير، فإنه يشير إلى قدرة الأفراد على فهم وتقدير الطرق المختلفة التي كان يمكن أن تسارع بها الأحداث التاريخية إلى نتائج مختلفة. يمكن أن يساعد هذا الوعي في توجيه التفكير حول التأثيرات المحتملة للقرارات والأحداث في المستقبل، ويساعد في تطوير فهم أعمق للتاريخ والعوامل التي تحدد مساراته.

على سبيل المثال، يمكن أن يكون لدينا وعي بالتاريخ المغاير حول ماذا لو لم ينتصر الحلفاء في الحرب العالمية الثانية؟، أو ماذا لو استمرت الإمبراطورية الرومانية لفترة أطول؟ ماذا لو لم يقم صدام حسين بغزو العراق؟ ماذا لو لم تقع أحداث 11 شتنبر؟ ماذا لو لم تشيد أمريكا معتقل غوانتانامو؟ تساعد هذه النظرة البديلة للتاريخ في فهم التأثيرات العميقة للأحداث التاريخية الكبرى. لكنها في التخييل الروائي تأخذ اتجاهات أخرى في المقاربة.

ظهرت اليوكرونيا في الرواية التاريخية عالميًا نتيجة للرغبة في استكشاف سيناريوهات بديلة للتاريخ وتحليل تأثير التغييرات الصغيرة على مسار الأحداث. إن التخييل التاريخي في الكتابة الروائية هو في الآن نفسه التاريخ والتاريخ المغاير. من هذا المنظور نعالج إشكالات المعرفة والتاريخ في رواية حاكم ليوسف زيدان. الرواية التي تخلق تاريخا مغايرا يفجر الحدث التاريخي ويخرجه من السياق البسيط لمجرى الحدث، ويوظف في ذلك الخلفية التراثية لثقافته الموسوعية ومعرفته العميقة بالتاريخ والفلسفة والأدب والدين والسياسة وعالم المخطوطات القديمة والوثائق.

هل فكر زيدان في طرح سؤال: ماذا لو لم يعش ابن الهيثم في زمن الفاطميين وبالأخص زمن الحاكم بأمر الله؟ ماذا لو لم يعلن ابن الهيثم أن بإمكانه أن يحل مشاكل النيل وفيضانه وتدبير أمور الري والزراعة في مصر؟ هل كان سيحضر إلى مصر ويعيش فيها إلى حين وفاته ويكتب فيها أهم مؤلفاته؟ ماذا لو لم تعشق ست الملك ابن الهيثم؟ ماذا لو لم يختف الحاكم بأمر الله بين عشية وضحاها؟ ماذا كان سيكون مصير الرجل؟ ماذا لو لم يخلق يوسف زيدان ذلك اللقاء الاستثنائي بين مطيع السهمي وابن الهيثم؟ ماذا لو تكن المخطوطة في حوزة راضي عبد المولى؟

تنبئنا التجربة الروائية ليوسف زيدان، كما ذكرنا سلفا، أن النواة الأساسية للحدث التاريخي لا تتغير، بل يتم تصحيحها وترميمها وتذويبها في العوالم المتخيلة الموازية والمصاحبة والفاعلة في مسار بناء الحدث. وهذا بالتحديد ما نهجه زيدان حين انطلق من الحاضر بقصة اللقاء بين راضي وأمنية وبجعل حكاية الحاكم بأمر الله متضمنة في مخطوط ينبغي العثور عليه وترميمه وجمع أشلائه المتناثرة وكأن المقاصد الخفية للكاتب، هي ترميم الحدث التاريخي برمته بتقديم الرواية الحقيقية غير المزيفة لما حدث في زمن الفاطميين، ومن خلال عملية الجمع والترميم التي قام بها راضي حين قام بالبحث والتنقيب عن بقايا المخطوطة وجمعها والبحث عن صفحات التعقيب التي تربط السابق باللاحق:

“استغرق ترتيب الأواق المخطوطة المفككة، والرسائل الخطية غير المجلدة، ثلاثة أيام سويا، كان د. فؤاد يتابعه خلالها هاتفيا في كل حين، ويفرح كلما وجد راضي مجموعة من الأوراق المطابقة للقطع والخط. وكاد يطير من الفرح حين تتبع معه “التعقيبة” فظهر أن المخطوطة الكنز كاملة، لا تنقص منها ورقة” (ص. 128).

وقد كشف زيدان عن السر وراء القيمة الفائقة للمخطوط الذي تم العثور عليه وهو ندرة المصادر الخاصة بالزمن الفاطمي وتضارب الأخبار كما جاء على لسان د. فؤاد:

“عملية الطمس المتعمد للتاريخ الفاطمي على يد الملوك الأيوبيين ومن بعدهم سلاطين المماليك، وتدمير المكتبات الفاطمية بحجة مواجهة المد الشيعي، والحساسية المفرطة تجاه التشيع، كانت أهم العوامل التي أدت إلى إخفاء واختفاء المصادر والكتابات والوثائق المعاصرة للفاطميين، فضاع كتاب سيرة المعز لابن زولاق، وخطط القضاعي، وتاريخ ابن الطوير، وتاريخ ابن المأمون، وطبعا مؤلفات المسبحي التي لم يبق منها إلا جزء واحد من كتابه الكبير: تاريخ مصر” (ص. 126).

  1. بين الحاكم والحكيم

انتهج زيدان في كتابة هذه الرواية مسارا تصاعديا بدأ بقصة راضي (القانع بإيمانه المتوارث) وأمنية (الباحثة عن الحقيقة في العقل والتفكر والحرية)؛ ثم بقصة مطيع السهمي (حفيد عمرو بن العاص) وصديق طفولة الحاكم، قبل أن ينتقل إلى توصيف مجريات الأحداث الجامعة بين منصور (الحاكم) وست الملك ومطيع السهمي منذ أن كان منصور صغيرا يتلقى الدروس على يد خيرة العلماء والمعلمين.

كانت كل المؤشرات تدل على رجاحة عقله وبُعده عن عما يشغل أقرانه من الأمراء وعلاقته القوية بأخته ست الملك وبصديقه مطيع، وبصرامته في الحكم نهارا ونزوعه نحو الزهد ليلا منذ توليه الحكم عقب وفاة والده. يمكن اعتبار كل هذه التفاصيل المسرودة منذ الفصل الثاني مقدمات لبيت القصيد، أي اللقاء التاريخي بين الحاكم (منصور) والحكيم (الحسن ابن الهيثم).

كتب خير الدين الزركلي عن ابن الهيثم في موسوعته الأعلام قائلا:

“بلغ خبره الحاكم الفاطمي (صاحب مصر) ونقل إليه قوله: لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملا يحصل به النفع في حالتي زيادته ونقصه، فدعاه الحاكم إليه، وخرج للقائه، وبالغ في إكرامه، ثم طالبه بما وعد من أمر النيل، فذهب حتى بلغ الموضع المعروف بالجنادل (قبلي مدينة أسوان) فعاين ماء النيل واختبره من جانبيه، وضعف عن الإتيان بشيء جديد في هندسته، فاعتذر بما لم يقنع الحاكم، فولاه بعض الدواوين فتولاها خائفا ثم تظاهر بالجنون، فضبط الحاكم ما عنده من مال ومتاع وأقام له من يخدمه. وقيد وترك في منزله. فم يزل إلى أن مات الحاكم، فأظهر العقل، وخرج من داره، فاستوطن قبة على باب جامع الأزهر، وأعيد إليه ماله، فانقطع للتصنيف والإفادة إلى أن توفي”.

أورد زيدان هذه القولة على لسان مطيع دون الإشارة إلى ورودها في موسوعة الزركلي، في قوله: “لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملا يحصل به النفع في كل حالة من حالاته، من زيادة أو نقص، فقد بلغني أنه ينحدر من موضع عال في طرف الإقليم المصري” (ص. 255).

يستعيد زيدان واقعة دعوة الحاكم ابن الهيثم للقدوم إلى مصر في عز أزمة الفساد والقحط والبلاء. يقول في الصفحة 247: “هل تعلم يا مطيع أنني دعوت العلامة ابن الهيثم للمجيئ إلى مصر؟” ثم يقول في الصفحة الموالية على لسان مطيع السهمي: ” وفور الانتهاء من الغذاء رفع السماط وعاد الحاكم لما كان يتكلم فيه، فقال بنبرة أهدأ إنه مستبشر بمجيء ابن الهيثم، وإذا نجح في بناء سد على النيل للتحكم في فيضانه، فسوف يعم الخير على البلاد ويستأمن الناس من قلق التحريق، إذا نقص ماؤه، ومن خطر الغرق إذا زاد فيضانه عن المقدار” (ص. 248).

اختار زيدان أن يجعل قصة قدوم ابن الهيثم إلى القاهرة في آخر قسم من الرواية، ووضع له عنوان الحكيم، وجعل من مطيع، الشخصية المتخيلة في الرواية، المسؤول عن استقباله وإقامته والتعرف على ما كتبه من علوم بأمر من الحاكم. في هذا القسم يحضر التاريخ بقوة، فنعرف أن الحاكم خرج بنفسه لملاقاة الحكيم احتفاء به وتعظيما لشأنه ولما جعله يأتي إلى مصر:

“بعد وصول الحاكم بوقت قليل، وصل ابن الهيثم يركب بغلة ومن حوله دواب يحملون الكتب ومن حولهم حرس كثير، جاء بعضهم معه من الشام وانضم بعضهم الآخر إليه حين اقترب من القاهرة… تقدم الحاكم خطوات نحو العلامة ابن الهيثم، فنزل العلامة وسلم عليه يدا بيد، من دون أن يجثو أمامه ويقبل الأرض مثلما يفعل رجال الدولة وأصحاب الحاجات” (ص. 258).

نتعرف كذلك على ما يختص به الحكيم من زهد: “مذهبي بسيط يا مولاي، كل ما زاد عندي عن حاجة يومي فهو عبء علي” (ص. 259)، “يا أمير المؤمنين، لا عهد لي بسكنى القصور، ولا شغف عندي بذلك. يكفيني منزل صغير أو حجرة تسعني وتتسع لكتبي” (ص. 260)، وما يختص به من تواضع: “أنا لست بحكيم، وإنما محب للحكمة. الحكيم هو الله” (ص. 259).

في هذا القسم الأخير، تفنن زيدان في الجمع بين الحكي والمعرفة التاريخية وعلوم العصر المتصلة بالهندسة (مباني القاهرة ومعمارها) وما يحيط بالنيل من أسرار وآثار ودفائن (سجن يوسف) وتاريخ النيل (مقياس النيل الذي صنعه قبل مائة وخمسين عاما المهندس الفلكي أبو العباس أحمد بن كثير الفرغاني)، وعالم الكتب (رسالة أبقراط في المرض المقدس، وجوامع الاسكندرانيين بترجمة حنين بن إسحاق كما اعتقد ذلك مطيع السهمي قبل أن يصحح له ابن الهيثم المعلومة غير الدقيقة، ذلك أنه بعد اطلاعه على الكتاب عرف أنه ليس خط حنين ابن إسحاق بل تقليد قديم له).

وفي هذا القسم، تجتمع المعرفة بالعلم وبالتعلق، فلم يفت زيدان أن يقف بتفصيل عند واقعة ظهور الوجه الإنساني العاشق للأميرة ست الملك التي تعلقت بابن الهيثم وسعت إلى الزواج منه ودعته إلى مائدتها وحاورته في فكره وعلوم وموقفه من المعتزلة وفكرهم وانشغاله لاحقا بالعلوم الهندسية وبمعرفتها بأول كتبه في ذلك: “الجامع في أصول الحساب والهندسة“، وقولها له في آخر المأدبة بعد الحديث: “أنت يا ابن الهيثم خزانة علم، ومثلك نادر في الوجود وقليل بين الناس” (ص. 271).

يبدو من خلال الصفحات الأولى من هذا القسم أن حياة ابن الهيثم في مصر ستكون موزعة بين شخصيتين، الحاكم وأخته ست الملك (أخطر الفاطميات)، وأن مصيره سيرتبط بهما معا؛ مع الحاكم الذي أكرمه ثم ولاه حساب النفقات ثم أعفاه بعد أن ظهرت عليه علامات الجنون وفرض عليه الإقامة في بيت لا يخرج منه أبدا؛ ثم أخته حين سعت إلى الزواج منه ثم إلى إهدائه مالا رفضه في حينه ثم إلى مساعدتها إياه “من بعيد ومن وراء ستار” (ص. 294)، وذلك حين جعلته ينسخ كتبا نفيسة ويأخذ ثمن جهده دون أن يعرف أنها هي من اختلقت القصة حتى لا يرفض من جديد. واستمر ذلك أعواما عديدة ينسخ فيها نفس الكتب ويأخذ أجرها من نفس الرجل الذي يأتيه كل عام، إلى أن توفيت الأميرة: “وبقي الرجل على منواله هذا أعواما، فلم يكف عن المجيء إلا سنة خمس عشرة وأربعمائة، وهي سنة وفاة الأميرة ست الملك. فبدا لي أنها هي التي كانت ترسله طيلة الأعوام الخمسة عشر.” (ص. 300).  لكن دور ست الملك في حياة ابن الهيثم لم يقف عند دعمها له سرا وهو الزاهد المعتكف للكتابة والتأليف، بل إنها من سمح بخروجه من الحبس بعد وفاة الحاكم بطلب من مطيع السهمي (ص. 239).

لكن حكايته تدخلت فيها شخصية ثالثة هي التي تروي كل الحكاية في هذا الرواية، شخصية مطيع السهمي رفيق صبا الحاكم وكاتم سره وحامي ابن الهيثم من الأهوال. إن ما يهم من هذا الملاحظة أن الحدث الروائي الذي يستلهم التاريخ لم يكن يركز فقط على ما جرى ويجري وعلى النوائب والمسرات والمفاجآت ودسائس الحكم، بل كان مجالا نتعرف من خلاله ما كان يعانيه العلماء من بطش الحكام من جهة وعلى ما كان ينتجه علماء ذلك الزمان من علوم في تأمل الكون ومحاولة فهم أسراره. نقف في هذا السياق على مجموعة من اللحظات الفكرية القوية:

أولاها عبء التفكير والتأليف كما عبر عن ذلك ابن الهيثم نفسه حين رفض هدايا ست الملك وعدَّها عبئا إضافيا إلى أعباء الفكر والتفكر:

“وأنا عندي من الأعباء ما يكفيني. (…) عبء الانتهاء من الكتاب الكبير في كيفية الرؤية وإدراك المناظر، وعبء حساب درجة انحراف شعاع الضوء إذا مر في وسط شفيف، وعبء اكتشاف كيفية الغلط الواقع عند رصد النجوم” (ص. 294).

وثانيها، الإشارة السريعة إلى الشيخ الرئيس ابن سينا في سياق حوار دار بين مطيع وابن الهيثم:

“هيا لتصعد بي إلى غرفتي فإن بين يدي رسالة، أريد أن أكمل كتابتها. (…) هي شرح لبعض عبارات أرسطو في كتابه السماء والعالم:

“عجيب، كنت بالأمس في سوق الوراقين، ورأيت هناك رسالة في ذلك، كتبها حكيم مشرقي اسمه أبو علي الحسين بن سينا…(…) فلماذا تهتمون بما كتبه أرسطو؟” (ص. 296).

وثالثها، السؤال الذي جاء على لسان “صفا” زوجة مطيع الثانية لابن الهيثم:

“…واجتمعنا عنده في المساء ومعنا “صفا” وبعد العشاء سألها ابن الهيثم عن سؤالها المؤجل، فقالت إنها حين تتأمل القمر ليلة اكتماله بدرا، وحين ترسمه على الحرير، تكون فيه أشكال كالغبش الأقل ضوءا من بقيته. فلماذا؟ ساد الصمت لحظة ورفع ابن الهيثم إليها عينيه المستغربتين، لأول مرة، وقال: هذا سؤال جيد، لكن القمر لا ضوء له فهو جرم معتم، والنور الذي نراه فيه هو انعكاس لضوء الشمس. فإن توسطت الأرض بينهما حجبت عن القمر ضوء الشمس، فيحدث الخسوف. ولأن سطح القمر غير صقيل، وليس مستويا، فهو يعكس ضوء الشمس بشكل متفاوت فتظهر فيه تلك الظلال الشبيهة بالغبش. هل فهمت ذلك؟

  • نعم لكن هذه الأشكال تتغير.
  • صحيح. وهذا بحسب موضعه من الأرض، وبحسب استقباله لضوء الشمس. وهذا الموضوع يحتاج مقالة مفردة” (ص. 311).

وفي نسخة الرواية، بدا أن زيدان جعل ابن الهيثم يكتب “مقالة في ماهية الأثر الذي يبدو على سطح القمر” (8) ويهديها ل”صفا” بعد حديثهما تلك الليلة.

لم تتوقف اللحظات العالمة في الرواية عند الأمثلة التي ذكرنا، فالظاهر أن زيدان، وبتقنية جامعة بين التاريخ والتخييل واختلاق شخصيات موازية، فتح بابا واسعة لمحاورة الشخصيات العالمة التي احتوتها الرواية وعلى رأسها علوم الكون والهندسة والبصريات التي اشتهر بها ابن الهيثم، وجعلها متضمنة في ثنايا السرد الذي يؤرخ روائيا لفترة عاصفة من تاريخ العالم الإسلامي هو زمن حكم الفاطميين في مصر والصراع على السلطة وكثرة الفتن المذهبية والحروب والنوازل. من ذلك وقوفه المتأني عند منظور ابن الهيثم للشعاع ورأيه في أن الإبصار بعكس ما يتوهمه الناس: “أعني بانعكاس شعاع الضوء من المصدر المنير، كالشمعة بالليل أو الشمس بالنهار، فيقع على المرئي ثم ينعكس إلى العين، فتتم بذلك الرؤية” (ص. 314).

لم يكتف زيدان بذلك، بل جعل لابن الهيثم أحلاما مستعصية، تخص ما أشرنا إليه أعلاه من خضوع العلماء لسلطة الحكام:

“أحلم في صحوي بأن الزمان صار كريما معي وسمح لي بالعيش في جزيرة نائية عن البشر، وليس فيها حكام أو متحكمون، ويجاورني فيها نخبة من الأولين وقليل من الآخرين.

  • وأين تكون مثل هذه الجزيرة يا سيدي؟
  • في ناكجاآباد.

(…) أخبرني بأنه كان يمازحني بها، وبأنها كلمة فارسية لا توجد مفردة عربية تقابلها، وتعني المكان الذي لا موضع له أو حيث لا أين.

  • ومن الذين تريدهم جيرانك في الجزيرة التي لا أين لها؟
  • فيثاغورث وأرسطوطاليس وإقليدس وبطليموس…
  • هؤلاء الأولون، فمن الآخرون؟
  • أبو بكر الرازي والبيروني وابن سينا (…)” (ص. 316).

إن هذا بالتحديد، ما جعلنا نطرح سؤال اليوكرونيا في هذه الرواية. فرغم أن مهمة ابن الهيثم في بناء السد قد فشلت وانتهى به الأمر إلى الإقامة الجبرية ثم إلى ادعاء الجنون خوفا من بطش الحاكم بأمر الله، فإن إشارة عابرة وردت في حديث الحاكم مع ابن الهيثم قبيل سفره إلى جنوب البلاد تجعلنا نطرح سؤال المفارقة بين ما قاله ابن الهيثم قبل قدومه إلى مصر وما قاله للحاكم قبل شد الرحال إلى أسوان، فقد كان آخر ما قاله للحاكم قبل توديعه: ” ثق يا أمير المؤمنين بأنني لن أدخر جهدا في إتمام العمل المطلوب، إن وجدت انحدار النهر في الجنوب على الصورة التي بلغتني، ولن أغامر بتبديد النفقات، إذا لم أتيقن من حصول النفع” (ص. 274).

إن حرصنا على الوقوف عند هذه الإشارة، هو هذا التعارض بين ما قاله ابن الهيثم من قدرته على حل مشكلة النيل على نحو قطعي، وما قاله للحاكم قبيل السفر، وهو تعارض يعكس حالة اللايقين ويبين أنه لم يحسب لاحتمال فشل المهمة ما يكفي من الافتراض قبل أن ينطق بذلك، فنجده يتحمل لاحقا وزره بالبقاء سجينا بداره إلى حين اختفاء الحاكم ثم سجينا بمصر كلها إلى حين وفاته.

ماذا لو ينطق ابن الهيثم بهذه العبارة؟

لا تقدم لنا الرواية سيناريوهات بديلة، لأن خلفية التاريخ المغاير أو التاريخ المضاد فيها لم يكن الهدف منها تقديم افتراضات عما كان من الممكن أن يحدث. بدلا من ذلك، كانت مقاصد الروائي، أن يصحح ما يقوله التاريخ المزيف لصالح شخصية الحاكم بغية إنصافه، ولذلك شيد كل هذا الكون السردي من أجل ذلك دون أن يحاكم الرجل لا سياسيا ولا إنسانيا، بل ترك رحيله سؤالا معلقا لم يستطع التاريخ الإجابة عنه. حسبه أنه جعل نهاية ابن الهيثم حدثا مأساويا بالمعنى الإنساني حيث حضرته علامات النهاية مباشرة بعد فراغه من إملاء كتاب: ماهية الأثر، على أحد مريديه القدامى وهو سرخاب السمناني.

 

  1. “حاكم”…. وسؤال اليوكرونيا

عادة ما تنهج الرواية مسارا خماسي السيناريوهات لكتابة نص من منظور يوكروني:

– ابتكار نقطة تحول تاريخية، يمكن من خلالها البدء بتحديد نقطة تحول محددة في التاريخ، مثل حدث تاريخي معين أو قرار مهم، والتفكير في كيفية تغيير مسار الأحداث من هذه النقطة.

– تحليل الأسباب التي قادت إلى هذا التحول التاريخي المقترح وتقييم النتائج المحتملة لهذا التغيير على الأحداث اللاحقة.

– بناء السيناريو البديل استنادًا إلى نقطة تحولية لأحداث كانت ستحدث لو تم تغيير هذه النقطة.

– تطوير الشخصيات والحبكة بناءً على السيناريو البديل، مع التركيز على كيفية تأثير التغيير التاريخي على حياة الشخصيات وتفاعلها مع البيئة المحيطة.

– تقديم رؤية جديدة ومثيرة للقارئ حول كيفية تطور الأحداث في العالم البديل الذي يتم ابتكاره.

وبالعودة إلى سؤال البداية: إلى أي حد حضرت اليوكرونيا في رواية زيدان عن الحاكم والحكيم بناء على المعايير المفترضة في كتابة نص روائي يوكروني؟

يمكن القول استنادا إلى كل المعطيات السردية والتاريخية السالفة الذكر، أن ما حدث في هذا العمل الروائي هو ما يلي:

  • اختلاق كون حكائي متخيل يحرك خيوط السرد بشخوص لا علاقة مباشرة لها بالحدث التاريخي: من الحاضر قصة راضي وأمنية والأستاذ سيد فؤاد الذي كان حافزا على البحث عن المخطوطة التي ترمم الأجزاء الناقصة من التاريخ الفاطمي الذي تم طمسه عمدا وفقد المصادر الأساسية من هذا التاريخ مثل مجمل كتابات المسبحي المفقودة، والذي جعله زيدان شخصية أساسية فاعلة في الرواية يساهم في تحريك أحداثها بحكم قربه من الحاكم. ومن الماضي شخصية مطيع السهمي بكل ثرائها الحكائي والإنساني وعكسها لطبيعة البنية الذهنية للإنسان ولعلاقاته الاجتماعية في ذلك الزمن.
  • إضفاء مسحة من الغموض على العديد من الأحداث التاريخية، منها السيناريوهات المحتملة وراء اختفاء الحاكم، وطبيعة شخصية ست الملك القائدة الصارمة والمتجبرة والعطوفة والمحنكة سياسيا، وعشقها لابن الهيثم وعطفها عليه منذ دخل القاهرة إلى أن خرج من الحبس الإجباري.
  • العلاقة الحميمة التي جمعت شخصية متخيلة هي مطيع السهمي بشخصية من التاريخ هي ابن الهيثم، والتي اتسمت بالقرب الروحي والجوار والأنس والدعم النفسي والمادي إلى درجة أن الرواية تنتهي بالحزن العميق الذي أصاب مطيع بعد وفاة ابن الهيثم، وقربه هو الآخر من الرحيل رغم أن النص لا يحسم في ذلك لأن السرد منطقيا يجري على لسان راو وحيد هو مطيع السهمي.

يختم زيدان الرواية بنهاية على شكل احتضار مفترض، مفتوحة على كل الاحتمالات:

“رحم الله ابن الهيثم.. ورحم الله جميع المسلمين والنصارى واليهود وأهل الملل والمذاهب والديانات.

فالرحمان الرحيم، لا محالة يرحم.. الرحمة.. الحاكم بأمره..أين عمتي تمني.. وأين ذهب الجميع؟

لا بد لي من تبييض هذه المسودة… لا بد.. الهواء ثقيل.

سأنادي ابنتي تمني..لا أستطيع، أين ذهب ولدي عبد الله..أنا لا أقدر على القيام من مكاني.

كل شيء أبيض.

والعبد عصفور، صار أبيض…

ما هذا الصمت..

أين أنا، وأين الجميع…

آه، إنه الموت” (ص. 350).

مع كل ما سبق، لا يبدو أن زيدان كان يسعى أو كان واعيا -من المنظور التاريخي النظري- أنه يقدم نصا روائيا بأبعاد يوكرونية. وقد صرح هو نفسه أن خلفيته في الكتابة الروائية تقوم على الجمع بين الحدث التاريخي الحقيقي بدون تزييف وتفجيره بإدخال مكونات تخييلية يقبلها الاحتمال التاريخي، مثل اختلاق شخصية مطيع وصفا وتمني وغيرها من الشخصيات، وقد كان ذلك نهجه في روايات سابقة مثل فردقان عن الشيخ الرئيس وعزازيل والنبطي، وغوانتانامو.

لقد اشتغل زيدان  في روايته بوعي مزدوج: الوعي بضرورة ترميم الحدث التاريخي وإنصاف شخصية الحاكم بأمر الله مما لحقه من ظلم جراء اعتباره حاكما مجنونا لم يكن يعرف إلا سفك الدماء بدون وجه حق، والوعي اليوكروني الذي صنع من خلاله البناء التخييلي للرواية وقدم من خلاله منظورا بديلا للفترة التاريخية التي تحكيها الرواية، وقد اعتمد في ذلك على الحفاظ على الحدث التاريخي كنقطة انطلاق وكخيط ناظم لسيرورة الحكي، وفي الوقت ذاته، استنبط العالم المتخيل من التاريخ نفسه وجعله كونا تتقاطع فيه المآسي والمسرات في آن واحد، بل وجعل منه كونا يصف البناء الذهني لحياة الناس وعلاقاتهم وتصورهم لمفهوم الحياة المجتمعية. لكن الأهم من كل ذلك أن زيدان مارس لعبة التأمل العقلي في الحدث التاريخي معتمدا على مقولة ضرورة إعمال العقل في الخبر.

خاتمة

إذا كانت اليوكرونيا تقوم على استكشاف “المستقبل الذي لم يحدث” و”الممكنات في الماضي”، مما يوفر منظورًا بديلًا عن الأحداث التاريخية وكيفية حدوثها بشكل مختلف. وتساهم في تحدي التفسيرات التقليدية للتاريخ وفتح آفاق جديدة للتفكير حول الأسباب والظروف التاريخية للوقائع، فإن يوكرونيا يوسف زيدان ارتكزت على معرفته الخبيرة بالتاريخ والفلسفة وعلوم اللاهوت وبخبرته الروائية من أجل طرح مغاير لفترة حكم الفاطميين في مصر، ليس من أجل تعظيم شأنهم في هذه الفترة المتوترة من تاريخ العالم الإسلامي، بل من أجل الدعوة المضمرة إلى التفكير المعقلن في إشكالات شغلت الناس في الماضي وما زالت تشغلهم في الحاضر بصيغ وبمعايير جديدة، فالصراعات المذهبية ما زالت قائمة مع اختلاف السياقات والأوضاع والظروف؛ بل إن الإشكالات العلمية في الهندسة وبناء السدود والبصريات التي جاءت شخصية ابن الهيثم لتعالجها آنذاك، تحضر بقوة في الزمن الحاضر وإشكالاته. لم يقم زيدان في تضمنيه للمعرفة العالمة داخل التخييل الروائي إلا بإعادة طرح هذه الإشكالات، وكأن الصلة بين الماضي والحاضر لا تغيب عنها لعبة المرايا.

 

 

—————————————-

الهوامش

[1] استقينا إفادات يوسف زيدان من مختلف الحوارات التي أجريت معه حول تجربته الروائية وتجربته في كتابة رواية “حاكم: جنون ابن الهيثم”، وبالخصوص الحوار المطول الذي أجراه معه الصحفي محمود سعد بعنوان: يوسف زيدان يكشف حقيقة أكثر الحكام جدلا في التاريخ.. الحاكم بأمر الله.

2  رونوفيي(2006) Renouvier

3 لوري (2021: 5) Laureys

4  السبتي (2023: 186)

5  نفسه، ص 188

6  جابلونكا (2014: 16) jablonka

7 ديلورموز وسنغارفيلو (2016: 11) Deluermoz  & Singaravélou

8 هذه المقالة قام بتحقيقها يوسف زيدان نفسه ونشرها بالعربية والفرنسية والإنجليزية سنة 2002.

 

المراجع

ابن الهيثم، (ب.ت)، (2002) ماهية الأثر الذي يبدو على وجه القمر، تحقيق: يوسف زيدان، الإسكندرية.

يوسف زيدان، (2021)، حاكم: جنون ابن الهيثم، بوك فاليو.

محمد حسن علوان (2016)، موت صغير، دار الساقي

دان براون (2004)، شفرة دافنشي، ترجمة سمة محمد عبد ربه، الدار العربية للعلوم

السبتي، عبد الأحد (2023) اليوكرونيا وتاريخ الممكنات، ضمن كتاب، التاريخ والتخييل: أعمال مهداة إلى عبد الحي مودن، دار أبي رقراق للنشر.

Bréan, Simon (2013) L’uchronie comme histoire culturelle conjecturale, Ecrire l’histoire, 12 /2013.

Bonhoure, Jean-François (2020) L’histoire contrefactuelle, au risque de la dérive, Revue   d’histoire culturelle, N°1.

Deluermoz, Quentin et  Singaravélou, Pierre (2016) Pour une histoire des possibles, seuil.

Hame , Jean-François (2005) Les uchronies fantômes, Poétique /4 (n° 144).

Jablonka, Ivan (2014) L’histoire est une littérature contemporaine : Manifeste pour les sciences      sociales. Éditions du Seuil

Laureys, Céline (2021), Un regard analytique sur l’uchronie avec la tension narrative pour outil,    Université de Liège, Faculté de Philosophie et Lettres

Renouvier, Charles, (2006), Uchronie : l’utopie dans l’histoire, Editions Des Regionalismes, Paris.

- سعيد الحنصالي

معهد الدراسات والأبحاث للتعريب / جامعة محمد الخامس - الرباط

شاهد أيضاً

حرب الكَوم: الألم في عرين البطولات

محمد المعزوز، حرب الكوم (رواية)، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء وبيروت، 2022         يقر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.