المرابطون وجهود مأسسة الدولة في المغرب والأندلس

 

Camilo Gómez-Rivas, The Almoravid Maghrib, Arc Humanities Press, Leeds, 2023, 146 p.

على عكس الاسطوغرافيا الفرنسية والإسبانية التي اعتنت بالتاريخ المرابطي منذ مدة طويلة لدواعي مختلفة، يبقى من الواضح أن هذا التاريخ لم ينل الحظ نفسه من قبل الأقلام الانجليزية، واتجه اهتمام هؤلاء في المقابل إلى التاريخ الأندلسي في علاقته بالتاريخ الأوربي، مما أنتج قراءات “سطحية” للتاريخ المرابطي، حتى وُصف المرابطون بأنهم دخلاء ومتطفلون على تاريخ الأندلس، وعلى أنهم هامشيون جغرافيا وزمنيا في التاريخ الإسلامي من وجهة نظر هؤلاء. لكن العودة الملحوظة للاهتمام بهذا التاريخ من قبل مجموعة من الأقلام الانجليزية سيما في العقدين الأخيرين قد غير هذه النظرة تجاه المرابطين، وأعاد الاعتبار لتاريخهم[1]. وفي هذا السياق يأتي كتاب كوميز ريفاس الموسوم بـ “المغرب المرابطي” موضوع هذه المراجعة، فبعد كتابه الأول الموسوم بـ “القانون وأسلمة المغرب تحت حكم المرابطين فتاوى ابن رشد الجد إلى المغرب الأقصى”[2] الصادر سنة 2014، والذي أكد فيه على الدور الوظيفي للمذهب المالكي في بناء الدولة وتحويل المغرب الأقصى من واقع التشتت القبلي إلى امبراطورية منظمة. يعود كوميز ريفاس في كتابه الجديد لتتبع إسهامات المرابطين في بناء وتشكيل الدولة بالمغرب الأقصى والأندلس على نطاق واسع، وما نتج عن ذلك من تحول في العديد من التقاليد الاجتماعية والقانونية والسياسية في المنطقة، كان لبعضها تأثير دائم مثل مركزية العاصمة الجديدة. في المقابل يسجل كوميز أن المرابطين شكلوا حركة دينية بامتياز غرست في أتباعها تقوى شرسة، وغير متسامحة في نواحي كثيرة منها، وإن لم تكن دائما ضد اليهود والمسيحيين لكنهم كانوا أقل تعصبا من خلفائهم.

قارب كوميز التحول المتعدد الأبعاد للمغرب المرابطي في ستة فصول إلى جانب مقدمة وخاتمة، مشكلة بنية الكتاب. استند في بنائه السردي لتاريخ المرابطين على تتبع مسار شخصيات بارزة في تشكيل المشهد العام، في قالب منهجي يتقاطع فيه التاريخ البيوغرافي للفرد بالتاريخ العام. متوخيا تحقيق هدفين وراء هذا النهج، يتجلى الأول في ربط القارئ بقصة شخصية معينة تمكنه من الانفتاح على تجربة عصر، أما الثاني فيرتبط بالقصة ذاتها التي -غالبا ما تكون على حد تعبير كوميز أسطورية أو خيالية- هي نتاج ثقافي في حد ذاته للعصر ولاستقباله ونقله اللاحق، كما أنها تكشف طريقة تذكر الأجيال اللاحقة للتجربة التاريخية وفهمها للسير الذاتية والسرديات.

وعلى غرار مختلف المهتمين بعصر المرابطين، يعترف كوميز بصعوبة البحث في التاريخ المرابطي، وذلك بالنظر للإشكالات المرتبطة بقلة السجلات المكتوبة وكثرة التضارب في الموجود منها، لكنه يشيد في المقابل بالمستجدات المهمة للبحث الأثري خلال العقود الأخيرة، التي سلطت الضوء على التغيرات الديمغرافية والاقتصادية للمغرب المرابطي. كما اعتمد على رصيد مهم من وثائق الجنيزا في القاهرة، والتي تضم مراسلات عديدة مع سجلماسة، وهي واحدة من أهم أرشيفات العصور الوسطى للرسائل اليهودية وحياة عالم البحر الأبيض المتوسط. وقد عزز الباحث كتابه بمجموعة من الصور والخرائط والجداول التوضيحية، كما ذيله بكرونولوجية زمنية لأهم محطات التاريخ المرابطي، وقائمة بشروحات وتعاريف لعدد من المصطلحات والمفاهيم التي رأى أنها تحتاج للشرح والتعريف بالنسبة للقارئ الغربي. ورغم ما يبديه الكاتب من سعة اطلاع إلا أن القارئ سيلاحظ شح هوامش الكتاب، إذ تخلو عدد من صفحات الكتاب من أية إحالة.

وبالرغم من أهمية هذه الدراسة والتزامها الموضوعية العلمية، إلا أن ما يعاب على كوميز أن رصيده المرجعي يخلو من الدراسات المكتوبة باللغة العربية. فهناك دراسات وأطروحات قيمة أنجزت حول المرابطين سواء من قبل المغاربة أو غيرهم من العرب، وتوصلت إلى نتائج وتفسيرات مهمة، ترد مجموعة منها عند كوميز دون أن يشير إليها[3]؛ مما يعيد إلى الواجهة مسألة عزوف الدارسين الغربيين عن الاطلاع على البحوث المكتوبة باللغة العربية. فمن شأن الاطلاع على المهم منها أن يفيد في تلاقح الأفكار والتعرف على رؤى وتفسيرات تختلف عما استقر في البحوث الغربية أو تتفق معها[4]. وإن كان قد أحال في المقابل على إنتاجات باحثين مغاربة وغيرهم مكتوبة بالحرف اللاتيني مثل دراسات رشيد الحر وحليمة فرحات[5].

يبدأ المؤلف استعراض قصة المرابطين في الفصل الأول مع عبد الله بن ياسين الذي سماه بالواعظ، فعلى عكس ما قد يبدو أن صعود المرابطين صدفة تاريخية باعتبار أن الشخصية المؤسسة قد ظهرت من هوامش العالم الإسلامي، لكنه كان في الواقع جزءا من عملية أطول لأسلمة جنوب المغرب والصحراء الكبرى والساحل حسبما يستنج المؤلف. لقد رأى كوميز في عبد الله بن ياسين الرجل المالكي الواعظ الذي استطاع بالتزامه وتدينه أن يكتسب سمعة طيبة كطالب متميز ومتفان. وبناء على ذلك تم اختياره من قبل شيخه بدون تردد لمرافقة يحيى بن إبراهيم الجدالي إلى الصحراء. ثم يشير إلى ما أسماء بالفشل المبكر في مهمته حينما تم طرده من قبل أشياخ جدالة بعد منهجه الصارم في تطبيق تعاليم الدين، ثم ذهابه لإنشاء رباط بساحل “موريتانيا”. وقد اعتبر الباحث هذا الانتقال إلى الرباط الرواية الأكثر أسطورية في هذا التحول، مشبها ذلك بالتجربة النبوية في الانتقال من مكة إلى المدينة. ويورد في المقابل رواية البكري التي يعتبرها بسيطة وأكثر مصداقية، وتفيد برجوع ابن ياسين إلى شيخه وجاج، هذا الأخير عمل على تهدئته وإقناعه بالعودة إلى الصحراء لإكمال المهمة.

وبالرغم من تضارب المصادر الأولى في الصورة التي تقدم بها ابن ياسين -تناقضات تنبع من وجهات وهوية مؤلفي هذه المصادر- يؤكد كوميز أن حياة عبد الله بن ياسين وتأسيس حركة المرابطين تمثل لحظة محورية في تاريخ المغرب الأقصى والصحراء الكبرى، وأن هذه الحركة كانت ثورة تجارية في جوهرها كما يتضح من النواة الأولى لقصة التأسيس. فإذا كانت القصة تبرز الأبعاد الدينية والعلمية لهذا التبادل إلا أن هذا النوع من الحركات استند إلى وجود تبادل تجاري وتواصل منتظم. لقد هيأت هذه الثورة التجارية في الأخير الأرضية المناسبة لظهور المرابطين.

وبالنظر للمكانة الاعتبارية لزينب النفزاوية في تاريخ المرابطين يتوقف كوميز في الفصل الثاني عند هذه الشخصية. فمنذ صعود نجمها على مسرح الأحداث، يلاحظ أن هذه المرأة قد أحيطت بعدد من الأساطير شأنها شأن عبد الله بن ياسين. وقد وفرت هذه الزيجة عن أبي بكر عناء تطويع المناطق المحيطة. وعلى غرار منهجه النقدي، يتوقف كوميز عند ما أسماه بالخطوة الأكثر غرابة، ويتعلق الأمر بتطليق أبي بكر لزينب عند عزمه الانطلاق نحو الصحراء وتزويجها لابن عمه، ويرجح في المقابل أنها هي من طلبت الطلاق. ويؤكد في الوقت نفسه على دورها الحيوي في توجيه يوسف وتشجيعه على توسيع طموحاته.

يرى كوميز أن الحركة المرابطية قد أكملت تحولها في عهد يوسف بن تاشفين من حركة صحرواية في شكل اتحاد قبلي إلى امبراطورية بهوية جديدة وأكثر تعقيدا ومفاهيم مقابلة للانتماء والشرعية. كما أدخل المرابطون في عهده نمطا جديدا في الحكم والمجتمع، سواء عبر إنشاء الهياكل الإدارية والمادية المتمثلة في المدن مثل مراكش وبناء الأسوار في فاس، أو من خلال تشييد المسجد الجامع في مراكش. أدى كل ذلك إلى تغيير شخصية المدن التي أضحت تدار وفقا للتقاليد الفقهية المالكية، وتحقق ذلك عبر تشكيل نخبة متعلمة وإدارية جديدة. ويعزو كوميز هذا التحول الذي بدأ في القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي للتجارة بعيدة المدى، حيث استفادت الحركة من هذا التطور الاقتصادي والتجاري، وعززته وحفزته عبر إنشاء هياكل إدارية لتوجيه هذه التجارة والتحكم فيها. وبالموازاة مع ذلك يرى كوميز أنه كان لابد للمرابطين من التعبير عن الشرعية الدينية والسياسية بطريقة أكثر تطورا، من خلال اتخاذ يوسف ابن تاشفين لقب أمير المسلمين وإعلانه تبعيته للعباسيين لحل مشكل السيادة في الغرب الإسلامي. وبالرغم من أنهم لا يحوزون أيا من السمات التقليدية للسلطة الدينية والسياسية، إذ لا ينحدرون من بيت النبي أو من عشيرته وليسوا عربا، إلا أنهم شكلوا أول قوة توحد المنطقة برمتها لأول مرة، كما رعوا العلماء وبنوا المدارس الدينية وأثبتوا بأنهم حماة قادرون على حماية الأمة من التهديدات الداخلية والخارجية.

يستعرض كوميز في الفصل الثالث عملية ضم المرابطين للأندلس وخلع ملوك الطوائف بعد معركة الزلاقة. حيث يرى أنه في غمرة التنافس والتطاحن والمؤامرات المحمومة بين ممالك الطوائف، انقلبت موازين القوى لصالح المسيحيين بسقوط طليطلة في انقلاب غير دموي في يد حاكم مسيحي سنة 478هـ/ 1085م. يصور المؤلف سقوط هذه المدينة مكسبا كبيرا لمملكة قشتالة وليون، فطليطلة، المدينة الغنية بتراثها ومؤسستها الحضرية، أضحت مجمعا للموارد ومدينة متعددة اللغات والأديان، لم تٌكسب ألفونسو الموارد الزراعية فقط، بل جلبت له ما هو أهم وهو الصنائع والإنتاج الحرفي والمهارات الفكرية والمعرفة، وأضحت مركزا اقتصاديا وثقافيا متطورا للعلم والثقافة اليهودية والإسلامية.

وفي محاولة منه درء الطابع الصليبي عن الصراع بين الجانبين، يرى كوميز أنه من المفيد للدقة التاريخية تجنب التفكير فيما حدث على أنه صراع عالمي بين المسيحيين والمسلمين، والنظر إلى العملية على أنها انهيار لهيكل امبراطوري مثله أمويو الأندلس، استهلكته تدريجيا هياكل دول جديدة ذات مراكز قوة في أماكن أخرى، منها المرابطون من الجنوب وقشتالة وأراغون وغاليسيا من الشمال. ذلك أن جوهر الصراع في تفسيره كان حول موارد وثروات ممالك الطوائف التي بدأت الممالك المسيحية والمرابطون يتنافسون عليها بشراسة.

لقد تمكن المرابطون من ضم الأندلس ونفي العديد من أمراء الطوائف إلى المغرب، لا سيما بعد معركة الزلاقة الفاصلة التي يرى كوميز أنها بررت الوجود السياسي والعسكري المرابطي في الأندلس، كما يستنتج أن الخسائر الفادحة التي تكبدها المرابطون في بداية المعركة كانت بسبب خيانات جبانة نابعة من خلاف عميق داخل القيادة الأندلسية، لذلك وبدلا من ملاحقة ألفونسو المهزوم والبقاء لتقديم الدعم المستمر، اختار يوسف العودة إلى المغرب، في الوقت الذي سعى مسؤولوه إلى صياغة مبرر شرعي لإزاحة القيادة الإسلامية السياسية من الأندلس. كما يشير إلى أن توحيد المرابطين للمغرب والأندلس قد ساهم في تدفق السكان والموارد بين الضفتين، مما خلق أثرا اجتماعيا وتجاريا وسياسيا عميقا، تجلى ذلك في استفادة المرابطين من الخبرة الأندلسية في الإدارة والمؤسسات وكذلك في الثقافة المادية المرتبطة بالمدن في المغرب الأقصى.

يفرد المؤلف الفصل الرابع لفترة حكم علي بن يوسف باعتباره الحاكم الجديد الذي ورث امبراطورية شاسعة. وفي الوقت الذي يرى فيه كوميز أن يوسف قد رتب الأمر لابنه علي، باختياره خليفة له سنة 496هـ/ 1103م، يعتبر هذا التقليد ابتكارا سياسيا مرتبطا بطبيعة الدولة الجديدة، ذلك أنه كان مخالفا لما كان معهودا عند المرابطين، خاصة اتحادهم القبلي الصنهاجي الذي كانت تتداول فيه القيادة، ولم تكن تعهد فيه القيادة من الأب إلى الابن. ولا تقل الحملات العسكرية المنتظمة التي قادها علي بن يوسف رمزية في عهده، حيث يؤكد الباحث أنها مثلت نوعا من العروض الرمزية للسلطة وطريقة ذكية للتعريف بالحقوق والصلاحيات والتذكير بها، وقد كانت هذه العروض بهذا الحجم والانتظام جديدة في المغرب الأقصى ومؤثرة من حيث خلق هذه الأنماط بما فيها الدولة في حد ذاتها. لكن التأثير الأعمق والأكثر وضوحا لعلي بن يوسف تجلى في كونه بانيا، ذلك أنه وراء العديد من الآثار الباقية من دولة المرابطين. ففي عهده اكتمل تحول مراكش من معسكر إلى عاصمة امبراطورية، كما وسعت في عهده عدة مساجد جامعة سواء في سبتة أو فاس، كما بني جامع تلمسان وشيد أسوار فاس وبنى ميناء سلا وغيرها. لقد شكلت التنمية الحضرية التأثير الإقليمي الأوسع لتشكل دولة المرابطين وما ارتبط بها من هياكل اجتماعية وإدارية. فإلى جانب توسع الدولة أفقيا حدث تطور رأسي بنفس القدر من الأهمية من خلال توسع مراكز الإنتاج الحرفي، ويدلل على ذلك بالمنبر المرابطي الذي يعتبره أحد أروع الأعمال الخشبية الباقية من ذلك العصر، الذي يبرز مهرة الصنعة في ذلك الوقت، بغض النظر عن وظائفه ورمزيته، والأمر نفسه بالنسبة لقبة المرابطين رغم بساطتها المعمارية.

ويظهر الجهد التفسيري للباحث مجددا في ربطه تطور المرابطين الحضاري بالتبادل المادي المنظم مع شبه الجزيرة الايبرية والبحر المتوسط والعالم الإسلامي الأوسع بما فيها التجارة الصحراوية التي شهدت عصرها الذهبي خلال فترة المرابطين. لقد شكلت التجارة الصحراوية قوة مادية وثقافية في المغرب وغرب افريقيا، وأدت بشكل مباشر وغير مباشر إلى الأسلمة وصعود النخب البيروقراطية، ودلل على ذلك باعتماد اسم العملة المرابطية في مجموعة متنوعة من اللغات المجاورة، مما يوضح كيف امتدت الثروة الناتجة عن هذا التبادل الى ما هو أبعد من حدود المرابطين. وبالاستعانة بالمنهج المقارن، يربط كوميز صعود المرابطين بالصحوة السنية التي انطلقت من ثلاثة مواقع، من الأناضول مع السلاجقة ومن مصر مع الأيوبيين ومن المغرب والأندلس مع المرابطين. لقد اعتبر الباحث هذه السلالات الثلاث قوى سياسية وعسكرية جديدة غير عربية وغير فارسية، ورأى فيها نوعا من الغزو البربري المرتبط بصياغة هويات سياسية واجتماعية جديدة، يشتركون كلهم كممثلين شرعيين وكمناصرين ومدافعين عن الأمة. ففي الوقت الذي اضطلع فيه الأيوبيون بالإطاحة بالفاطميين، قام السلاجقة بمحاصرة وقمع الجماعات الإسماعيلية، وحارب المرابطون البدع في بورغواطة والشيعة البجلية والمدراريين.

وبحكم التداخل بين التاريخ المرابطي والتاريخ الموحدي، يركز كوميز في الفصل الخامس على المحطة الأخيرة في عمر الدولة المرابطية، ومحاولة تفسير الضعف والانهيار الذي طرأ على جسم الدولة، رابطا ذلك بعوامل متعددة. يرتبط العامل الأول بتنامي المعارضة السياسية التي تزعمها محمد بن تومرت. لقد عبر ابن تومرت بجرأة عن انتقاده للمرابطين منذ أن وطأت قدماه مراكش ولقائه بأميرها. ويرى كوميز أن قصة المواجهة الأولى تحيل على أن الرجل كان يتمتع بشعبية لم تكن متاحة لمنتقدي النظام الآخرين. ولم يفت كوميز التنبيه إلى الأهمية الرمزية لرحلة ابن تومرت رغم تشكيكه في تاريخيتها، لكنه في المقابل يؤكد على أهميتها في إلقاء الضوء على تطور الثقافة الدينية بالمغرب وعلى القضايا والرموز التي كانت ذات مغزى وجدل، مثل قضية إحراق كتاب الإمام الغزالي. إذ يرى كوميز أن أهم فصول الرحلة إلى الشرق تسعى إلى إقامة علاقة مباشرة مع الغزالي، ومن هنا الربط بين ابن تومرت والغزالي. مستنتجا أن قصة حرق كتاب الغزالي تحيل على صراع على السلطة الاجتماعية والروحية بين علماء المالكية بسلطتهم المعززة في ظل الدولة المرابطية والتعبيرات البديلة من الشخصيات الكاريزمية المرتبطة بالتصوف.

لقد استنتج كوميز أن الظروف كانت مهيأة لصعود مصمودة، فرغم قبولها بحكم المرابطين، إلا أنه لم تدمج إلا نادرا في المستويات العليا من الإدارة، مما وفر على المدى الطويل أرضا خصبة للاستياء الذي سعى ابن تومرت للتعبير عنه والترويج له. والأمر نفسه في الأندلس، إذ يرى أنه بالرغم من الشعبية الواضحة التي حظي بها المرابطون، فقد كانت هناك أشكال من المقاومة منذ البداية بعضها مرتبط بالظروف التي جعلت منطقة ذات تقاليد عريقة في الحكم والإدارة في مواجهة إدارة ناشئة من منطقة ومجموعة عرقية ذات مكانة ضئيلة. فالنخب السياسية الإقليمية المرتبطة بحكومات الطوائف جسدت شكلا من أشكال المقاومة الصريحة والسخط. وقد شكل شعر ابن قزمان مثالا عن هذا الصوت الذي سخر من المرابطين وحلفائهم الأندلسيين بشكل روتيني وصوّرهم بشكل هزلي، مما يحيل في رأيه على نوع من المعارضة المناهضة للبربر القائمة على أساس عرقي. فضلا عن بعض أشكال المعارضات الأخرى التي تحدت المرابطين وارتبط معظمها بالتصوف، مثل تلك التي تزعمها كل من ابن برجان وابن قسي وابن العارف، واستدعي بعضهم إلى مراكش.

يشدد الباحث في هذا الفصل أيضا على أن حركة الموحدين لم تكن مجرد معارضة سياسية فقط، بل استمرار لعملية بناء الدولة التي بدأها المرابطون، وموجة ثانية في تطوير واسع النطاق لمؤسسات الدولة ومساحتها وتطورها الحضري. لقد بنى الموحدون ذلك على الأسس التي وضعها المرابطون، واتبعوا استراتيجيات مماثلة للشرعية مع إدخال اختلافات وأفكار جديدة في المجالات التي أظهرت فيها دولة المرابطين نقاط ضعف هيكلية. ولأن الموحدين ظهروا كتحد للمرابطين، فقد كان جوهر الحركتين وطبيعتهما مختلفان تماما. لذلك نرى كيف أن دعاية الموحدين وكتاباتهم التاريخية تركت صورة مشوهة بشكل كبير عن المرابطين وايديولوجيتهم وممارساتهم. لذلك غالبا ما عبرت تلك الكتابات عن موقف الموحدين أكثر مما عبرت عن ممارسات المرابطين ومعتقداتهم.

يربط كوميز نهاية الدولة المرابطية أيضا بمتغيرات الصراع مع المسيحيين إلى جانب تراجع الجيش المرابطي. إذ يشير إلى أن الحدود الإسلامية المسيحية زمن المرابطين كانت معقدة، ويقر في المقابل أن الايديولوجية الصليبية كانت حاضرة لكنها لم تكن السمة المميزة للصراعات والحملات الاعتيادية. لكن نقطة التحول المهمة التي أثرت على النصف الثاني من حكم علي بن يوسف تمثلت في تمكن المسيحيين من إعادة تنظيم تحالفاتهم، وبالتالي تزايد الضغط من الشمال الذي أسفر عن سقوط سرقسطة سنة 511 هـ/ 1118م، وقبلها مدينة طليطلة. لقد أثر سقوط المدينتين على ديناميات الحدود بشكل كبير من خلال توفير تجمعات سكانية ثرية مع أراض زراعية استفادت منهما قشتالة وأراغون وزادت من حجمهما وثرواتهما.

أشار كوميز أيضا إلى تراجع الجيش المرابطي نتيجة الفراغ في القيادة دون وجود البديل المناسب، فتمت الاستعانة بقوات من المرتزقة، مما استلزم فرض ضرائب جديدة قوضت شرعية المرابطين. كما استنتج أن عجزهم عن تجديد قواتهم على جميع المستويات قد تفاقم بسبب الحصار التدريجي الذي فرضته حركة الموحدين على دولة المرابطين بين مدنها الرئيسية وموطنها الصحراوي في الجنوب. مما عجل بالانهيار الوشيك، وعجل بسيطرة عبد المومن على مراكش، فشرع الموحدون في تصحيح اتجاه القبلة بالمساجد وهدم الكثير منها، كما تم محو العديد من رموز الدولة السابقة مثل تغطية زخارف القباب بالجص ومحو الكثير من تاريخ المرابطين إرثهم المادي.

ومن القضايا المهمة التي أجاد الباحث مناقشتها وإعادة تركيبها في الفصل السادس الإرث الذي خلفه المرابطون. فبالرغم من تمكن الحركة الموحدية من دولة المرابطين، يؤكد كوميز أن العديد من الابتكارات التي ظهرت في ظل حكم المرابطين ستبقى راسخة على المدى الطويل، فقد ظل الولاء للمؤسسات التي رعتها وحتى السلالة نفسها على الرغم من انهيارها راسخا، واستمر في بعض الأماكن حتى أواخر العصر الموحدي. وستستمر البصمة المؤسسية والثقافية للمرابطين لفترة أطول مما يوفر الأساس للعديد من التقاليد الفكرية والدينية والثقافية المميزة للمغرب. ويتوقف في هذا الصدد مع قصة القاضي عياض وعلاقته بالمرابطين والمذهب المالكي، فالرجل الذي تدرج في المناصب حتى أصبح رئيس القضاة بسبتة ثم في غرناطة، قاوم بشراسة المد الموحدي إلى أن اضطر إلى الاستسلام، فتم اقتياد الثائر إلى مراكش، ثم تم نفيه إلى تادلة التي سيقضي فيها بقية أيامه. لكن إرث القاضي عياض سيبرز في إطار الصراع بين تيار الدولة المرابطي والتيارات البديلة. إذ وبالرغم من محاولة ابن تومرت انتزاع السلطة من الطبقة المالكية الفقهية إلا أن المذهب المالكي بتقاليده الاقليمية القوية المتشابكة على مستويات محلية لن يمحى بسهولة. فبعد جهود الإصلاح وإعادة الصياغة الموحدية بدأت تضعف الدولة وأعيد تبني المذهب المالكي، وهذا هو في الواقع أحد أهم ما خلفه القاضي عياض والدولة المرابطية. وللتدليل على استمرار الولاء للسلالة المرابطية بعد سقوط العاصمة يسوق كوميز مثالا آخرَ، يتعلق الأمر بعشيرة بني غانية والشراسة التي أبانت عنها في مقاومة الموحدين انطلاقا من ميوركة، فقد كان عمر هذه العشيرة أطول من عمر الدولة المرابطية.

خلاصة القول، إن أطروحة كتاب كوميز ركزت على رصد تفاعل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والدينية للمرحلة المرابطية وإسهامها في صناعة ذلك التحول اللافت للنظر في الغرب الإسلامي، التحول الذي قاده المرابطون، ونقلوا به المنطقة من مشهد التشتت والصراع القبلي والصراع المذهبي إلى مشهد الوحدة والمركزة في الغرب الإسلامي في إطار دولة شاسعة بهياكل متعددة وبشخصية مستقلة عن المشرق وهوية دينية واضحة.

تكمن إضافة كوميز في الواقع في تمكنه من إعادة النظر في الصورة النمطية التي سارت الدراسات الغربية الكلاسيكية على تدويرها، ومن ثم إعادة الاعتبار للدولة المرابطية في منظومة الدراسات الغربية. لقد أنصف الباحث التاريخ المرابطي في كثير من الجوانب، لا سيما من خلال توجيه بوصلة الاهتمام إليها كقوة إقليمية وفاعلا مؤثرا في الدين والسياسية والثقافة في غرب المتوسط وقتئذ. الأكثر من ذلك أنه اعتبرها مرجعية محورية في تشكيل ومأسسة الدولة المحلية بهياكلها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على نطاق جديد في المغرب الأقصى. وسيتعين على الأجيال اللاحقة التعامل معها سواء بالبناء عليها استيعابها أو إعادة صياغتها. يؤكد كتاب كوميز في المقابل أن ما حصل من تحول، في نظره، لم يكن لتحققه أي إرادة سياسية لولا اجتماع عدة عوامل وقوى، فقيادة المرابطين رغم أنها العامل الأهم في إحداث التحولات المختلفة، إلا أنها لم تكن سوى أبرز العناصر الفاعلة.

 

——————————— 

الهوامش:

[1]- ينظر على سبيل المثال

Bennison, Amira, K. The Almoravid and Almohad Empires, Edinburgh, Edinburgh University Press, 2016;  Ronald A. Messier, The Almoravids and the Meanings of Jihad, Santa Barbara, Praeger, 2010.

[2]–  Camilo Gómez-Rivas, Law and the Islamization of Morocco under the Almoravids: The Fatwās of Ibn Rushd al-Jadd to the Far Maghrib, Leiden, Brill, 2014.

[3] – ينظر في هذا الصدد على سبيل المثال في دراسات وأبحاث كل من إبراهيم القادري بوتشيش، عز الدين جسوس، محمد البركة، عمر بنحمادي.

[4] – عز الدين جسوس، “الغرب الإسلامي بين البحث التاريخي العربي والغربي”، في: مجموعة مؤلفين، التأريخ العربي وتاريخ العرب كيف كتب وكيف يكتب؟ الإجابات الممكنة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ط. 1، 2017، ص 678-679.

5- Ferhat Halima, Sabta des origines au XIVème siècle, Rabat, Ministère des Affaires Culturelles, 1993; El Hour Rachid, La Administración Judicial Almorávide en al-Andalus: Élites, negociaciones y enfrentamientos, Vaajakoski, Academia Scientarum Fennica, 2006.

- المحجوب قدار

كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس بالرباط

شاهد أيضاً

الرواية المغربية وأفق الكتابة التأويلية

  جمال بندحمان، محنة ابن اللسان، افريقيا الشرق، 2024. مدخل منهجي:            تمكَّنت الرواية المغربية …

تعليق واحد

  1. اكثر من رائع مزيدا من التألق والازدهار في سبيل العلم والثقافة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.