سعيد الفلاق، تخييل الأندلس: سرد التاريخ بين الواقع والإيديولوجيا في الرواية العربية والإسبانية، منشورات ضفاف ببيروت، ودار الأمان بالرباط، والاختلاف بالجزائر، ودار سامح بالسويد.2025.
مقدمة:
لعل المتتبع لحقل التخييل التاريخي يلاحظ وفرة الكتب والمؤلفات والنصوص الروائية التي اتخذت من الأندلس موضوعا لها وسعت إلى استعادة تاريخها تخييليا، كما يلاحظ فراغا كبيرا في مواكبتها نقديا خصوصا على مستوى الدراسات النقدية التي تعنى بالموازنة بين الأعمال العربية فيما بينها وبمقارنتها مع النصوص الغربية، وتحديدا بمقارنة حضور الأندلس في نماذج من النصوص العربية والإسبانية، إذ تهتم مختلف الكتب النقدية بدراسة روايات الأندلس بشكل منفرد باستثناء دراسة عربية وحيدة للدكتور مراد حسن عباس أستاذ الأدب والنقد المقارن بجامعة الإسكندرية تحت عنوان “الأندلس في الرواية العربية والإسبانية ” ودراسة غربية من الدراسات المهمة بعنوان “الحياة الأخرى للأندلس: أيبيريا الإسلامية في السرود العربية والإسبانية المعاصرة” لكريستينا سيفانتوس. ترسم هذه الدراسة صورة واضحة لتمثيلات الأندلس في نماذج من النصوص العربية والإسبانية حول قضايا الثقافة والذاكرة والهوية والتسامح والهجرة وغير ذلك.
في هذا السياق سعى الناقد المغربي سعيد الفلاق إلى الإسهام في إعادة قراءة المنجز السردي حول الأندلس بأسئلة متجددة من خلال كتابه “تخييل الأندلس: سرد التاريخ بين الواقع والإيديولوجيا في الرواية العربية والإسبانية” الصادر عن منشورات ضفاف ببيروت، ودار الأمان بالرباط، والاختلاف بالجزائر، ودار سامح بالسويد.2025.
يندرج هذا الكتاب ضمن ما يمكن تسميته “نقد رواية الأندلس”، ويهدف الناقد من
خلاله إلى تقديم دراسة معمقة لتمثيلات تاريخ الأندلس الممتد لأكثر من ثمانية قرون في نماذج روائية عربية وإسبانية (ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور والبيت الأندلسي لواسيني الأعرج، والمخطوط القرمزي لأنطونيو غالا، وقبر المنفي لخوزيه ثونيغا)، محاولا الإجابة عن مجموعة من الأسئلة وتوضيح بعض التداخلات التي يطرحها هذا الموضوع لا سيما فيما يتعلق بالمحاور الأساسية للكتاب المتمثلة في العلاقة بين التخييل والتاريخ، والأندلس كفضاء للسرد، وسرد التاريخ بين الواقع والإيديولوجيا والتناص التاريخي بين الماضي والحاضر. وذلك بالاستناد إلى مقاربة ثقافية تستمد مفاهيمها الأساس من فكر ما بعد البنيوية الذي شهد بروز تيارات كثيرة تتجاوز بنيات النص ودلالاته المحايثة إلى مساءلة أنساق الخطابات، والكشف عن تحيزاتها الثقافية والإيديولوجية، والبحث عن دور السرد في تشكيل هوية الأمم والمجتمعات.
- الأندلس في المخيالين العربي والإسباني
احتل البحث في تاريخ الأندلس مكانة هامة لدى الكتاب والباحثين والروائيين بالعالم أجمع، لعل هذا راجع إلى ما تمثله الأندلس في الوجدان الإنساني، خاصة بالنسبة للعرب والإسبان حيث لا يقتصر تخييل الأندلس على استعادة الماضي التاريخي فحسب، بل يتجاوزه إلى بناء صورة مثالية ورمز ثقافي متعدد الأبعاد في المخيالين العربي والإسباني، مع تباينات واضحة في الرؤى والأهداف.
فقد اعتبرت الأندلس في المخيال العربي، رمزا مزدوجا للفتوحات المشرقة والنكبة المؤلمة حيث استحضرت في الروايات المدروسة، من جهة كحقبة ذهبية حضاريا وفكريا وعمرانيا؛ وكانت بمثابة نموذج حضاري متكامل يجسد الازدهار العلمي والفني والتعايش السلمي بين الأديان، مما شكل مصدر إشعاع ثقافي يستقطب العلماء والمفكرين، وينتج المعرفة بمختلف تشعباتها. واعتبرت من جهة أخرى مثالا للتراجع والانهيار والسقوط وما أعقب ذلك من تداعيات وأوضاع.
في المقابل، مثلت الأندلس في المخيال الإسباني واقعا ثقافيا وتاريخيا معقدا يجمع بين الانبهار بالعبقرية والإرث الحضاري الغني وبين الشعور بالخطر المرتبط بالامتداد الإفريقي والإسلامي والمجد الضائع الذي يعد جزءا لا يتجزأ من الهوية الإسبانية. ويلاحظ الفلاق أن ذلك راجع إلى كون اهتمام العرب انصب أساسا على المرحلة التي صاحبت قيام الدولة الإسلامية بالأندلس خلال العصر الأموي، مرورا بمختلف المراحل والأحداث السياسية الكثيرة، وصولا إلى سقوط غرناطة آخر قلاع المسلمين، في مقابل ذلك اهتم الأوربيون، والإسبان تحديدا، بالفترة التي تلت سقوط إمارة المسلمين بالأندلس، حيث تناولوا تاريخ الموريسكيين ومحاولة تدجينهم ثم طردهم بشكل نهائي. هذا التباين يعكس هوية ثقافية تجمع بين الشعور بالاعتزاز بالإرث الحضاري العظيم الذي تركه المسلمون إلى جانب الشعور بالأسف والحسرة على ضياعه ومحاولة استيعاب دروس الانهيار المأساوي ومعرفة أسبابه وأسسه. وهو ما يظهر بوضوح في هذه الروايات التي تناولت تاريخ الأندلس كمادة خصبة ضمن ما صار يسمى بالتخييل التاريخي الذي يعرفه الفلاق في كتابه ” التخييل التاريخي في الرواية العربية المعاصرة، تفكيك النسق وتمثل الأسئلة المضمرة” بأنه تفاعل السرد مع الأحداث التاريخية من خلال حبكة معينة تمثل حقبة أو شخصية أو حدثا مكرسا كان أو هامشيا، عبر إيجاد تقاطعات مباشرة أو غير مباشرة مع الواقع المعيش. هكذا ينظر الروائي إلى الكتابة السردية بعين التخييل من جهة، وعين التاريخ من جهة ثانية، لصنع حبكة تختفي فيها الحدود، أو تكاد، بين التخييلي والمرجعي”
2.التباسات تخييل الأندلس بالتاريخ
يركز الفلاق على الكيفية التي يوظف بها الروائيون التاريخ ويحولونه إلى مادة تخييلية، حيث يعتمد تخييل الأندلس بشكل كبير على جنس الرواية التاريخية التي تجمع بين المرجعية التاريخية والحبكة التخييلية لإعادة بناء الماضي، ليس كما كان، بل كما يراد له أن يفهم في محاولة منهم لبناء الهوية وإعادة تأليف التاريخ وتخييله مدخلين شخصيات وأحداثا متخيلة على خلفية تاريخية موثقة. هذه العملية ليست تزييفا بل هي محاولة لإثراء الذاكرة بأبعاد جديدة تخدم أسئلة الحاضر حول الهوية والانتماء. في هذا السياق أورد الفلاق آراء مجموعة من الباحثين الغربيين حول خطاب التخييل، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر جيرار جنيت الذي يرى أن “خطاب التخييل هو في الواقع خليط متجانس بشكل أقل أو أكثر مع عناصر غير متجانسة تقترض الجزء الأكبر من الواقع، أي أن التخييل بنية كلية تتكون من أجزاء يتداخل في تكوينها الواقعي والخيالي (ص.32) في حين ينبه هايدن وايت إلى أن ” الحدود متحركة بين الطرفين، بحيث يتسرب التخييل إلى التاريخ مثلما يتسرب التاريخ إلى التخييل، فليس هناك طريقة صارمة ودقيقة للفصل بينهما”(ص.34 ) ويؤكد بول ريكور على الصلات الوثيقة بين المرجعي والتخييلي إذ إن “للسرد التاريخي نزعة لإضفاء شيء من الخيالية وتبنيها، تماما بقدر ما في السرد الأدبي من ادعاء بالتاريخية.” (ص.36 ) ويرى إدوارد سعيد أن الرواية انفتحت على التاريخ بطريقة لا سابق لها بهدف فضح ممارسات القوى الكبرى وخلق رؤى مختلفة للماضي.
بهذا يخلص الفلاق إلى أن الانفتاح على التاريخ أضحى مكونا أساسيا يشكل هوية الرواية العربية الجديدة التي عملت على استيعابه دون أن تنطلق من المرجعية ذاتها التي يعتمدها.
واستنادا إلى المنجز السردي للروائية المصرية رضوى عاشور، التي تعد من بين الأصوات النسائية البارزة في الساحة الروائية والنقدية العربية، يشير سعيد الفلاق إلى أنها بدأت في كتابة التاريخ سرديا منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي، وكانت واعية بأن الرواية هي الجنس الأدبي الأكثر اشتباكا بالتاريخ، بحيث يقدر على اختراق خطابات لا حصر لها، وتمثيل التاريخ وتقديمه في قالب محبوك يتجاوز تأثيره ودقة وصفه ما قد يقدمه المؤرخ نفسه، إذ سعت عاشور إلى “قلب الهامش إلى متن ودفع المتن المتسلط إلى الزاوية، وحاولت استنفاذ حكاية بشر لم يلتفت لهم التاريخ العربي والكتابة الأدبية” (ص107) فأعادت كتابة تاريخ الأندلس استنادا إلى أصوات ساكنيه دون إقصاء أحد..هي روائية الأصوات المتعددة التي ترغب في تحرير حناجر المقموعين من الصمت الذي دام قرونا، عبر إعادة الكلام إلى ألسنتهم. وهنا قد نتساءل مع الباحث عن إعادة سرد التاريخ من منظور نسائي وهل يمكن أن يكون التخييل التاريخي استراتيجية لبناء هوية أنثوية تتفاعل مع التاريخ والواقع وتقترح رؤية أنثوية للعالم؟ وهو ما قد ينم عن تنامي وعي المرأة العربية، وانخراطها في مسيرة التاريخ المعاصر.
أما بالنسبة للمنجز السردي للكاتب الجزائري واسني الأعرج فيرى الفلاق أنه يميل في روايته “البيت الأندلسي” وروايتي “كتاب الأمير” و”مي” إلى تأليف التاريخ وتخييله، وإعادة كتابته من جديد، إذ لم يتعامل معه على أساس أنه حقائق ثابتة وجاهزة، ولم ينقله بشكل حرفي بل ظل في رواياته يحاور قديمه وحديثه ويربط الحاضر بالماضي عبر إعادة إحياء التراث الموريسكي بشقيه العمراني والطبيعي، الأمر الذي يحمل دلالات ثقافية وحضارية تأتي بمثابة شهادة حية على العمارة والتاريخ الموريسكي الأصيل.
ويشير الفلاق إلى أن رواية “المخطوط القرمزي” تعيد تخييل السيرة الذاتية لأبي عبد الله الصغير اعتمادا على تقنية المخطوط، فيتحول النص بهذه الطريقة من الرواية إلى السيرة الذاتية، أي من كتابة التاريخ إلى المذكرات أواليوميات، فيسعى هذا النص إلى تكريس صدقية النص وحقيقته، وإزالة المسافات بين زمن القصة وزمن الكتابة. وهنا يتطابق ما قدمه غالا مع تعريف فيليب لوجون، بحيث يعقد في المدخل ميثاقا شبيها بما يعقده المؤرخ أو المحقق مع قارئه بأن النص عبارة عن شهادة خالصة بلسان صاحبها. غير أنه ينبغي الحذر من هذا الادعاء لأن اللغة لا يمكنها أن تنسخ الواقع، علاوة على أن الذاكرة مهما اتسمت بالقوة تفشل في الحفاظ على الذكريات والأحداث كما حدثت أول مرة، دون إغفال ما يصيبها من النسيان.
أما في رواية “قبر المنفي” فيرى الفلاق أن الروائي ينتقل باستمرار في شكل دائري من التاريخ إلى الواقع، ومن الواقع إلى التاريخ، ولكن الرواية لا تنتمي إلى حقل الرواية التاريخية الكلاسيكية، لأن التاريخ لا يشكل فيها كلا، بقدر ما تتضمن تناوبا بين الحكي التاريخي والحكي المرتبط بالحاضر. أي تصادي مرايا الحكي.
يبرز الفلاق أن كلا من أنطونيوغالا وثونيغا يعتمدان على الميتاتخييل، حيث يستثمر الأول ما تقدمه تقنية المخطوط، في حين يوظف الثاني تقنية وهم الرؤية. وتسمح هاتان التقنيتان للكاتبين باتخاذ خلفية تمكن من إعطاء السارد حرية الانتقال من زمن الحاضر إلى الماضي أو العكس. بهذا الشكل يخترق التاريخ والتخييل الروايتين إذ تؤسس كل واحدة بناءها المرجعي باستحضار سياق تاريخي يستمد عناصره وما يتعلق بها من أحداث من المدونة التاريخية، ثم يأتي التخييل ليدفع بالحبكة إلى أبعد حد، عبر الوصف والسرد، وخلق شخصيات أخرى تخييلية.
هكذا قد تستطيع الرواية إعادة تحيين التاريخ وتوجيهه نحو آفاق مبتكرة تخدم التاريخ والمعرفة الإنسانية عموما؛ ذلك أنها ليست مجرد عمل تخييلي وحسب، بل تقدم معرفة عن التاريخ والواقع والعالم.
- تسريد التاريخ بين الواقع والإيديولوجيا في الروايات المدروسة
حاول الفلاق من خلال دراسته رصد الكيفية التي تم بها تخييل وتصوير الحقبة التاريخية للأندلس في الروايات العربية والإسبانية محاولا “إبراز خلفيات كل طرف على حدة، من خلال عقد مقارنة بين روايتين عربيتين هما رواية “ثلاثية غرناطة” لرضوى عاشور ورواية “البيت الأندلسي” لواسيني لعرج، وروايتين إسبانيتين هما رواية “المخطوط القرمزي” لأنطونيو غالا ورواية “قبر المنفي” لخوزيه ثونيغا. وذلك لتوضيح الفرق في التعاطي مع تاريخ الأندلس بين الروائيين العرب والإسبان، وتحديدا التعاطي مع تاريخ تراجع وانهيار وسقوط الأندلس بعدما كانت قوة حضارية وفكرية وعمرانية تستقطب العلماء والمفكرين وتنتج المعرفة بمختلف فروعها. فتحولت إلى حلبة للصراع حول السلطة بين العائلات والملوك والأمراء الذين تعاقبوا على حكم شؤون الأندلس تباعا. ويرى الفلاق أن روايتي “ثلاثية غرناطة” و”البيت الأندلسي” اهتمتا بتمثيل المأساة الموريسكية منذ سقوط غرناطة إلى غاية الطرد الأكبر، وما صاحب ذلك من مراسيم وقوانين هدفت إلى تذويب الهوية والحضارة الإسلامية وتحويل الشعب الأندلسي إلى مسيحيين جدد، عن طريق فضح جرائم محاكم التفتيش، والإسهام بطريقة فعالة في أرشيف الإنسانية الذي يؤرخ بشتى الطرق والوسائل للمأساة الموريسكية بعذاباتها ومخاوفها وأسئلتها ومساراتها وذلك من خلال دمج عناصر متخيلة بأخرى تاريخية، أو إدراج حدث تاريخي في نسيج متخيل، أو التقاط معلومات وردت في دراسة تاريخية لتتحول إلى مشهد مفصل. أي أن الروايتين ترتكزان على مرجعية تاريخية ومرجعية تخييلية، ويصدق عليهما تعريف الناقد المغربي سعيد يقطين للرواية التاريخية باعتبارها ” عملا سرديا يرمي إلى إعادة بناء حقبة من الماضي بطريقة تخييلية حيث تتداخل شخصيات تاريخية مع شخصيات متخيلة”، وبذلك فإن الرواية التاريخية، وبغض النظر عن أغراضها وتلويناتها تشترط في الآن ذاته معرفة تاريخية عميقة وحسا تخييليا أصيلا. هكذا فإن التخييل في الروايتين متجذر في الحنين إلى المجد الغابر وقد يستخدم كمرآة نقدية للواقع العربي الراهن المطبوع بالانكسار والتشرذم.
بالإضافة إلى ذلك، يوضح الفلاق أن رواية “المخطوط القرمزي” تقدم يوميات أبي عبد الله الصغير، أخر ملوك غرناطة، باعتباره شخصا غير مؤهل للحكم، ليس لعدم تلقيه التكوين الجيد والكافي، بل بسبب تركيبته النفسية والشخصية الرافضة للحكم، وإحساسه الدائم بالنقص والضعف، وتحقيره لنفسه إلى جانب كرهه لأمه المتسلطة، وهنا يظهر ميول أنطونيو غالا إلى احتقار الشخصية العربية، ثم تمريره الكثير من المعطيات والمعلومات الغرض منها تقويض الوجود العربي/ الأمازيغي برمته في الأندلس وإنكار وجود شخصيات مثل طارق بن زياد وموسى بن نصير وعبد الرحمن الداخل، وحتى إن اعترف ببعضها فإنه يرجع أصولها إلى أقوام أخرى، ذاهبا إلى أنها مجرد اختراع عربي لإضفاء الشرعية على انتصارات وهمية. ثم إن غالا نسب المعمار العربي الإسلامي في الأندلس إلى التراث البيزنطي والفارسي مما يوضح أنه كان متحاملا على كل ما هو عربي، مقابل الإعلاء من الهوية الإسبانية المنغلقة التي لا تؤمن بآثار الأمم الأخرى، استنادا إلى تعصب إيديولوجي يقدم سرديات لا تعدو أن تكون استنتاجات خاطئة ومتسرعة، بل ومضللة، فضلا عن أن الحجج المقدمة مليئة بالتناقضات الداخلية. هكذا يبين الفلاق أن غالا يحاول إنشاء ذاكرة تاريخية سردية ضيقة تتماشى مع الإيديولوجية القومية الإسبانية في شقها المتعصب الساعي إلى تأسيس ذاكرة جمعية قوامها الإقصاء والتملك والتلاعب بالتاريخ. ويؤكد انتماءه إلى أغلب الكتاب الإسبان الذين يتحيزون في كتاباتهم إلى الحس والهوية الوطنية ولا يعترفون بأحقية وجود المسلمين بشبه الجزيرة الإيبيرية باعتبارهم أن الأندلس مجال تاريخي وحضاري إسباني حصري لا امتداد عربيا له. فيكرسون خطاب القومية الضيق، لأجل إنتاج سرديات كبرى تدعم القوي وتحميه، وتضفي الشرعية عليه. وهذا يمكن أن يكون تلاعبا بالتاريخ سرديا مثلما يحدث التلاعب به تاريخيا. مما يستوجب تشكيل تاريخ مواز أو متخيل مواز لإضاءة الفترات الحرجة من التاريخ الأندلسي، وتضميد الجراح الرمزية والجسدية، ومعاودة النظر في الأساليب التطويعية (تطويع الذاكرة وأدلجتها) التي بقدر ما تكرس هيمنة الغرب، وتابعية المسلمين، تديم كراهية الإنسان المسلم، وتروم طمس ذاكرته، واستئصال هويته.
وهنا يمكن أن نستنتج أن غالا وأمثاله يفتتون الحقائق التاريخية، حقيقة تلو أخرى، يطوعون الذاكرة، ويسقطون فيما يسميه عبد الله العروي “بالتخيلات المفرطة” التي لا تصمد أمام النقد والتمحيص.
أما فيما يتعلق برواية «قبر المنفي” فيرى سعيد الفلاق أنها تفرغ ثورة البشرات من جوهرها المتمثل في الدفاع عن حرية التدين لدى المورسكيين، وما صاحب ذلك من حفاظ على اللغة والعادات والتقاليد وفقا لمعاهدة التسليم التي وقعها أبو عبد الله الصغير مع الملك فرناندو والتي جاءت ردا على القوانين المتتالية التي هدفت إلى تنصير أهل الأندلس والقضاء على هويتهم ولغتهم ودينهم. حيث إن استعادة التاريخ في قبر المنفي ظلت، استنادا إلى تمثلات الكاتب المسبقة، مرتبطة بإعادة قراءة الماضي وفق رؤية إسبانية لا تنظر إلى الموريسكيين إلا باعتبارهم متمردين وقتلة ومجرمين، بناء على توجيهات المؤرخين الإسبان المباشرة أو الضمنية. لهذا ينبغي على الباحث في هذا الموضوع العودة باستمرار إلى النصوص التاريخية ومقارنتها مع مصادر مختلفة قبل استثمارها في العمل التخييلي.
وما أثار انتباه الفلاق أيضا هو اتهام ثونيغا المورسكيين بالقضاء على التعايش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، ونعت تصرفاتهم بالهمجية إذ أحرقوا الكنائس وقتلوا المقيمين في مناطقهم بغض النظر عن جنسهم أو أعمارهم أو الحالة التي كانوا عليها، لذلك فهو يحملهم مسؤولية التعذيب الذي تعرضوا له، ما يسهم في تبريره لممارسات محاكم التفتيش والجنود المسيحيين الإسبان، باستخدام خلفية دينية تقر بأن المورسكيين يستحقون ما حصل لهم، وأنه لا يمكنهم لعب دور الضحية، والجماعة المضطهدة.
ولئن كان هذا الاتجاه الذي يتبناه غالا وثونيغا يمثل رؤية متعصبة للتاريخ، وإن بنسب متفاوتة، حسب الفلاق، فإن اتجاهات أخرى تقف على النقيض، ويدعو أصحابها إلى فهم التاريخ بشكل منصف. أبرزهم خوان غويتيصولو الذي تسعى رواياته إلى فهم أعمق للعلاقات التاريخية وتدعو إلى تجاوز العداء من خلال الاعتراف بالظلم الذي تعرض له الموريسكيون من طرف المسيحيين، وبجرائم العنف والإبادة الجماعية، والتهجير القسري ومحاولة اقتلاع نبتة الأندلسيين الضارة بأي ثمن كان.
- خلاصات ونتائج الفلاق.
بعد تحليل كل رواية على حدة وتوضيح تضافر الذاكرة المتنوعة والتخييلات، الاسترجاعية والإبداعية، على بناء الصور والنصوص وتنسيقهما لتتجسد روايات الأندلس ممتعة جماليا وغنية معرفيا وعميقة إنسانيا ومفتتة للواقع تحليليا، يقدم سعيد الفلاق مجموعة من الخلاصات والنتائج بناء على التحليل المقارن لسرديات الأندلس. هذا التحليل يظهر اختلافا جوهريا بين المخيالين العربي والإسباني مدفوعا بخلفيات إيديولوجية وتاريخية متباينة، حيث تركز السردية العربية على المأساة وفضح القمع والتهجير بعد سقوط غرناطة من أجل استرجاع المجد المفقود وتأكيد الهوية، في حين تميل السردية الإسبانية إلى الانحياز والتعصب في بعض الأحيان أو إعادة اكتشاف التراث الإسلامي كتراث مشترك وذلك للاحتفاء باسترجاع الأندلس وإعادة تأكيد الهوية الوطنية المسيحية. ما يدل على أن التمثيل السردي يعبر عن اختلاف في وجهات النظر تجاه التاريخ الموريسكي بين تمثيل ينظر من زاوية المنتصر، وتمثيل يرد كتابة من زاوية المنهزم. هذا التباين يضع تخييل الأندلس في منطقة صراع سرديات حول ملكية التاريخ والذاكرة، وهو ما قد يدفع الباحثين إلى دراسة كيفية استخدام التاريخ الملتبس كمادة خام للبناء الأدبي والإيديولوجي. على هذا الأساس يشير الفلاق إلى أن التاريخ يحضر بنسب متفاوتة في الأعمال المدروسة حيث يتجاوز التخييل التاريخ في “ثلاثية غرناطة“، على عكس رواية “المخطوط القرمزي” التي يطغى فيها التاريخ على التخييل، في حين يتوازى التخييل بالتاريخ في خطين متقابلين دون أن يسبق أحدهما الآخر في روايتي “البيت الأندلسي” و”قبر المنفي”.
من هنا يمكن أن نتساءل عن حدود العلاقة بين التخييل والتاريخ وإمكانية ضبطها إذا لم نعد إلى المصنفات التاريخية باختلاف أنواعها وتوجهاتها بغية إعادة كتابتها باستحضار الفعالية التخييلية لملء البياضات، والرد كتابة على السرود التي تمثل خطاب السلطة، والنزعة الأحادية المتصلبة التي تنظر إلى الماضي من ناحية إيديولوجية تخدم مصالح ضيقة فقط. ذلك لأن الرواية لوحدها لا تملأ بياضات التاريخ، بل تساهم فقط في ذلك على أساس أن الحرية التي يتمتع بها الروائي تبقى محصورة في حدود الإنتاج الأدبي، وأن ما يستفيد منه المؤرخ كروائي هو انفتاح تفكيره وجرأته على طرح أسئلة جديدة حول أدوار الفاعلين التاريخيين في مسار المجتمعات.
بالإضافة إلى ذلك، انتبه الفلاق إلى بنيات النصوص وأنساقها الداخلية. فلاحظ تداخل الروايات الأربع على مستوى البناء، عموما، باعتماد تقنيتي المخطوط ووهم الرؤية، والتشابه في توظيف السارد والزمن والفضاء، وأيضا انفتاح الروايات على مختلف الخطابات خاصة الخطاب الشعري الذي حضر بقوة، نظرا لأنه يمثل جزءا مهما من الهوية الأندلسية العربية الممجدة للنظم الشعري.
وعلى سبيل الختم، يظل تخييل الأندلس عملية ثقافية مستمرة وليست مجرد استذكار للتاريخ، فالأندلس، بحد ذاتها، أصبحت نصا ثقافيا مفتوحا يستمد منه المبدعون في الشرق والغرب رموزا لإعادة قراءة الحاضر وبناء المستقبل. ويعد الاهتمام الأكاديمي المتزايد بهذا الموضوع اعترافا بالدور المحوري للأدب في تشكيل الوعي بالتراث وإشكالية الهوية في الثقافة المعاصرة، واعتباره مرآة للصراع بين الذاكرة والإيديولوجيا في السرود العربية والإسبانية، التي تحتاج إلى اهتمامات متتالية أملا في فهم الماضي أو تفكيكه وربطه بفهم ألغاز الحاضر في أبعادها الاجتماعية والفكرية والوجودية.
بهذا يسهم الفلاق في بلورة مشروع نقدي حضاري تاريخي محاولا سد النقص الحاصل في مواكبة نقد روايات الأندلس مستمدا مرجعيته من الإطار العام الذي ينظر إلى الخطاب باستحضار سياقاته التاريخية والاجتماعية والثقافية دون إلغاء بنية النص ونسقه الداخلي.
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه
شكرا جزيلا دكتورة مليكة على هذا المقال الرصين. مع التحية والتقدير