قراءة في رواية محمد حبيدة، عشت ثلاثمائة سنة، منشورات باب الحكمة، تطوان، الطبعة الأولى، 2024، 233 صفحة
عتبات ومداخل
“لا يحفل التاريخ عادة بالتحولات التي تطرأ على الأفراد، وعندما يقوم المؤرخ بإحصاء الضحايا أو يحاول تحليل أصول أو أسباب كبريات المآسي (المهازل)السياسية والإنسانية، فإنه لا يتوقف عند مصير هذا الشخص أو ذاك. تاركا هذه المهمة للروائي الذي يستطيع أن يستل من الكتلة السديمية بضعة وجوه. فيحملهم مسؤولية التعبير عن أقرانهم الذين لم يعد بإمكانهم الإدلاء بأية شهادة. يتعلق الأمر بوجوه تخييلية حقا. إلا أن هذه الوضعية لا تجعلها أقل واقعية ولا أدنى ضرورة من تلك التي طمسها التاريخ.”[1]، بهذه الكلمات افتتح الناقد الأدبي المغربي إبراهيم الخطيب مراجعته النقدية لرواية “أسابيع الحديقة” لخوان غويتيصولو تحت عنوان معبر “بؤس التاريخ وبهجة الرواية”.
وفي إطار هذا النقاش النظري المتجدد حول العلاقة بين التاريخ والراوية، أيضا، يندرج العمل الروائي الأصيل الذي أصدره المؤرخ محمد حبيدة مؤخرا بعنوان “عشت ثلاثمائة سنة”. نحاول من خلال هذه الورقة الإمساك بجوهر هذا العمل ونمهد لذلك بالعتبات التالية:
- العتبة الأولى.. السياق
يعتبر المؤرخ المغربي محمد حبيدة من أبرز وجوه البحث العلمي انخراطا في موجة التجديد المنهجي على مستوى البناء المعرفي والمنهجي لمواضيع التاريخ وقضاياه، ويرتبط ذلك باهتماماته العلمية المتنوعة والتي على رأسها نجد قضية المناهج والاستعانة بأبعاد منهجية من خارج حقل التاريخ، وكانت آخر إسهاماته النظرية في هذا الصدد كتابه الموسوم “المدارس التاريخية: برلين- السوربون- استراسبورغ: من المنهج إلى التناهج”، ثم محاضرة افتتاحية بعنوان معبر (فكرة التجديد في الكتابة التاريخية)، قدمها في إطار لقاء علمي/ ورشة تكوينية نظمها مجموعة من الباحثين في التاريخ تحت إشراف الأستاذ الطيب بياض أواخر دجنبر الماضي بمدينة شفشاون، تحت عنوان “من أجل معرفة تاريخية بنفس تجديدي”، ومن المسائل التي حظيت بالنصيب الأوفر من اهتمام محمد حبيدة في محاضرته المذكورة قضية علاقة التاريخ بالأدب وكتابة التاريخ بالأدب، إذ شدد على أن المعرفة التاريخية في نهاية المطاف معرفة أدبية من المفترض أن تحظى فيها قضية السرد بمكانة مركزية حتى يتجاوز المؤرخ المأزق المنهجي الذي وصفه المؤرخ الفرنسي ذي الأصل البولندي إيفان جابلونكه (Ivan Jablonka) بمأزق إنتاج اللانص، وهي رؤية سبق وأن اختارها محمد حبيدة كخاتمة لكتابه المذكور في مجال مناهج الكتابة التاريخية وفلسفة التاريخ[2].
يندرج العمل موضوع القراءة، إذن، ضمن هذا السياق النظري والمنهجي، إذ سلك المؤلف في عمله الروائي دربا جديدا من دروب البحث اعتمد فيه أسلوب الرواية كطريقة لكتابة التاريخ بالأدب، مستفيدا مما يتيحه السرد الأدبي من إمكانات هائلة سواء على مستوى التعبير والاستعارات أو على مستوى التحرر من إكراهات السند والضبط المفاهيمي مما يتيح إمكانات مهمة في اختراق نفسانيات وأحاسيس الإنسان وفهم تفاعلاته ومواقفه، أكثر مما تتيحه الأعمال الأكاديمية.
- العتبة الثانية.. العنوان
يطرح عنوان الرواية الكثير من الأسئلة على القارئ منذ الوهلة الأولى، فهل يتعلق الأمر بعمر افتراضي لمؤرخ يمارس صنعة الكتابة التاريخية فيحيل عدد السنون هنا على الفارق الزمني بين زمننا الحاضر وزمن ماضٍ، كإحالة مضمرة على مسألة التفاعل بين الماضي والحاضر والبنيات الممتدة في الزمن، والعمر الرمزي الذي يضاف إلى العمر الحقيقي لقارئ وكاتب التاريخ؟ أم يتعلق الأمر بعمر مفترض للشخصية الرئيسة في الرواية، شخصية شاهين، الذي يعبر بتمثلاته الأزمنة ويخترقها محاولا إيجاد أجوبة لتساؤلات نابعة من خلفيته الذهنية التي هو قادم منها، فيتفاعل مع قضايا مستجدة بعقلية عصره الغابر، ولكن بحس نقدي حاد يسهم في إضاءة تخوم كثيرة من ماضي المجتمع المغربي؟
العنوان إذن لا يتضمن معطى جاهزا بل فيه دعوة مستبطنة إلى التأمل والتساؤل، مما يحيلنا على مسألتين غاية في الأهمية لهما علاقة وطيدة بهذا العمل من جهة، وبأسلوب المؤلف في البحث والكتابة من جهة ثانية، هما قضية الاستشكال والبعد عن السرد التقليدي والجاف للأحداث، ومسألة التشويق والكتابة برؤية سردية تروم تحقيق المتعة والإفادة وإثارة الإحساس بالنشوة المعرفية لدى القارئ.
- العتبة الثالثة.. المضمون
تتألف رواية عشت ثلاثمائة سنة من عشرة فصول/ مشاهد يرويها شاهين الوراق صحبة مجموعة من الوجوه والشخصيات التخييلية التي تعبر بلسان شخوص من التاريخ في القرن الثامن عشر المغربي.
تحكي الرواية إذن، سيرة شاهين الوراق منذ استفاقته وصدمته الأولى ولقائه مع مستحدثات تقنية من قبيل السيارة وغيرها، كان مجرد التفكير في وجودها في زمنه، يعد مظهرا من مظاهر الجنون، وحياة اجتماعية بأسرة نووية صغيرة تحتل فيها المرأة مكانة مهمة وتحظى باحترام زوجها ودعمه ومساعدته، ويشكل هذا المشهد تلخيصا لقضية صدمة الحداثة كما أحدثتها الرجة الاستعمارية خلال القرن العشرين وأواخر القرن التاسع عشر، أطلق المؤلف بعد ذلك العنان لبطل روايته ليسرد فصولا من تاريخ المغرب إلى أن استقر به الأمر بمدينة مراكش وأنشأ بها مدرسة للوراقة يعلم فيها فتيان الأعيان فنون الخط ويحاول نقلهم من مرحلة الكتابة إلى مرحلة تجويد الكتابة، من نسخ التآليف الفقهية الاعتيادية إلى كتابة الدواوين الشعرية في زمن كان فيه تلقي الشعر وتذوقه وكتابته من قبيل المجون، مدرسة لم يكن إنشاؤها ليخلو من أهداف نبيلة تتجاوز مجرد تعليم الخط إلى تنوير الفكر، عبر محاربة الفكر الجامد والعقيم وعقلية النقل والحفظ وتبجيل تآليف الأقدمين والاقتصار على حفظ مختصراتها، والعمل على إحياء المنهج وإعادة الاعتبار للأدب والفلسفة والفكر النقدي.
يعد مشهد المدرسة (الفصل التاسع) تكثيفا لمجمل الأفكار والتصورات التي تشكلت منها الرواية، فمجرد تأمل هذا المشهد يجعل القارئ يمسك بخيوط الفكرة/ جوهر الرواية، فإذا كان الغرض الظاهر لمدرسة الوراقة هو الأخذ بأيدي اليافعين، ففي ذلك إحالة رمزية على البلاد التي يمثلون مستقبلها، والغاية هي العبور بها إلى بر حياة جديدة مبتكرة من سماتها سيادة العدل والعقل، بدل الظلم والقهر والنقل والتقليد، حياة يجري فيها تجاوز عقليات الآباء والأجداد ويتم فيها الانفتاح على الآخر وفهم كيف يعيش ويفكر ويواجه الحياة ويتصور الموت. ما يرنو إليه الوراق يتجاوز مدرسة الوراقة، ويروم تغيير ثوابت مجتمع استبد به النقل وتم فيه حجب العقل، مجتمع تكدست به الموروثات عبر الزمن الطويل إلى أن استحالت طبقات صخرية عصية على التعرية.
لم يتكلل سعي شاهين بالنجاح لأنه اصطدم بثورة عقليات المحافَظةِ والتقليد، التي أجهضت أحلامه وأنهت سيرته المفعمة بالسؤال والشك والنقد، بمصير بائس داخل مطمورة البديع، تلك المعلمة التي تحولت من قصر للملوك إلى مأوى للمساجين، في إحالة مضمرة على عقلية التخريب التي ميزت المخيال المغربي لمدة طويلة من تاريخه، وجعلت الرهان على التراكم التاريخي حلما بعيد المنال، إذ حكمت على تاريخ البلاد بالعودة المستمرة إلى نقطة الصفر. تفاعل شاهين بمرارة مع مصيره هذا عبر أسئلة عميقة تختصر واقعا تاريخيا موسوما بتجاوز الآخر للأنا: “ماذا لو كانت المدينة فاضلة.. مدينة العقل والحكمة.. مدينة التفاهم والتسامح؟!.. ماذا لو كان الجميع يحترم الجميع؟!.. ماذا لو كان الناس سواسية، ويقْبَلون بعضهم البعض على اختلافهم في العرق والعقيدة؟!.. ماذا لو كان الشريف والمشروف مجتمعين على مائدة واحدة.. ماذا لو كان الرجال هادئين، بلحى مهذبة وشوارب محفَّفة؟!.. ماذا لو كانت النساء باديات الوجه والأطراف.. ماذا لو كان شأنهن مرفوعا وكلامهن مسموعا؟!.. ماذا لو عمر الصبيان المدارس وتعلموا الرسم والموسيقى؟!..”(ص. 215)
يقودنا التأمل في المضمون وتتبع امتداداته إلى الانتباه لعنصرين شكلا أعمدة البناء الهندسي للنص قيد التحليل، عنصر مرتبط بالعدة المنهجية والسياج النظري، وعنصر متصل بالمحتوى والمتن المعرفي.
أولا:قضايا في البناء النظري والمنهجي
- مسألة السرد والحبكة الروائية
ما يميز الرواية موضوع التفاعل، أن المؤلف استعان فيها بتقنيات روائية أسعفته في إنتاج نص كثيف يجمع بين الفائدة المعرفية والإمتاع الأدبي، فقد لجأ مثلا إلى أسلوب الفلاش باك (Flashback)، حتى يمكن الراوي من تسليط الضوء على الكثير من القضايا التاريخية التي يضعها في قالب سردي أخَّاذ، ففي اللحظة التي يصطدم فيها الراوي مع مشهد يستفز فكره وأحاسيسه ويثير حاسته النقدية، يسهب في سرد طبقات من التاريخ في شكل مقارنات مباشرة أو غير مباشرة بين زمن الأنا وزمن الآخر، زمن الرتابة والجمود، وزمن ديناميكي متحرك ومتحرر من أثقال الماضي وعوائقه، ويترك أحيانا نتائج المقارنات مضمرة ومستبطنة ليستنتجها القارئ وفي أحيان أخرى يصرح بها بشكل مباشر، كما في هذا النص الذي جرى نحت أفكاره بعناية فائقة:
“لكن الفرق بين عمران العرب وعمران العجم صارخ. هنا غرق الناس في اجترار الأفكار القديمة واكتفوا بذكر الأمجاد، وهناك أخذ الناس بالأفكار الجديدة، ورعوا ابتكار الأحفاد. في بلاد الإفرنج نشأت طبقة البورجانزيس، أهل المدينة الأحرار الذين واجهوا الإقطاع والكنيسة، وفهموا الدنيا بالملاحظة والتجربة، فارتصت بنية كارتيزيوس وتفككت قبضة الإكليروس.” (ص ص. 95-96)
- أسئلة المؤرخ والبناء السردي
يحيلنا العنوان، أسئلة المؤرخ والبناء السردي، من ناحية أولى، على قضية نظرية ومنهجية غاية في الأهمية أصبحت تستأثر بحيز هام من النقاشات بين المؤرخين المجددين وهي مسألة علاقة التاريخ بالأدب، وهل يعد التاريخ علما أم أدبا؟ وهل يمكن أن يكتب التاريخ بالأدب؟ والعكس هل يمكن ابتكار أعمال أدبية إبداعية انطلاقا من خلفية تاريخية؟ لا يمكن طرح مثل هذه الأسئلة دون استعادة رؤية المؤرخ عبد الله العروي لهذا الأمر، إذ يقول في هذا الصدد:
“التاريخ فن قبل أن يكون علما، ورواية قبل أن يكون مقالة تحليلية. يظن أناس كثيرون، ومنهم مثقفون، أن التاريخ هو مجموع أحداث الماضي. هذا التعريف التقليدي واضح البطلان: لا يسرد التاريخ إلا ما تبقى من الماضي محفوظا في الذاكرة“[3]، فالتاريخ بالنسبة إليه إذن هو في أساسه استحضار، ورواية عن أحداث الماضي[4].
من هذا المنطلق استعان المؤلف بشخصية روائية خيالية عبر بها الأزمنة المختلفة ليؤرخ من خلال تفاعلاتها وإحساساتها للكثير من قضايا التاريخ الاجتماعي والذهني وتاريخ الآخر وقضايا التقليد والتحديث والحداثة وتاريخ التمثلات والمخيال الجماعي وتاريخ الطقوس والمعتقدات وغيرها.
هنالك إذن تكامل بين القدرات الأدبية وتحكم كبير في آليات البناء السردي من جهة ورصانة المعرفة التاريخية والقدرة على تركيبها بل وتأويلها من جهة ثانية، وفي هذا الصدد نلتقي في الكتاب، مع مشاهد تتكامل فيها قوة الوصف ومتعة السرد مع جزالة اللغة في نصوص تركيبية وتأويلية لطبقات مهمة من ماضي المغرب، وفي التالي مثال لنص يصف بدقة متناهية نظام السلطة بمغرب ما قبل الاستعمار:
“على جنبات الباحة، اصطف يسارا الوَزَعةُ، ويمينا الكَتَبةُ. أصحاب السيف وأصحاب القلم وجها لوجه. المخزن برمته تختزله هذه الباحة: السلطة والمعرفة..القوة والمعنى.. المادة والرمز لكن من له الكلمة الفيصل؟ السيف أم القلم؟ أكيد أنهما يتكاملان. شرعية القلم تغلف القرارات الصعبة. حصل هذا في مراجعة الجباية وتجنيد العبيد. لكن الكلمة الأخيرة للسيف. محطات الزمن المتعاقبة تثبت ذلك. أشهرها الخلاف بشأن قضية العبيد بين السلطان وابن حمدون. الحاكِمُ والعالِم. لكن “السيف أصدق إنباءً من الكتب”.. هكذا قال الشاعر في المشرق.. وهكذا يصح الأمر في المغرب..” (ص. 71)
كما يحيلنا وسم أسئلة المؤرخ، من ناحية ثانية، على مسألة أخرى تتعلق بخصوصية العمل الأدبي عندما يكون من إنتاج المؤرخ، وما يتيحه ذلك من حضور لمفاهيم خاصة تزيد العمل الأدبي عمقا وطرافة، عمق مستمد من حضور خاص للحدث والبيوغرافيا كمادة سردية خصبة، إلى جانب مسألة الاستشكال أو قلق الماضي وهواجس المستقبل وكيف يسهم ذلك في بناء مشاهد وصفية حبلى بالتحليل ومنفتحة على التأويل وشارحة للبنيات الممتدة في الزمن، ويزداد هذا الأسلوب طرافة كلما كان مخصبا بحس ورؤية أنثروبولوجية وقَّادة. والقصد من التأويل هنا، البحث عن المعنى و”الحقيقة النسبية”، معنى مدثر ومغلف بقوالب أدبية تضفي عليه رونقا خاصا وتضمن له وقعا أكثر تشويقا، ونعني بها قوالب اللغة والأسلوب والتقنيات السردية.
ثانيا: قضايا معرفية أو عندما يحضر التاريخ في ثنايا الأدب
- تاريخ اجتماعي، ذهنيات ومخيال
في ثنايا الأدب يحضر التاريخ الاجتماعي بقضاياه المتشعبة، مثل قضية المرأة ومسألة الذكورة والأنوثة والعلاقة بين الجنسين، قضايا يؤطرها مخيال اجتماعي يناسب عقليات ما قبل البنيات الحديثة، تبرز فيها الشعوذة والسحر بشكل كبير، ويصبح فيه هاجس المرأة كيف تواجه وتتخلص من عبء بطش يمارسه عليها بعلها في مجتمع يحكمه الرجال.
وفي ركابه أيضا يلتقي القارئ مع قضايا أخرى من قبيل؛ الخوف بمختلف أشكاله ومصادره، الخوف من الجديد، الخوف من قطع الأرزاق والأعناق، ودور كل ذلك في تفسير الكثير من نقاط الظل في تاريخ المغرب. إضافة إلى تاريخ الحياة اليومية، التغذية وأصناف الأطعمة وطقوسها وعلاقتها بالتراتب الاجتماعي. علاوة على السفر وطقوس التنقل ونظام القوافل ومحاور سيرها، وعلاقة ذلك بمسألة الأمن والسيبة، وطوبونيمية الأماكن والمواقع وذاكرتها، تنظيم المدن وفضاءاتها، ثنائيات الجبل والسهل/ الخصب والجذب. إلى جانب الحياة الاجتماعية للأسرى الأجانب بالمغرب ونظرتهم للمجتمع المغربي ونظرة هذا الأخير إليهم.
ومن قضايا التاريخ الاجتماعي التي تثيرها الرواية أيضا، مسألة الفكر الخرافي والموقف الذي عبر عنه الإنسان المغربي من مختلف الوقائع والأحداث؛ كالموقف من الوباء وثقافة المرض، والموقف من الموت وما يصاحب هذا الحدث من طقوس سواء على مستوى مرحلة الاحتضار وما قبل الموت أو مرحلة تحضير الميت لمثواه الأخير، فضلا عن موت الحاكم وما يثيره من فتنة سياسية بحكم ما يتركه من فراغ في ظل غياب آليات واضحة للتعاقب على الحكم، لكن أيضا ما يثيره ذلك من فتنة ذهنية سببها الغرق في الماورائيات والفكر الخرافي وربط رحيل الحاكم بأشراط الساعة ونهاية الكون.
تحضر كذلك وبقوة مسألة التبرك بالأولياء والتمسح بأعتابهم والإيمان بكراماتهم، ولاسيما من طرف النساء، كما نلتقي أيضا مع وصف لنظام الزاوية وعمرانها وفضاءاتها والحياة الاقتصادية والاجتماعية داخل أروقتها، فضلا عن مصادر تمويلها وأدوارها الاجتماعية والروحية، والتراتبيات الاجتماعية داخلها. تراتبيات تعكسها حتى أصناف الأطعمة والأشربة، ونظام إطعام الزوار وأهل الدار كل وفق حسبه ونسبه:
“بعد الصلاة، رتب خدام الزاوية الناس في جهات الصحن لتناول العشاء. وزعوهم إلى ثلاث فئات. فئة أولى قدَّموا لها خبزًا أبيضَ، ولحم غنم مطبوخا بالسمن ومصحوبا باللفت. وفئة ثانية أطعموها الثريد بالدجاج. وفئة ثالثة اجتمعت حول خبز الشعير والفاكهة، تينا وزيتونا. هكذا هي العادة في إطعام الزوار وأهل الدار. كل وفق حسبه ونسبه” (ص. 178)
مشهد التراتبية الهرمية هذه، كان من أكثر الممارسات التي استفزت ملكة الحس النقدي لدى بطل الرواية، وجعلته يدخل في حوار مع شيخ الزاوية، حوار خيم عليه التوتر وتحول إلى جدال بين عقليتين مختلفتين ونمطين متباينين من التفكير؛ عقلية منجذبة نحو التقليد والرتابة والجمود، تتبع المنقول ولا تفقه شيئا في المعقول، مقابل عقلية فاحصة لمظاهر الحياة اليومية بعين ناقدة مسترشدة بما شقه الآخر من مسارات حياة جديدة، ومنفتحة عليه دون أية غضاضة اجتماعية أو دينية، وهي عقلية ترنو لتجاوز المنقول والتفكير بمنطق المعقول.
- الأنا والآخر وقضايا التقليد والحداثة
أولى المؤلف ثنائية التقليد والحداثة اهتماما خاصا، لدرجة أنه يمكن المجازفة بالقول إن فكرة الرواية قائمة بالأساس على هذه المقابلة المعبرة بين زمنين مختلفين متعارضين؛ زمن التقليد وزمن الحداثة زمن الانفتاح وحرية الفكر، وزمن رتابة وركود المجتمع وسطوة الفقهاء، وترحال شخصية شاهين بين هذين الزمنين الرمزيين وتفاعله مع ثوابتهما ومتغيراتهما، أعطى المؤلف الفرصة لإلقاء الضوء على جوانب كثيرة من التاريخ العميق لمغرب ما قبل الاستعمار، وإخراج مشاهد حبلى بالتاريخ وقضاياه، منها مشهد صور فيه المؤلف مظاهر الشقاء والبؤس وشظف العيش التي كانت عامة مدينة مكناس غارقة فيه، ويبين من خلال تركيزه على طريقة تمثل العامة للحياة وما بعدها، طريقة أطَّرتها مقولة: “شقاء في الدنيا مقابل رفاه في الآخرة”، أن وجود البؤساء بذهنياتهم المجبولة على القبول الطوعي بالشقاء شكل عائقا من عوائق الانتقال من زمن التقليد إلى زمن الحداثة: “هذا ما يحفز البؤساء على البقاء.. وإلا لانتحروا وتركوا الأعيان وشأنهم؟!.. لتركوهم يكدحون بدورهم ويجربون الشقاء..والجوع.. والقذارة.. لو حصل هذا الأمر لتغيَّر المجتمع واتخذ وجها آخر!..” (ص. 74).
في هذا المشهد وغيره يستحضر المؤلف، عبر الصور الطريفة التي يرويها شاهين مرة بتذمر ومرة بحس نقدي حاد، مظاهر العتاقة التي تشي بتقليدانية المجتمع واستعصائه على التحول، يظهر فيها زمن ما قبل البنيات الحديثة بالمغرب زمنا رتيبا بمشاهد زراعية ذات “غراسات لا هندسة لها” رغم سخاء الأرض التي توفر غلة كثيرة ولو بعناية قليلة. كما تبدو فيها الحياة الاجتماعية داخل أسوار المدن رتيبة وجامدة للغاية، رتابة لا يكسرها إلا مظاهر الفوضى والجلبة التي يثيرها أبناء العامة أو بعض الحوادث التي تحدث في بعض البيوتات.
امتدادات
يقدم هذا النص الروائي الرفيع، أفكارا وتصورات تركيبية صورت المجتمع المغربي قبل الاستعمار بشكل دقيق ووضعت الأصبع على مكامن الخلل التي أعاقته في التحول من زمن الرتابة والتقليد والجمود إلى زمن البنيات الحديثة، وذلك من خلال الإبحار بالقارئ في العوالم الغميسة من تاريخ المغرب في مستوياته الباردة، المتعقلة بتاريخ البنيات والحياة اليومية.
تحيلنا هذه الخلاصة على ملاحظة منهجية سبق وأن شدد عليها المؤلف في كتابات أخرى مفادها؛ أن الأسلوب الأدبي لا ينقص من أهمية الكتابة التاريخية ولا من علميتها في شيء، وهو تصور دافع عنه أيضا المؤرخ الطيب بياض في كتابه الصحافة والتاريخ، وبسط فيه الكلام في حوار أجرته معه جريدة الأخبار اللبنانية قبل ثلاث سنوات، شدد فيه على أن “نمط الكتابة وأسلوب التعبير ولغة إيصال المعنى” من أهم أدوات صنعة المؤرخ المُجدِّدُ[5]،وانطلاقا من ذلك وبالعودة إلى الرواية موضوع القراءة، نخلص إلى أن حرية التخييل التي يتيحها السرد الروائي مكنت المؤلف من إماطة اللثام على فصول مهمة من تاريخ المغرب، كما مكنته من الكشف عن جوانب كثيرة سكت عنها التاريخ، ومن حسنات هذا الأسلوب في الكتابة أنه يمكن المؤرخ من ملامسة تخوم كثيرة من التاريخ وتسليط الضوء على جوانب غميسة منه، عبر منح الكلمة للمهمشين والمقصيين ومن لا صوت لهم في مدونات التاريخ التقليدية، ولو عبر وسيط متخيل ينصت لذاكرتهم ويرويها ويضعها في سياقاتها الفكرية والثقافية والاجتماعية.
كتابة التاريخ بالأدب هو أسلوب كذلك يحول المؤرخ، على الأقل كما يبدو من خلال هذا العمل، إلى أنثروبولوجي يكتب التاريخ انطلاقا من حوارات مباشرة مع المصدر دون وسيط قد يغير من صورة الوقائع، إما بتخفيف حساسياتها أو الزيادة من حجم هالاتها الإيديولوجية، كما يمكنه (المؤرخ) من الكتابة عن الماضي والتفاعل معه عبر منهج الملاحظة بالمشاركة، مما يجعله قادرا على اختراق البنيات الماضية بسلاسة وتأويل أبعادها والإمساك بالمعنى الذي يحكم منطقها.
أفصح المؤلف عن روح التصور المشار له في الأسطر أعلاه، في نص معبر كشف فيه عن دلالة عنوان الرواية، كما كشف فيه عن جوانب كثيرة من جوهرها، لا أجد أفضل منه لختم هذا المقال:
“منذ عشرة أيام وشاهين يُرمِّمُ الماضي. في المكتبة حكى. في المكتبة فاضت ذاكرته، فعِشتُ معه ثلاثَمائة سنة. في المكتبة فازت روايته الشفهية على رواياتي المكتوبة. ما لم تفصح عنه مئات الكتب المصفوفة باحَت به بقايا الزمن العالقة بالذهن. عشرة أيام وبخار الحكي المتصاعد نحو الأعلى يتراكم ويتفاعل ليغطي على الكتب جميعها، ويسيل عليها ملامح إجابات عن أسئلة الحاضر القاسية. أسئلة العمران البشري بتجلياته الكثيرة والمتداخلة، معيشةً وسلطةً، عقيدةً وعقليةً” (ص. 231).
الهوامش:
[1]– إبراهيم الخطيب، “أسابيع الحديقة:بؤس التاريخ وبهجة الرواية”، مجلة الثقافة المغربية، عدد 32-33، 2009، ص. 266.
[2]– محمد حبيدة، المدارس التاريخية…
[3]– عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، المركز الثقافي العربي، الدر البيضاء- بيروت، الطبعة الثانية، 2009، ص. 13.
[4]– المرجع نفسه، ص. 13.
[5]– “المؤرخ المغربي الطيب بياض: الأسلوب الأدبي لا ينقص من علمية المعرفة التاريخية”، حوار أشرف الحساني، جريدة الأخبار، لبنان، بتاريخ 12 حزيران/ يونيو 2021
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه
طرح سلس للرواية يأسر المتلقي ويجره لقراءة خذا العمل الأدبي المميز جرا
سلمت الأنامل سيدي عبد المجيد