الرواية المغربية وأفق الكتابة التأويلية

 

جمال بندحمان، محنة ابن اللسان، افريقيا الشرق، 2024.


مدخل منهجي: 

          تمكَّنت الرواية المغربية بعد عناءٍ عسيرٍ جِدًّا أن تجتاز مخاضات الولادة وتتحلل من القوالب الأجنبية، سواءً في صيغة استيراد مشرقي أو في صيغة تناسخ أوروبي. تطلَّب التحلل زهاء ثلاثة عقود من الزمن حتى تنتهي إلى توسيع منظورات الكتابة، وتَظهر بهوية جديدة مُنفلتة من التبعية والاستتباع خلال سبعينات القرن الماضي، إن على مستوى الشكل، وما يتصل به من منظورات سردية ولغوية وموضوعاتية، أو على مستوى المضمون، وما يرتبط به من انشغالات على مساحات التخييل، وتجديد النظرة إلى الإنسان والعالم(1).  وباستهلال القرن الحالي، اقتربت الرواية المغربية المعاصرة بعمقٍ من قضايا ورهانات جديدة، ووسَّعت من أُفق الكتابة، واستطاعت أن تُفجر مُضمرات العوالم الصامتة والخفية، وبذلك تحلَّلت باستتباع الزمن وتناسل الانتاجات الروائية من قبضة الوصاية والحَجْر.

في مدار ذلك، افترعت الرواية المغربية المعاصرة حدوداً ومساحات فسيحة، ووصلت الجنس الروائي بالسؤال الثقافي في بنائه العام؛ سؤال الوجود أو الكينونة.  وقد سبق لناقد مغربي أن توفق في التقاط بعض من التحولات المفصلية في تاريخ الرواية المغربية، من رواية تستعير المواضيع، وتكتب عن عوالم بعيدة، إلى رواية تعتني بجمالية الشكل، وترتقي بموضوعات المجتمع.  لقد توفقت، بحق، الرواية المغربية المعاصرة اليوم في الالتحام مع الخطاب الثقافي بمعية باقي الأجناس الإبداعية في تعقب ديناميات التحول في مجراه العام (2).

 

الرواية المعاصرة: تساؤلات وانشغالات

كيف يتلقى الناقد المغربي اليوم النسيج الروائي؟ سؤال التلقي هام جدًّا لفهم سيولة التحول. الراجح أن الرواية المغربية الآن تحمل خطاباً يقترب أو يرغب في الاقتراب من مفهوم التحول، وما يحيط به من حمولات ذهنية وهوياتية.  فالمؤرخ ينطلق من قضية الوعي بالتاريخ لإنجاز مُهمة التحول، ويتبعه الروائي من جراء الوعي بالكتابة لإنجاز التحول.  الوعي هنا، فاصل ومُهيكل لبناء مسار التجاوز والانتقال، لا من حيث الاشتباك مع الانشغالات الوجودية، وملاحقة رصيد الهواجس المؤرقة للذات، ورصد شروخ الهوية والذاكرة.  وبذلك تعيد إلى مركز الاهتمام قضية الذات والآخر في ترابطهما وانفصالهما.  بهذا التفصيل تنشغل الرواية المغربية المعاصرة بمفهوم التحول في سيولاته المتعددة، وتهتم بتعددية مستوياته التي تستدمج اللغة والتخييل والسرد لإنتاج المعرفة بالوجود، وتشييد معالم الوعي بالزمانية حينما تخترق الذات الجريحة ضروب التهميش والانسحاق وترغب في تكسير وَهم الاطمئنان بالمنظور الخطي.

في واقع الأمر، لا تنفصل الممارسة الروائية عن رؤية الكاتب للوجود. وفاءً أو رفضاً، إحياءً للقوالب الكلاسيكية، أو تمرداً على السرد الكلاسيكي المتودد لبنيات الهيمنة والنفوذ.  من وجهة نظر منهجية، تنهض الرؤية الروائية اليوم عند كثير من الروائيين المغاربة كممارسة أولًا، وكأداة لإنتاج المعرفة ثانيًا. وبين المُهمَّتين، هناك رغبة صريحة في تكسير الأحادية واجتراح تفعيل منظور التعددية في التأويل والتأويلية، وهو ما يجعلها تنتهج المرونة التخييلية، وتُوسع منظورات الكتابة بالانفتاح على الهموم السياسية والثقافية، وما يسبح في سديمها من فوارق اجتماعية وبؤس وقهر واستعباد واستبداد.  لقد جرى مجمل هذه التحولات في سياق استعراض لعلاقات التوتر بين الفرد والسلطة والمجتمع.  فالروائي في هذا الأُفق المنهجي صانع معنى، وحامل رسالة، ومُفجر تناقضات، وكاشف عن الحفلات التنكرية التي تستضمرها السلطة، وحينما يستعير تقنيات التبئير والتذويت فلغرض كشف ظلال الحجب والخفاء.  لكن هناك تفصيل جوهري لا بُدَّ منه، حينما يبني السارد رواية فهو يرسم خيطاً فاصلاً يستحيل تحققه، بين ماضٍ حادثٍ وواقع روائي مُشيد بمنظورات الكتابة الروائية المعاصرة.

من جهة أخرى، تبرع الرواية المعاصرة في التلاعب بالقارئ من حيث توهيمه بخلق مساحة التوازي بين الحدث المتعدد ومستويات السرد من خلال التوسل بأسلوب تعديد الأصوات.  قد نفهم ونتفهم قصدية ذلك، حينما نعلم أنها تنشغل بقضية، أو تحمل أطروحة وتسعى إلى تحويلها إلى تعبير إبداعي. لأنها تنطلق من واجب المسؤولية الثقافية والأخلاقية للسارد. حقًّا، من لا يكتب عن قضية لا يجدر به أن ينتسب إلى مغامرة الأدب.  ليس النص في الأدب هو الجوهر، بل قضية النص هي الجوهر؛ النص منظورٌ إليه كنص مُتعدد، وبأصداءٍ متعددة؛ نصٌّ مُندمج ضمن واقعية جديدة يضمن الالتحام بين مضمونه وشكله. لأن النص يُظهر التزامه الاجتماعي ليس من منطلق الوثوقية المفرطة، ولكن، من منظور اللااطمئنان والشك المتواصل.

تسير الرواية المعاصرة في المدى الذي يُظهر خط القطيعة مع رؤية الإنسان والوجود، والرغبة في تحرير الإنسان من أسر السديم الإدراكي.  لقد وُجد الإنسان هَشًّا، وفُرض عليه أن يواجه عالماً شديد الصلابة، مُكتظاً بعناصر لا منطقية، خرافية وحتى أسطورية.  بهذا التحقق، يوكل للرواية أن تُنجز مهمة، وهي إخراج الجنس الإبداعي من الأدبية إلى الأدب؛ الأدبية حينما نقيسها بمنظورات القراءة الأدبية المتعارف عليها، والأدب حينما نجعلها مفتوحة على إمكانات وطاقات قرائية غير متوقعة.  بما يعني أنها مُنتج تأويلي أو على الأقل مُنتج قابل للتأويل.  لكن من يُؤول؟  وعلى من تقع عليه مسؤولية التأويل؟ وأيضاً، بوصفها حدثاً وممارسة في آن، كما يقترح علينا الفيلسوف ميشيل فوكو، حدث لأنها تنخرط بوعي وقصد في سياق اجتماعي وثقافي، وممارسة لأنها تحمل رؤية مخصوصة للوعي بالوجود، وترغب في مشاركته مع الآخر والعالم في اختلافه وانسجامه.

صوت السارد يمنح لأصوات الشخوص الحق في التعبير. ويتعلق الأمر بتنازل قصدي في المكون الحواري.  يُمنح الصوت لمن لا صوت لهم، أو لمن يسكنون ال “تحت” بألف لام التعريف كما تمَّ تجريبه في تطبيقات عديدة مثل “التاريخ من أسفل” في بريطانيا، وتجربة “مدرسة التابع” في الهند، أو “الميكرو استوريا” في إيطاليا، وتجربة “الحياة اليومية” في ألمانيا.  هو تنازل دون ارتياب أو خوف على اللغة من التصدع. نعلم أن الأدب المعاصر يمزج بين فصيحه وعاميه، ويُظهر نوعاً من التحرر من عقدة اللغة، ومن وَهم النموذج المثال، وهو أدب يحتفي بالشفوية وينقل تعابيرها وأصداء المهمشين والهامشيين، وينسج أدباً أحيانًا خارج الذوق العام (3).  وعليه، يستضمر الأدب المعاصر في اشتغاله على اللغة تجلياته لحداثة السرد ضدّاً على أشكال السرد الكلاسيكي.

يظل المنتوج الروائي عملاً قابلاً لإعادة الإنتاج، بما أنه لا يكف عن اقتراح نفسه للتلقي (4). العالم الذي تبتغيه الرواية خلقه لا يغري بالتموضع إزاءه، قبولاً أو رفضاً، بل هو عالم يحرض على توليد وتفجير الأسئلة من خارجه.  وضمن هذه الرؤية، النص مُولد للحياة عند الناقد وعند القارئ سواء بسواء، وقراءته تتلخص في استرفاده من تجارب أدبية وفكرية متنوعة، لأنه يعكس سردية متوقعة ضمن عوالم الراهن، وما يتلبس به من غرابة وغموض، وتفنيد للأنساق الشمولية التي تحملها سرديات مالكي وسائل الإنتاج والإكراه، وكُلُّ عملية فهم أو تأويل للنص يجب أن تتصل بالتجربة الإنسانية أولا، و بلعبة السرد المتعدد المنتج للمعنى والسيولة ثانيا.  وتنأى بنفسها عن جدل التماثل بين الواقعي والاجتماعي.  وإذا تحققت هذه الاشتراطات تصير الممارسة الروائية ممارسة تأويلية خصبة وليست حديثاً عن أحداث ووقائع[1].

 

رواية محنة ابن اللسان: بعث الحكي والكلام

ثلاث شخصيات، يجمعها لسان واحد، وتحمل أقدراهم رصيداً ملتبساً من التمزق والانكسار. كلمة واحدة تأويهم هي “المِحنة”، وتأتي المِحنة في عدم قبول تعددية الأصوات، في عدم قبول الاختلاف، وفي عدم القبول بالتعارض.  بلد بنسق واحد، وبصوت واحد يُشهر سيفه في وجه كل من يتكلم (ص 148). لكن أوَ لا يفضي الصوت الواحد نحو السقوط في غياهب التطرف والدوغمائية والتكلس؟

الصَّمت عدو كبير، وقاتل خفي يتسلل لروح الإنسان ولفطرته الغريزية في التعبير، لكن الكلام أيضاً هو بلاء كبير، أوَ لم يُخلد الراهب بيير أبيلار في سيرته الذاتية حول مِحنته الشهيرة مع الكنيسة مقولة خالدة حينما قال: “الفهم الوفير يجلب البلاء الكبير”.  من داخل الرواية، تعيش الشخصيات توزعاً حادًا بين الكلام والصمت، وكيفية تدبير المسافة بينهما. متى تتكلم؟  ومتى تصمت؟ لتنتهي إلى اندحار تراجيدي تستولي من خلاله سلطة التقليد على سلطة التحديث، ويصير صوت الفقيه والشيخ أقوى من صوت المعلم والصحافي والمحامي. صدى التاريخ دائماً يُخبر: ما من شيء يصطدم فيه الماضي بالحاضر إلا ويستولي فيه صوت الماضي على سيولات الحاضر.

وبالعودة إلى المِحنة دائماً. لسنا أمام استدعاء طارئ للهيكل، بل نحن أمام إحياء بدلالة تاريخية، ظل يتردد باستمرار في مصفوفات الأدب التاريخي عند العرب، والشاهد هنا، محنتا ابن حنبل ومحنة ابن رشد، أيكون اللسان مِحنة؟ أيكون الوعي مَجلبة للشقاء؟ في الرواية، تحضر الأصوات الثلاثة، صوت المعلم والصحافي والمحامي. الأول يعيش شرخاً بين صوت قبيلته، وبين صوته الخاص الذي يستحثه نحو تكسير القيود، ويرغب في تحويل الصمت إلى صراخ. ومع الوقت، يتحول المعلم إلى مهذار كبير، يتكلم في كل شيء، وقطب من أقطاب بيعه (ص 19)، ويصير صوت الصحافي صوتاً للتهويل والتضخيم، ويرتدُّ من صوت للمستضعفين إلى صوت للانتهازيين، يُلون الخطابات بقزحية قاتلة (ص 47)، وينتهي صوت المحامي بقبول خِسَّة السلوك وبيع الكلام بأرخص الأثمان. (ص 76)

وفي مقام تأويلي موسع يرتقي الحكي في رواية محنة ابن اللسان إلى أن يصير تعبيراً عن هوية، عن رؤية، وعن تموقع في الوجود. الحكي في مواجهة النسيان، وفي مواجهة تلبس الحقيقة بلبوسات فارغة من الدلالة والمعنى…ولمواجهة النسيات تأتي الكتابة، الكتابة بمستويين: كتابة تحت واجب الذاكرة، وكتابة تحت رقابة الخوف، وبينهما يجري البحث عن التوافق.  وبالتدريج يتمُّ إشراك القارئ في تقاسم السؤال الوجودي الذي تود الرواية الإجابة عنه: كيف نَأنس بالحكي في هذا العالم القبيح والموحش؟

هناك وجوب مُلح للحكي حتى يبرأ الإنسان من تعفنات النسق الرأسمالي وتقيحاته النيوليبرالية القذرة.  الحكي في عُمران الرواية دواء وليس وسيلة فقط، وترياق وعلاج وقُبلة حياة، تمنح للأجساد المتهالكة والمثقلة برواسب التاريخ والذاكرة في مدن ممسوخة يتعايش فيها القُبح مع الجمال، بل وينتصر فيها القُبح على كل الجمال الفطري.  تُكثف الرواية الضوء على مدينة الدار البيضاء، وهي مسرح الرواية.  مدينة ملعونة يتمدد فيها السرطان بلا توقف، ففيها لا أحد يتوقف ليلتقط أنفاسه، فإما أن تواصل الركض إلى ما لا نهاية، أو أن تنسحق بين الأرجل، ولك أن تختار.  كيف يظهر البيضاويون؟ لا شك أنهم ورثوا عفونات التاريخ، وصاروا من أهل التعالي والحذلقة والتوهم بالقدرة على فهم العالم أكثر من الآخرين…

تستوقفنا الرواية في بدء التشكل باستحضار لما درج على تسميته المختصون في العلوم الاجتماعية بمفهوم “البَركة”.  سبق لإثنوغرافي فرنسي يُدعى رايموند جاموس Raymond Jamous  أن خصَّ المغرب بدراسة مهمة حول البَركة جاءت بعنوان: Honneur et Baraka (6).  البركة في بلد مثل المغرب هي بِنية حكم، ونظيمة مؤسساتية بنَفَس ذهني تحكمت وتتحكم في حياة الأموات والأحياء، وهي أيضاً روح تأتي من الماضي لتفسد على الأحياء حياة الحاضر. لكن كيف أتى على المجتمع أن يُصدق البركة وأدعياءها؟  وكيف يتحول البول الكريه إلى عطر للعرائس؟  وبالمقابل، كيف يمكن أن يقبل العقل أن تُحوِّل بركة بول الشيخ الأسنان إلى لون أصفر؟  وإذا ما وسَّعنا من أُفق الرؤية، تمارس البركة وظيفة الحراسة، حراسة الذاكرة، وتُؤدي وظيفة العقاب، بتعبير ميشيل فوكو، حين ينزلق النسق الذهني نحو الخروج عن الاجماع بما يتصل به من مروق وهرطقة.  من عمق هذا الاعتقاد ينبعث صوت شقي ليزلزل قلاع اليقين: كيف يتسلل التنوير إلى مجتمع غارق في الايمان بالبركة وتصديق مُدَّعيها؟

الأصوات التي تحمل وظيفة التنوير معها ندوب الغربة والاغتراب، وتكتوي بلعنة الشك الموقظ للمواجع.  تحمل ندوباً لا تبرأ منها، ويمكن أن نطلق عليها ندوب النسق المرجعي.  من أي شُرفة نُطلُّ على هذا العالم؟  تبدأ دورة الحياة عندنا بصورة غير متصلة على قضايا العالم واهتماماته، ويُحكم على مُتنورينا أن يخوضوا يوميًّا وبشكل سيزيفي، معركة حيوية من أجل بناء المعنى.  الجهل والتجهيل في هذه البِنية استثمار مُجزي ومُربح وتعطيل مقصود. التاريخ من هذه الشُّرفة، استثقال وتكبيل، وليس تحريراً وتحفيزاً.  نتصالح مع شيء، وبسرعة يظهر شيء آخر يحتاج إلى أيضاً إلى تصالح.  متى ندرك بأنه يتوجب علينا أن نوقف سلسلة المصالحات؟ حقًّا، لا يريد هذا البلد كما قال الروائي عبد الكريم جويطي في رواية المغاربة أن ينفض يده عن شيء انتهى.  ومن جهة أخرى، نُدمن مديح الصمت، لأن الصمت يريح طغاة التاريخ، ويجعلنا نستثقل برؤية قَدرية للوجود: الجفاف، الفقر، العطالة، الزواج، الانجاب، الموت كلها أشياء قدرية.  لماذا نختفي دوماً وراء هذه الكلمة؟

ترسم الرواية مسافة وصل بين عالم قَبلي ذهني مُثقل برواسب الإعاقة، وبين عالم افتراضي لا يزال يعيد إنتاج نفس الأدوار والممارسات.  في رسم المسافة بينهما يُطرح سؤال الانتقال، بما يعني القطيعة أو الابدال.  لم يحدث الانتقال، أو بالأحرى لم يحدث الفطام، لأن هناك بنية ذهنية قبلية تسكن أرواح الأحياء، ونحن نحمل معنا ثقل هذه البنية في كل شيء، في المعاش، في التواصل، في الرؤية إلى الوجود. مطلوب منا أن نصدق لا أن نفكر، أن نعيد إنتاج قول ذاكرة القبيلة لا أن نسائل وننتقد ونجدد. سنكون أُمَّة حينما ننسى ما تقوله القبيلة، هكذا قال محمود درويش.

تقف رواية محنة ابن اللسان عند مفارقة اللقاء الغريب الذي حدث بين العلم والخرافة.  كيف يقبل شاب درج على دراسة الطب في إحدى دول أوروبا الشرقية أن يُغامر بتحليل البول في مختبرات دولية (ص 12-13).  يتعلق الأمر، بالبول المُحير، ولكنها، حيرة بلد بكامله، بلد لم ينجز بعد تمرين الفطام مع الرواسب المعيقة لوعيه وتفكيره النقدي الذي يُجلي عمليتي البناء والهدم.  المغربي سليل قبيلته، يحملها معه في حله وترحاله، يعيش في المدينة لكن بعقلية البداوة، ويبني مؤسساته الحديثة لكن يجري من داخلها طقوساً قبلية مثل تقبيل اليد، وحمل محفظة صاحب الطربوش الأحمر.  في هذا المفصل من التحليل، يفيد الأنثربولوجي عبد الله حمودي في خطاطته حول الشيخ والمريد أكثر من أي شخص أخر.

تحمل المشاهد الروائية صوراً تكثيفية للصراع الثنائي: صراع أصحاب الأسنان البيضاء مع أصحاب الأسنان الصفراء، وصراع أصحاب البِدلات العصرية مع أصحاب الجلابيب، وما يدور في فلكهما من قضايا تهمُّ الرجعية والدين والماركسية والقومية وفلسطين والفيتنام واليسار والديموقراطية والتغريب (ص 16).  لم يحدث التوافق بعد؛ التوافق المؤجل دوماً الذي يجعلنا في حالة احتراب مستمر. من هنا، تتولد المحنة، محنة أهل اللسان (المعلم، الصحافي، المحامي) في مواجهة سراديب التيه، اللامعنى، الاغتراب، والأسى (ص 19). ما معنى أن نُبصر في وسط جهول؟ ما معنى أن نبصر في مملكة العميان كما قال الروائي جوزيه ساراماغو؟  وأي عمى؟  إنه العمى الرمزي الذي يجعلنا لا نتفرس الأشياء في حقيقتها، والعمى الذي يُسرع ارتطامنا بالحائط الصلب، لأنه، في الحقيقة، لا يجب أن نوقظ المرتاحين، وأن نزعج راحتهم، ونخرجهم من دائرة اليقين إلى دائرة الشك والارتياب.

حديث عن الكسر بين قديم لم يمت، وجديد لم يولد كما قال غرامشي، كلما فتحنا فجوة على المستقبل كلما تجندت غِربان الظلام لغلق الفجوة.  أوَ لَيس تاريخ البلد ككل هو تاريخ صراع بين الأمل والإجهاض؟  تاريخ انتصار الرؤية القدرية على كل مبادرة فردية خلاقة، تاريخ استسلام للواقع ورفض للاشتباك مع تفاصيله المعقدة، تاريخ فرض أنساق رقابة على أهل اللسان (مراقبة صاحب الدكان، مراقبة الاسكافي، مراقبة الجزار…).  باختصار وجيز مجتمع المراقبة والعقاب بعبارة ميشيل فوكو. مجتمع يشتغل بآليتين: مراقبة وعقاب.  تموت الفكرة في مهدها بسبب صرامة المراقبة، لأنه لا يجب أن نخرج عن الإجماع، وأي إجماع، إجماع الجهلة والزُّعُار وأهل الحظوظ والخاصة وخاصة الخاصة.

أهل اللسان في مِحنة. أحياناً، يتطور التاريخ بعودة إلى الخلف، وبارتداد نكوصي. فيما مضى كان أهل اللسان من معلم، وصحافي، ومحام يسترفدون من تلاوين الثقافة والإبداع بلا حدود، ويحملون موقفاً، ويدافعون عن قضية، ويملكون روح الثورة والتغيير.  شموع موقدة عصية عن الإطفاء في وسط عنيد وجحود.  وصارت اليوم مهنة التعليم والصحافة والمحاماة مهناً للاسترزاق.  حكاة الصدى إن جاز أن نستعير من المتنبي عبارته الشهيرة “حاكي الصدى”.  هيمنة وجشع وسيطرة مطردة، ينهبون ولا يبنون، يعللون المواقف والولاءات، ويسخرون من المبادئ والمثاليات (ص 46). المشهد هنا، زمن مُستحكم بفاعلين تافهين، بذوق فاسد، بثقافة ضحلة، وبرؤية ضيقة (ص 47)، والوطن لديهم غنيمة، والديموقراطية حرب خداع وزواج متعة عابرة بلا كرامة، وبلا مشاعر.  باستعارة مهمة من اليساري الفرنسي بول نيزان Paul Nizan “كلاب حراسة”.  ما الذي حدث؟  حقًّا هذا هو سؤال الرواية الكبير.  رواية تحاول أن تقبض التحول الكبير، وتقف عند انسلاخات الذات عن المبدأ، وما يرافق ذلك من عذاب وتمزق وضياع.

ترغب الرواية في إعادة تشييد أماكن الذاكرة وأطرها الاجتماعية (7).  الذاكرة هي ما نتوسل به حينما يجرفنا الواقع ويمارس تسلطه علينا.  ذاكرة الحَلقة ومعها ذاكرة السرد؛ حكايات سيف ذي يزن، أو حمزة البهلوان، أو ألف ليلة وليلة، أو الزير سالم. في عالم يَشدُّنا إلى انتهاز الهمزة والبحث المفرط عن الغنيمة ومديح عوالم المال والثروة خط المال وحده هو خط أهل اللسان اليوم.  ولأهل اللسان حق في الكلام، لكن من ينصت إليهم؟  أو ليس كل مهذار مِعثار؟  والكلام بمقدار، بحساب وبجرعات (ص 74).

تمزج فصول الرواية بين المتضادات والأزواج: “الصعود إلى الأفول”، “البناء بالهدم”، الأصيل بجوار الحديث (ص 40).  ومن خلال هذه المتضادات تتشوف نحو بعث الأسئلة الحيوية التي رافقت حيوات أهل اللسان من قبيل: هل من الواجب أن نتحزب؟  أَوَ ليست التنظيمات قيود؟ أو لا تشبه قيود القبيلة والزاوية؟  أوَ لسنا ندور دوماً في بنية واحدة، شيخ واحد ومريدون كثر؟  وتنتهي بوصايا: “اعلموا أن التنظيم أهم من الفكر، والتفاهة أرقى من المعرفة…اعلموا أن النضال مثل علاقة بغانية تقضي منها وطراً ونتركها في الطريق (ص 96).  “اعلموا أيضاً أن تاريخ الخطاب في هذا البلد يأتي في ثلاث صور: وعيد في صيغة وعظ، تخويف في صيغة اغراء، تهديد في صورة تسامح (ص 107).  اعلموا أن تاريخ البلد ككل هو تاريخ خوف أفراده من قول الحقيقة، تاريخ خضوع الفرد خضوعًا مطلقًا لتقاليد الجماعة وسلوكياتها المحافظة، تاريخ احتكار عمودي للسلطة…تاريخ أحادية التفكير الديني أولًا وأخيراً، تاريخ استعادة أقوال السلف ومناوئة المحدثات (8).

لا تلتفت الرواية كثيراً إلى تقنيات السرد، بل تعبر بالقارئ إلى مضمونه وأثره، لأن الغرض الأساس هو الحديث عن قضية الكلام.  الكلام يحمل الحكمة ويحمل اللعنة أيضاً؟ وقد تظهر الرواية للقارئ بلا أبطال. شخصيات تتناوب على الحضور وتتقاسمه، وتطرح سؤال مساحة الحكي وحدوده. وهي رواية بقدر ما تترافع عن قضية المحنة؛ محنة أهل الكلام، بقدر ما تورط القارئ والناقد على السواء في محنة التأويل والتحليل، لأنها تُلمح أكثر ما توضح، وتراهن على القارئ النبيه الذي يلتقط المعنى بخفة ويمضي.

بعد استنفاذ مهمة الحكي تأتي مهمة “حراسة الحكي” أو “الحكي المحروس”.  لا يتوجب أن نحكي، لأن هناك حدود سيادة لا يجب أن تنتهك.  ونحن نمارس الحكي علينا أن نكتفي بـ”الحكي المتشظي”، أو “الحكي الملغوم”، لأن هناك ثابتا في المعادلة، هو ارتياب السلطة من أهل اللسان.  الحكي جريمة ويجب أن يُرفق بمحاكمة، ومحاكمة أهل اللسان تكون بقطع دابر الفتنة كما يقول الفقهاء.  أهل اللسان أهل فتنة، وقديماً قال القدماء: أمير جائر خير من مجتمع مفتون، وحوَّرها المغاربة ببراعة لسانهم الدراج: “اللهم مخزن جاير ولا قبيلة سايبة”، ولأن العوام كما قال الفقيه السوسي مثل البهائم لا يميزون…منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود (9).

في النهاية، يظهر تاريخ البلد في مُجمله كما لو أنه تاريخ خوف؛ تاريخ خوف متعدد بالتدقيق، الخوف من المخزن، الخوف من سلطان طاغية يجزُّ الرؤوس، الخوف من قائد جائر يزيد في الجبايات، ويسلب الممتلكات، خوف الفلاحين من الجباة، خوف أهالي المدن من هجمات القبائل، خوف القبائل من حرْكات المخزن، خوف المخزن من الأجناس القادمة من وراء البحر (10).

 

 

الهوامش:

  • نادر كاظم، تمثيلات الآخر: صورة السود في المتخيل العربي الوسيط، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2004، ص 39.
  • ادريس الخضراوي، “الرواية المغربية المعاصرة: قراءة في التخييل والدلالة الثقافية”، مجلة الثقافة المغربية، العدد 36، يونيو 2012، ملف حول أسئلة الثقافة المغربية اليوم، ص 45.
  • توماس بافيل، “أفكار حول تاريخ الرواية”، ترجمة محمد برادة، مجلة فصول، العدد 64، صيف 2004، ص 85.
  • ادريس الخضراوي، “الرواية المغربية المعاصرة: قراءة في التخييل والدلالة الثقافية”، م س، ص 61.
  • Todorov T, Les morales de l’histoire, édition Grasset, Paris, 1991, p 130.
  • Raymond Jamous, Honneur et Baraka, Les structures traditionnelles dans le Rif, Paris, 1980.
  • Maurice Halbwachs, Les cadres sociaux de la mémoire, Paris, 1925.
  • محمد حبيدة، بؤس التاريخ، مراجعات ومقاربات، دار الأمان، 2015، ص 13.
  • محمد أكبيل السوسي، تنبيه الاخوان على ترك البدع والعصيان، تحقيق محمد استيتو، وجدة، 2001، ص 50-51.
  • محمد حبيدة، بؤس التاريخ، م س، ص 193.

- عبد الحكيم الزاوي

أستاذ باحث في جامعة القاضي عياض بمراكش

شاهد أيضاً

تدبير الماء واستعمالاته بمدن شمال أفريقيا في الحقبة الرومانية

  سمير أيت أومغار، الماء والمدينة بشمال أفريقيا في العهد الروماني، سلسلة المغرب ومحطيه المتوسطي: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.