Lauren Benton, They Called it Peace: Worlds of Imperial Violence, Princeton, Princeton University Press, 2024, 285 p.
مقدمة: في مفهوم الحروب الصغرى:
عادة ما نميل في الحديث عن الإمبراطوريات وتاريخ العنف المرتبط بها إلى التركيز على الحروب الكبرى والأحداث المفصلية التي ينظر إليها كنقط تحول ضمن تاريخ طويل من حملات الغزو والحرب، مثل غزو القسطنطينية التي دشنت لقرون من الهيمنة العثمانية، أو سقوط غرناطة التي أنهت الوجود الإسلامي بالأندلس ودشنت صعود الإمبراطورية الإيبيرية وبداية ما يسمى بالاكتشافات الكبرى، أو معركة ليبانطو التي انتهت بهزيمة العثمانيين أمام الجيوش الأوروبية، أو حملات الإبادة الكبرى لهنود القارة الأمريكية من طرف الإمبراطوريات الإسبانية والبرتغالية والبريطانية والأمريكية، أو الحرب الأمريكية الإسبانية سنة 1898 التي خسرت فيها إسبانيا آخر مستعمراتها في كوبا والفلبين لتبرز معها قوة عالمية جديدة هي الولايات المتحدة. لكن في هذا التركيز على الأحداث الكبرى بما يعنيها من مستويات استثنائية للعنف، يتم التغاضي عادة عن الدور الذي لعبته مستويات أقل عنفا وحِدة في سيرورة هذه الإمبراطويات، أو ما تسميه لورن بينتن، الأستاذة بجامعة ييل الأمريكية والمتخصصة في التاريخ العالمي، بالحروب الصغرى، والتي تندرج ضمنها حملات الإغارة والنهب، وحملات الأسر والسبي، وعمليات إنزال فرق عسكرية على السواحل، وإنشاء مراكز مراقبة، وعمليات القرصنة التي تستهدف السكان المحليين أو مصالح إمبراطوريات منافسة، وهي كلها ممارسات روتينية من العنف الدائم وظفتها القوى الاستعمارية لتكريس سلطتها وشرعنة مستويات أكبر من العنف والإبادة.
كتاب لورن بينتن الموسوم “سموه سلامًا، عوالم العنف الإمبريالي” الصادر سنة 2024 هو محاولة فريدة للتنظير لدور هذه الحروب الصغرى كركيزة أساسية لمأسسة العنف في تاريخ الإمبراطوريات، وتؤكد فيه بينتن على الدور المحوري الذي لعبه هذا العنف الذي قد يبدو محدودًا ومنخفض المستوى كدعامة للتوسع الإمبريالي منذ بدايات الحداثة المبكرة، بل إنه كان ممارسة ممنهجة شكلت مقدمة ومبررا لفصول العنف الاستثنائي وحملات الإبادة الكبرى التي شهدها تاريخ الإمبراطوريات. لذلك فإن الحروب الكبرى، حسب بينتن، لا تكتسي معناها إلا بربطها بسلسلة متلاحقة من فصول العنف المحدود. وتكشف الحروب الصغرى، حسب بينتن، أن العنف “قد يشن أو يتم التهديد بشنه أو قد يضع أوزاره لفترة، لكنه لم يتوقف أبدًا” (ص. 23).
يركز الكتاب بشكل خاص على الإمبراطوريات البريطانية والإيبرية (الإسبانية والبرتغالية)، وذلك في الفترة الممتدة من بداية القرن السادس عشر إلى مستهل القرن العشرين. لكنه يحتوي أيضًا على إشارات عديدة لإمبراطوريات أخرى سواء منها المعاصرة مثل الاستعمار الهولندي، أو السابقة زمنيا مثل الإمبراطورية الرومانية والإسلامية. وهي أمثلة توردها بينتن لغرض المقارنة أو رصد جوانب القطيعة أو الاستمرارية في ممارسات العنف. من بين أهم جوانب الجدة في كتاب بينتن محاولتها تحليل تاريخ الحروب الصغرى والعنف الإمبريالي على ضوء النقاشات والسجالات القانونية حول قوانين الحرب والقانون الدولي وتطور هذا الأخير خلال القرون الماضية. وهي نقاشات وهواجس شغلت المنظرين القانونيين وفلاسفة اللاهوت السياسي والقادة السياسيين والمناهضين للحرب في المتروبول على حد سواء، لكنها شغلت أيضا الفاعلين الإمبرياليين من عسكريين وضباط وموظفين ومستوطنين في المستعمرات البعيدة.
تذهب بينتن في إحدى أهم خلاصات الكتاب إلى أن ما نسميه اليوم بالقانون الدولي وقوانين الحرب لم تتبلور فقط في أوروبا كتمرين فكري قانوني وأخلاقي معزول لنخب القارة العجوز، بل تبلور بشكل أكبر خارج أوروبا في المستعمرات في آسيا وإفريقيا وأمريكا، وكمحاولة للإجابة عن معضلات وهواجس استجدت مع التوسع الاستعماري ومحاولة فرض السلطة وإخضاع جماعات بشرية مستعمَرة. ذلك أن فصول العنف الروتيني الموجه ضد سكان المستعمرات (أو ضد رعايا قوى منافسة) من قبيل الإغارة في فترات السلم وعمليات الأسر وحملات “معاقبة” الثوار، قد خلقت نقاشات قانونية وأخلاقية عبرت في عمقها عن قلق معين إزاء إمكانية تحول هذا العنف إلى حرب مفتوحة. وقد كان الكتاب والمنظرون الأوروبيون واعين بأن الترسانة الفكرية والاصطلاحية التي يوظفونها لوصف العنف الموجود بين منزلتي الحرب والسلم والتنظير له هي ترسانة قاصرة وغير كافية. وقد كانت هذه المعضلة تطرح بشكل خاص على تخوم الإمبراطورية (ص. 14). ولذلك فبدل التسليم بأن سن قوانين الحرب هو مسلسل بدأ في أوروبا ثم انتشر في باقي مناطق العالم، تذهب بينتن إلى أن الصراعات في مناطق نفوذ الإمبراطوريات هي التي قادت إلى تكريس نظريات حول سلطة دول أوروبا في تحديد مجالات الحرب وقوانينها. لذلك كانت ديناميات العنف الإمبريالي محورية في سيرورة تاريخ القانون الدولي وقوانين الحرب. ويتضح ذلك في بنية الكتاب من خلال حضور البعد القانوني والنقاشات القانونية في كل فصل بتواز مع تحليل النماذج المختلفة للعنف الاستعماري.
تنطلق بينتن من فصول محلية مختلفة ومتباعدة جغرافيا لمحاولة رصد نظام أوسع له طابع عالمي، فتبين كيف أن هذه النزاعات تكشف عن اتجاهات كبرى في العنف وموقعه ضمن مراحل تطور القانون الدولي. ثم تدرس بعد ذلك النصوص القانونية والفلسفية الأوروبية لتقرأ على ضوئها تاريخ الصراعات والعنف بشكل يكشف عن نظرية للحرب المحدودة أو نظرية للحروب الصغرى (ص. 16). وهكذا فإن الكتاب يرمي إلى وضع “الحروب الصغرى للإمبريالية في قلب تاريخ جديد للنظام العالمي” (ص. xii)، بل إن هذه الحروب “كانت ولا تزال القلب النابض للنظام العالمي” على حد تعبير بينتن (ص. 21).
توظف بينتن مفردات ومفاهيم متعددة للحديث عن الحروب الصغرى، فتسميها أيضًا بالعنف الخاص، أو عنف زمن السلم، أو العنف المحدود، أو العنف الموجود على الخط الفاصل بين الحرب والسلم (ص. 8). لكن بينتن تنبه إلى أن تسمية هذه الحروب بالصغرى قد تكون مضللةً لأنها عادة ما تتكرر على فترات زمنية طويلة وتتوسع لتشمل مناطق أوسع، كما أنها كانت في الغالب مقدمة لفصول أشد من العنف. لقد ساهم هذا التبسيط في تكريس تصورات وأحكام نمطية حول تعارض مفترض بين الحروب التقليدية وحروب العصابات مثلًا، وكذا تمثلات مثقلة بالإيديولوجيا حول فرق قانوني وأخلاقي مزعوم بين أوروبا وباقي العالم. لقد أصبح لهذه الحروب الصغرى قاموس معين دأبت على تكريسه النخب السياسية والعسكرية والفكرية والقانونية، وهو قاموس لا يزال يتم استحضاره اليوم باستمرار. لذلك نجد أن المحللين والمختصين والمنظرين العسكريين اليوم قد دأبوا على ربط الحروب الصغرى بحروب العصابات مثلًا (guerilla warfare) وأحيانًا أخرى بحركات التمرد (insurgency) أو بالحروب غير المتوازية (asymmetric warfare). يتجلى ذلك بوضوح في إصرار المحللين العسكريين اليوم، وهم يتحدثون عن جغرافيات مثل العراق وأفغانستان والصومال، على وضع هذه الحروب الصغرى أو الحروب ذات المستويات المحدودة في إطار ما يسمونه بالتمرد ومكافحة التمرد (insurgency/counter-insurgency) رغم أنها حروب استعمارية كاملة الأوصاف. كما دأب هؤلاء سيرًا على نهج منظر الحرب كارل فون كلوزفيتس على التمييز بين الحروب الصغرى كحروب “خارجة عن إطار القانون” ويتم ربط العنف فيها بفاعلين خارج إطار الدولة من جهة، وبين عنف الدول المؤطر بالقوانين والضوابط من جهة أخرى. وما يعنيه هذا هو أننا عادة ما ننظر إلى الثقافات والمقاتلين غير الأوروبيين على أنهم موجودون خارج النظام الأخلاقي للمجتمعات والأعراق الأوروبية ومختلفون عنها (ص. 6). ترفض بينتن هذا التبسيط في الربط بين الحروب الصغرى وما يسمى بالتمرد، وترى على العكس من ذلك أن الحروب الصغرى تعبير عن نظام عالمي وممنهج للعنف. ولذلك فإن الكتاب يرمي إلى تفكيك هذا القاموس وتجاوز الثنائيات التي كرسها من خلال فهم أشمل وتعريف أوسع للحروب الصغرى (ص. 7).
تحاول بينتن رصد ديناميات الحروب الصغرى وتطور أسسها القانونية لتصبح نظاما عالميا للعنف من خلال تقسيم الفترة الزمنية موضوع الكتاب (1500-1900) إلى مرحلتين أساسيتين خصصت لكل منهما قسما يحتوي كل واحد منهما على فصلين. ركزت بينتن في القسم الأول (الفصل الثاني والثالث) على دور الإغارة والأسْر كممارسات ممنهجة وواسعة النطاق في إمبراطوريات بداية زمن الحداثة المبكرة. لقد سبق أن تبنت مجتمعات مختلفة عبر العالم الإغارة والأسر كوسائل للعنف الممنهج. لكن ابتداء من القرن الخامس عشر، قامت الإمبراطوريات الأوروبية بإعادة إنتاج هذه الممارسات القديمة في سياق جديد ضمن ما تسميه بينتن بـ”نظام عالمي للنهب”. ومع تعاظم التفاوت في ميزان القوى، تشكلت تدريجيا إطارات جديدة للعنف في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فرض فيها الأوروبيون الحق في سن قوانين الحرب والتدخل في أي مكان في العالم لحماية رعاياهم ومصالحهم، ليتشكل بذلك ما تسميه بينتن بـ”نظام عالمي للسلم المسلح” تتحكم فيه بضع قوى عالمية، وهو موضوع القسم الثاني من الكتاب (الفصل الرابع والخامس).
- نظام عالمي للنهب:
تأسس نظام النهب العالمي على ممارستين أساسيتين للعنف الإمبريالي في زمن الحداثة المبكرة، أولهما الإغارة (وما يقترن بها من عمليات أسر وسبي واستعباد)، وثانيهما تعاقب معاهدات الهدنة وخرقها. لم تكن ممارسة الإغارة ظاهرة جديدة خاصة بفترة الحداثة المبكرة، بل سبق أن كانت مركزية أيضا للتوسع الإمبريالي في العالم المتوسطي القديم والقروسطي، كما يتضح من خلال النماذج التي توردها بينتن والمرتبطة بتجارب الغزو الروماني ثم العربي ثم المغولي. تشير بينتن مثلا إلى أنه حتى في الفترة الممتدة لقرنين والمعروفة باسم فترة السلم الروماني (pax romana)، كان الجيش الروماني يغير بشكل دوري على المناطق الحدودية (ص. 32). فيما يتعلق بالغزو العربي والإسلامي، ترى بينتن بأن بعض القراءات الجديدة اليوم لظاهرة الغزو العربي تسعفنا في فهم دور الشعوب الأخرى التي انضمت للغزو للاستفادة من غنائم الحرب، وذلك خلافًا للسردية التقليدية التي حاولت تفسير نجاح هذا الغزو وسرعة اكتساحه وكأنه قصة نجاح جماعة بشرية انطلقت من شبه الجزيرة العربية واستطاعت بسرعة فائقة غزو العالم المتوسطي والأسيوي. تلاحظ بينتن بأن التوسع العربي قد وظف أيضا بعض ممارسات الرومان في الإغارة وصناعة الهُدَن.
لكن التركيز على أهمية الإغارة في الزمن الحديث لا يعني بأن هذا العالم كان فوضى مستمرة من العنف، بل كان تعبيرا عن نمط معين له قانونه ومنطقه. وتنبه بينتن في هذا السياق إلى تهافت الدراسات التي كرست سردية مفادها أن العنف الأوروبي مختلف عن عنف المجتمعات المستعمَرة والذي يصوَّر عادة وكأنه عنف بدائي وطقوسي يعبر عن نزعة بدائية دفينة نحو الاقتتال الدائم والانتقام (ص. 35)، وذلك خلافًا للأوروبي الذي تحركه معايير الشرف لأنه، حسب هذه السردية، لا يمارس القتل إلا في ساحة المعركة ويرفض العنف الطقوسي كنمط عيش.
اكتست الإغارة كممارسة محورية في عنف الإمبراطوريات زمن الحداثة المبكرة أهمية متعاظمة لدرجة أنها ارتبطت بالتبادل التجاري وبالولاءات السياسية التي قوت الحاجة إلى هذا النشاط والمكاسب التي يخولها. كانت حملات الإغارة القصيرة الأمد ضرورية لتجنيد المحاربين عبر إغرائهم بالغنائم، والقدرة على إبعادهم مؤقتا عن أنشطتهم الفلاحية والرعوية، فكان تقاسم الغنائم الوسيلة الوحيدة لجذبهم للتجنيد وعمليات الإغارة. لكن هذا التجنيد المؤقت كان ضروريا أيضا لعمليات التجنيد في سبيل حروب وحملات عسكرية أطول زمانيا وأكثر تنظيمًا. كما حركت الإغارة ديناميات اقتصادية واسعة وشبكات مرتبطة بالأسر تضم التجار والنخاسين الذين كانوا ينشطون في أعقاب عمليات الإغارة، بل كانت حركتهم تسبقها أحيانا (ص. 24). وهكذا ساهمت حملات الإغارة في خلق شبكات تجارة عبيد وخدم حتى قبل بدايات انتشار تجارة العبيد العابرة للأطلسي.
أنتجت هذه “الحروب الصغرى” على أطراف الإمبراطورية المجزأة وغير المستقرة سلسلة من الهُدَن، وهي العنصر الثاني الذي تراه بينتن محوريا في عنف الإمبراطوريات زمن الحداثة المبكرة. وقد ارتبطت هذه الهُدَن عادة بتفاهمات حول دفع الجزية وشروط العودة للحرب كتحديد مدة زمنية معينة قد يتحجج أحد الطرفين خلالها بخرق الطرف الآخر للهدنة، فيصبح ذلك مبررًا لشن الحرب مجددا. بل إن بعض شروط معاهدات الهدنة كانت تحمل في طياتها حتمية الحرب لاحقا (ص. 37). وقد تكرست هذه السلسلة المتعاقبة من الإغارة ومهل الاستسلام والتفاوض بشكل جعلها تصبح نظامًا متكاملًا له وتيرته ومنطقه. لكن كونه نمطًا منظمًا ومألوفًا لا يعني أن العنف الناتج عنه كان أقل درجة أو أسهل على التنبؤ به، بل إن بعضا من أشد الأعمال العدائية وحشية في عالم الحداثة المبكرة قد ارتكبت خلال أو عقب فترات هدنة (ص. 25). ذلك أن خرق الهدنة يعتبر مساسا بالشرف ومرادفًا للخيانة مما يضفي على جريمة خرق الهدنة حمولة أخلاقية ودينية يتم توظيفها في التهييج العاطفي الذي يلي دعاوى سقوط الهدنة. فيصبح خرق الهدنة مبررًا لإنزال أشد أشكال “العقاب” التي استُبعِدت عند توقيع الهدنة، مثل استهداف النساء والأطفال والقتل العشوائي واستعباد مجموعات بشرية كاملة ممن تم إخضاعهم. لقد كان للهدنة قاموس خاص يوظف للتوصيف القانوني والأخلاقي للصراع. تخلص بينتن إلى أن عباءة العدالة والمشروعية كانت عادة ما توظف لارتكاب أشد أنواع العنف قسوة ووحشية، وقد شكل هذا العنف الاستثنائي المبرَّر قانونيا الإطار والخلفية للتوسع السياسي بالقوة أو بالتفاوض عبر جغرافيات عالم الحداثة المبكرة.
بموازاة مع هذا الواقع الاستعماري، كان هناك انشغال وهوس مستمران على المستوى النظري بتعريف العنف في المستعمرات كرد فعل على خرق الهدن. وقد نَظَر المحاربون الأوروبيون ورجال القانون والسياسة على حد سواء إلى خرق معاهدات الهدنة كعامل مفتاح لتبرير سلسلة الحروب الصغرى، وهو ما منح غطاء لتصوير فصول العنف الإمبريالي كأجوبة متوقعة على الاستفزاز في نفس الوقت الذي تحولت فيه عمليات الإغارة والنهب إلى برنامج غزو. لقد شكلت الهدن عناصر حاسمة للغزو، فهي بمثابة استراحة من الحرب لكنها تنذر بشبح الحرب الدائمة باستمرار، وتسمح في نفس الوقت للمحارب الأوروبي بتعريف نفسه كصانع سلام (ص. 29). من هنا يأتي عنوان الكتاب “سموه سلامًا” وهي عبارة اقتبستها بينتن من فقرة في كتاب “حياة أجريكولا” الصادر سنة 98 ميلادية للمؤرخ الروماني تاسيتوس، وهي كالآتي: “أن يخربوا، وأن يُذَبِّحوا وأن يعتلوا سلطة غصبا ويتخذوا لأنفسهم ألقابا زائفة، فيسمون ذلك إمبراطوريات، وحيثما يحولون أرضًا إلى قفار، فذلك يسمونه سلامًا”1.
شكل التهديد بالعنف المفرط المنطقَ المنظِّم للحروب الصغرى بشكل كرَّس تعاقب فترات الحرب والسلم من جهة، وإمكانية الانتقال من الإغارة إلى المذبحة من جهة أخرى. لذلك فيمكن القول بأن الغزو كان سلسلة من الهدن يتم صنعها وتفكيكها باستمرار. وقد سجل تاريخ الحداثة المبكرة باستمرار مذابح وإغارات مدمرة وأشكالا أخرى من العنف المفرط ضد مدنيين كعقاب على عدم احترام الهدن (ص. 37). كانت الإغارة والهدنة المقرونة غالبا بدفع الجزية نمطًا معينًا من تكريس الغزو سواء بالقوة أو بالسلم، نمط تتناوب فيه الإغارة (الحرب) مع الهدنة والجزية (السلم). من بين الأسباب التي جعلت الهدنة وخرقها أمرًا شائعًا ومتكررًا أن معاهدات الهدنة لم تميز عادة بين ما تسميه بينتن بـ”العنف الخاص” (أي الصادر عن الأفراد والجماعات غير المرتبطة بسلطة سياسية ما) و”العنف العام” (أي المرتبط بسلطة سياسية أو هيئة حكم ما)، وبالتالي فقد كان تعريف الهدنة وخرقها أيضًا فضفاضًا (ص. 41).
أ- الإغارة كنمط عنف بين الحرب والسلم
تنطلق بينتن من تفصيل تاريخي يكشف عن أهمية ثنائية الإغارة والهدنة في حالة الأندلس مثلًا، إذ إن حكام غرناطة والملوك المسيحيين قد وقعوا ما مجموعه سبع وأربعون معاهدة هدنة منذ أول معاهدة وقعت سنة 1246 وحتى تاريخ سقوط غرناطة. ولم تخرج معاهدة الهدنة بعد غزو غرناطة عن منطق سابقاتها من الهدن التي وقعها المسلمون والمسيحيون. لذلك فقد كانت معاهدة الهدنة في أعقاب سقوط غرناطة مقدمة لبدء الحرب، رغم أن شبح الحرب أو التهديد بها كان يصاحبه دوما الزعم بأن الهدف المتوخى من الحرب هو بلوغ السلم (ص. 42). ولذلك ترى بينتن بأن غزو غرناطة (أو استكمال حروب “الاسترداد”) لم يعنِ نهاية للصراع، بل “نقطة تحول ضمن مركب من الإغارة والنهب امتد بعد ذلك نحو شمال إفريقيا” (ص. 211).
ركزت بينتن في تأكيدها على أهمية ثنائية الإغارة والهدنة في زمن الحداثة المبكرة على نموذجين، هما الغزو الإسباني ثم البريطاني للقارة الأمريكية. وتبدأ بنموذج وثيقة “الحق في الغزو” الشهيرة المعروفة ب(Requerimiento)، وهي عبارة عن مرسوم ملكي إسباني يمنح الغزاة الإسبان الحق الإلهي في السيطرة على أراضي العالم الجديد، وتُقرأ على مسامع السكان الأصليين لتدعوهم للاستسلام مع منحهم وعدًا بالحماية مقابل السلام، وتهديدا بالعنف في حال الرفض. تعبر هذه الوثيقة عن اهتمام ولو شكلي بهاجس الشرعية في ممارسة العنف، فهي تخول شرعية الإغارة والعنف وتبين الشروط التي بموجبها يمكن شن الحرب (ص. 45-46)، رغم أنها كانت تقرأ على مسامع سكان لا يفهمون اللغة الإسبانية، وهو ما عبر عنه الراهب والكاتب الإسباني بارطولومي ذي لاس كاصاص (Bartolomé de las Casas)، المعارض لسياسة الغزو واستعباد السكان الأصليين، حينما قال بأن الوثيقة كانت “تقرأ على مسامع الأشجار”، فكان يفسَّر صمت الأهالي مثلًا على أنه قبول وإذعان، مع ما يعنيه ذلك من تبعات إجرائية وقانونية وأخلاقية. في مراسلاته للملك الإسباني، حاول الغازي الشهير هِرنان كورتيس (Hernán Cortés) شرح المبررات الدينية والقانونية لطريقة تعامله مع السكان الأصليين، فيخبر الملكَ بأن سكان مدينة طينوتشتيتلان (Tenochtitlan) في المكسيك وعلى رأسهم الحاكم موكتيزوما (Moctezuma) قد أعلنوا ولاءهم للعرش الإسباني، وهو ما يجعل منهم رعايا للملك، وبالتالي فيمكن اعتبار أي عمل من طرفهم قد يفسر على أنه عدائي، بمثابة خيانة تستحق أشد أنواع العقوبات وأقسى درجات العنف، وهو ما حدث فعلا بقيام كورتيس بحرق المدينة وتدميرها (ص. 47). تكرر نفس الشيء في مذبحة تشولولا (Cholula) الشهيرة سنة 1519، والتي بررها كورتيس بنفس المنطق الذي يجمع بين مقولة الحق في الدفاع عن النفس والترخيص الضمني لمعاقبة رعايا كانوا قد سبق أن أعلنوا استسلامهم لكنهم لم يسلموا سلاحهم. ورغم أن كورتيس لم يَتْلُ على الأهالي الوثيقة المذكورة، فقد كان منطق خرق الهدنة كافيًا بالنسبة له.
تشير بينتن إلى أن مصطلح “التهدئة” (pacification) قد دخل القاموس الإسباني في هذا السياق التاريخي من خلال كتاب الرحلة حول “بعثة غزو كوروناذو” سنة 1540 للكاتب والغازي الإسباني بيذرو ذي كاصطانييذا ذي ناخِرا (Pedro de Castañeda de Nájera) لتسمية العنف العقابي ضد خارقي الهدنة أو الثوار. وهكذا دخل مصطلح التهدئة القاموس الإمبريالي منذئذ لوصف العنف المسلط ضد السكان كعقاب على خرق الهدن والغدر المزعومَين (ص. 50).
يرتبط النموذج الثاني لدور الهُدَن في بنية العنف الاستعماري بالاستعمار البريطاني في شمال أمريكا. هنا يتكرر نفس المنطق في حروب البيكوت (Pequot) في منطقة إنجلترا الجديدة (شمال شرقي الولايات المتحدة) سنة 1637، والتي انتهت بشبه إبادة كاملة لهنود البيكوت، وعرفت تعاقبًا متواليًا للإغارة والهدن الفاشلة، ويستخدم فيها فشل التفاوض حول شروط الهدنة كحجة وفرصة لبدء الحرب مجددًا (ص. 54). تم في هذه الحروب أيضا استحضار مقولة الحرب العادلة أو المشروعة كجزء من الترسانة البلاغية أو اللغوية لتبرير العنف (ص. 55). كما اعتمدت التبريرات الإنجليزية أيضًا على أحكام معينة حول سلوك الهنود البيكوت، حيث لم يكن المشكل يتمثل فقط في إغاراتهم المتكررة، بل أيضًا في عدم مصادقتهم أو التزامهم المزعوم باتفاقات السلام، فكانوا يوصفون بالغدر والنزوع الفطري نحو العنف وبطبعهم المتشدد والعنيد.
تزامنت هذه الحروب الإمبريالية مع محاولات في أوروبا للتنظير للحرب والعنف، وتذهب بينتن إلى أن رؤيتنا للكتابات الأوروبية حول القانون والحرب ستتغير عندما نقرؤها على ضوء تاريخ العنف الإمبريالي. لا نتحدث هنا عن حقل قانوني مستقل بذاته، بل عن كتابات وتعليقات وحواش هنا وهناك شكلت الخلفية أو الإطار الذي شرعن العنف الاستعماري من خلال جدلية الهدنة والإغارة (ص. 56). لقد خلقت هذه النقاشات والكتابات المتفرقة حول المنطق القانوني للعنف الروتيني للاستعمار الإطار والمرجع الذي نهل منه الغزاة والمستوطنون والضباط والقادة السياسيون وموظفو الإمبراطورية، وقد عكس فهما مشتركًا لإيقاع وطبيعة الحروب الصغرى.
لا شك أن التفكير في مفاهيم مثل الحرب العادلة والهدنة والدفاع عن النفس قد سبق أن شكل لزمن طويل هاجسًا فعليا خاصة عند المنظرين القانونيين. فمثلًا، بينما ساد في أواخر العصور الوسطى الرأي القائل بضرورة الحفاظ على مراحل السلم المؤقت وحماية فئات معينة هشة خلال زمن الحرب، جاء القانوني الإيطالي غراتيان (Gratian) الذي يعتبر الأب الروحي للقانون الكنسي في القرن الثاني عشر، ليُقِرَّ بأنه عندما تكون الحرب عادلة، فيمكن أن تستمر في أي وقت، بل حتى خلال فترة الصوم الكبير المعروفة في الشعائر المسيحية (ص. 56). كما أقر غراتيان بشرعية كل أنواع الخدعة في الحرب كالهجوم المباغت بشرط أن تكون في سبيل حرب عادلة، لأن الحرب العادلة هي بطبيعتها حرب اضطرارية وليست اختيارية، كما أن المعاهدات لم تحرم أبدًا العنف الذي يكون مدفوعا بالدفاع عن النفس. أما القانوني السكولائي الإيطالي إنريكو دي سيغوسيوس (Henricus de Segusio) المعروف بلقب “هوسيانسيس” في القرن الثالث عشر فقد منع القتال أثناء الهدنة لكنه أكد شرعية الحرب ضد الشعوب التي لم تحترم مواثيقها مع المسيحيين. ثمة نقاشات أخرى شغلت منظرين آخرين في اللاهوت السياسي، وهي متعلقة مثلا بالفرق بين الهدنة القصيرة الأمد والهدنة الطويلة الأمد، كما هو الحال عند القانوني الإيطالي بييرنيو بيلي (Pierino Belli)، أو إن كانت الهدنة أقرب إلى وضع السلم أم إلى وضع الحرب أم أنه يجب تصنيفها كنوع ثالث.
تركز بينتن بشكل خاص على آراء قانونيَّيْن بارزَيْن في بداية القرن السابع عشر وهما الإيطالي ألبريكو جينتيلي (Alberico Gentili) والهولندي هوغو غروتيوس (Hugo Grotius) واللذين يعتبران اليوم من الرواد أو الآباء الروحيين للقانون الدولي. اعتبر كل من جنتيلي وغروتيوس أن الهدنة مختلفة عن السلم، فهي بالتالي مجرد استراحة من الحرب، وهو ما يعني أن العنف يمكن أن يستمر دون إعلان حرب جديد، ودون طقوس لإعلان المرحلة الانتقالية (ص. 57-58). لكن ثمة تساؤلات أخرى تبقى مفتوحة في تنظير جنتيلي وغروتيوس. مثلًا، متى يمكن الجزم بأنه قد تم خرق هدنة ما؟ يميز الإثنان بين قوانين الحرب المنظمة التي تمارسها سلطة معينة أو فاعلون باسمها من جهة وفوضى العنف الممارس خارج حدود السلطة من جهة أخرى. يرى جنتيلي بأن حروب الرومان مثلًا كانت مشروعة. فبعد إخضاعهم للشعوب في منطقة نفوذهم، اعتبر الرومان الصراعات المتبقية بمثابة ثورات وجب إخمادها، واعتبروا الفترات الفاصلة بين ثورة وأخرى بمثابة هدنة، كما اعتبروا الثوار متوحشين ميالين للعنف بالفطرة. وأمام استمرار الحرب بأشكال أخرى، اضطر الرومان حسب جينتيلي للجوء إلى القسوة، وخلصوا إلى أن القسوة المفرطة كانت السبيل الوحيد لتحقيق السلام (ص. 59). يتفق غروتيوس مع جنتيلي حول حق الأطراف استئناف الحرب وإنهاء الهدنة كلما كان ذلك مبررا بالدفاع عن النفس وكرد فعل إزاء ما يمكن اعتباره تجاوزات للطرف الآخر. لكن غروتيوس أكد أيضا على أن الهدف الأخير من شن هذا النوع من الحرب هو تحقيق السلام. تُذَكرنا بينتن بأن غروتيوس كان قد أصدر كتابه “حرية البحار” (Mare Liberum) سنة 1609 بإيعاز من شركة الهند الشرقية الهولندية، أبرز ذراع تجارية للاستعمار الهولندي في آسيا، لشرعنة استيلائها على باخرة برتغالية في خليج سنغافورة بدعوى التجارة الحرة والدفاع عن النفس. أما جينتيلي، فقد ذهب في سياق تبريره لوجهة نظر الإنجليز في صراعهم ضد الإسبان في بحر الكاريبي وجامايكا سنة 1654 إلى اعتبار الحرب الاستباقية حربا مشروعة. ولم يكن ضروريا انتظار خرق ما لشن الحرب، بل إن أي تخوف مشروع من عنف محتمل مستقبلا قد يصدر عن خصم ما هو في حد ذاته كاف.
لم تكن الهُدَن متناقضة مع منطق الإغارة بل إنها حملت في طياتها بوادر حروب لاحقة. شكلت الهدن دوما سياقا لتنامي البارانويا والاتهامات بالخيانة ومبررات القتل الجماعي، كما كرست تمثلات عنصرية عن السكان الأصليين كمتوحشين ميالين للغدر ولا يمكن الوثوق بهم. لقد كانت هذه الميولات وتعاقب معاهدات الهدنة ثم خرقها متجذرة بشكل جعلها عناصر أساسية في نظام عالمي للعنف. لذلك من الصعب علينا أن نتجاهل الطابع التراجيدي للهدن، فقد كانت الهُدَن أدوات لاحتواء الحرب لكنها وظفت في نفس الوقت للانتقال “من خيارات قاتمة مثل الأسر أو القتل إلى خيارات أكثر قتامة مثل الإبادة”. تخلص بينتن إلى أن ثمة علاقة متينة بين الخطاب الأوروبي حول الهدن وديناميات الحروب الإمبريالية الصغرى (ص. 60). ويتضح هذا الارتباط في التنظير (القانوني) وفي الواقع (الاستعماري) بحيث تعاقبت ديناميات الحرب والسلم بشكل يكاد يصعب التمييز بينهما، ولم يكن هذا اللبس بين الحرب والسلم صدفة عابرة فقط، بل كان لَبْسًا بنيويا عميقًا.
ب- الأَسْر كممارسة لبناء العائلات:
إذا كانت الحرب العادلة تشرعن الإغارة فإنها أيضًا تشرعن عمليات الأسر والسبي المرتبطة بها. شكَّل الأسر ضرورة وحاجة بنيوية للإمبراطوريات الأوروبية زمن الحداثة المبكرة. يعود ذلك إلى رغبة هذه الإمبراطوريات في إنشاء وتوسيع مراكز ومواقع وثكنات في القارات البعيدة مما يتطلب امتلاك أسرى كقوة بشرية يتم إدماجها في مخططات وبرامج أوسع لتحويل هذه المواقع الاستعمارية إلى مستوطنات قارة (وهو ما يختلف مثلًا عن المجتمعات المتوسطية في القرن السابع عشر والتي مارست الإغارة والأسر أيضًا لكنها لم تعمد إلى دمج الأسرى والعبيد في مجتمعاتها لأن قيمة هؤلاء الأسرى كانت تتلخص غالبًا في كونهم عملة للتبادل ترتبط بأداء الفدية وحسب). بعبارة أخرى، كان المستوطنون والجنود والتجار الأوائل في مراكز وحاميات المحيط الهادي والهندي والأطلسي بحاجة إلى الاستقرار وتكوين عائلات للاستيطان، وهذا ما جعل الإغارة على المناطق المحاذية وأخذ أسرى ممارستين “مشروعتين”. وهكذا أصبحت لرب الأسرة في المناطق البعيدة سلطة امتلاك أسرى وسلطة تأديبهم، تماما مثل سلطته في كل ما يخص شؤون المنزل والعائلة من أطفال ونساء وعبيد (ص. 61). ولذلك شكلت العائلات المتمركزة في هذه المراكز العسكرية في سواحل آسيا وإفريقيا وأمريكا لبنات أساسية في نظام النهب العالمي. ومع تكاثر العائلات، تحولت هذه المراكز الإمبريالية إلى مجموعات بشرية ممتدة أصبح باستطاعتها شن الحرب بدعوى الدفاع عن النفس، ومن ثم ضم كل ما يتم الاستيلاء عليه في عملية “الدفاع عن النفس” هذه من أرض وأسرى إلى ملكية أرباب العائلات، بحيث يصبح تدبير شؤون هذه الملكية نفسه جزءا من تدبير شؤون العائلة الأكثر خصوصية وحميمية. كان تَشَكُّل العائلات المستوطِنة الأولى ضروريا لتحويل هذه المواقع أو الحاميات الاستعمارية الساحلية لمستوطنات ثابتة، وهو أمر انتبه العسكريون وموظفو الإمبراطورية الأوائل لأهميته لإضفاء الشرعية على سلطتهم ولتكريس حضور المستوطنات ككيانات، ثم لضمان قدرة الأوروبيين على جذب اليد العاملة التي تتأتى عبر الإغارة والأسر (ص. 63). لذلك ترى بينتن بأن العنف الخاص كان ذريعة مؤسِّسة للحكم الإمبريالي ولأنظمة استعباد واسعة (ص. 26). لقد تأسس الحكم الإمبريالي في بداياته على هذا التداخل والتكامل بين الخاص والعام، أي بين نظام عنف وغنائم لفائدة الأفراد والعائلات (private profit) ونظام شرعية عامة تبسط وتكرِّس سلطة الحكم السياسي للإمبراطورية (public legitimacy).
إن أفضل تجسيد لهذا الارتباط الوثيق بين الإغارة والأسْر من جهة وتدبير المنزل والعائلة من جهة ثانية، يتجلى فيما تسميه بينتن بـ”إمبراطوريات الحاميات” (garrison empires)، أي المراكز والمواقع المحمية التي أنشأتها القوى الأوروبية في بدايات مغامراتها ما وراء البحار على السواحل الأسيوية والإفريقية والأمريكية، والتي شكلت فيما بعد النواة لمدن تسكنها عائلات ومستوطنون ويحكمها موظفو الإمبراطورية. لتبيان محورية عائلات المستوطنات في التأسيس لديناميات الإغارة والرق، تركز بينتن في الفصل الثالث على نموذجين، وهما نموذج المستعمرات أو الحاميات البرتغالية على المحيط الهادي في القرن السادس عشر، ثم نموذج الحاميات البريطانية في بحر الكاريبي في القرن السابع عشر2. في كلا النموذجين، كان الطابع السياسي للمستوطنات الأولى مرتبطًا بشكل وثيق بدور العائلات وتدبير شؤونها ككيانات سياسية في حد ذاتها (ص. 62)، ناهيك عن أن سبي النساء والأطفال وإلحاقهم بمنازل العائلات المستوطِنة شكل مصدرًا للربح والثروة وكسب المكانة الاجتماعية بين العائلات. وكان هذا الأمر محط إجماع بين العائلات والجنود المستوطنين والرحالة، إلى درجة أن الموظفين والمسؤولين الذين عارضوا عمليات الإغارة أو توسيع سلطات رب العائلة لتشمل الأسرى كان يتم توبيخهم من طرف الحكام في الميتروبول أو قد يتعرضون لمحاولات تمرد داخل المستوطنات.
لم تكن هذه العلاقة الوثيقة بين العنف الإمبريالي وتدبير شؤون عائلات المستوطنات بدورها بعيدة عن انشغالات المنظرين الأوروبيين في القانون واللاهوت السياسي خلال تلك الفترة أيضا. فقد رأى هؤلاء ضرورة بناء وتشكل العائلات والمجموعات المستوطنة ككيانات سياسية وربطها بحق المستوطنات في شن الحروب الدفاعية. بمعنى آخر، لقد حاول هؤلاء المنظرون الأوروبيون خلق إطار قانوني يُعرِّف الشروط التي تسمح بتحويل الإغارة بصفتها “عنفًا خاصا” (private violence) إلى “حرب عمومية” مشروعة (public war)، أو بعبارة أخرى، خلق إطار نظري للنهب في زمن السلم (ص. 64). لقد ساهمت من الناحية النظرية وفي الواقع، إعادة تعريف عائلات المستوطنات (بما هي كيانات أو وحدات اجتماعية) كلبنات أساسية للشرعية السياسية في شرعنة النهب الإمبريالي، والعكس صحيح. لذلك فإننا سنعجز عن رؤية علاقة العائلات بالعنف إذا اعتبرنا هذه العائلات وحدات اجتماعية فقط، وليس ككيانات سياسية، وكذلك إذا اعتبرناها فقط من زاوية التمييز التقليدي بين عالم ذكوري تحضر فيه السياسة وعالم نسائي خاص وحميمي لا تخترقه السياسة. لقد كان فضاء الأسرة والمنزل فضاء سياسيا بامتياز، تتقاطع فيه الشؤون والعلاقات الفردية مع صراعات أوسع حول الحقوق والمكانة الاجتماعية والسلطة الإمبراطورية.
كان أحد هؤلاء المنظرين للعلاقة بين المنزل أو الأسرة في المراكز الاستعمارية الأولى والحروب الصغرى هو القس والفيلسوف اللاهوتي والقانوني فرانثيسكو سواريث الذي كانت لأفكاره صدى كبير داخل البلاط الإسباني ابتداء من الربع الأخير من القرن السادس عشر. فقد أكد سواريث على مشروعية الأَسْر في الحرب العادلة. لكن هذا الحق قد لا يسري داخل نفس الجماعة السياسية أو الدينية، من هنا تحريم الكنيسة لعمليات الأسر في الحروب القائمة فيما بين الأمم المسيحية. أما في حالة الحرب العادلة، فلا توجد ضوابط تمنع الأسر، وبالتالي فإن استعباد الأسرى يعتبر استكمالًا للعمليات التي بدأت في ساحة المعركة أو أثناء عمليات الإغارة، بل إنه قد يعتبر أكثر رحمة لأن أخذ أسرى كعبيد هو أهون من قتلهم حسب هذه الرؤية (ص. 67). ولا يخفى أن هذه الاستنتاجات “المنطقية” لنظرية الحرب العادلة شكلت أساسا للاستعباد في العالم الأطلسي والذي تعرض له كل من سكان إفريقيا وأمريكا الأصليين. ورغم أن سواريث لم يؤكد على مشروعية الحروب الصغرى أو العنف الخاص، لكنه لم ير مانعا من أشكال العنف الخاص إذا كانت في سبيل مشروعية عامة أو سمحت بها سلطة عمومية. وهو ما يعني أن الحروب الصغرى (الإغارة، الأسر، الخ) مشروعة إذا كانت في خدمة سلطة سياسية أو إدارية عليا أو الصالح العام (ص. 68)، فتصبح بذلك جزءًا من الحرب العادلة.
ما علاقة هذه المواقف بشرعنة العنف في إمبراطوريات الحاميات؟ تتلخص فكرة سواريث في أن عنف أفراد (أو عائلات أو جماعات بشرية مصغرة أو خاصة) قد يصبح مشروعًا إذا توافقت تبريرات هذا العنف مع ترخيص سلطة عمومية. وهكذا فإن الجماعات السياسية الناشئة في المستعمرات من مالكي أسرى وعائلات تمتلك الحق في شن الحرب ما دام أن أفعالها وأسبابها وأهدافها تتوافق مع أهداف السلطة العمومية (ص. 68-69). تنبه بينتن إلى أن كتابات سواريث ظهرت بعد عقود من إنشاء الحاميات الأوروبية الأولى على السواحل الهندية والأطلسية، ولذلك فأعماله ليست دليلًا لتحويل الحاميات إلى مستعمرات أو المصالح الخاصة لأهداف إمبريالية. لكن من الواضح أن الهواجس والمعضلات التي شغلت سواريث وباقي المنظرين القانونيين ومفكري اللاهوت السياسي في أوروبا هي نفسها التي كانت تشغل العسكريين والسياسيين والموظفين الأوروبيين المتواجدين في مناطق الحضور الاستعماري.
انطلق البرتغاليون والبريطانيون في بدايات مغامراتهم في ما وراء البحار من مبدأ “ممارسة التجارة حين يكون ذلك ممكنا وشن الحرب حينما يكون ذلك ضروريا”، بتعبير أحد المؤرخين (ص. 69). وقد كانت الإغارة سواء في البر أو في البحر (القرصنة) جزءًا أساسيًا من هذه التجارة بالقوة، بحيث خول التفوق العسكري والتسليحي للبرتغاليين بالاستيلاء على سفن بكاملها أو حماية أخرى بمقابل مادي. فكان من الطبيعي أن يقوموا بتحصين الموانئ عسكريا لحماية الشحن ولانطلاق عمليات الإغارة منها. في إحدى مراسلاته للملك البرتغالي، رأى القائد أفونسو دي ألبوكيركي (Afonso de Albuquerque)، حاكم الهند البرتغالية والذي سبق له أن قاد الاحتلال البرتغالي لمدينتي طنجة وأصيلا سنة 1471، بأن الحاميات المحصنة كانت ضرورية لأنه من المستحيل حكم بلاد شاسعة مثل الهند من البحر فقط (ص. 74). لكن الحاميات لم تكن كافية لاستكمال دعائم الإمبراطورية. كان من الضروري دعمها بمجموعات عائلية مستقرة. ولذلك نصت التعليمات الملكية في البداية على تشجيع زواج البرتغاليين بالنساء المحليات لدعم السلم والاستقرار داخل المستعمرة. من بين الإجراءات التي طبقت لتشجيع هذا الزواج منح المتزوجين قطعا أرضية ومناصب في قيادة الحامية وصلاحية تقلد مراتب في السلطات البلدية. وهكذا أصبح هؤلاء المستوطنون أرباب عائلات ومنَحَ حضورهم في هذه الحاميات طابعا رسميا لهذه المدن والمراكز (ص. 76).
في مستعمرة غوا (Goa)، إحدى أهم المستعمرات البرتغالية على الساحل الهندي وفي الشرق الأسيوي بشكل عام، لعب دي ألبوكيركي دورا محوريا في كتابة عقود الزواج التي كانت دائمًا بإذنه. بل إنه في إحدى مراسلاته وبعد ما اعتبره نجاحًا للزواج كأساس لإنشاء المدينة، طلب من الملك أن يأذن بطرد السكان المحليين لتوفير الأراضي الكافية لمنحها للمتزوجين. كان دي ألبوكيركي عادة ما يعبر عن انزعاجه من الحالات التي يتم فيها أخذ نساء من المنطقة دون إذنه، وكان يرى أن التحكم في مصير النساء مفتاح لتحويل غوا من حامية إلى مدينة وكذا لتثبيت سلطته على المغيرين وعمليات الإغارة بشكل عام (ص. 80). من خلال إحالة بينتن على كم هائل من المراسلات التي وجهها دي ألبوكيركي سواء للملك أو لجهات أخرى منافسة، يتبين هذا التحول التدريجي للحضور البرتغالي من إنشاء حاميات على السواحل الهندية وتحصينها ثم الانطلاق للإغارة على المناطق المحاذية لغرض التوسع والأسر، ثم تحويل الغنائم إلى ملكية وإدماج الأسرى في المجموعات العائلية، ثم رفع شعار حماية العائلات ومساكنها كمبرر لاستمرار عمليات الإغارة بدعوى الدفاع عن النفس (ص. 81).
تشبه الحالة البرتغالية الحالة الإنجليزية في المحيط الأطلسي وبحر الكاريبي، حيث عمد الإنجليز إلى إنشاء مدن ومجموعات بشرية في بحر الكاريبي انطلاقًا من حاميات وتحصينات كانت تسهل عمليات الإغارة والقرصنة ضد البواخر الإسبانية أو السكان الأصليين. وقد تزامنت عمليات الإغارة مع مسلسل إنشاء الجماعات العائلية التي تضمنت توزيع الأراضي والبحث عن مصادر لجلب الخدم وتشجيع هجرة العائلات من مستعمرات أخرى وتشجيع تجارة العبيد. ولذلك، كما تقول بينتن، “ليس من المبالغة القول بأن الأسس القانونية لعبودية المزارع قد بدأت مع عمليات توسيع حجم الوحدات العائلية في المستعمرات الإنجليزية” (ص. 82). وإذا كان الإنجليز قد شجعوا على الإغارة وعلى تجارة الأسرى والعبيد، فإن الأمر لم يكن يراد له أن يبقى حكرًا على الأفراد المغيرين فقط، بل كان ضمن سياسة ملكية لتشجيع إنشاء عائلات قادرة على امتلاك أسرى وإدماجهم في دائرة المنزل والعائلة. ولذلك اشترط العرش البريطاني لمنح الأراضي قدرة الممنوحين على توفير الخدم التابعين لهم وليس العكس. كان الربط بين ملكية الأرض وملكية العبيد جزءا من سياسة تبناها العرش البريطاني. شكلت العائلات في جامايكا وفي غوا “نقطة وصل بين جاذبية الإغارة المستمرة والاهتمام المتزايد بالاستقرار وتملك كائنات بشرية كخدم وعبيد” (ص. 89).
تم تبرير هذا العنف زمن السلم أحيانًا بمقولة حق العائلات في الدفاع عن النفس من المخاطر المحيطة بها، وأحيانًا أخرى بمنطق أن المعاهدات الأوروبية حول الحرب تخص الدول الأوروبية فقط ولا تنطبق على المستعمرات. وقد شكل هذا المبرر جزءا أساسيا من العقيدة الاستعمارية البريطانية في تمييزها بين ما يسمى بـ”مجال القانون” و”مجال العنف” والذي نجده لاحقًا في فلسفة كارل شميت السياسية (ص. 227). غني عن التذكير بأن هذه المقولة أصبحت لازمة ولو بصيغ مختلفة في التجارب الاستعمارية بشكل عام. فقد كان البريطانيون يتذرعون أيضا في نزاعاتهم ضد الإسبان في محيط بحر الكاريبي، بأن هؤلاء لا يسمحون للسفن البريطانية بالتجارة بِحُرية، وهو ما يعد خرقًا للقانون الطبيعي (natural law)، وأحيانا أخرى بمقولة الحرب الاستباقية بناء على إشاعات حول إمكانية تعرضهم لهجوم ما من طرف الإسبان أو الفرنسيين. كانت للإنجليز طرق مرنة لتبرير العنف، وكانوا دائما يضفون طابعًا دولتيًا قانونيًا لأشكال العنف الخاص (ص. 91). تنعكس هذه المقولات على القاموس الذي وظفه البريطانيون للحديث عن إغاراتهم وعملياتهم الحربية. كانت الإغارة والقرصنة في البحر، كما سبق، سياسة متبعة يشجعها العرش البريطاني، لكن البريطانيين دأبوا على تسميتها بالانتفاع الخاص أو الاستحواذ بالوكالة وهو ما تحيل عليه مفردة (privateering) بالإنجليزية لتمييزها عن القرصنة (piracy)3، وذلك لإضفاء طابع الشرعية القانونية عليها، خاصة وأنها مرتبطة بترخيص ومباركة رسميين. كان دور الدولة واضحًا في تشجيع عمليات القرصنة هذه وفي مصير الأرباح والغنائم التي تجنى منها. بل إن القراصنة كانوا عادة ما يعبرون عن امتعاضهم من أن العرش البريطاني كان يحصل على حصة الأسد من الغنائم التي يستولون عليها في أعالي البحار (ص. 228).
ما سبق حول نظرية فرانثيسكو سواريث حول الحق في العنف الخاص وكيف يمكن أن يكون جزءًا من الحرب العامة هي نظرية طورها هوغو غروتيوس في بداية القرن السابع عشر، والذي أكد بدوره على حق الأفراد والمؤسسات في العنف والحرب. ألف غروتيوس، كما سبقت الإشارة، كتابًا تحت عنوان “حرية البحار” يدافع فيه عن مشروعية استيلاء شركة الهند الشرقية الهولندية على الباخرة البرتغالية “سانتا كاتارينا” في مضيق سنغافورة بحجة أن البرتغاليين كانوا يضرون بمصالح الهولنديين بحرمانهم إياهم من “حقهم الطبيعي” في السفر والإبحار لغرض التجارة. اعتمد غروتيوس على المقولة السكولائية، خاصة عند فيلسوف القانون واللاهوت السياسي الإسباني فرانثيسكو ذي فيطوريا (من بداية القرن السادس عشر)، القائلة بأن حق الإسبان في القارة الأمريكية يستمد شرعيته من رفض الهنود الاعتراف بحق الإسبان بموجب القانون الطبيعي في السفر والتجارة. يرى ذي فيطوريا أن جماعة سياسية (civitas) قد تحد من مجال تطبيق هذا الحق، لكنها لا تملك الحق في منعه تمامًا. أما غروتيوس فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث أقر بحق الأفراد في معاقبة من يخرق قانونًا طبيعيا مثل الإبحار والتجارة.
لكن ليس كل عنف يمارسه الأفراد مشروعًا حسب غروتيوس: “إن الحق في معاقبة من يخرق قانونًا طبيعيًا مكفول فقط في المجال الذي لا تحضر فيه سلطة عمومية، كما هو الشأن في البحار أو القفار أو الصحاري أو الجزر أو أماكن أخرى لا توجد فيها حكومة أو ممثل عن سلطة ما” (ص. 95). يقر غروتيوس بأن الجماعات العائلية لا ترقى كلها إلى مرتبة الجماعة السياسية (civitas) ليكون لها الحق في شن الحرب. تجاوز غروتيوس هذه المعضلة من خلال تعريف مجالي ترابي للجماعة السياسية. إن الغنائم والأسرى وبضائع التجارة لا تصبح شرعية إلا إذا تم استقبالها ضمن مجال ترابي معين، وهنا تأتي أهمية الحاميات والتحصينات. إن تعيين مجال ترابي بحدود معروفة كما هو الشأن بالنسبة للحاميات هو الذي يخول للجماعة الحق في شن الحرب والإغارة، ناهيك أيضًا عن حضور جيش أو كتيبة عسكرية تمثل السلطة العليا (كالعرش البريطاني مثلا) داخل هذه الحاميات (ص. 96). ما يعنيه ذلك هو أن اعتبار جماعة من المغيرين جزءًا من الجيش ووجود مجال ترابي تحت سلطة عسكرية هما اعتباران رمزيان كفيلان بشرعنة الحق في شن الحرب. وبينما أكد سواريث على أن شرعية الحرب المحدودة أو الإغارة مشروطة بتوافق أهداف هذه الحرب مع الأهداف العامة للسلطة السياسية، ذهب غروتيوس إلى أن تعيين المجال الترابي عنصر كاف لتبرير الحرب. كان سواريث وغروتيوس وآخرون محكومين بهاجس تعريف الجماعة السياسية التي يصبح الدفاع عنها مبررًا لشن الحرب، وكيف يمكن أن تكون هذه الحرب عادلة عندما يبادر إليها أفراد في مجالات لا تحضر فيها مؤسسات السلطة الإمبراطورية (ص. 96).
تؤكد بينتن أن ربطها بين النظريات الأوروبية والممارسات الاستعمارية لا يعني بأن الأوروبيين الموجودين في المستعمرات كانوا يتابعون كتابات القانونيين وفلاسفة اللاهوت في أوروبا مثل سواريث أو غروتيوس. فنادرًا ما كان لأحد هؤلاء المستوطنين والضباط والجنود وموظفي الإمبراطورية تكوين قانوني أو لاهوتي أو له اطلاع علمي على الكتابات في مجال القانون واللاهوت السياسي. كما أنه من الصعب البرهنة زمنيا على حدوث تأثر ما بين هذا وذاك، إذ حل البرتغاليون في المحيط الهندي زمنًا قبل ميلاد سواريث وغروتيوس. لا يمكن تبسيط الأمر وكأنه علاقة سببية أو علاقة تأثر. لكن الفاعلين في مستعمرات الإمبراطورية وفي محاولتهم توسيع المستعمرات وإنشاء عائلات وتدبير الحرب كانوا يواجهون أشكالًا أو صيغًا مختلفة من نفس المعضلات التي شغلت المنظرين القانونيين. وقد وصلوا إلى خلاصات وحلول شبيهة بتلك التي نظر لها سواريث وغروتيوس وأخرون (ص. 97).
تخلص بينتن إلى أن “الحاميات المحصنة قد وضعت الإمبراطوريات على الخريطة، لكنها لم تكن كافية لتبرز قوة الإمبراطورية. كانت مشروعية السلطة الاستعمارية تتوقف على إنشاء جماعات سياسية قادرة على ممارسة الحكم. وكانت أمور التدبير والحكم تتوقف على العائلات المكوِّنة للمستوطنة الاستعمارية … وجود هذه الجماعات من العائلات هو الذي منح الموظفين الاستعماريين المبرر لشن الحرب ‘الدفاعية’ المزعومة … لقد خولت تجمعات العائلات الحق في شن الحرب المحلية المحدودة في مختلف مراكز وحاميات الإمبراطورية. وقد راكم الموظفون والضباط الاستعماريون سلطتهم وقدرتهم على دعم الحرب بسعيهم الحثيث إلى تحويل الحاميات إلى مراكز حضرية ومدن، والجيوش إلى مستعمرات. وقد جعلت هذه الديناميات من العائلات ركيزة العنف الإمبريالي، وحولت الإغارات إلى عناصر حرب مؤسساتية عامة” (97-98).
- نظام عالمي للسلم المسلح:
تذهب بينتن إلى أن منطق وبنية الحروب الصغرى قد استمرا خلال القرون اللاحقة وإلى اليوم. لكن ثمة تحولات جوهرية حصلت بين منتصف القرن الثامن عشر ونهاية القرن التاسع عشر. غالبًا ما تميل السردية المتعارف عليها حول هذه التحولات إلى الحديث عن بروز نظام عالمي جديد تقوده الدول الوطنية في الغرب والذي تطور انطلاقًا من مبادئ الأنوار وفكرة الحكامة العلمانية والتي امتزجت بدبلوماسية القوى العظمى عند نهاية الحروب النابوليونية، وقد عبر مؤتمر فيينا سنة 1815 عن هذه الرؤية التي تمثلت في موازين قوى أوروبي شكل إطارًا للنظام العالمي. لكن بينتن وخلافا لهذه السردية ترى بأن صراعات وديناميات عنف بعيدة عن أوروبا كانت مركزية في هذه التحولات التي عرفها النظام والقانون الدوليان. ضمن هذا النظام العالمي الجديد، استمر دور التبريرات القديمة لأشكال العنف في المستعمرات، لكن بدأت أيضا تتشكل مقولات وأفكار جديدة حول الدور الفريد الذي يجب أن تلعبه أوروبا في تقنين ممارسة الحرب. وقد غير هذا التأكيد على السلطة القانونية لأوروبا شكْلَ ووتيرةَ العنف الإمبريالي، وفسح المجال أمام بروز ما تسميه بينتن بـ”نظام عالمي للسلم المسلح” (ص. 99). ومثل نظام النهب العالمي، فتح النظام العالمي للسلم المسلح الباب أمام إمكانية التحول من حملات عنف محدودة إلى حملات عنف مفتوحة، وهو تحول كان له منطقه. لقد عكس النظام العالمي للسلم المسلح، حسب تعبير بينتن، “في نفس الوقت جاذبية العنف المحدود ونتائجه التراجيدية” (ص. 102).
يشير المؤرخون والقانونيون عادة في حديثهم عن تطور قوانين الحرب إلى كتابات محورية مثل “قانون الأمم” لإمير دو فاتيل (Emer de Vattel) وقانون فرانسيس ليبر (The Lieber Code) الصادر سنة 1863، لكن غالبًا ما يتم التغاضي عن الدور الذي لعبه عنف زمن السلم منذ القرن الثامن عشر على أطراف الإمبراطوريات. وتورد بينتن مثالا على ذلك من خلال إحدى هذه الحروب الصغرى المحدودة بين الفرنسيين والبريطانيين حول منطقة وادي أوهايو في مستعمرات أمريكا الشمالية سنة 1754، وهو النزاع الذي أفرز جدلًا قانونيًا حول ممارسات وقوانين الحرب. كان النزاع في وادي أوهايو نموذجا فقط لسلسلة من عنف زمن السلم الذي شكل الخلفية وراء النقاشات القانونية حول الحرب في منتصف القرن الثامن عشر. وإذا كنا نعرف اليوم الكثير عن التحولات العميقة في قوانين الحرب، فإننا لا نعرف الكثير عن دور العنف الإمبريالي في بلورة هذه الصيرورة (ص. 104).
أ- الحروب بالوكالة ومبررات العنف في المستعمرات:
تركز بينتن في الفصل الرابع على نموذجين لنزاع بين قوى إمبريالية في المستعمرات لتبين كيف أن هذه النزاعات كانت محورية في بلورة قوانين الحرب لدى الأوروبيين. يتعلق النموذج الأول بالنزاع الفرنسي البريطاني على ساحل كوروماندل جنوب شرق الهند، والذي كشف كيف كانت كل من شركة الهند الشرقية البريطانية وشركة الهند الشرقية الفرنسية (ومن ورائهما بريطانيا وفرنسا) ترسخان فكرة إطار قانوني أوروبي للعنف في المناطق المستعمرة. من بين الذرائع القانونية التي وظفت بكثرة في هذا النزاع حق الدفاع عن النفس الذي أضحى حجة فعالة ومرنة للعنف في زمن السلم، وكذلك مقولة الحرب الاستباقية التي تصبح فيها حجة تهديد الآخر بالاعتداء مبررًا للمبادرة بالعنف ضده (ص. 113). الذريعة الثانية التي وظفها الفرنسيون والبريطانيون هي الزعم بأنهم يقومون فقط بمساندة حلفائهم المحليين في إنهاء تمرد ما في الداخل، وهكذا شكلت الاتهامات بالتمرد أو دعم التمرد غطاء لأعمال حربية في زمن السلم (ص. 114):
“هاتان الحجتان القانونيتان -الدفاع عن النفس والحاجة إلى دعم الحلفاء في محاربة التمرد- تعززان إطارًا سياسيًا أوسع لاستخدام القوة. فالحرب الدفاعية قد لا تكون فقط رد فعل على أذى فوري معين، بل قد تستعمل أيضا لمنع أذى محتمل في المستقبل … وبنفس المنطق، لم تكن هناك حدود أمام ما يمكن فعله لحماية حليف ما من حركة تمرد. إذا كان دعم حكومة شرعية ضد التمرد حجة عادلة لشن الحرب، فإن أي استعمال للقوة ضد أعداء الحليف هو أيضا مبرر” (ص. 114).
هكذا إذن تم استحضار مقولة الحرب بالوكالة ودعم الحليف المحلي في النزاع الفرنسي البريطاني في ساحل كورومانديل الهندي. كما سمحت هذه المقولة بإلقاء اللوم على المقاتلين المحليين في حال اتهام أحد الأطراف للطرف الآخر بخرق القوانين والمعاهدات أو ارتكاب سلوكات مشينة في الحرب. لقد دأب البريطانيون والفرنسيون على إيعاز هذه السلوكات إلى المقاتلين المحليين (يمن فيهم حلفاؤهم) الذين يوصفون عادة بكونهم غير متحضرين وغير جديرين بالثقة. وهكذا فقد سمحت الحروب بالوكالة للأوروبيين أن يحملوا المسؤولية لحلفائهم الهنود عن أي خرق حصل لمعايير السلوك في زمن الحرب، سواء كان خرقًا حقيقيًا أو مزعومًا. كما خولت لهم في نفس الوقت الزعم بأن قوانين الحرب الأوروبية تسري فقط على الحروب داخل أوروبا، وهو ما رسخ الفكرة بأن الأوروبيين مختلفون عن المحاربين المحليين بالتحديد في احترامهم والتزامهم بقانون الأمم (ص. 119). تسوق بينتن نماذج أخرى للنزاعات في منطقة جنوب شرق الهند بين الشركتين الفرنسية والبريطانية فتورد في هذا السياق قراءة وافية في المراسلات الرسمية بين الضباط والفاعلين الإمبراطورين الفرنسيين والبريطانيين فيما بينهم أو مع رؤسائهم في المتروبول، لتُبَين كيف ساهمت هذه النزاعات والسجالات التي صاحبتها في الجدال القانوني حول مسائل مثل أسرى الحرب والسلطة الترابية.
النموذج الثاني الذي تسوقه بينتن هو النزاع الإسباني البرتغالي حول مستعمرات نهر الأوروغواي ومنطقة ريو ذي لابلاطا، وخاصة بعد اتفاق مدريد سنة 1750 الذي تم بموجبه تبادل أراضي ومستعمرات فيما بين القوتين وهو ما أثار حفيظة السكان الغواراني (من الهنود الأصليين الذين اعتنقوا المسيحية بفعل التبشير اليسوعي) في سبع محافظات تابعة للإسبان. تبين بينتن من خلال رصد تسلسل الأحداث كيف أن نفس الخطاب ونفس المبررات تم سوقها لتبرير العنف ضد من يتم اعتبارهم متمردين سواء من الغواراني أو من الهنود الذين لم يعتنقوا المسيحية. في كلتا الحالتين، تحيل بينتن على كم هائل من المراسلات بين الفاعلين من موظفي وضباط الإمبراطورية وسلطات بلادهم في المركز والتي تشرعن لخوض الحرب والقتل من أجل وأد التمرد. تبين هذه المراسلات كيف أن “الترخيص بشن الحرب لم يستدع من الضباط التمييز بين استعمال القوة ضد السكان الأصليين بوصفهم ‘أعداء عنيدين’ أو معاقبتهم كثوار ومتمردين. بل إن النزاعات المتعددة في المنطقة مزجت بين هذين المبررين أو ربطت تسلسلهم” (ص. 130). وهنا، كما في ساحل كورومانديل الهندي، غيرت النقاشات حول القانون في حرب الغواراني وضعية المشاركين في تقنين الحرب، بل إن صدى هذه المقولات في تبرير العنف ضد الغواراني قد انتقل تأثيرها إلى المناخ السياسي في أوروبا نفسها، وهو ما كشف عنه احتدام حملات الملاحقة والطرد ضد الجماعات اليسوعية (jesuits) في بلدان مثل فرنسا والبرتغال وإسبانيا، بعد تخوينها واتهامها بتحريض سكان الغواراني ضد معاهدة مدريد.
تعيد بينتن في هذا السياق التأكيد على أنها لا تزعم وجود علاقة سببية مباشرة بين هذه الحروب الصغرى بعيدًا عن أوروبا والأفكار الأوروبية المتطورة باستمرار عن قانون الأمم (ص. 142). بل تحاول وضع الإثنين في نفس الإطار لتبين كيف كانت النقاشات حول قوانين الحرب ومبررات العنف تعبيرًا عن هواجس متشابهة سواء عند النخب القانونية والسياسية والدينية في أوروبا أو عند ضباط وموظفي الإمبراطوريات في المستعمرات. تحاول بينتن إقامة هذا الربط من خلال مناقشتها لأحد أهم النصوص القانونية المؤسسة للقانون الدولي في منتصف القرن الثامن عشر وهو كتاب الفيلسوف والديبلوماسي السويسري إمير دو فاتل الشهير الموسوم بـ”قانون الأمم” (Le droit des gens) الصادر سنة 1758. رغم أن دو فاتيل “لم يكن بصدد التعليق مباشرة على مشكل اليسوعيين، لكنه كان معارضًا واعيًا للمقاربة الكاثوليكية النيو-سكولائية التي يتبنونها بما تعنيه من تأسيس لقانون للأمم مستمد من القانون الطبيعي” (ص. 142). تنتقد بينتن السردية التي تعتبر إسهام دو فاتيل “نقطة تحول فاصلة نحو قانون دولي مكتوب ينبني على الاتفاقات بين دول وطنية ذات سيادة”. قد تكون هذه السردية مغرية، تقول بينتن، “لكننا إذا قرأنا دو فاتيل على ضوء تاريخ الحروب الصغرى الإمبريالية قبل صدور كتابه وانتشاره الواسع، فستبدو لنا مقاربته أقل جدة وأقل أوروبية في دلالاتها ونتائجها وتبعاتها” (ص. 143). لم يكن قانون الأمم في مرحلة الحداثة المبكرة عقيدة مترسخة ذات أسس فلسفية، بل كان نوعًا من الخطاب الذي جمع عناصر مختلفة وغير مترابطة فيما بينها، تضمنت كتابات ومقولات دينية وقانونية وسياسية وأفكارًا مرتجلة حول أصول وطبيعة الوجود الاجتماعي (ص. 143). إن “تحويل دو فاتيل لهذه المقولات المشتتة في الفكر السياسي إلى إطار للنظام العالمي والقانون الدولي هو أمر قد حدث في مجال يتموقع بين تراثين أو موقفين فلسفيين متنافرين”. كان الموقف الأول مؤسسا على النظريات السكولائية للقانون الطبيعي التي كانت ترى بأن كل تقنين لفعل إنساني يرتبط بمفاهيم كونية حول العدالة، بينما اعتمد الموقف الثاني على نوازع المصلحة في سلوك الدول ذات السيادة كعامل أو محدد لسن القانون. لقد قام دو فاتيل بتمثل خطاب أو فضاء قانوني بين هذين الموقفين المتعارضين يتأسس على سلطة تفسير الدول للأسس القانونية لأفعالها وسلوكها. رأى دو فاتيل في هذه التكييفات، نوعا من التأسيس البروتستانتي لسلطة الدولة، وفي نفس الوقت فهي تحمل بصمة خاصة ولو باهتة لتمثل مبدأ الكونية. وهكذا تصرفت الدول وكأن أفعالها المحكومة بالمصلحة كانت تؤطرها دائمًا مبادئ القانون الطبيعي. وقد كرست ذلك بتثبيت موازين قوى بين الدول كشرط مساعد لأمن هذه الدول وداعم للصالح العام في الآن ذاته” (ص. 143). ولا يخفى ما لهذا التكييف من تبعات مهمة على القانون الدولي والحرب.
سلَّم دو فاتيل في البداية بأهمية مقولة الحرب العادلة في القانون الطبيعي، والتي تعني أن طرفًا واحدًا فقط في الحرب يمكن اعتباره مدافعا عن قضية عادلة ومشروعة. لكنه سرعان ما تخلى عن هذا المبدأ وأكد على أن الحرب العادلة قد تعود لأكثر من طرف واحد ما دام أن كل طرف قد يفسر الحرب لنفسه على أنها عادلة. ثم تبنى دو فاتيل هذه الرؤية كعنصر محدد في المفاوضات والديبلوماسية بين الدول وفي كتابة القانون. إن الدول الموقعة على معاهدات سلام، حسب دو فاتيل، لم تكن بذلك تطبق قوانين الحرب ولا قوانين الأمم، بل كانت تبحث عن المصلحة. فعمدت إلى تبني تفسيرات معينة حول اتفاقيات مرنة دون المساس بالتزامها بنظام عام يوفق بين المصالح المتضاربة” (ص. 144). تؤكد بينتن على أن الأطراف المشاركة في الحروب الإمبريالية قد لجأت بالتحديد إلى هذا النوع من التفسير للحق في شن الحرب ولطبيعة الممارسات الحربية. وقد أدت المسافات التي باعدت جغرافيًا بين موظفي المستعمرات ومراكز السلطة في أوروبا إلى جعل هؤلاء الموظفين والضباط مسؤولين مباشرين مخوَّلين للحكم على قانونية أو شرعية العنف في الظروف المستجدة. لقد أخذ الضباط الإمبرياليون على عاتقهم هذه المهمة بكل حماسة، وهو دليل واضح على أنهم كانوا يرون في ذلك جزءًا أساسيًا من مهامهم الرسمية. وهكذا فقد كانوا يعبرون دومًا عن تبريراتهم أو عن انزعاجهم أو معارضتهم سواء تجاه رؤسائهم في الميتروبول أو تجاه فاعلين محليين منافسين منتمين للإمبراطوريات الأخرى، وهو ما يؤكد أنهم كانوا يتصورون أنفسهم طرفًا مشاركًا في السياسات القانونية داخل مجموعة الدول الاستعمارية الأوروبية. تخلص بينتن إلى أن “تتبع هذه النقاشات القانونية في المستعمرات كفيل بمساءلة وتصحيح السردية المعتادة التي كرست فكرة مفادها أن موازين القوى بين الإمبراطوريات والدول الأوروبية قد تَشَكلت في أوروبا ثم تم تصديرها إلى باقي مناطق العالم خارج أوروبا” (ص. 144).
في ريو ذي لابلاطا بأمريكا الجنوبية وفي ساحل كورومانديل في الهند، كانت المقولات حول الدفاع عن النفس والحق في إخماد التمرد متاحة بسهولة لتبرير العنف. فكلتا الحالتين حسب هذا التبرير تشيران إلى وجود تهديد للنظام والقانون. لكن بينتن تنبه إلى أن الكيانات والجماعات المحلية المستعمَرة كان لها دور أيضا في هذه التطورات، ولم تكن مجرد ضحية تتفرج فقط، بل حاولت مواجهة التدخل الاستعماري بكل السبل المتاحة، سواء بالحرب أو بالديبلوماسية أو بتشكيل تحالفات. وليس من المبالغة القول بأن “النقاشات الأوروبية العميقة حول قوانين الحرب ترتبت في جزء منها عن المخاوف الأوروبية من الضعف النسبي للتحكم الإمبريالي الأوروبي في هذه المناطق” (ص. 147).
ب- طوارئ الحماية:
يتجلى النظام العالمي للسلم المسلح في نموذج ثان، ويتعلق بالعنف المرتبط بدوريات المراقبة وإرسال الجيوش لحماية رعايا الإمبراطورية من مستوطنين وتجار ورحالة، وهو ما تسميه بينتن بـ”طوارئ الحماية” (protection emergencies)، التي أدت بدورها إلى ممارسة العنف على نطاق واسع وبشكل ممنهج. تأسست طوارئ الحماية على “تكريس مزاعم حول خطر يتهدد الأفراد والجماعات الأوروبية في مجالات استعمارية”، فشكلت بذلك جزءا لا يتجزأ من ممارسة السلطة المحلية داخل هذه المستعمرات” (ص. 150). شرعنت طوارئ الحماية اللجوء إلى تدخلات عنيفة “رسخت حقا من جانب واحد في شن حروب محدودة” قابلة للتوسع في أية لحظة،كما سمحت بإمكانية تعريف جماعات بشرية كاملة “كأعداء طبيعيين يمكن مهاجمتهم في أية لحظة من أجل حماية رعايا الإمبراطورية”. وقد “توسعت مقولة الحماية لا لتشمل فقط أمن الرعايا بل أيضا حماية مصالح إمبراطورية يتم تعريفها بشكل مبهم وفضفاض” (ص. 150). تحلل بينتن هذا النظام من خلال نموذجين اثنين: يتعلق الأول بدور البحرية البريطانية في المحيط الهادي والصين في الأحداث التي أدت إلى نشوب حرب الأفيون سنة 1839، والتي تعتبرها بينتن أشهر مثال على طوارئ الحماية، أما النموذج الثاني فيتعلق بممارسات ميليشيات الخيالة التابعة للإمبراطورية الإسبانية وإغاراتها على قرى السكان الأصليين في منطقة ريو ذي لابلاطا (في الأرجنتين والأوروغواي الحالية) أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر.
لا شك أن امتداد التأثير البريطاني في القرن التاسع عشر كان مرتبطا بالتنامي السريع لقوة البحرية الملكية البريطانية وتطورها التكنولوجي وحضورها على طول المحيط الهندي والهادي والأطلسي (ص. 151). ولذلك تمت المناداة عليها لحماية رعايا الإمبراطورية في عمليات تضاعفت في منتصف القرن التاسع عشر مع وصول التجار الإنجليز إلى أسواق ومناطق بعيدة، بشكل جعل سفن البحرية البريطانية “الممثل الرئيس للسلطة البريطانية في المحيط الهادي في القرن التاسع عشر” (ص. 157). وقد تراوحت هذه العمليات بدعوى الحماية بين الحصار والقصف ودوريات المراقبة والإغارة على البر وإعلان الحرب (ص. 152). إن توظيف مصطلح “ديبلوماسية الأساطيل” (أو “ديبلوماسية السفن الحربية”) (gunboat diplomacy) الشائع لوصف هذه العمليات يكشف عن المنطق القانوني الذي يراد إضفاؤه على هذه الظاهرة، فاستعمال القوة المحدودة من طرف البحريات والجيوش الإمبريالية لم يؤد فقط إلى تكريس مصالح الإمبريالية، بل إنه أسس لنظام عالمي طويل الأمد للسلم المسلح مبني على حق أوروبي للتدخل الأحادي وبقيود بقيت غير معرفة بوضوح مع حصانة عند ارتكاب أعمال عنف زمن السلم (ص. 153).
تلاحظ بينتن بأن قباطنة البحرية البريطانية في عمليات الحماية كانوا يحملون تعليمات عامة وفضفاضة (تكون أحيانا مكتوبة من طرف القباطنة أنفسهم) حول ما يتعين عليهم فعله، وأن هامش التأويل والحكم والمبادرة كان كبيرا، فكانوا هم من يحدد مستوى العنف أو رد الفعل وطبيعته. ولم يكن تقمص القباطنة لصفة المبعوثين القانونيين للإمبراطورية أمرا شائعا فحسب، بل أمرًا مطلوبًا منهم. تورد بينتن أمثلة عديدة على تدخل البحرية البريطانية في المستعمرات والموانئ والحاميات بدعوى حماية رعايا الإمبراطورية خاصة في شمال المحيط الهادي وجنوب شرق آسيا. وهي فصول متكررة كرست “نظامًا للسلطة القانونية لشن الحرب المحدودة” واستعمال القوة “كلما دعت الحاجة إلى ذلك” (ص. 159). أمام حالات مطالبة رعايا الإمبراطورية بالحماية، كانت السلطات العليا البريطانية تنص بشكل واضح على تخويل قباطنة السفن الصلاحية الكاملة في تحديد طبيعة ومستوى رد الفعل وفي التأويل القانوني. ورغم أن هذه الممارسات والتأويلات القانونية للأحداث كانت شائعة إلا أنها لم تكن مكتوبة أو لم ترق إلى نوع من التعبير القانوني الواضح. لقد كان هذا النظام أو ما تسميه بينتن بـ”عنف دوريات المراقبة” (violence on patrol) يتوقف على الترخيص لموظفي البحرية بالمبادرة إلى الفعل أولًا ثم مراسلة الهيئات العليا بالمبررات القانونية في وقت لاحق (ص. 161).
وحتى في الحالات التي أثارت بعض التحفظ داخل الأوساط السياسية والحكومية البريطانية حول ممارسات القباطنة، كان الأمر ينتهي بِحَثِّ هؤلاء على ضرورة التحري قبل اتخاذ قراراتهم وضبط النفس عندما لا تتوفر الدلائل على ضرر لحق برعايا الإمبراطورية. لكن لم يتم تجريد القباطنة من سلطتهم القانونية في استجواب الشهود وإدارة المحاكمات واتخاذ القرارات الواجبة بل العكس. في الواقع، لم يكن للتوجيهات حول ضبط النفس أي أثر فعلي، بل استمر قباطنة البحرية البريطانية في الترخيص بالهجوم كانتقام ضد عدوان مزعوم للسكان المحليين. في المحصلة، “شكلت الاستجابات لنداءات الحماية نظاما إقليميا لشرعنة استخدام القوة، وساهمت في توسيع دائرته عبر المحيطات” (ص. 163).
تذهب الكتابات التاريخية حول عنف الإمبراطوريات في القرن التاسع عشر إلى التمييز بين الحملات البرية والحملات البحرية. لكن طوارئ الحماية، حسب بينتن، كانت لها بنية مشابهة في البر وفي البحر (ص. 165). وهذا ما يتبين من خلال النموذج الثاني لطوارئ الحماية ودوريات المراقبة، أي ميليشيات الخيالة التابعة للإمبراطورية الإسبانية في أمريكا الجنوبية المعروفة بـ”بلاندينغيس” (blandengues) التي كانت تُغِير بشكل دوري على القرى الداخلية لساحل ريو ذي لابلاطا لأنها كانت، حسب الضباط الإسبان، “مجالا للفوضى وللناهبين والمهربين واللصوص والهنود الأصليين، ومنطقة صراع مزمن في حاجة ماسة للنظام” (ص. 166). تورد بينتن عددًا من الأمثلة على عنف هذه الميليشيات على الحدود مع المناطق الداخلية والتي كانت بمبرر حماية المستوطنين، وهي ممارسات ساهمت تدريجيا في توسيع مفهوم الحماية نحو تعريف مبهم وفضفاض لحماية النظام. لقد تقمص الضباط البلاندينغيس في نفس الوقت صفة المسؤولين القانونيين، فهم من يستجوبون الشهود ويكتبون المحاضر ويصدرون الأحكام في عين المكان ويتخذون القرارات حول مستوى العنف الضروري ومبرراته. لقد جعلت كل هذه الإجراءات من عنف الضباط البلاندينغيس جزءا من برنامج أشمل سمي بالتهدئة. في حالات عديدة، مثل حالة قبيلة تشاروواس (Charrúas) في الأوروغواي، تحول العنف الدوري إلى حملة إبادة تم التهييئ لها قانونيا بتفويض السلطة في تحديد المخاطر المهددة للأمن والتأكيد على ضرورة وضع حد لها، ووصف المستهدَفين بـ”الأعداء” الذين تجب تصفيتهم لدرء الخطر.
كان تحديد هوية “العدو” مسألة مرونة قانونية وبلاغية كما توضح بينتن من خلال نموذج الإبادة ضد السكان الأصليين في تاسمانيا بأستراليا في عشرينيات القرن التاسع عشر. أصدرت الحكومة البريطانية سنة 1828 قانونًا عرفيًا لتهجير السكان الأصليين “الأبوريجين” من المناطق التي يستكشفها المستوطنون وينوون الاستيلاء عليها، فحدد بأن السكان الأصليين الذين انتقلوا للعيش في أماكن لا يوجد بها استيطان لن يمسهم سوء، وهو ما كان يعني أن كل من تواجد في المناطق التي وصلها المستوطنون يعتبر عدوا، وأن عدم انسحابه نحو المناطق غير المأهولة سيعتبر بمثابة إعلان حرب غير مبرر، وهو ما يعد تفويضا بخوض حرب إبادة شاملة وممنهجة. ومثلما تم تبرير الحروب الصغرى السابقة، اعتُبرت حملة الإبادة ضد أبوريجين تاسمانيا مبررة بكونها تهدف إلى إحلال السلم، لأنها تمثل بديلًا ضروريا لعنف فردي غير منضبط سواء صدر عن السكان أو عن المستوطنين. وبما أن التاسمانيين لم يكونوا رعايا للإمبراطورية ممن يمكن تصنيفهم كمجرمين، ولم يكونوا مقاتلين تابعين لكيان سياسي مستقل، فإنه لم تكن ثمة حاجة لإطار قانوني واضح للعنف الممارس ضدهم. لذلك كانت المبررات المساقة تتأرجح باستمرار بين وصف التاسمانيين بـ”المتمردين” أحيانا وبـ”الأعداء” أحيانا أخرى (ص. 174). وقد سمح هذا التذبذب أو التأرجح بتحول سريع وغير إشكالي من عمليات معزولة للمعاقبة والضبط ضد جماعات محلية اتهمت بارتكابها عنفا ضد المستوطنين إلى حروب إبادة حقيقية. وإننا نجد أصل هذه الحملات في طوارئ الحماية التي أعطت هذا العنف رغم وحشيته طابع العمليات الدفاعية المشروعة والنزاعات المحدودة، كما ساهمت في توسيع معاني الحماية وتعريف ما يجب حمايته بالتحديد.
تُوَسع بينتن مناقشة طوارئ الحماية وتحولاتها لتشمل أيضًا مقولة التجارة الحرة التي بدأ صداها منذ زمن الحداثة المبكرة لكنها أصبحت أكثر شيوعًا وقوة في القرن التاسع عشر، حيث أصبحت في الحالة البريطانية نتيجة منطقية للتحول من نداء حماية الرعايا إلى حماية مصالح الإمبراطورية. فقد شكلت رؤية نظام عالمي يحمي المصالح الغربية ويسوده السلام المبني على التوسع التجاري فكرة ملهمة للعديد من المفكرين والاقتصاديين والسياسيين في الغرب في القرن التاسع عشر.
ترى بينتن أن هذه الأفكار والمقولات تساعدنا على فهم العلاقة بين طوارئ الحماية والتاريخ الإمبريالي. وتخلص إلى أن منطق الحروب الصغرى ما زال ساريًا اليوم، بحيث إن تطورات القانون الدولي وقوانين الحرب التي تُنَظِّر لحالات العنف المشروع في مستويات أقل من الحرب، وهو ما تقصده بالحرب المحدودة (كالتدخل العسكري لأهداف “إنسانية” مثلًا)، هو نوع من عنف زمن السلم الذي لا يمكن فهمه خارج منطق طوارئ الحماية. وبالتالي فيمكننا اعتباره شكلا من أشكال الحرب المحدودة كنظام برز وتطور عالميا منذ الحروب الصغرى التي شنتها الإمبراطوريات منذ زمن الحداثة المبكرة. تكشف الدراسة المتأنية لطوارئ الحماية، حسب بينتن، كيف أنها “خلقت بيئة قانونية متساهلة لخوض الحروب الصغرى للإمبريالية”، فسمحت بتفويض للقادة العسكريين في الميدان في اتخاذ القرارات حول نمط العنف اللازم، وبتصنيف الجماعات البشرية الجديدة كأعداء. وقد تفاوتت مسارات العنف التي شرعنتها بين التدخل المحدود والاستيلاء على الأراضي والإغارة لغرض السبي والأسر ونفي السكان الأصليين والاتجار بالعمالة على نطاق واسع، وحملات الإبادة”، لتبلغ مستويات لا يمكن تمييزها عادة عن الحرب الشاملة (ص. 182). لكن كل ذلك اقترن في نفس الوقت بلازمة مفادها أن الهدف من هذا النظام وترسانته القانونية هو صنع السلام والحفاظ عليه، فاعتبرت سلسلة الحروب الصغرى “شرطا أساسيا للنظام الإقليمي والعالمي” (ص. 182).
خلاصات:
يمكن اعتبار كتاب بينتن تمرينًا فريدًا من نوعه في القدرة على كتابة تاريخ عالمي مقارن للإمبراطوريات يؤسس في نفس الوقت لجينيالوجيا نقدية للقانون الدولي. تجدر الإشارة إلى أن بينتن مؤرخة بجامعة ييل لكنها أيضًا أستاذة للقانون الدولي، وهما حقلان قلَّما يجتمعان في كتاب واحد، خاصة بالعمق والموسوعية اللذان نجدهما في هذا الكتاب. بالإضافة إلى ذلك، فمن الواضح أن التاريخ الذي تكتبه بينتن يكاد يكون مراجعة لنزعة سائدة في كتابة التاريخ العالمي وهي الانشغال بالأحداث المفصلية والحروب الكبرى4 يقابلها نوع من التغاضي عن ديناميات أخرى قد يغفل مجهر المؤرخ عن رصدها وتتبع مساراتها.
لم تكن بينتن قد أنهت تأليف الكتاب حين بدأت حرب الإبادة في غزة5 في أكتوبر من سنة 2023. لكن هذه الأحداث وأحداث السنوات والعقود الأخيرة بشكل عام تؤكد أهمية الكتاب وجدته، ومن المفيد التذكير هنا ببعض خلاصاته.
أولًا، يتمحور الكتاب حول تاريخ الحروب الصغرى، وهو مفهوم توظفه بينتن للإحالة على سلسلة من أشكال العنف الدوري والمنظم الذي ميز بنية العنف الإمبريالي. لكنه مفهوم لا يقصد منه التقليل من هذا العنف، بل هو استعارة الغرض منها تفكيك الخطاب الأوروبي حول العنف في المستعمرات. بهذا المعنى، تصبح الحروب الصغرى مرادفة بشكل من الأشكال للحرب الدائمة.
ثانيًا، وبارتباط مع مسألة المفاهيم والمصطلحات، يكشف هذا التاريخ، حسب بينتن، كيف أن القاموس الذي صاحب الحروب الصغرى إلى اليوم، والذي تُشكِّله مقولات مثل حرب الدفاع عن النفس والحرب الاستباقية والحرب العادلة والحرب المحدودة والتهدئة ومكافحة التمرد والتدخل من أجل الحماية وحتى حروب “التدخل الإنساني”، هو قاموس له تاريخ طويل في حياة الإمبراطوريات، ولم يتكرس فقط في النقاشات والسجالات التي عرفتها أوروبا بين الفلاسفة والمنظرين القانونيين وفلاسفة اللاهوت السياسي، بل أيضًا وبشكل خاص وسط الضباط والقادة العسكريين والموظفين الإمبراطوريين على الأرض في المستعمرات البعيدة، والذين كانت مهمتهم السيطرة والسلطة وإخضاع كل مقاومة. ولذلك فإن الكتاب محاولة في تفكيك هذا القاموس ودوره في تكريس بنيات العنف في المستعمرات. إن الحروب الصغرى التي شنتها الإمبراطوريات الأوروبية قد أنتجت الأسس الفكرية والقانونية والأخلاقية لشرعنة عنف الدول وهي الأسس والمقولات التي ما زالت توظف اليوم سواء في الخطاب الأكاديمي أو بين المحللين والخبراء وكذا وسط الدوائر العسكرية والسياسية. لذلك فإننا، كما تكتب بينتن، “عبر كشف هذه الخطابات الإمبريالية وأنماطها، نستطيع أن نرصدها في الحاضر أيضًا” (ص. 198). تكفي الإشارة هنا مثلًا إلى الصدى المتكرر اليوم لمقولات مثل “الحرب الاستباقية” وحرب الدفاع عن النفس والعمليات المحدودة في وصف عنف استثنائي وحروب إبادة كاملة الأوصاف.
ثالثًا، كان المشاركون في العنف الإمبريالي دائما بحاجة إلى ثنائيات تتمثل الأنا والآخر. لكن هذه الثنائيات لم تكن ثابتة أو قارة، بل كانت متحركة ومتغيرة باستمرار، بحيث كان من السهل أن يتحول الآخر من تابع إلى متمرد ومن متمرد إلى عدو والعكس صحيح. كما تميزت هذه التمثلات بطابعها الفضفاض على مستوى التعريف القانوني يسمح بتأويل مستمر ومتنقل لأي جانب من جوانب الصراع. وقد حددت هذه الثنائيات وتحولاتها باستمرار مسألة إدماج الآخر أو إقصائه من الجماعة السياسية حسب الضرورة والمصلحة. وبالتالي كانت مسألة الانتماء أيضًا متحولة ومتغيرة باستمرار. لكن ذلك أدى، حسب بينتن، إلى “تبسيط مفاهيمي وفقر اصطلاحي لتعريف هذا العنف بين منزلتي الحرب والسلم” والذي كانت له نتائج كارثية، إذ عادة ما تم تجاهل الاختلافات المفترضة بين المتمرد والعدو مثلا، فكان كلاهما عرضة لنفس المعاملة والعنف المفرط الذي قد يبدأ بالأسر والتعذيب والقتل وقد ينتهي بالإبادة.
رابعًا، ما شجع هذا التحول المستمر واللَّبْس على مستوى التصنيفات هو واقع استعماري يتميز من جهة بعدم قدرة الأوروبيين على الهيمنة الكاملة على المجالات والفضاءات السياسية في المستعمرات (بفعل المقاومات على الأرض)، ومن جهة أخرى بتعددية وتجزء هذه المجالات. لذلك كانت “سلطة اختيار التصنيفات للأطراف المحاربة” محاولة لضبط هذا الواقع التعددي والهيمنة عليه. في العديد من الأحيان، لم تكن محاولات الفاعلين الإمبرياليين في تثبيت ممارسات ومنطق معين في الإمبراطورية نابعا من القوة على الأرض. لقد تواجد الحكم الاستعماري في مناطق تعددية سياسيا حيث كانت سلطتهم هناك ضعيفة وتحكمهم الترابي مجزءًا. وبتأكيدهم على الحق في تقنين العنف، كان الفاعلون الإمبرياليون الأوروبيون يحاولون بسط قوتهم على مناطق لم تكن تحت حكمهم، أو لم تكن خاضعة لهيمنتهم بشكل كامل (ص. 105).
خامسًا، يمكن اعتبار كتاب بينتن محاولة لإعادة كتابة تاريخ القانون الدولي وقوانين الحرب بشكل يضع عنف الحروب الصغرى الإمبريالية في مركز النقاشات الفلسفية والفكرية والدينية التي عرفتها أوروبا في زمن الحداثة المبكرة، وذلك بشكل يعيد الربط بينهما ويسائل السردية التقليدية التي اعتبرت تطور القانون الدولي وقوانين الحرب نتاجا أوروبيا محضا وتعبيرا عن هواجس محدودة في جغرافية أوروبية بمعزل عن أحداث وديناميات الغزو الأوروبي في المستعمرات عبر العالم.
سادسًا، تسائل بينتن أيضا السردية التقليدية القائلة بتطور قوانين الحرب تدريجيا نحو إطار أكثر تحضُّرًا وإنسانية، والتي غالبا ما تؤرخ لهذا التطور من خلال نقاط تحول أساسية دفعت بقوانين الحرب نحو عقلنة أكبر ومحورية للسلام كهدف أسمى، مثل صدور قانون ليبر سنة 1863، والذي كان أول محاولة لكتابة قوانين الحرب سبقت معاهدة لاهاي سنة 1907، مرورًا بمعاهدات جنيف سنة 1949، واتفاق كيلوغ-بريان (وزيرا الخارجية الأمريكي والفرنسي) سنة 1928، والتي اعتبرت تتويجًا لمحاولات منع الحروب وخلق شروط سلم مستدام. لكن حتى هذه السرديات، حسب بينتن، تقر بأن الخطوات نحو تقنين أكبر للحرب عادة ما أدت إلى نتائج كارثية وغير متوقعة، والتركيز على هذه “الطفرات” يمنعنا من رؤية ديناميات الاستمرارية في العنف العالمي، إذ إن “المعايير الدولية لممارسة الحرب قد سمحت بهامش كبير لعنف مهول تحت غطاء القانون” (ص. 186). ثمة تمييز فيه الكثير من التبسيط “بين مرحلة الحروب الإمبريالية التي يُزعم أنها لم تكن مقيدة بالقانون ومرحلة لاحقة للحرب المقننة”، والحقيقة أن حروب اليوم ليست أكثر تشبثا بالحضارة والمعايير الإنسانية مقارنة بالحروب الصغرى الإمبريالية، كما أن هذه الحروب الصغرى لم تكن يومًا خارج كل منطق قانوني، بل كان يتم استحضار الإطارات والمسوغات القانونية من طرف مختلف الفاعلين العسكريين والسياسيين والفكريين في المستعمرات وفي مراكز المتروبول.
إذا كان صدى بعض مقولات الحروب الصغرى ما زال يتردد في حروب اليوم، فهل يمكننا أن نعتبر بأن التراجع التدريجي في العقد الأخير لمرجعية القانون الدولي ومؤسساته علامة تنذر بنهاية النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية وإيذانًا ببروز نظام جديد يؤطَّر فيه العنف داخل مقولات جديدة حول الحرب والقانون بشكل يشبه التحول الذي أرخت له بينتن بين نظام النهب العالمي ونظام السلم المسلح؟
الهوامش:
- 1. تصرفتُ في صيغة بينتن الإنجليزية (المترجمة عن اللاتينية) الواردة في الكتاب، وحاولت بدل ذلك إيجاد صيغة تقريبية بالعربية توفق بين الترجمة الإنجليزية والترجمتين الفرنسية والإسبانية، واللتان تختلفان بشكل طفيف عن الصيغة الإنجليزية وفيما بينهما.
- 2. تستهل بينتن تحليلها لأهمية الإغارة والأسر زمن الحداثة المبكرة بتفصيل تاريخي مثير للانتباه يتعلق بالإغارات الإيبيرية على سواحل شمال إفريقيا في بداية القرن السادس عشر، حيث شكلت الإغارات أهم مصدر لجلب الأسرى الذين تم بيعهم في المدن الإسبانية والبرتغالية، بحيث تصل بعض التقديرات إلى أنه في سنة 1522 فقط، تم بيع ستين ألف امرأة في الموانئ الإسبانية من سبايا الإغارات الإيبيرية داخل الأراضي المغربية. تحيل بينتن هنا على عدد من الدراسات منها:
Vincent Cornell, “Socioeconomic Dimensions of Reconquista and Jihad in Morocco: Portuguese Dukkala and the Sa’did Sus, 1450–1557,” International Journal of Middle East Studies 22 (1990): 379–418.
- في الأدبيات الإنجليزية، يسمى فرانسيس دريك مثلا، وهو أحد أشهر القراصنة المسؤولين عن حملات عنف وإبادة واستعباد، بالمقاول بالوكالة (privateer) وليس بالقرصان (pirate). اشتهر دريك بهزمه وتدميره للأسطول الإسباني الشهير بـ”لا أرمادا” (1587-1588) وهو ما جعل الملكة إليزابيث تمنحه لقب “السير”.
- 4. انظر حوار المؤلفة بينتن حول الكتاب مع الاقتصادي والأستاذ بجامعة كولومبيا جيفري ساكس:
https://www.youtube.com/watch?v=t-L6bipL_ys
تجدر الإشارة إلى أن بينتن حازت سنة 2019 على جائزة توينبي (Toynbee) المرموقة لإسهاماتها المتميزة في التاريخ العالمي.
- 5. Benton, “Learning from Imperial Violence,” 22 February 2024, https://press.princeton.edu/ideas/learning-from-imperial-violence?srsltid=AfmBOoosUg4bcSurkiD7ImTLn_-c6beYcVx5Fa3CEY_kwecdXsgE5c-P
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه