شعيب حليفي، الشيخ والجبل في سيرة بعض الزمن ما ظهر منه وما بطن الشيخ أبو يعزى يلنور (1047–1177م) صوت من باطن الهوامش المعلقة على حافة الأسرار الجريحة، منشورات مختبر السرديات بكلية الآداب بن مسيك بالدار البيضاء، مطبعة force équipement، الدار البيضاء، 2024.
تقديم
صدر كتاب “الشيخ والجبل في سيرة بعض الزمن ما ظهر منه وما بطن الشيخ أبو يعزى يلنور (1047–1177م)، صوت من باطن الهوامش المعلقة على حافة الأسرار الجريحة” سنة 2024 ضمن منشورات السرديات بالدار البيضاء، وبدعم من وزارة الثقافة عن مطبعة force équipement. وجاء الكتاب في حجم صغير في 123 صفحة وتسعة فصول أو خواطر. طغى على لوحة خلفية غلافه لون تراب مجال الدراسة الأحمر المائل إلى الصفرة. وتظهر في مقدمتها بعضُ من ملامح أشخاص على “باطن الهوامش المعلقة على حافة الأسرار الجريحة”. تزداد ملامحهم وضوحا عند نهاية اللوحة في تناغم واضح مع العنوان الفرعي للكتاب “في سيرة بعض الزمن ما ظهر منه وما بطن.
يقدم كتاب شيخ الجبل أبا يعزى يلنور المعروف عند عامة المغاربة اليوم ب “مولاي بوعزة”، كأحد أبرز أعلام التصوف في تاريخ المغرب. وتجاوز العمل السرد البيوغرافي ليغوص في أعماق التحولات التي شكلت هوية المغرب خلال القرن الثاني عشر الميلادي، إذ يعتبر الباحث قراءة سيرة الشيخ عدسة نقدية، يخترق من خلالها الزمن في فصل فريد ليخاطب الشيخ أبا يعزى يلنور داعياً إياه إلى الخروج من طي النسيان والكتب القديمة لبعث “مدينة الأولياء” الطبيعية من جديد1. يبسط بعدها تفاصيل المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي الذي احتضن هذه الشخصية الاستثنائية. فالعلاقة بين الفرد وزمانه علاقة جدلية، لا يمكن فهم أحد مكونيها بمعزل عن الآخر، فكما يصفه المؤلف يبقى “الزمن الحقيقي في نفوسنا ليس حجابا، بل نهر بشريان وحبل يربطنا”2. من هذا المنطلق، يَعتبر أن فهم شخصية أبي يعزى وتأثيره الروحي لا تتم إلا من خلال استيعاب المشهد التاريخي الذي ظهر فيه وتفاعل معه، حتى كان هذا الشيخ بحق مرآة عصره.
أولا: أبو يعزى يلنور في مغرب القرن الثاني عشر: التاريخ والذاكرة الشعبية
1-الإطار التاريخي: مغرب القرن الثاني عشر الميلادي
اعتبر المؤلف استيعاب السياق التاريخي والاجتماعي للمغرب في القرن الثاني عشر الميلادي ضرورياً لفهم شخصية أبي يعزى وتأثيره العميق. استند في ذلك لكون هذا القرن لم يكن مجرد فترة زمنية، بل كان مجالاً لتحولات كبرى أعادت تشكيل بنية الدولة والمجتمع. لقد اعتبره “مرحلة جديدة في تشكل مغرب آخر”، وهي المرحلة التي انبثقت منها شخصية الشيخ كفاعل رئيسي في نسيجها المعقد.
التحولات السياسية الكبرى
بسط المؤلف بصبغة أدبية التحولات الجذرية التي عرفتها البنية السياسية للبلاد، ووضع لترسيخ هذا الوعي المغربي الجديد معركة الزلاقة (1086م) كمنعطف بداية، واعتبر هزيمة معركة العقاب (1212م) النهاية التاريخية لتلك المرحلة من الصعود والتوسع. انتقلت خلالها البلاد من ممالك متفرقة إلى دولة موحدة. واعتبر أن هذا التحول بدأ مع دولة الملثمين وتكرس لاحقًا مع الموحدين، الذين نجحوا في توحيد الدويلات المتناحرة تحت سلطة مركزية قوية. وقد كشف هذا التحول عن ديناميكية أعمق؛ إذ لم يكن بناء الدولة الموحدة مجرد فعل سياسي، بل كان محفزًا لإعادة تنظيم اجتماعي شامل. فقد أتاحت هذه الوحدة السياسية الظروف اللازمة لازدهار الحياة الحضرية، لكنها في الوقت ذاته خلقت قلقًا سياسيًا وتوجسًا لدى العامة من السلطة المركزية، مما جعل شخصيات صوفية مهيبة (كاريزمية) مثل أبي يعزى، بسلطتها الروحية المستقلة، ملاذًا جذابًا ومصدرًا بديلاً للسلطة.
النسيج الاجتماعي والثقافي
تتبع المؤلف امتداد التحول السياسي بشكل طبيعي ليشمل النسيج الاجتماعي والثقافي. فقد أدى الاستقرار النسبي، ونشوء المدن الكبرى إلى بروز طبقات وفئات أخرى لم تكن معروفة من قبل، وظهرت مظاهر اجتماعية جديدة ارتبطت بالثروة مثل البذخ، والسحر، والمجالس. وكانت هذه الفترة على الصعيد الثقافي، مختبرًا تفاعلت فيه الموروثات المختلفة، حيث شهدت “نسج علاقات جديدة بين الموروثات والطقوس واللغة”3. ويربط الباحث الظاهرة بالدور المحوري الذي لعبه التصوف في التوفيق بين هذه الروافد. ففي مقابل “الإسلام الرسمي” المرتبط بالمراكز الحضرية والسلطة، برز الشعبي الذي ترعرع في “الجبل والخلاء البعيد”.
مثل أبو يعزى أحد أبرز نماذج هذا التصوف الذي كان متجذرًا في البيئة المحلية المغربية، ببعدها الأمازيغي وارتباطها بالأرض، مما جعله قادرًا على مصالحة الموروثات الشعبية القديمة مع الثقافة الإسلامية العالمة، وخلق حركة ثقافية وروحية فريدة. وفي خضم هذا التحول التاريخي العميق، لم يكن ظهور شخصية كأبي يعزى يلنور مجرد مصادفة، بل كان استجابة روحية واجتماعية لطبيعة العصر، وتجسيدًا حيًا للتفاعل بين الهامش الريفي ومتغيرات السلطة المركزية.
2ـ- أبو يعزى يلنور، من راعي الجبل إلى شيخ المتصوفة
تُجسد سيرة الشيخ أبي يعزى مسارًا فريدًا في الانتقال من الهامش إلى المركز، رحلة تعكس بعمق حركية عصره وتطلعاته الروحية. فهو الرجل الذي انطلق من بساطة الرعي ليصبح أحد أقطاب التصوف الذين ذاع صيتهم في الآفاق، وتجاوز تأثيره حدود زاويته ليصبح جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة المغاربة.
النشأة والرحلة الأولى
بدأت حياة الشيخ بمرحلة ارتباط وظيفي بالأرض والطبيعة، كان فيها راعيًا في نواحي هسكورة لمدة عشرين سنة، فهم خلالها بعمق دورات الطبيعة. انتقل بعدها إلى مرحلة تأمل عميق منعزلًا في الجبل لعشرين عامًا أخرى تحول خلالها إلى “صديق للطبيعة بنباتها، وأشجارها، وطيورها، وحشراتها، وحيواناتها المفترسة”، وتعرف فيها على أسرار الذات وترويض النفس.
السمات الروحية والكرامات
تصف كتب المناقب الشيخ بأنه كان “أسود اللون، طويل القامة، نحيفًا، زاهدًا في ملبسه وطعامه. وتكشف تفاصيل حياته عن زهد متطرف، حيث كان قُوته من ورق نبات الدفلى السَّام، مما يبرز قطيعته التامة مع ملذات الدنيا، واتصاله العميق بالطبيعة في أقسى صورها. كان منهجه في التصوف هو “الترويض”؛ ترويض الذات على مواجهة الجوع والصراعات الداخلية، وترويض الطبيعة القاسية، وترويض الحيوانات المفترسة. ومن هنا يمكن فهم “الكرامات” المنسوبة إليه، كقدرته على إخضاع الأسود والحيوانات، وشفاء المرضى. لقد كانت هذه الكرامات لغة يفهمها العامة، رسخت صورته كولي صالح وملجأ لهم، فلم تكن هذه الكرامات مجرد خوارق للمألوف، بل كانت تجليات رمزية لسيادته الروحية وقدرته على تحقيق الانسجام بين الإنسان والحيوان، واستعادة حالة تناغم كوني مفقود.
بناء المكانة والتأثير
بعد فترة من السياحة في الأرض استقر الشيخ بجبل إيروكَّان4 ، حيث أسس زاويته التي سرعان ما تحولت إلى مركز إشعاع روحي وعلمي، يقصده المريدون والعلماء والفقراء. ويكشف هذا الصعود عن علاقة مزدوجة ومعقدة مع السلطة الحاكمة. فمن جهة، أثار نفوذه الشعبي المتزايد توجس الحاكم الذي كان يخشى أي سلطة رمزية منافسة. ومن جهة أخرى، لم تستطع السلطة تجاهله أو قمعه بسبب قاعدته الشعبية الواسعة. لقد جسّد أبو يعزى سلطة بديلة، مما فرض على الحكام توازنًا دقيقًا بين الحذر والمهادنة، حيث استطاع الشيخ عبر “الابتعاد عن الحكام” الحفاظ على استقلاليته وضمان استمرارية تأثيره.
3 – إرث الشيخ أبي يعزى بين التاريخ والذاكرة الشعبية
يعود الباحث للحديث عن فضل مؤرخين أوائل5 في حفظ تفاصيل سيرة الشيخ، إذ وثقوا جوانب مهمة من حياته وكراماته، وساهموا في نسج صورته في “الخيال المكتوب”. تفاصيل امتزجت فيها الوقائع التاريخية بالروايات ذات البعد الرمزي، مما رسخ مكانته كأحد كبار الأولياء في الوعي الجمعي. مكانة مثل فيها أبو يعزى نموذج “التصوف الشعبي” المغربي الأصيل الذي نشأ بعيدًا عن المراكز الحضرية وتعقيداتها الفقهية. إنه تجسيد لروحانية ذات ملامح أمازيغية، متجذرة بعمق في المشهد الطبيعي المغربي، ومتميزة عن الأشكال العقدية المستوردة من المشرق. لقد جسّد قيم الزهد، والبساطة، والارتباط بالأرض، وهي قيم لاقت صدى عميقًا لدى العامة الذين رأوا فيه نموذجًا لولي قريب منهم، يتحدث بلغتهم، ويفهم معاناتهم.
وقد قام ـ إلى جانب متصوفة من أمثاله ـ بأدوار اجتماعية بالغ الأهمية؛ ففي زمن التحولات الكبرى، كانوا يمثلون سلطة روحية محلية تقوم بأدوار متعددة، من “تدبير الصراع مع السلطة” إلى “إعلان الكرامة لمداواة الأمراض”. كانت زواياهم ملاجئ للفقراء والمهمشين، ومراكز للصلح والتحكيم، ومصدرًا للأمان الروحي والاجتماعي. وبهذا، لم يكن إرث أبي يعزى مجرد إرث روحي، بل كان إرثًا اجتماعيًا وثقافيًا لا يزال حاضرًا في الثقافة المغربية.
ثانيا: سيرة الشيخ أبي يعزى: الولي والمجتمع والسلطة في مغرب العصر الوسيط
1ـ الشيخ أبو يعزى في سياقه التاريخي والروحي
يُعد الشيخ أبو يعزى الهسكوري شخصية روحية محورية في تاريخ مغرب خلال القرن الثاني عشر الميلادي (السادس الهجري)، وهي فترة حاسمة شهدت بزوغ الدولة الموحدية وتوطيد أركانها. إن فهم سيرته ومكانته لا يعتمد على وثائق تاريخية بالمعنى التقليدي، بل على نصوص مناقبية ذات طابع خاص، نسجها مريدوه ومعاصروه حول حياته وكراماته. لذلك عمل الباحث على استنطاق أهم هذه الروايات، ليس للتحقق من وقائعها الخارقة، بل لاستكشاف دلالاتها وبناء صورة متكاملة عن الشيخ كفاعل ديني واجتماعي وسياسي في عصره، خاصة في ظل التوتر الذي حكم علاقته بالسلطة الناشئة بعد سيطرة الموحدين على مراكش عام 1147م، وهو العام ذاته الذي استُدعي فيه الشيخ لمواجهة الخليفة.
تستند معرفة الباحثين الجدد بالشيخ أبي يعزى بشكل أساسي إلى مجموعة من الحكايات والشهادات التي نقلها معاصروه. تفتح هذه الروايات، رغم طابعها الأدبي نافذة فريدة على عالم التصوف الشعبي، وتكشف عن ملامح شخصية روحية استثنائية استطاعت أن تترك أثراً عميقاً في الوعي الجماعي لمغرب العصر الوسيط
.
2 ـ الملامح الروحية للشيخ : الزهد والعبادة أساس للولاية
يمثل الزهد والانقطاع للعبادة حجر الزاوية الذي تُبنى عليه القوة الروحية والتأثير الاجتماعي في بناء شخصية الولي الصوفي. لم تكن هذه الممارسات بالنسبة للشيخ أبي يعزى مجرد طقوس شخصية، بل كانت الأساس المتين الذي منحه سلطته الرمزية، وجعله قبلة للناس من مختلف الطبقات. لقد كان زهده الذي يمثل نمط حياة متكامل يعكس رفضاً واعياً لزخارف الدنيا وتشبثاً بالقيم الروحية الخالصة.
تتجلى مظاهر زهد الشيخ في حياته من خلال الروايات التي تصف ملازمته للمسجد6. فقد كان هو بيته الحقيقي ومركز حياته اليومية، لا يفارقه إلا نادراً، مما جعل منه رمزاً حياً للتعلق بالله. ويمكن تلخيص أبرز أدلة زهده وبساطة عيشه، كما وردت في شهادات معاصريه فيما يلي:
*بساطة مأكله التي وصلت حد الاكتفاء بأكل غصن مورق كان أمامه في المسجد، باستغنائه التام عن ملذات الطعام واعتماده على أبسط ما يمكن أن تسد به الطبيعة رمقه.
*عدم الاكتراث بالدنيا، إذ لم يكن يهتم بملبس أو مسكن، مما منحه حرية داخلية وقوة روحية لفتت أنظار الناس إليه.
* كانت أسفاره محكومة بالإذن الإلهي، حيث تذكر المصادر أنه “لا يسافر من غير إذنه”، مما يعكس توكلاً مطلقاً وتسليماً كاملاً لله في حله وترحاله. وهو ما هيأ لظهور كراماته.
3ـ تجليات الولاية: الكرامات وعالم الخوارق
لم تكن الكرامات في الأدبيات الصوفية مجرد أحداث خارقة للمألوف، بل كانت تحمل وظائف متعددة؛ فهي دلائل رمزية على مكانة الولي وقربه من الله، ووسيلة لترسيخ سلطته الروحية في الوعي الشعبي، وبرهان عملي على قدرته على التأثير في محيطه المادي. وفي سيرة أبي يعزى، تحتل الكرامات مساحة واسعة، وتكشف عن طبيعة ولايته التي امتدت لتشمل مختلف جوانب الحياة.
الهيمنة على الطبيعة والعوالم الأخرى
تعكس الروايات المتواترة عن سيطرة الشيخ على الطبيعة تصوراً شائعاً للولاية باعتبارها استعادة للانسجام الكوني المفقود. ففي مجال غابي كانت فيه الوحوش المفترسة تشكل خطراً حقيقياً، جاءت كرامات الشيخ لتقدم أمناً روحياً ومادياً:
فقد تكررت الروايات حول خدمة الأسود والوحوش له، وكيف كانت السباع تجتمع إليه وتطيعه. هذه القصص لم تكن مجرد استعراض للقوة الخارقة، بل كانت تمثل طمأنينة للمجتمع المحلي، وتأكيداً على أن بركة الولي قادرة على فرض نظام آمن حتى في أشد الأماكن خطورة. كما اشتهر الشيخ بقدرته على التعامل مع الجن وعلاج المصابين بالمس7 . هذه القدرة وضعته في مصاف الملاذ الآمن لمن يعانون من أمراض عجز الطب التقليدي عن فهمها أو علاجها.
الشفاء وتلبية الحاجات
كان لكرامات أبي يعزى أثر مباشر وملموس على حياة الناس في مجتمع كانت تهدده باستمرار آفات الجوع والمرض. وقدمت كرامات الشيخ حلولاً ملموسة وأملاً بالنجاة، مما رسخ دوره كمحور للاستقرار الاجتماعي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك:
- شفاء الأمراض8 في زمن كانت فيه الرعاية الصحية محدودة للغاية.
- إطعام الجموع كرمز استجابة مباشرة للحد من خطر المجاعة، وتأكيداً على أنه ببركته يمكن تجاوز شح الموارد.
- مساعدة الناس وقضاء حوائجهم، بتلبية طلباتهم، وحل مشاكلهم، مما جعله محوراً للحياة الاجتماعية في منطقته.
- تجاوزه لحاجز اللغة، إذ كان يأخذ في الدعاء، باللسان الأمازيغي، فلا يبقى في المسجد أحد إلا خشع وبكى.
لقد صنعت هذه الكرامات، سواء كانت خارقة للطبيعة أو مرتبطة بحياة الناس اليومية شعبيته الواسعة ورسخت مكانته، مما أدى إلى التفاف المجتمع حوله وتحويله إلى مؤسسة دينية واجتماعية مؤثرة.
4 ـ الشيخ والمجتمع : التأثير الشعبي والتربوي
تحولت شخصية الشيخ أبي يعزى من مجرد عابد منقطع إلى مؤسسة اجتماعية وروحية غير رسمية. فقد أصبح مقامه قبلة للزوار ومركزاً للإشعاع الروحي، يقصده الناس من مختلف المناطق والطبقات، حاملين معهم مشاكلهم وآمالهم، وطالبين الإرشاد الروحي أو حلولاً لمشاكلهم الدنيوية.
كانت علاقة الشيخ بالعامة علاقة مباشرة، تصف الروايات كيف كان يستقبل الوفود، ويتعامل مع البسطاء بتواضع، ويتدخل كقوة فاعلة في تنظيم المجتمع. فلم يقتصر دوره على استقبال الطلبات، بل امتد ليكون فاعلاً في تحقيق السلم الاجتماعي عبر إخماد الصراع والفتن بين القبائل، ومباركة الروابط الأسرية… ومن الصور المعبرة عن اهتمامه بهموم الناس، ما ورد عن قيامه بقراءة الرسائل المعلقة على جدران المسجد والدعاء لأصحابها، مما يظهر ارتباطه الوثيق بحوائجهم الفردية.
يظهر دوره كمرشد روحي، فيظهر في منهجه التربوي البسيط والعميق. لم يكن أبو يعزى صاحب مدرسة صوفية منظمة، بل كان يمثل نموذجاً “للمعرفة الشعبية” التي تنبع من التجربة الروحية المباشرة. وتكتسب هذه المعرفة قوة إضافية عند معرفة أن الشيخ يتكلم بلسان أمازيغي ولا يحسن العربية، فكان تأثيره لا يعتمد على البلاغة اللغوية أو المعرفة النصية، بل على قوة روحية أصيلة تتجاوز حواجز اللغة والثقافة الرسمية.
هذا التباين بين أميته باللغة العربية وعمقه الروحي هو ما جعله شخصية فريدة، تستمد سلطتها من مصدر آخر غير سلطة العلماء والفقهاء، وهو ما جعله محبوباً ومفهوماً من طرف العامة. ولم يكن من الممكن لهذا التأثير الشعبي الواسع، وهذه السلطة الروحية التي لا تعترف بحدود، أن يمر دون أن تلفت انتباه السلطة الزمنية القائمة آنذاك (السلطة الموحدية)، مما مهد الطريق لعلاقة معقدة وملتبسة بين الولي والسلطان.
5 ـ الولي والسلطان : علاقة ملتبسة
تُجسد العلاقة بين الشيخ أبي يعزى والخليفة الموحدي عبد المؤمن بن علي الكَومي (1130-1163م) حالة من التجاذب والتوتر بين السلطة الروحية التي يمثلها الولي، والسلطة الزمنية التي يجسدها السلطان. فقد كان الأولياء الصوفيون في مغرب تلك الفترة يتمتعون بنفوذ شعبي كبير، مما جعل السلطة السياسية تنظر إليهم بعين الحذر والريبة أحياناً، وبعين التوقير والتقرب أحياناً أخرى.
بدأت فصول هذه العلاقة عندما ذاع صيت الشيخ وكراماته ووصل خبره إلى الخليفة في مراكش. فقرر عبد المؤمن استدعاء الشيخ إلى عاصمة ملكه سنة 1147م، وكان هذا الاستدعاء يحمل في طياته أبعاداً متعددة، منها:
ـ رغبة في اختبار حقيقة ولاية الشيخ، وتوجس من نفوذه المتزايد
ـ السعي لدمج هذه القوة الروحية تحت جناح السلطة أو على الأقل تحييدها.
وشكلت المواجهات الرمزية التي دارت بين الرجلين في مراكش اختباراً حقيقياً لطبيعة سلطة كل منهما وأبرزها:
*اختبار الحمار: اختبر رجال الخليفة الشيخ الصوفي بربط حماره ليفترسه أسد، فمات الحمار وفر الأسد. لام الشيخ إلى الأسد، وأحيا الحمار. فكانت هذه الكرامة تفوقًا رمزيًا لسلطة روحية تمنح الحياة على سلطة السلطان المادية التي لا تملك إلا الموت.
* لقاء الخليفة : لم تظهر على الشيخ علامات خوف أو خضوع لهيبة السلطان، وبالمقابل اعترف الأول للثاني
بدرايته بشؤون حكمه في تأكيد ضمني على أن لكل منهما مجاله الخاص الذي لا ينبغي أن يتعداه.
وهكذا تحولت العلاقة من الشك والاختبار إلى الإقرار والاحترام. أدرك خلالها الخليفة أن سلطة أبي يعزى ليست سلطة منافسة، بل هي قوة روحية يمكن أن تكون سنداً للدولة. وبهذا أثبتت “الولاية الروحية” قدرتها على فرض احترامها حتى على “الولاية الزمنية”، ورسمت حدوداً واضحة بين عالم الروح وعالم السياسة
.
خاتمة
يتضح أن سيرة الشيخ أبي يعزى يلنور، كما يقدمها كتاب “الشيخ والجبل“، تتجاوز كونها ترجمة لشخصية تاريخية. إنها وثيقة ثقافية واجتماعية عميقة تفتح نافذة فريدة على مرحلة مفصلية من تاريخ المغرب، وتكشف عن التفاعلات الخفية بين السلطة والمجتمع، وبين الثقافة العالمة والثقافة الشعبية. وتُظهر العلاقة الجدلية بين “الشيخ”، كرمز للفرد الروحي، و”الجبل”، كرمز لسياق تاريخي واجتماعي حاضن لفهم كيفية تفاعل الفرد مع جماعته في صناعة التاريخ.
لقد قدم هذا المتصوف نموذجاً فريداً للولي الصوفي المتجذر في واقعه الاجتماعي والسياسي. فقد أثر في العامة والبسطاء بكراماته وتواضعه، وفي الخاصة والحكام بقوة شخصيته وشجاعته. وأسس لنمط من “القداسة الشعبية” التي استطاعت أن تتجاوز الانقسامات الاجتماعية وخاطبت الجميع بلغة الروح. ونذكر أن الصورة التي وصلتنا عن الشيخ أبي يعزى هي نتاج كتابات مناقبية، صاغتها أقلام محبة. ونعيد التأكيد على أن الهدف من قراءة هذه النصوص ليس التحقق التاريخي من وقائع الكرامات، بل فهم دلالاتها العميقة والأثر الذي تركته هذه الشخصية في زمانها والأزمنة التي تلته.
انتهت حياة الشيخ أبي يعزى المادية بوفاته بالطاعون عام 1177 م (572 ه)، لكن سيرته لم تنتهِ بوفاته، بل بدأت حياة أخرى في ذاكرة الناس وكتابات المؤرخين، حيث تحولت من مجرد قصة فرد إلى ظاهرة ثقافية متجذرة. لقد تم تداول قصته وتشكيلها عبر مصادر متعددة، مزجت بين الحقيقة التاريخية والرمزية الروحية، مما ضمن له مكانًا في التراث المغربي أصبح معه جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الصوفية والتراث الروحي للمغرب
هوامش
[1] ـ يضيف أنه في هذه المدينة لا تختلف الحيوانات والطيور كثيرًا عن الإنسان وفتح حوار حول ميراث البهجة والسرور في النفوس حيث لا تتسع الفوارق كثيرًا بين الظاهر والخيال2- شعيب حليفي، الشيخ والجبل في سيرة بعض الزمن ما ظهر منه وما بطن الشيخ أبو يعزى يلنور (1047-1177م) صوت من باطن الهوامش المعلقة على حافة الأسرار الجريحة، منشورات مختبر السرديات بكلية الآداب بن مسيك بالدار البيضاء، مطبعة force équipement، الدار البيضاء، 2024، ص .7.
3 ـ شعيب حليفي، الشيخ والجبل، ص 11.
4- إيروكَّان (جبل): بتشديد الكاف المعقودة كلمة أمازيغية تعني الضباب الخفيف وهي التسمية التاريخية للجبل المطل على قرية مولاي بوعزة الحالية. يعرف اليوم بــ “إيغيل أورومي”، ومعناها معانق النصارى. ونرجح أن التسمية الجديدة تعود لفترة مقاومة سكان المنطقة للاستعمار الفرنسي، حيت تحصنوا بهذا الجبل.
5-ـ يذكر من بين أبرزهم محمد التميمي الفاسي (ت. 1208م) في كتابه “المستفاد في مناقب العباد”، ابن الزيات التادلي (ت. 1230م)، أبو الصبر أيوب الفهري، وأبي العباس العزفي.
6- يقدم لنا التميمي في لقائه الأول بالشيخ سنة 1155م في فاس صورة حية عن هذا الانقطاع، حيث يؤكد أنه وجده في المسجد “غاص بالناس”، يقضي وقته بين الصلاة والذكر وانتظار الصلاة التالية
7- تُروى قصة إخراجه للجني من رجل سرق، وعلاجه للمجانين بمجرد قوله: “انظر إلى كفي”.
8 ـ تروي كتب المناقب أنه عالج عددًا من العميان بمجرد مسحه على أعينهم بيده
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه