عمر العقاد، حرب أمريكية، رواية، ترجمة مجدي عبد المجيد خاطر، منشورات روايات، (2017).
يبدو أن علاقة الرواية بالبيئة تتم عبر محاور متعددة، ذلك أن الرواية تعكس الظروف البيئية والاجتماعية والسياسية التي تكتب فيها، وتستخدم البيئة كمحرك للأحداث، كما تسهم في تشكيل الوعي البيئي لدى القارئ من خلال تقديم أحداث مؤثرة تدعو إلى تبني مواقف وسلوكات مناسبة بخصوص القضايا البيئية. في المقابل تؤثر البيئة على شخصيات الرواية من خلال تشكيل سلوكهم وقيمهم ودوافعهم، وتعد عنصرًا حيويًا يتفاعل معه أبطال الرواية، فيجعلهم جزءًا من نظامهم المحيط بهم، ويعكس صراعاتهم الداخلية والخارجية، مما يؤثر في مسار أحداث الرواية. ويعدّ وليام روكيرت أول من استعمل النقد البيئي لدراسة العلاقات الموجودة بين الأدب والبيئة، بما فيها المكان والطبيعة والأرض والحياة، وذلك في أواخر سنوات السبعينات من القرن العشرين الميلادي، وبالتحديد في سنة 1978م، في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا. بيد أن هناك من يعتقد أن “نظريات ميشيل فوكو وإدوارد سعيد هي ذات صلة بدراسة البيئة التي تعد في حد ذاتها بناء ثقافيا”[1]. ومن اهتمامات النقد البيئي خلق سرود متأصلة جغرافيًا تربط السرد بالمشهد الطبيعي، إذ تؤدي البيئة دورًا تساوي أهميته أدوار الشخصيات والراوي، كما يهدف إلى زيادة الوعي البيئي من خلال تسليط الضوء على القضايا البيئية ورفع مستوى الوعي بها من خلال تحليل الأعمال الأدبية، ويعنى أيضًا بالتنظير والتحليل والقراءة والفحص والدراسة للنصوص الإبداعية وتأويلها ثقافيًا وبيئيًا وإعلاميًا بغية رصد رؤى الكتاب والمبدعين والمثقفين تجاه البيئة، وخاصة بعد تفاقم ظاهرة التلوث والتصحر والانحباس الحراري في العالم أجمع، ودق ناقوس الخطر من طرف الجمعيات والمنظمات والنوادي الداعية إلى الاهتمام بالبيئة، والتحسيس بأخطار الكوارث البيئية التي تهدد البشرية على الكرة الأرضية برًا وبحرًا وجوًا.
يرى بعض الدارسين للسرد العربي أن الاهتمام بموضوع التغير المناخي والمتغيرات التي تفرضها المآسي البيئية ما تزال بعيدة عن انشغالات الروائيين العرب، باستثناء بعض الأعمال التي تطرقت إلى الخيال العلمي والأدبي، في حين أنه يشكل قضية مصيرية لا يمكن تجاهلها أو التغاضي عن تداعياتها على البشرية جمعاء. ذلك أن الكوارث البيئية لا تقع فقط على شكل زلازل أو براكين أو انهيار سدود، بل إن الحروب قد تحدث أضرارًا كارثية فظيعة على البيئة، كما حصل في فلسطين والعراق ومن بعدها سوريا واليمن وليبيا وأفغانستان في السنوات الأخيرة.
ويعد عمر العقاد، الروائي الكندي ذو الأصول المصرية واحدًا من الروائيين الذين تناولوا هذا الموضوع في روايته “حرب أمريكية”، الصادرة بالإنجليزية سنة 2017 م. وقد عرفت نجاحًا كبيرًا وتمت ترجمتها إلى ثلاث عشرة لغة، منها العربية بواسطة مجدي عبد المجيد خاطر. وقد عمل العقاد مراسلًا في صحيفة كندية مغطيًا الحرب في أفغانستان والمحاكمات العسكرية لمعتقل غوانتنامو والربيع العربي في مصر، وشهد الصراعات البيئية في المجتمعات، والانهيارات على مستوى الأوطان، وقضايا التهجير واللجوء، وحجم الخراب الذي لحق بهذه الدول. ولا شك أن هذه الأحداث كانت من بين الدوافع التي جعلت فكرة هذه الرواية تسكنه ليطوّرها مازجًا بين الخيال والواقع وفق مواقفه ومشاعره ومشاهداته محاولًا الإجابة عن سؤال محوري هو: ما الذي سيكون عليه الحال، لو أن هذه الشعوب في الشرق، عاشت رفاهية وتنتقل حروبها إلى الغرب، بينما تركن هي إلى الخلف لتشاهد من بعيد ماذا يحدث؟
لا تستعير الرواية خيالها من أحد، ولكنها تنسجه من وقائع متخيلة، وتستنبط من أعماق الحرب وتقلبات الطبيعة تصورات غير مسبوقة للمستقبل، بهذا تعد واحدة من الأعمال الأدبية التي تنتمي إلى أدب المستقبل، وتجمع بين الخيال العلمي البيئي وما بعد الكارثة، حاول من خلالها العقاد أن يشكل العالم في المستقبل بناء على المعطيات الراهنة، فانطلق من العام 2074 م، حيث تنتهي الحروب في الشرق الأوسط، بعد الربيع العربي الخامس، بتشكيل كيان سياسي في الشمال الإفريقي باسم إمبراطورية البوعزيزي، يسيطر على العالم إلى جانب الصين، في حين تندلع في الولايات المتحدة الأمريكية حرب أهلية ثانية تستمر إلى حدود العام 2093 م، وتعكس التمزق الذي يمكن أن تتعرض له قارة متنوعة الأعراق مثل أمريكا، بينما يرسل إليها الشرق الأوسط الجديد سفن المساعدات المحملة بالأغطية والأطعمة المعلبة. وهو تمثيل رمزي لأحلام الشرق بإنهاء الصراعات والحروب القائمة بالمنطقة وتصديرها إلى الغرب الذي ما فتئ يذكي الفتن ويؤجج الخلافات لأغراض سياسية واقتصادية.
تسلط الرواية الضوء على الانقسامات العميقة المحتملة في المجتمع الأمريكي نتيجة لهذه الحرب وللعديد من العوامل الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتستعرض المستقبل القريب للولايات المتحدة الأمريكية، الذي تتدهور فيه الأمور بشكل كبير بسبب التغيرات المناخية، حيث يؤدي الغمر المتزايد للسواحل وفيضان المحيطات والأنهار وابتلاعها أجزاء كبيرة من اليابسة، وارتفاع درجة الحرارة، وفقدان الموارد الطبيعية إلى تقسيم القارة إلى الشمال المسيطر والجنوب المقاوم، مما يترتب عنه نزوح جماعي للناس من مناطقهم أو ما يمكن أن يصطلح عليهم باللاجئين البيئيين. تؤدي هذه التحولات إلى صراع داخلي ضار بين الشمال والجنوب، وإلى احتقانات سياسية واجتماعية وصراعات إيديولوجية يمكن أن تقرأ كدليل على هشاشة الديموقراطية الأمريكية. هكذا يتسرب هذا الهمّ البيئي إلى جميع جوانب الحياة في العالم الذي خلقه عمر العقاد، مما يجبر الشخصيات على مواجهة هذه التحدّيات في بيئة غير مستقرّة. وهنا تبدو مسألة التغيّرات المناخية العالمية واحدة من أكثر المشكلات البيئية خطورة على مستقبل الإنسان والحضارة وكوكب الأرض والحياة بكل تراكماتها. الشيء الذي يستدعي اتخاذ تدابير داعمة لسياسات تغير المناخ والحفاظ على البيئة.
يؤكد عمر العقاد على الحس القوي بالبيئة والتجذر العميق في المكان الذي تشعر وتتعلق به الشخصية الروائية حيث تشكل البيئة الخلفية التي تدور فيها الأحداث وتؤثر بشكل مباشر على تكوين الشخصيات وتفاعلاتها. هكذا تنفتح الرواية على رحابة التخييل البيئي المشدود إلى مستقبل العالم الذي يرتكز على العلاقة المحتملة بين المجتمعات البشرية والتغيرات الطبيعة، وتنهض فيها أصوات الحياة المستقبلية منسابة في حكايات قادرة على التخفي والظهور وعبور الزمن في صور لشخصيات مرتبكة تحكي قصصها العابرة لممرات وأنفاق متشعبة، نحو مستقبل يئن تحت أنقاض دمار شامل ناتج عن اختفاء مدن كاملة تحت السيول وانتشار الأوبئة والأمراض الجسدية والنفسية، واجتياح الجنود والمخبرين والمتمردين والغرباء والطائرات الحربية وروائح الموت الكريهة في ظل حرب أهلية لا تتوقف. وهنا يمكن طرح التساؤل عن كيفية تعامل الغرب مع هذه الأزمات وعن حقيقة ما تعنيه القيم الغربية أمام هذه الأوضاع بأمريكا، ومن تم تسليط الضوء على التناقضات الأخلاقية في صميم الليبرالية الغربية بناء على مواقفها من أوضاع متشابهة في أماكن وأزمان مختلفة.
يتحدث عمر العقاد في الرواية عن شخصيات عسكرية وسياسية مؤثرة في مجريات الأحداث لكنه يركز على شخصية رئيسة تدعى سارة شستنت، وهي فتاة يتيمة تعيش في ظل الحرب وتحكي أهوالها وتأثيرها على الحياة. فقد شهدت مقتل والدها وعمرها ست سنوات فترعرعت في مخيم لاجئين، وعرفت تحولات كبيرة انتقلت على إثرها من طفلة بريئة نشأت في بيئة جنوبية مليئة بالفقر والصراعات العائلية إلى مقاتلة شرسة تسعى للانتقام وفاء لأهلها. وفي الرحلة بين المرحلتين تبلورت المعاناة الإنسانية والنضال من أجل البقاء والسعي لإيجاد فرص جديدة للحياة وما يتخلل ذلك من تحدّيات وصعوبات وإكراهات وضغوطات نفسية واجتماعية واقتصادية، ممّا يجعلها رمزًا للصمود والمواجهة القوية من أجل نيل الحرّية. وهي بذلك تجسد العلاقة بين اللاجئين وأهل المكان الذي يلجؤون إليه، وهي علاقة غير منصفة، فأولئك الذين تركوا كل شيء خلفهم وهربوا إلى أرض أرادوها بيتًا ووطنًا ومرفأً، وجدوا أنفسهم فيها بلا مأوى. هذه التطوّرات غير المتوقعة تظهر كيف يمكن للحرب الأهلية أن تتحول إلى مأساة مستمرة مع تأثيرات مدمرة على الحياة اليومية، وكيف يمكن للأحداث الكبرى أن تؤثر على مستقبل الأفراد والمجتمعات.
يستكشف العقاد من خلال هذه الشخصية موضوعات متعددة مثل الدراسة والتعليم في ظل الحروب، وكيف يمكن للأطفال أن يفقدوا فرصتهم في مستقبل أفضل. كما يلامس موضوعات مثل العلاج النفسي والاجتماعي للناجين من الحروب وكيف يمكن مساعدتهم على تجاوز الصدمات. كما يسعى العقاد إلى تسليط الضوء على مخاطر العنف والكراهية وتداعيات الصراعات المسلحة على الحياة البشرية، وتأثير الحروب والتغيرات المناخية على الأجيال القادمة، وأيضًا مستقبل التأمين الصحي والاجتماعي وقانون الهجرة في ظل الكوارث الطبيعية، وكيف يمكن للدول أن تتعامل مع تدفق اللاجئين. كما يطرح أسئلة حول الهوية والانتماء في عالم ممزق بالصراعات التي تؤدي إلى تقسيم مجتمع بأكمله، ويحذر من الانزلاق إلى الهاوية إذا لم تتم معالجة جذور المشاكل الاجتماعية والسياسية والبيئية.
تتميز الرواية بأسلوب سردي واضح قادر على نقل الصور الحية للعالم المدمر الذي تصفه، كما تتميز بقدرتها على تصوير المشاعر الإنسانية المعقدة في ظل الظروف القاسية، إذ لا يكتفي العقاد بسرد الأحداث بل يتعمق في نفسية شخصياته، خاصة سارة، لفهم دوافعها وصراعاتها والظروف التي خلقت شخصيتها معتمدًا على الحوارات الداخلية للشخصيات لتقديم منظور عميق حول التحولات الاجتماعية والبيئية الناتجة عن التغيرات المناخية والحروب المدمرة.
استجمع الكاتب تجربته وطاقته في البناء السردي الغني من كثافة الأحداث وتعالق الشخصيات والأشياء والفضاءات والأزمنة وخلق الصور التي تبلور مخلفات الحرب وتأثيرات السياسة البيئية على الحياة البشرية. هذه الانتقالات الزمنية والمكانية تثير تساؤلات كثيرة ومحيرة عن المستقبل في ظل الحروب المعاصرة وعن ضرورة رفع الوعي بالمخاطر البيئية.
تعتبر الرواية عملًا أدبيًا هامًا يستحق القراءة والتأمل، ويمكن اعتبارها بمثابة مرآة لما قد يواجهه العالم في حال استمرت الأزمات البيئية والسياسية بالتصاعد، إنها تقدم قصة مؤثرة ومثيرة للتفكير، وتثير نقاشات مهمة حول قضايا معاصرة وحول التحديات العالمية التي قد تواجهها الإنسانية. فهي تقدم للقارئ رؤية مستقبلية مختلفة للعالم، رؤية عن عالم خيالي مرعب قابلة للتحقق. فليس في الرواية ما يدعو للارتياح سوى حقيقة أنها عمل روائي متخيل، ولكنها تهز القارئ بعمق وتدعوه إلى الاهتمام بالقضايا المصيرية التي تهدد الحياة الإنسانية، كما تدعو المثقفين والمبدعين إلى الاهتمام بهذه القضايا في الكتابات الإبداعية والنقدية تشخيصًا وتحليلًا ووصفًا وتوجيهًا وتلميحًا لاستشراف آفاق المستقبل الإنساني في ضوء التغيرات البيئية المحتملة.
———————————————
[1] ديفيد كارتر: النظرية الأدبية، ترجمة، باسل المسالمة، دار التكوين، دمشق، سوريا، ط.1، 2010م، ص. 153.
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه