إلياس كانيتي، أصوات مراكش، ترجمة صلاح هلال، دار الصفصافة، 2020.
الاستشراق البيئي وتمثيل البيئة المغربية
اعتماداً على تطور النقد البيئي الألماني، أقدّم قراءة بيئية-ثقافية لكتاب إلياس كانيتي أصوات مراكش، مركزًا على كيفية تمثيله للتفاعل بين الإنسان والبيئة المغربية، إذ يمثّل التعامل الأخلاقي مع الإبل محور الدراسة. كتاب أصوات مراكش (1967)، هو مجموعة من الانطباعات الشخصية عن المغرب في خمسينيات القرن العشرين، حين قادت الصدفة إلياس كانيتي في عام 1954 للسفر إلى مدينة مراكش المغربية صحبة فريق سينمائي. على أنه رغم تمثيلاته للبؤس في مراكش، فإن النصّ يفيض بنوع من الفرح بالإنسانية، ويحتفي بالجمال المختبئ وسط تفاصيل المدينة العتيقة، مع أمله في سلوكات أخلاقية وبيئية أفضل، تحفظ الإنسان والحيوان على حد سواء، وتضمن استمرار الحياة.
هذا الأمل قاد كانيتي إلى وصف ثالث أكبر مدينة مغربية في تلك الفترة، فتنفس الروائح المغربية، وسمع أصوات المهمّشين من المكفوفين والمتسوّلين، وشاهد مساومات التجار في الأسواق، وبائعي الخبز، وحاول البحث عن أصله، مكتفياً بتواصله بالفرنسية في حالات نادرة واستئنائية وفهمه للغريب في أصله دون ترجمة. أقام إلياس كانيتي ثلاثة أسابيع في مراكش باحثًا في رحلته عن الغريب الذي انفتح عليه، ووجده من خلال أصوات الرواة. كان كانيتي رحّالة يرفض لنفسه أية ترجمة إلى الأصل، لأنه يريد أن يصبح هو نفسه غريباً. وحين يعود من مراكش يستطيع أن يواصل الكتابة(1).
تُعتبر الحيوانات من الموضوعات الأساسية عند كانيتي، رغم غياب دراسات شاملة حول هذا الجانب من أعمال كانيتي(2). يشير الباحثون إلى أن آراء كانيتي، بما في ذلك موقفه الأخلاقي تجاه الحيوانات ليست ثابتة؛ فهو يتنقّل بين مدافع عن حقوق الحيوانات ومعارض لها، ويغيّر وجهات نظره من مرحلة لأخرى. غير أن الحيوانات تحتل موقعًا مركزيًا في رؤيته الثقافية والبيئية؛ فهي ليست عناصر ثانوية، بل مفاتيح لفهم نظرته الثقافية والبيئية، ليس فقط في أصوات مراكش، بل في نصوصه الأخرى أيضًا(3).
يقدّم كانيتي مدينة مراكش بوصفها نسقًا من الأصوات والحيوات التي تؤثر في الوعي الأوروبي، وهو يفعل ذلك من خلال منظور يحمل ملامح الاستشراق البيئي أو الاستشراق الأخضر(4)؛ إذ يضع البيئة المغربية داخل إطار ثقافي مسبق، ويعيد صياغتها وفق خلفيته الأوروبية واليهودية الكوسموبوليتية.
تظهر ملامح الاستشراق البيئي بتأمل كانيتي ألم الحيوانات، خصوصًا الحمير والجِمال، وقسوة الافتراس، فيشعر بقلق أخلاقي تجاه تطبيع الإنسان مع فكرة القتل في الطبيعة. وتعكس عبارة كانيتي “خلقٌ يقوم على الافتراس – كيف يمكن له أن ينجح؟” نزعته البيئية ورؤيته الرثائية-الرحيمة تجاه الحيوان، والتي تتجاوز النقد الاجتماعي لتطرح سؤالًا وجوديًا حول طبيعة الخلق ذاته(5). ولهذا تظهر الحيوانات في أعماله ككائنات يُسيء البشر استعمالها، ولا تستطيع الدفاع عن نفسها أمام أصحاب السلطة عليها مثل الصيادين، والرعاة، والجزّارين، والتجار الجشعين، وصولًا إلى المنتفعين من ركوبها أو لحمها وحليبها. ويمكن التأكيد على أن كانيتي رفض المكانة الاستثنائية التي يمنحها الإنسان لنفسه فوق الحيوان، فاعتبر الحيوان فاعلا أساسيا في الثقافة الإنسانية(6).
النقد البيئي وانكسار الصورة الرومانسية:
خصّص كانيتي الباب الأول من كتاب أصوات مراكش ليتحدّث عن الإبل ووضعها البائس في سوق الجمال قرب باب الخميس بمراكش، إذ يرى كانيتي في الإبل مزيجًا من الغرابة والشفقة. ورغم أنّ اللقاء بالجمال يغيّر تصوّر كانيتي “النموذجي” عن الشرق، فإنّ صدمته أمام واقع بيع الجمال وأكل لحمها تكشف الهوّة بين خياله الرومانسي والواقع البيئي-الاجتماعي للمغرب. ففي حين يعبّر مشهد الجمل المقيّد في السوق عن انكسار الرؤية الرومانسية للمغرب وتحولها إلى وعي بالواقع البيئي الصعب، يظهر كانيتي الصدمة من أساليب الذبح القاسية، ويؤكد إدراكه لمعاناة الحيوان قبل ذبحه، مما يعكس وعيه الأخلاقي والبيئي، إذ جعل الراوي يتساءل باستنكار: “كيف تُقتل الجمال؟”- فيرد عليه الجمّال: “يتم قطع الشريان السباتي في أعناقها. يجب أن تنزف حتى الموت، وخلاف ذلك لا يمكنك أكلها. لا يمكن لمسلم أن يأكلها إلا إذا كانت قد نزفت” (ص. 18).
يكشف هذا النص عن الصراع بين العادات الإنسانية وأخلاقيات كانيتي تجاه الحيوانات، إذ يعبّر عن رفضه لفكرة استغلال الحيوان كمصدر للطعام على حساب معاناته. كما تتجلّى صدمته من عادات أكل الإبل في موقفه الرافض للمسافة التي يضعها الإنسان بين نفسه وألم الحيوان، وهو ما يدلّ على حسّه الأخلاقي العميق تجاه حقوق الكائنات الحية وتحفّظه على استهلاك لحمها حسب ما يشير إليه بالقول: “هل يؤكل الكثير من لحم الإبل هنا؟ – حاولت إخفاء تأثري وراء أسئلة موضوعية. كثيرا جدا…كيف طعمها. أنا لم آكلها قط”- لم تأكل قط لحم الإبل؟ انطلقت منه ضحكة ساخرة ورقيقة قليلاً، ثم كرر سؤاله، لم تأكل قط لحم الإبل من قبل؟” (ص. 13). كما يوضح كانيتي ميل البشر للسيطرة والاستغلال الاقتصادي على حساب الحياة الحيوانية، فقد شعر وكأنه في موقف قوة، “كما لو كان يجبره على أكله… وهو يقول بفخر إنه من مراكش، يشتري الحيوانات ويبيعها للجزارين” (ص. 14).
يجسّد تعاطف كانيتي العميق وارتباطه العاطفي بالحيوانات إلى جانب إدراكه لمعاناتها موقفه الأخلاقي تجاه البيئة والحياة الحيوانية ليغدو الحيوان لديه مرآة لذاتيته الأوروبية، ووسيلة لكشف التوتر بين التخييل الاستشراقي والتجربة البيئية الحقيقية في مراكش(7)، ويحفز على التفكير في المسؤولية الأخلاقية تجاه الكائنات. فقد ناقش مع مرافقه خلال الأيام القليلة التالية موضوع الإبل المسعورة، “خاصة بعد أن وجدا في الساحة الضخمة واحدًا… مقيدًا، في ساعته الأخيرة، وهو يقاتل من أجل حياته، وقد تركاه وسارا بعيدًا” ( ص. 11). يبرز النص كذلك المعاناة النفسية للحيوانات نتيجة سوء المعاملة، ويظهر وعي كانيتي البيئي من خلال تقديره لشعور الحيوان، انطلاقًا من توقعاته الأوروبية لرؤية حيوانات غريبة بوجوه إنسانية تتحول إلى صورة قاتمة للمعاناة، لكنه يعترف بأن المغاربة يفعلون ذلك من أجل البقاء، ويتفهم الثقافة المحلية رغم شعوره بعدم الارتياح أمام أساليب الذبح، فهو يصف الرجل الذي اقترب منهما وأوضح لهما بلغة فرنسية ركيكة بأن الجمل مريض بداء السعار، وأنه خطير، وأنهم يقودونه إلى المسلخ. لقد حذرهم من الحيوان، وشكراه رغم أنهما سمعا صراخ الحيوان (ص. 11).
أخلاقيات الحيوان:
أخلاقيات الحيوان(8) هي فرع من الأخلاق التطبيقية التي تدرس المبادئ التي يجب أن تحكم تعامل الإنسان مع الحيوان، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بأخلاقيات البيئة، وتتمحور حول سؤالين أساسيين: كيف نتعامل مع الحيوانات؟ وما هي الحقوق التي لديها؟ وقد أعاد فلاسفة العصر الحديث إحياء فكرة استقلال الحيوان وشعوره بوصفه كائنًا قادرًا على الألم، مما يوجب مراعاة معاناته، خصوصًا في التجارب العلمية. وتشمل هذه الأخلاقيات رفضَ ظروف التربية القاسية في مزارع الإنتاج الحيواني، والدعوة إلى معاملة تراعي رفاه الحيوان، بينما يضيف عالم الأخلاقيات بيتر سينغر (Peter Albert David Singer) بُعدًا ثالثًا، وهو ضرورة احترام كرامة الحيوان باعتباره كائنًا مستقلًا له مصالح ورغبات خاصة. وانطلاقاً من هذه المبادئ يجسد النصّ هشاشة العلاقة بين الإنسان والحيوان، ويكشف عن معاناة الإبل نتيجة تعامل البشر معها بشكل غير مسؤول، فيعبر كانيتي عن شعوره بالقول: “اقتربت ثلاث مرات من الإبل وانتهت كلها بشكل مأساوي في كل مرة” (ص. 9).
تُحدد حقوق الحيوانات غالبًا وفقًا لمنفعتها للإنسان، لكن الحدود بين الإنسان والحيوان ليست ثابتة، بل تتغير حسب السياقات التاريخية والثقافية، مما يستدعي إعادة تقييم مكانة الحيوان أخلاقياً وعدم ربط قيمته بمنفعة الإنسان. يتكرر في أعمال كانيتي موضوع فقدان التنوع البيولوجي، لأن تجربة التنوع والاختلاف ضرورية للإنسان كي يكون مبدعًا، وأن احترام الحياة الحيوانية والطبيعية ليس رفاهية، بل هو شرط أساسي لاستدامة الإنسان نفسه. يطرح كتاب أصوات مراكش بدائل أخلاقية في السلوك وطريقة التعامل مع ممارسات تعتبر استغلالية: انقراض الأنواع، تلوث البيئة، واستغلال الإبل قبل الذبح. يظهر كانيتي اهتمامه بالتفاصيل الفردية لكل جمل، معتبرًا أن لكل حيوان شخصية وهوية مميزة، يصورها النصّ بطريقة تميل إلى الأنسَنَة(9)، حين يلفت الراوي نظر صديقه الإنجليزي بلباقة إلى التشابه بين الإبل وبين مواطنيه، وسرعان ما وجد الإثنان الكثير من المعارف الذين ينطبق عليهم الشيء ذاته. يفضي هذا النقاش إلى موقف كانيتي الأخلاقي الضمني من خلال أسلوبه الكتابي، إذ يعكس نظرية الموقف والعلاقة الأخلاقية مع الحيوان(10)، كما نقرأ في الاقتباس التالي من أصوات مراكش: “خرجنا واختلطنا بالحيوانات… مدت أعناقها وسحبت الطعام إلى أفواهها، ثم القت برؤوسها الى الوراء، ومضغت بهدوء. نظرنا إليها عن كثب وإذ هي لها وجوه. كانت متشابهة، ولكنها في الوقت نفسه مختلفة جدا. كانت تذكر بالسيدات الإنجليزيات قديمًا اللواتي كن يحتسين الشاي معًا بكبرياء وبشيء من الملل الظاهر، ولكن لا يمكن لهن إخفاء الشر الذي ينظرن به إلى كل شيء من حولهن. قال صديقي الإنجليزي: هكذا هي عمتي، فعلًا” (ص. 11-12).
الصمت في مواجهة العنف:
في مواجهة العنف، لا يصمت الأشخاص فقط، بل يصمت الراوي ذاته، فتتساوى ساحة المعركة مع المسلخ، مما يولّد إحساسًا عميقًا بالتعاطف مع معاناة كل الحيوانات، ومن بينها الحمير في مدينة مراكش، رغم غياب إمكان الإنقاذ، وهذا ما يوضحه قول كانيتي: “كانت الحيوانات الصغيرة التي اعتادوا ركوبها هي الحمير، وكانت المدينة مليئة بالحمير، لقد كانت تحمل جميع الأثقال وتعامل معاملة سيئة لدرجة أن المرء لم يكن يتحمل رؤية ذلك مرة أخرى” (ص. 9).
يبرز كانيتي المعاناة الجسدية والنفسية للإبل نتيجة سوء المعاملة البشرية، ويصف استخدام القوة والتعذيب لترويض الحيوان، مع إدراكه للطبيعة الحسية والذكاء الحيواني، مما يعكس احترامه العميق للكائنات الحية وحقها في الحياة بسلام، وفي هذا السياق يقول: “انتبهنا لجمل بدا أنه يقاوم شيئًا ما. وكان يهدر وينخر… حاول رجل إجباره بالعصا على الركوع، ولما لم يطعه، وجه إليه ضربات بالعصا… تخضب الأنف وعقدة الحبل بلون الدم الأحمر. ارتجف الجمل وصرخ… إنه يشم الرائحة، رائحة الجزار. لقد بيع للذبح، سيذهب الآن للمجزرة” (ص. 16-17).
يمكن القول إن هذه التجربة الرحلية التي يفترض أنها ممتعة للتعرف على المألوف في الغريب يمكن أن تجعل تقرير رحلة كانيتي يبدو وصفًا سياحيًا استشراقيًا، لكن وضع هذه الملاحظة في سياق الذبح المرتقب للإبل يجعل التفسير الاستشراقي محل شك. لقد جعلت عملية إطعام الإبل الراوي يفكر بالفعل في “وجبة الجلاد”. هكذا، يتبدّى لدى كانيتي في أصوات مراكش ونصوصه الأخرى، منظورٌ أخلاقي يتعامل مع الحيوان بوصفه كائنًا مستقلًا، ويرفض الهرمية التي تضع الإنسان في موضع أسمى من الحيوان، بما يعكس العلاقة المعقّدة بين البشر والحيوانات، حيث يتجلّى خوف الإنسان من قوة الحيوان، وفي الوقت نفسه تعلقه به؛ فحركاته غير متوقعة، كما أنها مخيفة، والرجل الذي كان يقوده كان يستسلم لحركته في كل مرة، “ولربما كان خائفاً من الاقتراب من الحيوان.. ولكن بعد كل مفاجأة كان يجذبه مرة أخرى” (ص 10).
تُظهر قراءاتنا أنّ الإبداع يعمّق التقدير للطبيعة، ويدعو إلى النظر في معاناة الحيوانات. كما يمكن القول إنّ الإنسان والحيوان مرتبطان بتحوّلات مستمرة، وأنّ صفات الإنسان متأصّلة في الحيوان، والحدود بينهما مصطنعة وغير ثابتة، وتنفي الحدّ الفاصل بين الحيواني والإنساني وترفض المركزية الإنسانية. غير أن كانيتي لا يكتفي بنقد العنف، بل يقدم تصوّرات بديلة للتعايش بين البشر والحيوانات، مبنية على المحبة كأساس للعلاقة الأخلاقية؛ ففي مراكش بدت الإبل لهم جميعًا من البداية هادئة، غير أن الرجال لم يكونوا يثقون في بعض الحيوانات، إذ لم يكونوا يقتربون منها تمامًا أو يقتربون فقط عندما يكون ذلك ضروريًا حقًا (ص. 16). تؤكد مذكّرات كانيتي هذا المعنى حين تتردد فيها فكرة أن الحدود الطبيعية قابلة للتجاوز، وأن محاولة التحكم أو الإبادة تعكس فهمًا ضيقًا للعالم(11). ذلك أن روية كانيتي ترتبط برفاهية الحيوان في عالم يهيمن عليه الإنسان، وتتقاطع مع نقده للتقاليد الدينية التي تمنح الإنسان أولوية مطلقة. ومع تعمق مشروعه الإبداعي، تكتسب الحيوانات استقلالية أكبر وتتحرر من المركزية الإنسانية. هذا المشروع الفكري يُقارب القتل المتعمد للحيوانات والقتل المتعمد للبشر ويضعهما في سياق واحد، معتبرًا أن منطق السيطرة نفسه يقود إلى الإبادة في الحالتين، مما يدفع كانيتي إلى الاعتقاد بأن كل إنسان قد يكون، بطريقة ما، نازيًا تجاه الحيوانات.
ربط كانيتي بين السيطرة على الحيوان والعنف ضد الإنسان، معتبرًا أن منطق السيطرة نفسه يقود إلى الإبادة في الحالتين. قدّم لنا كانيتي صاحبَ الجمال المغربي بهذه الطريقة: “الرجل كان يتحدث عن القتال والحرب بشكل حماسي، كما لو كانت الرغبة الشديدة في قتل الإبل المسعورة قد انتابته” (ص. 19). هذه الواقعة منعت كانيتي ورفيقه من التجوال بين الإبل بعد ذلك، لقد فقدا الرغبة في القيام بذلك، لأن صورة الحيوانات لم تغب عن بالهما. فقد ظل كانيتي يفكر فيها وهو يشعر بالخجل كما لو كانت له معرفة بها منذ فترة طويلة. فقد ارتدّت ذكرى وجبة جلادها بتلك المحادثة عن الحرب (ص. 15).
مركزية الحيوان ورؤية ما بعد مرحلة تحكم الإنسانAnthropocène
يرتكز موقف إلياس كانيتي تجاه الحيوانات على اعتبارها جزءًا من الإنسان، وليست «آخرًا» خارجيًا، مما يجعل التماهي الأخلاقي معها شرطًا لفهم العلاقة بين البشر والكائنات الأخرى. في أعماله المبكرة، مثل أصوات مراكش، يستخدم كانيتي كلًّا من التشخيص البشري للحيوان والتشخيص الحيواني للإنسان، كما في مقارنته للجمال بسيدات إنجليزيات عجائز. ولا يقتصر حضور الحيوان في مشروع كانيتي على كتاب أصوات مراكش فقط؛ فنصوصه الأخرى، مثل رواية العمى(12)، تتيح إمكانية تعريف العلاقات بين الحيوانات والإنسان من خلال ضبط تحولات هذه العلاقات، كما تسمح هذه التحوّلات بإزالة الحدود بين الإنسان والحيوان، وتمكين القارئ من تبني رؤية مركزة على الحيوان وفهم مشاعره وتجربته، وهو ما يعكس موقفًا شعوريًا وأخلاقيا(13). ولهذا تلعب المركزية المرضية دورًا مهمًا في التأسيس لأخلاقيات البيئة، فهي تركّز على كل الكائنات القادرة على المعاناة والشعور بالألم وتمنحها حقوقًا أخلاقية، على أساس أن البشر والحيوانات يعيشون ويعانون بطريقة مشابهة. فوفق هذا المنظور، لا يجوز للإنسان استغلال الحيوانات لأغراضه الخاصة إذا تسبب ذلك في الألم أو المعاناة، كما تسائل هذه النظرة الدور الخاص المزعوم للبشر كمالكين حصريين لحقوق فريدة(14).
تقوم المركزية الأخلاقية عند كانيتي على الشعور والألم عند الحيوانات، لا على مركزية الإنسان. فهو يرفض الهيمنة البشرية المطلقة، ويمنح الحيوانات أدوارًا أخلاقية تتجاوز الموت، وتُظهر قدراتها المستقلة، التي تكون أحيانًا أرقى من القدرات البشرية. ويمكن وضع مواقفه ضمن مسارات متدرجة: المركزية الإنسانية، المركزية الشعورية، المركزية الحيوانية، مع قابلية الامتداد نحو المركزية البيولوجية التي ترى قيمةً لجميع الكائنات. وفي هذا الكتاب- وكتب أخرى- دعوة إلى التفكير في علاقة الإنسان بالحيوان، وتحديد موقع الإنسان في العالم، والتساؤل عن ادعاء الإنسان بأنه “تاج الخليقة”، وهي محاور ضرورية لفهم الأزمات الراهنة، مثل تدمير البيئة أو الجائحة.
تُظهر أعمال كانيتي الأدبية أن العلاقة مع الحيوانات تحمل القدرة على أن “تجعل منّا بشرًا” حقيقيين، وأن تشييء الطبيعة والحيوانات، وإخضاعهما لمنطق الربح والنمو الرأسمالي، أمر مهين لمجتمع يصف نفسه بأنّه “إنساني” و”تقدّمي”. لذلك فمن الضروري تغيير سلوكنا الاستهلاكي كخطوة أولى، رغم أنها غير كافية؛ فلا بدّ من صياغة قانونية وتنفيذ سياسي لحقوق الحيوان وحقوق الطبيعة، على غرار حقوق الإنسان.
يمكننا أن نقرأ مبكرًا عند إلياس كانيتي انعكاسات العلاقة المختلة بين الإنسان والحيوان على المجتمع. فقد رأى كانيتي أن العلاقة مع الحيوانات تمثل مصدر إثراء خاص للإنسان، ليس بمعنى التماثل أو التعاطف المبالغ فيه، بل بمعنى إدراك الاختلاف والغربة التي لا يمكن تجاوزها في الحيوانات، ومن خلالها يدرك الإنسان ذاته في إنسانيته. في الكتاب الذي ألفته بريغيت كروناور عام 2002 بعنوان حول الحيوانات(15)، والذي يجمع أعمال كانيتي حول موضوع الإنسان والحيوان، يظهر اهتمامه بالملاحظة الدقيقة للحياة الحيوانية ورغبته في فهمها من منظور إنساني وبيئي بعيد عن الاستهلاك والقتل. فهو يصف الجمل بأنه “حيوان مثير ومشرق للغاية”. وظلت فكرة زيارة الراوي ومرافقه للسوق يوم الخميس (الموالي) تراودهما، ربما كانا يأملان هذه المرة في الحصول على انطباع أقل كآبة عن مآسي الحيوان في هذا البلد الذي ينتمي إلى الجنوب (ص 15).
خاتمة
في أصوات مراكش، يسلط كانيتي الضوء على العلاقة المعقدة بين الإنسان والحيوان في المدينة، مبرزا وعيه البيئي وأخلاقياته تجاه الكائنات الحية. تبرز معاناة الإبل والحمير في السوق نتيجة سوء المعاملة، حيث تصف المواقف المختلفة حيوانات مرهقة ومصابة بالألم، مثل الإبل المريضة والمهددة بالذبح، والتي تُعامل بعنف من قبل البشر باستخدام الحبال والعصا والترويع، ما يثير صدمة القارئ وتعاطفه مع الحيوان. يظهر المسلخ كمكان يتجلى فيه منطق القيمة الرأسمالية في أقسى صورها: تُعامل الحيوانات كسلع يُستخرج منها الربح، لا ككائنات حيّة وشريكة في الوجود، بينما يُستغل العمال استغلالًا شديدًا. من هذا المنظور، يمكن لكتاب كانيتي أن يعلمنا دروسا مهمة تتلخص في ضرورة إعادة التفكير في علاقتنا بالطبيعة والحيوانات والحياة، خاصة بعد جائحة كورونا، وتتطلب منا أن نحاول فهم أنفسنا كجزء من كل أكبر وأشمل، وأن نسائل علاقتنا بالآخر ونبحث عن أشكال جديدة للاقتصاد لا تقوم على الاستغلال.
——————————————
الهوامش:
1) رضوان ضاوي، “المدينة المغربية والمدينة الألمانية بين الثقافات في الأدب المغربي بالألمانية”، ضمن كتاب: المغرب بعيون سويسرية وألمانية ترجمات وقراءات، إصدارات مجلس الجالية المغربية بالخارج، الرباط، 2020، ص 107-108.
2) أنظر:
Vera Zimmermann, Grenzenlos menschlich? Tierethische Positionen bei Elias Canetti, Marlen Haushofer und Brigitte Kronauer, transcript, Deutschland, 2021.
3) أنظر:
Über Tiere: Mit e. Nachw. von Brigitte Kronauer, Hanser Belletristik ,2002.
4) الاستشراق الأخضر هو رؤية بيئية غربية تتحدث عن الشعوب في الجنوب من خلال قصص أحادية تخدم أهدافًا بيئية محددة، وتعيد إنتاج علاقات القوة غير المتوازنة. يقوم هذا المنظور على تصوير الشعوب إما كـ“بدائيين نبلاء” متناغمين مع الطبيعة أو كجماعات جاهلة تتعامل معها بأدوات رأسمالية. ويضع البيئيون أنفسهم في موقع يعرّفون فيه الآخرين بدلًا من الإصغاء إليهم، فيحتكرون الحق في تفسير علاقة الشعوب بالطبيعة، وفرض رؤى بيئية غربية باعتبارها “الطريق الصحيح”، وتهميش الخبرات المحلية. وذلك باستخدام مشاريع بيئية لا تعبّر عن المحليين، مما يؤدي إلى مقاومة هذه الخطابات وإجهاض فرص التحالف والتعاون. وتتطلب مواجهة الاستشراق الأخضر بناء التضامن لا عبر فرض “حقيقة الطبيعة”، بل عبر الإصغاء للآخرين، وقبول أن البيئيين أنفسهم شخصيات في قصص يرويها غيرهم. ويجب فتح إمكانيات أوسع للتفاوض وبناء تحالفات قائمة على الاحترام والمساواة، بدلًا من إعادة إنتاج الهيمنة في خطاب بيئي جديد. وينشأ هذا الاستشراق الأخضر من اختلالات ميزان القوى ويُعيد إنتاجها في الوقت نفسه. ويجب التصدي له باستمرار من خلال سرود تُروى من وجهات نظر أخرى. أنظر: https://www.thecornerhouse.org.uk/resource/green-orientalism
5) الكيفية التي يرتبط بها الموت والحيوانات والطعام ارتباطًا غير سعيد في نظر الكاتب، تتناولها الألمانية نيكولينا سكينديريّا-بوهنت نيكولينا سكينديريّا-بوهنت Nikolina Skenderija-Bohnet منذ يوليو 2016 في مشروع أطروحتها الجامعية بعنوان: الأكل والمأكول: الموت، الحيوانات والطعام في أعمال إلياس كانيتي.
6) أنظر:
Ulrike Stamm, Das Tier als Denkfigur bei Elias Canetti“. Hofmannsthal-Jahrbuch zur europäischen Moderne, 18/ 2010, S. 311-325. 2018.
7) من مظاهر كونية ثقافة الاهتمام بالحيوان تخليد نحاتين سويسريين مهرة لصورة جملين كبيرين بملامح بريّة في سانت غالن -المدينة العتيقة، يمسك بها رجل يرتدي لباسًا شرقيًا. ومن اللافت الإشارة إلى أنّ جملًا حقيقيًا مرّ بمدينة سانت غالن سنة 1670. ففي ملاحظاته لعام 1821 حول مختلف النوادر الطبيعية التي عُرضت على الجمهور في سانت غالن السويسرية عبر الزمن، ذكر جورج لودفيغ هارتمان أمام جمعية العلوم الطبيعية المحلية أنّه “قبل نحو 150 عامًا، جِيءَ إلى هنا بجمل “.
أنظر:
Katrin Eberhard : ‘’Kamele in der St. Galler Altstadt“, ein Tierisches Forum -Tiere und Kultur, Forum nr. 27/2016, office fédéral de la protection de la population OFPP, la suisse, S. 30-36.
8) أنظر:
Barbara Brüning: Was ist Tierethik? Quellentexte zur Tierethi, https://www.bpb.de/themen/umwelt/bioethik/175397/quellentexte-zur-tierethik
9) تعني نسبة الصفات البشرية إلى كائنات أو أشياء غير بشرية. يمكن القول إن أنسنة الحيوانات وقوى الطبيعة واسع الانتشار في التاريخ الثقافي.
10) تَرَى نظرية الموقف (Standpunkttheorie) أن اكتساب المعرفة يعتمد على موقع الفرد داخل علاقات السلطة في المجتمع. وبناءً على ذلك، يحدد الوضع الاجتماعي للشخص. وتفترض نظريات الموقف أن الموضوعية في العلم يمكن الاقتراب منها فقط بشكل نسبي. ولذلك، يصبح من الضروري إشراك أكبر عدد ممكن من وجهات النظر المختلفة في إنتاج المعرفة.
11) يتجلى هذا في نصوص مثل رواية العمى (Die Blendung) التي صدرت باللغة الألمانية في فيينا سنة 1935، حيث تُقدَّم الحدود بين العضوي وغير العضوي كحدود قديمة وغير دقيقة.
12) Die Blendung. Roman. Reichner, Wien 1936
13) يحيل مفهوم الألم الأخلاقي (Pathozentrismus) على وجهة نظر أخلاقية أو فلسفية تضع القدرة على الإحساس بالألم والمعاناة للكائنات الحية في مركز الاهتمام، بحيث تُعتبر هذه القدرة معيارًا لاتخاذ قرارات أخلاقية أو لحماية الكائنات الحية. على سبيل المثال: في الأخلاقيات البيئية أو حقوق الحيوان، المنظور المركزي على الألم يركز على حماية أي كائن قادر على المعاناة، وليس فقط الإنسان أو نوع معين.
14) Teutsch, Gotthard M. (1985), Lexikon der Umweltethik, Düsseldorf, S. 83
15) Über Tiere. Mit einem Nachwort von Brigitte Kronauer. Hanser, München 2002
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه