ملخص العرض
يحاول هذا العرض أن يستعرض أهمية ترسيخ الوعي بانفتاح الدراسات المقارنة على الدراسات البيئية التي كثيراً ما تتعرض لها النصوص الأدبية والأعمال الأدبية المختلفة في صيغ وصف للطبيعية، أو التغني بها، والتحكم فيها، كما نجد ذلك في الأدب العربي القديم والحديث، وفي الآداب الإنسانية الأخرى بصور متفاوتة. وكان همُّ مثل هذا التعامل هو ترسيخ مدى تحكم الإنسان في الطبيعة وتسخيرها واستغلالها، دون مراعاة ما خلفه من دمار بها.
ترمي الدراسات البيئية المعاصرة إلى إعادة النظر في التصورات الفلسفية والطبيعية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والجمالية لعلاقة الإنسان بمحيطه البيئي الذي يعيش فيه، بكل ما في الأرض من كائنات بشرية وحيوانية وغيرها، حفاظاً على التوازن البيئي الذي يؤدي إلى التوازن البشري في علاقته مع محيطه الطبيعي والبيئي.
ويسعى هذا العرض إلى الكشف عن دور الأدب المقارن الذي يتعامل مع الآداب الإنسانية في مختلف بيئاتها الطبيعية والبشرية، بما يفتحه من آفاق أمام الآداب الإنسانية المختلفة لإنتاج نماذج أصلية أدبية وجمالية جديدة تعيد النظر في علاقة الإنسان ببيئته. ذلك أن الأدب المقارن، بحكم ما يخلقه من تفاعل بين مختلف الآداب الإنسانية، في تعامله مع البيئة في مختلف تجلياتها، يستطيع أن يخلق تفاعلاً خلاقاً بين الآداب التي أدركت منذ عقود أهمية الدراسات البيئية، والتي لم تدرك ذلك بعد، ويفتح آفاقاً جديدة أمام الإبداع الأدبي والتنظير الأدبي، لإغناء آفاق تخييله ولغته الفنية والجمالية.
النقد البيئي/ الإيكولوجي
النقد البيئي/ الإيكولوجي (Ecocriticism/e) ممارسة فكرية وفنية غير متجانسة تتداخل فيها تخصصات مختلفة ومتباينة، مثل العلوم الطبيعية والبيولوجية والعلوم الإنسانية والاجتماعية والإعلامية والأدبية والفنية والجمالية. هو وليد الاهتمام المتزايد بالطبيعة والوسط البيئي والطبيعة البشرية والعلاقة المعقدة بينهما، وما يعرفه الوسط البيئي بالخصوص من تدهور متزايد في العقود الأخيرة، مما يجعل استدامة العيش على الأرض أمراً آخذاً في التعقد والخطورة؛ وذلك نتيجة ما تعرفه الكرة الأرضية من استغلال مفرط لمواردها الطبيعية، على الأرض وفي جوفها وفي البحار والمحيطات والأنهار والبحيرات، وما تعرفه كذلك من الكوارث البيئية الطبيعية والبشرية من جراء الإفراط في استعمال المبيدات والتدخلات البشرية في بعض الأنظمة الطبيعية، والتلوث والتلويث الذي يعرفه الهواء وتعرفه المياه، والنفايات السائلة والصلبة ومشاكلها البيئية كذلك. كل ذلك وغيرها نتج عنه ظهور وعي بالمخاطر التي تهدد الإنسان في الأرض وفي محيطه البيئي الذي يفرض عليه التفكير مرة أخرى في علاقته بهذه البيئة الطبيعية وطريقة التعامل معها.
اهتم علماء الطبيعة والبيولوجيون خاصة بالتحولات التي تعرفها الأرض والكائنات الحية الموجودة عليها، وما يهددها من أخطار النقصان والانقراض، ونتائج ذلك على الوسط البيئي وعلى الإنسان والحيوان ومختلف أنواع الكائنات الحية على الأرض. وبدأت تظهر سرود علمية منذرة بخطورة ما يهدد الوسط البيئي الطبيعي والإنساني. وقد بدأت تظهر مجموعة من الكتابات العلمية التي تهتم بالبيئة ومخاطرها منذ بدايات ستينيات القرن الماضي، نذكر منها كتاب “الربيع الصامت”(1) (Silent Spring) للعالمة البيولوجية الأمريكية راشيل كارسونRchel Carson (1962)، والذي عرف اهتماماً خاصاً، ونقاشاً بين مناصري استعمال المبيدات في الفلاحة وبين المناهضين لها؛ وقد تم الاعتراف بالقيمة العلمية للكتاب في الأوساط العلمية والاجتماعية. ثم تلته مؤلفات كثيرة حول البيئة في المجال العلمي، لينتقل هذا الاهتمام إلى الدراسات الاجتماعية والإنسانية والأدبية والفنية والإعلامية، بل إلى الحراك المدني، والنشطاء البيئيين.
عرفت الدراسات البيئية والنقد البيئي كحقل أكاديمي منظم في أمريكا منذ التسعينيات من القرن الماضي، وإن كانت بوادر هذه الدراسات البيئية قد ظهرت في السبعينيات،وتجلى ذلك في تأسيس الجمعية الأولى المختصة في النقد البيئي سنة 1992 التي تحمل اسم “جمعية دراسة الأدب والبيئة” (The Association for the Study of Literature and Environment) (ASLE)، التي أنشأت لها مجلة خاصة سنة 1993 بعنوان “الدراسات المتداخلة المعارف في الأدب والبيئة” (Interdisciplinary Studies in Literature and Environment) (ISLE).. ثم انتقل هذا الاهتمام البيئي إلى أوروبا، وإلى مناطق أخرى من العالم، وبقي خافتا في العالم العربي وفي دراساته الإنسانية والاجتماعية والأدبية، وإن كانت علاقة الآداب العربية لا تختلف عن علاقة الآداب الإنسانية الأخرى بالطبيعة والبيئة.
سيكون من المفيد هنا أن ننظر إلى النقد البيئي بما يمكن أن يقدمه للأدب المقارن، وكيف يمكن للآداب التي لم تعرف مثل هذا النقد أن تكشف عنه في لغاته وآدابه، وكذلك توسيع حقل النقد البيئي الذي كاد يختص في البداية بالدراسات الأمريكية ثم الأوروبية التي كانت تركز أساساً على النصوص الإنجليزية واللغات الأوروبية فيما بعد، مع غياب للنصوص الأدبية العربية لعدم ترجمتها إلى الإنجليزية، أو إلى لغات أوروبية أخرى.
مفهوم النقد البيئي
عرف النقد البيئي تعريفات وتحديديات كثيرة، وقد يكون وليام روكرت(2)(William Rueckert) هو الذي صاغه في البداية في سنة 1978، في أولى المقالات التي سعت إلى الكشف عن “بيئية الأدب” أو الشعرية البيئية/ الإيكولوجية عن طريق تطبيق المفاهيم البيئية الخاصة في قراءة الأدب وتدريسه. ويرى في مقالته الأساسية، بعنوان “الأدب والبيئة: تجربة في النقد البيئي”، “أنه ليس للإنسان الحق أن يفعل ما يشاء بالطبيعة. وأن الطبيعة يجب أن تُحمى من طرف قوانين الإنسان”(3). وبذلك عرفت هذه الدراسة البيئية للأدب بالأدب الأخضر أو الإنسانيات الخضراء، أو الشعرية البيئية. غير أن أهم التعريفات المتداولة في البحث الأكاديمي حول الدراسات البيئية، هو الذي قدمته الباحثة الرائدة في هذا المجال، شيلي جلوتفلتيChelly Glotfelty في كتابها المشترك الجماعي “قارئ النقد البيئي: معالم في الأدب البيئي” (1996) (The Ecocriticism Reader : Landmarks in literary Ecology)؛ تعرفه بقولها: “النقد البيئي هو دراسة العلاقة بين الأدب والوسط البيئي المادي”(4). وتضيف في تعريفها، “أن النقد البيئي يتخذ موضوعه من الترابط الموجود بين الطبيعة والثقافة، وبالخصوص المصنوعات الثقافية الخاصة باللغة والأدب”. ولا بد هنا من التمييز بين النقاد البيئيين والبيئيين وعلماء البيئةEcologists ؛ فالنقاد البيئيون يهدفون إلى انتقاد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الفلسفة العقلانية الغربية التي جعلت الإنسان محور العالم، وسلطة هذا الإنسان على الطبيعة، وإعادة النظر فيها، ما دام هذا الإنسان هو وحده الذي يفكر فهو موجود، وغيره خلاف ذلك، وله الحق في تسخير الأرض بكل ما فيها وما عليها لسلطته ومصلحته. وهي مرحلة الأنثروبوسين(Anthropocene) التي ساد فيها الإنسان كقوة أساسية في التغيير في الأرض متجاوزاَ بذلك القوى الجيوفيزيائية.
ثم ظهرت فكرة علم البيئة العميق أو الإيكولوجية العميقةDeep Ecology ، التي تعتبر حركة بيئية وفلسفية ترى الإنسان كأحد مكونات المحيط البيئي، مثله مثل أي كائن حي على الأرض. وتتميز هذه الحركة الإيكولوجية المعاصرة بالدفاع عن القيمة الكامنة في الكائنات الحية والطبيعة، أي إنها قيمة مستقلة عن نفعية الكائنات البشرية. وقد ظهرت الإيكولوجيا العميقة في الستينيات من القرن العشرين بتوجيه خاص من الفيلسوف آرن ناس(5) (Arne Naess). فالنقد البيئي كما طوره علماء الإيكولوجية العميقة “يتعارض مع الثنائية التراتبية القائمة بين غير-الإنساني والإنساني التي ترسخت في الفلسفة الغربية وثقافتها منذ عصر الأنوار”(6).
مقاربات النقد البيئي
من أهم القضايا التي طرحت وتطرح على النقد البيئي هي الطريقة التي يقارب بها المتن الأدبي البيئي، بالنظر إلى التقاليد المعروفة في الدراسات النقدية الأدبية العامة، والمناهج السائدة في دراسة الأدب ونصوصه. هل تختلف النصوص البيئية عن النصوص غير البيئية؟ الحق أن المقاربات المتبعة في النقد البيئي تلتقي مع الدراسات النقدية الأدبية العامة، ولكنها تختلف عنها في تركيزها على الجانب البيئي فيها والكشف عنه بمقاربات متعددة؛ منها المقاربة الموضوعاتية التي تركز على الموضوعات ذات الجانب السياسي والأخلاقي. والمقاربة التي تحاول أن تجمع بين الجانب الموضوعاتي والجانب الجمالي، مما يتطلب صياغة جمالية خاصة بالكتابات الأدبية البيئية. وهناك بعض الدراسات البيئية الفرنسية التي تركز على مفهوم الشعرية البيئية Ecopoetics قياساً على الدراسات الشعرية التي عرفها النقد الفرنسي. وهناك من النقاد من يبحث في مسألة الشكل والجنس للنص البيئي، ويدققون أحياناً في الأعمال الفنية التي قد لا يظهر عليها أي مظهر إيكولوجي. وهناك من النقاد من يحاول التنظير لهذا النقد عن طريق عرض بعض الفرضيات النظرية والفلسفية على النقد البيئي، من خلال إعادة النظر في بعض المفاهيم مثل الإنسان، والطبيعة، والحيوان، والأرض، والمحيط البيئي، والمحيط الاجتماعي والعلاقة بين كل هذه المكونات لصياغة مفاهيم جديدة عن البيئة كما يتمثلها النص البيئي.
ويرتكز اختلاف المقاربات وتنوعها على اختلاف النظر في المبادئ الأساسية المعتمدة في هذا النقد البيئي، والتي تقوم على رفض الثنائية الثقافية المتجذرة في الإبيستمولوجية التي تركز على مركزية الإنسان (Anthropocentrism)، والتركيز على النوع، وتفضيل نوع على آخر. والدراسة البيئية، بخلاف ذلك، تسعى إلى تبني أفق نقد بيئي يركز على المركزية البيئية (Ecocentrism). ويتجلى ذلك في تحليله للموضوعات، والشعرية، والجمالية، وبيداغوجية التدريس كذلك. كما أن النقاد البيئيون ما يزالون يجددون باستمرار مقارباتهم ويطورون خطاباتهم، ويوسعون نطاق أبحاثهم، لأن حقل النقد البيئي ما زال في طور التشكل والتوسع إلى مجالات إنسانية واجتماعية وفنية وإعلامية.
وإذا كانت الدراسات البيئية التي ظهرت في أمريكا قد عرفت توسعاً إلى أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وإفريقيا، فإنها ما زالت ضعيفة في مجال الدراسات الأدبية في العالم العربي، بل لا نجد ذكراً لأي دراسة أو أي نص عربي في الدراسات الأمريكية والأوروبية، ربما نتيجة عدم ترجمة الدراسات العربية إلى اللغة الإنجليزية وبعض اللغات الأوروبية، مما يتطلب القيام بذلك من طرف الباحثين والمترجمين العرب، والمهتمين بالدراسات الأدبية العربية.
مسار النقد البيئي
عرف هذا النقد في تطوره السريع موجات عدة؛ أولاها كانت تتميز بالكتابات عن الطبيعة والإعجاب بها مثلما نجد ذلك عند الرومانسيين الذين يتغنون بالطبيعة، وهذه المرحلة نجدها في جل الآداب العالمية، بل ما زالت ماثلة في بعض الآداب الإنسانية إلى جوار التوجهات البيئية الجديدة. ولم تنتج هذه الموجة نقداً بيئياً يدخل في الدراسات البيئية المعاصرة، ولا يقوم على فلسفة متميزة للبيئة التي جاءت بها الحركة النقدية البيئية. والموجة الأساسية التي تعتبر مرحلة أولى في النقد البيئي هي التي ظهرت في البداية في أمريكا، والتي ارتبط تفكيرها وتنظيرها بالتوجهات الفلسفية والمنهجية المتجذرة في الفلسفة الغربية الموروثة عن عصر الأنوار في القرن السابع عشر والثامن عشر، والتي كانت تميز بين الطبيعة والثقافة، بين الإنسان والطبيعة، أو الفصل المفرط (Hyperseparation) بين الإنسان والطبيعة. غير أن الموجة التي غيرت معالم النقد البيئي تمثلت في الإيكولوجية العميقة (Deep Ecology) التي أبرزت المفاهيم الأساسية للنقد البيئي، إذ تشكل التحول الجذري والمؤثر في النقد البيئي، ودافعت عن الانتقال الكبير إلى مركزية الطبيعة، أي المركزية البيولوجية، والتي تدعو إلى الرجوع إلى التعريف الأحادي البدائي للإنسان والمحيط البيئي. فالمساواة بين كل أنواع الحياة هو الاعتراف بالقيمة الجوهرية للطبيعة والعلاقة المتشابكة بين الكائنات الأرضية جميعها.
لقد تم تبني الرؤية الاجتماعية في الموجة الثانية للنقد البيئي التي تتعارض مع العقلانية الغربية القائمة على التمييز بين الرجل والمرأة، مما أفصح عنه النقد البيئي النسوي، والتي تسعى كذلك إلى إزالة الطابع الاستعماري عن الطبيعة وعلاقتها بالإنسان الذي كشف عنه النقد البيئي لما بعد الاستعمار. وبهذا نجد هذه التوجهات في النقد البيئي تدعو إلى المساواة البيولوجية التي رسختها الإيكولوجية العميقة؛ رسخت أبستمولوجيا المساواة بين الإنساني/البيولوجي والطبيعي.
ولعل أهم ما تسعى إليه الدراسات البيئية هو تحقيق العدالة البيئية بين كل مكونات الأرض من إنسان وحيوان وطبيعة، أملاً في الحفاظ على التوازن البيئي الذي تتداخل فيه العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية، والصراعات التي تقع في مختلف المناطق من العالم، وما تنتجه من آثار على الوسط البيئي كذلك. وهكذا يعيد النقد البيئي الاعتبار للمكان وللمحلي المرتبطين بالعالمي، مما يجعل العوامل الجغرافية البشرية والطبيعية تدخل في مقاربات النصوص الأدبية والفنية والعلمية كذلك، بل ومراعاة الاختلافات البيئية الطبيعية في المقارنة بين تلك النصوص. وينتج عن هذه العلاقة بين المحلي والكوني إعادة النظر في مفهوم الحدود القومية ومفهوم العالمية، مما يجعل من الحدود موضوعاً خاصاً في الدراسات البيئية المقارنة، التي تنتج تصوراً خاصاً للبيئة المحلية وسعيها إلى المحافظة على كيانها البيئي الخاص، وما ينتجه ذلك من تصور خاص للوسط البيئي ومن لغات خاصة ببعض الأوساط البيئية مثل الصحراء والثلج والماء والغابة وغير ذلك.
يطرح البعد المحلي في النقد البيئي تفاوت تَمَثُّل الآداب الإنسانية للبيئة مثل السكان الأصليين والأقليات الإثنية المختلفة في مختلف مناطق العالم، كما تكشف عنه دراسات ما بعد الاستعمار البيئية. كما يطرح اختلاف نظرة المرأة وتعاملها مع البيئة الذي يمكن أن نستشفه في مختلف الآداب الإنسانية، مما جعل النقد البيئي النسوي يركز على إبراز ذلك في مقارباته للنصوص الأدبية والفنية.
لا شك أن التعامل مع البيئة كما تتمثله النصوص الأدبية والفنية في مختلف الآداب الإنسانية تتفاوت من مكان إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى في العالم، ومن جنس إلى آخر، مما يجعل تصورات الآداب الإنسانية تختلف أحياناً في تمثل عوامل الطبيعة والوسط البيئي، ومن ثم التعامل معه تخييلياً وفنياً، مثل مفهوم الماء في المناطق الجافة، ومفهوم الصحراء ومتطلباتها وثقافتها التي يمكن للأدب العربي قديمة وحديثه أن يقدم تصورات وتمثلات مختلفة عن الآداب الإنسانية التي تختلف بيئتها عن البيئة الصحراوية، وقل مثل ذلك في المناطق الباردة والثلجية التي لم تعرفها بعض المناطق في العالم، ومن ثم آدابها وفنونها. ولا شك أن انفتاح النقد البيئي على مختلف آداب هذه المناطق في العالم سيغني تصور وتمثل الأدب العالمي، ويغني كذلك اللغة النقدية البيئية العالمية، بل وستحتفظ الآداب المحلية بهويتها البيئية من خلال اللغة الفنية والتخييلية التي تنتجها وتحميها من الذوبان في البعد البيئي العالمي.
يطرح النقد البيئي المقارن هنا التفكير في مفهوم المحلي والعالمي، وما يروج في المجالات السياسية والاقتصادية من ترسيخ فكرة “فكِّر عالميا وتصرف محلياً” “Think Globally, Act Locally”، التي تحاول إلغاء الحدود في المجالات التجارية والاقتصادية بالخصوص، مما يفيدنا في النقد البيئي المقارن الذي يسعى إلى التوازن البيئي والعدالة البيئية، من خلال التمثل الأدبي والفني للبعد المحلي والبعد العالمي، ويحفظ للمحلي هويته البيئية والحضارية والإنسانية، ويجعل العالمي يدرك أهمية تأثيره وحدوده. وحتى المقولة المضادة التي ترى أنه “يجب التفكير محليا، والتصرف عالمياً”، تحتاج بدورها إلى ضبطها حتى لا يطغى الانغلاق، وعدم مراعاة الظروف البيئية الأخرى في العالم. وعلى كل حال، فإن موضوع المحلية والعالمية التي كتب عنها الكثير في المجال الاقتصادي والتجاري والاستراتيجي، قد يفيدنا في النقد البيئي المقارن، إذا طبقنا عليه مبدأ التوازن البيئي والعدالة البيئية في العالم، وضرورة المحافظة على كل عنصر من عناصر الوسط البيئي محلياً وعالمياً، وبخاصة في المجال الثقافي والحضاري.
الأدب العربي والنقد البيئي المقارن
لقد أشرنا إلى أن النقد البيئي والمقارن قد ظهر وترسخ كمجال علمي أكاديمي أولاً في أمريكا فأوروبا وآسيا فيما بعد، ولكنه لم يترسخ كثيراً في الدراسات الأدبية العربية المعاصرة إلا مؤخراً وبشكل خافت، بحكم اهتمام الدراسات البيئية الأمريكية والأوروبية بالنصوص المكتوبة باللغة الإنجليزية أو ببعض اللغات الأوروبية. ولما كانت النصوص الأدبية العربية التي لها علاقة بالبيئة والوسط البيئي غير مترجمة إلى تلك اللغات، أو ما ترجم إليها قليل، فإن الاهتمام بالبعد البيئي فيها يبقى على عاتق أصحاب اللغة العربية أو المهتمين بها، ليقاربوها مقاربات بيئية كما حصل في الآداب الإنسانية التي سبقت إلى ذلك. ومع ذلك، فقد لا يعدم الأدب العربي قديمه وحديثه هذا البعد البيئي، بل تعامل مع الطبيعة كجزء من القصيدة العربية القديمة، وتعامل مع البيئة الطبيعية فيما يعرف بالشعر الرومانسي العربي الذي ظهر في العقود الأولى من القرن العشرين في العالم العربي وفي المهجر الأمريكي، أو ما يعرف بالأدب المهجري الأول، علماً أن هناك أدب عربي مهجري آخر ظهر في العقود الأخيرة. وهناك ملامح بيئية متعددة في الأدب العربي قديمه وحديثه، وإن كانت لا تقصد لذاتها دائماً لترسيخها كتوجه فني أو فكري في الأدب العربي، رغم أن في الأدب الحديث، وبخاصة في مجال السرديات والشعريات الحديثة والمعاصرة، مما يسمح للمقاربات النقدية البيئية العربية أن تكشف عنه وترسخه كتوجه نقدي بيئي ومقارن يوسع من آفاق الدراسات النقدية العربية، ويرسخ الدراسات النقدية البيئية والمقارنة.
ومن الأمثلة على تعامل الأدب العربي القديم مع البيئة ما قدمه بعض الباحثين المختصين في الدراسات الأدبية البيئية، وهو أسعد دوراكوفيتش(7)، عندما درس “المكان بوصفه بطلاً في القصيدة العربية القديمة”، كشف فيه عن مفهوم المكان بأنواعه وعلاقته بالإنسان وبعواطفه نحو المحبوبة. غير أن الباحث لامس الجانب البيئي في مستواه الموضوعاتي الذي ركز فيه على المكان ودوره في القصيدة العربية القديمة، ولم يربط المكان بالوسط البيئي في علاقته المتداخلة مع مختلف مكونات ذلك الوسط المعتمدة في النقد البيئي التي أشرنا إليها من قبل. وإذا ذكرنا هذا المثال، فإنما نود أن نشير من خلاله إلى تعامل الشاعر العربي القديم بالبيئة المحيطة به ونوع الانسجام الذي جمعه معها، مما يدل على سعيه للعيش في توازن مع المكونات الطبيعية التي عاش فيها، دون محاولة تدميرها أو تغيير نظامها الطبيعي. وهناك محاولات أخرى تسير في هذا الاتجاه تظهر من حين لآخر في بعض المجلات العربية، مثل مجلة “فصول” المصرية، ومجلة “سرود” المغربية، وفي بعض الصحف الثقافية العربية. وهناك عدة محاولات عربية في الدراسات النقدية البيئية، منها تلك المحاولة التي قمت بها بعنوان: “الإيكولوجية الشعرية وشعر الطبال”(8). وهي تركز بدورها على اشتغال المكان في أشعار الشاعر المغربي عبد الكريم الطبال، معتمداً على المقاربة البيئية الإيكولوجية الشعرية. وقد كشفت هذه المقاربة البيئة ما للمكان المادي وللمحيط الطبيعي من دور لا يقل عن المحيط الثقافي والاجتماعي في العملية الإبداعية، إذ ركز الشاعر على الأمكنة والطبيعة أكثر مما ركز على الإنسان.
الإنسان من منظور الشاعر الطبال جزء من الطبيعة، وعليه أن يتعامل معها باحترام، بالمحافظة عليها وعدم تلويثها أو تدميرها، لأن في ذلك تلويثاً وتدميراً لعالمه الطبيعي والإنساني معاً. ولا أعتقد أن الطبال هنا يدعو إلى لاهوت طبيعي، ولكنه يطلب استحضار الطبيعة والمكان بكل خاص في العملية الإبداعية وفي مفهوم الفن والشعر بالأخص. وبذلك يحاول هنا توسيع مفهوم المكان وتخييله في الشعر. زمع ذلك، يبقى شعر الطبال في المستوى التقليدي للنقد البيئي، لأنه ما يزال يميز بين الطبيعة والإنسان وتسخير الإنسان لها، ولم تتخلص نظرته من النظرة النفعية للطبيعة.
ويمكن كذلك أن نلمس بعض التطور في التعامل مع البيئة في بعض الأعمال الأدبية السردية العربية بالتحديد، التي تعاملت مع مجالات بيئية مختلفة ومتنوعة، مركزة على المكان بخاصة، مثل الصحراء والبادية والمدينة والجبل، والنهر…، كفضاءات تقع فيها أحداث القصة أو الرواية، مثلا، وليس تعاملاً يعطي للمكان وللوسط البيئي كيانه المستقل، إلى حد ما، حتى يتمكن من أن يصبح فاعلاً بدوره في علاقته مع الإنسان والوسط البيئي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي. ومع ذلك، لا تخلو بعض الأعمال الأدبية العربية من الوعي البيئي وتمثل ذلك في نصوص سردية جديرة بالدراسة في مستوى النقد البيئي. وقد تكون رواية الشاعر والروائي محمد الأشعري الأخيرة بعنوان: “من خشب وطين”(9) (2021) نموذجاً لذلك.
تجمع هذه الرواية في بنائها السردي بين علاقة الإنسان بمحيطه البيئي، غابة المعمورة، بكل مكوناتها الطبيعية والحيوانية والبشرية، وما عرفته من أحداث تاريخية واجتماعية، إذ حاول الروائي أن يجعل الغابة، أي البيئة الطبيعية وكل ما يحدث فيها، مركز بؤرة السرد، حتى كادت أن تكون هي بطلة هذه الرواية التي ترتبط بها الشخوص الأخرى في الرواية. كما أن هذا التصور للبيئة، الغابة ومحيطها الطبيعي الضيق ومحيطها البيئي الواسع، وعلاقتها بالمدينة والبادية والإنسان في هذا الوسط كله، يطرح في الرواية إمكانية خلخلة وزعزعة الحياة المنمطة والمراقبة والمسطرة في المدينة، والتي قد تبدو منسجمة ومريحة، بل ومعيارية، ومحاولة الخروج من ذلك النسق من خلال تفعيل دور البيئة، الغابة وبيئتها، لتثير ما يتهدد الإنسان في وسطه البيئي من خطورة الخضوع والخنوع، والاختلالات في التعامل مع المحيط البيئي الذي يتداخل فيه الإنساني والاجتماعي والسياسي. وبهذا تكون هذه الرواية بحق، كما بقول الناقد سعيد منتاق: “تؤسس لوعي إيكولوجي في عالم الإبداع، وإن كانت لم تصل بعد لاقتراح جمال إيكولوجي يسهم في إثارة وعي المجتمع بحق الكائنات البيئية الأخرى في الوجود إلى جانب الإنسان”(10).
لا شك أن المتن الأدبي العربي القديم، والمعاصر بالخصوص، في مجال الشعريات والسرديات والمحكيات والحواريات وغيرها من أجناس الكتابة الأدبية الفنية العربية، في حاجة إلى استقصاء البعد البيئي الذي يزخر به، بعد انفتاح الدراسات النقدية العربية على الدراسات النقدية البيئية والمقارنة الأمريكية والأوروبية وغيرها حتى يتمكن بدوره من المساهمة في توسيع آفاق هذه لدراسات البيئية، وتقديم تصورات المتن الأدبي العربي للبيئة ومدى اهتمامه بهذا المجال في خصوصيته وكونتيه.
خلاصة
حاولنا في هذا في هذا لبعض مكونات النقد البيئي من حيث مفاهيمه المختلفة، ومواطن نشأته وتطوره، والمسارات التي اتخذها والتي وصل إليها، وكذلك الفلسفة التي يقوم عليها، التي تعيد النظر في مفهوم الإنسان، والطبيعة، والحيوان، والعلاقة بين الطبيعة والإنسان، وبين الطبيعة والثقافة، وكذا إعادة النظر في مفهوم مركزية الإنسان في الأرض، والانتقال إلى مركزية الطبيعة، واعتبار الإنسان أحد عناصر الكون الطبيعي مثل المكونات الطبيعية والحيوانية وكل الكائنات الحية في الأرض، كما أبرز ذلك مفهوم البيئة العميقة. وهذا يساعد على المحافظة على التوازن البيئي والعدالة البيئية، بل ومراعاة المكونات البيئية المحلية وعدم تدميرها بمفاهيم البعد الكوني وثقافته البيئية، حفاظاً على التنوع البيولوجي وعلى الثقافات البيئية المحلية، مع الانفتاح على منجزات المجالات البيئية العالمية التي تغني الواحدة الأخرى في تفاعل بيئي خلاق.
وإذا كانت الدراسات البيئية والمقارنة قد قطعت أشواطا كبيرة، على المستوى النظري والتطبيقي في الدراسات البيئية الأمريكية والأوروبية والأسيوية وغيرها، فإنها ما زالت في بداياتها الأولى في الدراسات النقدية العربية المعاصرة، مما يتطلب مجهوداً نظرياً وعملياً دؤوباً لتملك مختلف التوجهات النقدية في المجال الأدبي النقدي البيئي العربي. وإذا كنا قد أشرنا إلى بعض النماذج العربية وغيرها التي حاولت أن تبرز المجالات البيئية التي يزخر بها المتن الأدبي العربي، قديمة وحديثه، فإنما لنبين مدى الإمكانيات الفنية البيئية التي يتيحها هذا المتن، ومدى أهمية الدراسات البيئية المقارنة المنفتحة على المنجز الإنساني في هذا المجال حتى تنخرط الدراسات النقدية البيئية العربية بدورها في هذا المجال النقدي والعلمي والفني والإنساني.
———————————
هوامش
- Rachell Carson, Silent Spring, Published by Houghton Mifflin Company, Boston, 1962.
تمت ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة العربية هكذا: الربيع الصامت، مؤلفة كتاب “البحر من حولنا“، تأليف: رايتشل كارسون، ترجمة: ماوية الخير، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق، 2022.
- روكر وليام Rueckert, William, « Literature and Ecology : An Experiment in Ecocriticism.» The Ecocriticism Reader : Landmarks in Literary Ecology. Cheryll Glotfelty and Harold Fromm, Athens: University of Georgia Press, 1996. 105-23.
- نفسه، ص.
- Cheryll Glotfelty and Harold Fromm, The Ecocriticism Reader: Landmarks in Literary Ecology. The University of Georgia Press, Athens and London, 1996, p. xviii.
- آرن ناسNaess, Arne, “The Deep Ecological Movement. Deep Ecology for the 21st Readings on the Philosophy and Practice of the New Environmentalism.” Ed. George Sessions, Boston and London: Shambala, 1995; 64-84
- Maufort, Jessica, « Multiple Convergences: Ecocriticism and Comparative Literary Studies (Reviews Essays).” Recherches literature/ Literary Research 35 (Automne/ Fall 2019): 101-25. p. 101. https://www.peterlang.com/view/9782807612815/html/ch15.xhtml
- أسعد دوراكوفيتش، “المكان بوصفه بطلاً في القصيدة العربية القديمة“، ترجمة عبد الستار جبر، مجلة فصول، مجلة النقد الأدبي، المجلد (23/2)، العدد 102، شتاء 2018، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر، ص. 412-422.
- أحمد بوحسن، “الإيكولوجية الشعرية في شعر الطبال“، عرض ألقي في مؤسسة منتدى أصيلة، الموسم الثقافي الدولي السادس والعشرين، 15-2 غشت 2004. (الدورة 19 جامعة المعتمد بن عباد الصيفية، جائزة تشيكايا أوتامسي للشعر الإفريقي، للشاعر عبد الكريم الطبال).
- محمد الأشعري، “من خشب وطين”، منشورات المتوسط، ط. 1، ميلانو- إيطاليا، 2021. (أشير هنا إلى أنني ألقيت عرضاً حول هذه الرواية بعنوان: «المتخيل البيئي وزعزعة القوالب الموضوعة” في رواية محمد الأشعري “من خشب وطين”، في فعاليات المعرض الجهوي للكتاب الثالث عشر، بسلا، في 10 نوفمبر 2023).
- سعيد منتاق، “البعد الإيكولوجي في رواية “من خشب وطين” لمحمد الأشعري“، الملحق الثقافي لجريدة العلم، العدد 25685، الخميس 21 من جمادى الثانية 1445، الموافق 4 يناير 2024، ص. 9.
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه