– سليم بركات، الثلوجُ أكثرُ خِداعاً في غاباتِ التَّنُّوب، رواية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2021.
– زولفو ليفانيلي، الجزيرة الأخيرة، رواية، ترجمة: صفوان الشلبي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة إبداعات عالمية، عدد 447، أبريل 2023.
مدخل
يتخلق السرد الروائي من سيرورة بناء محكم، ومسار منظم ودقيق لمختلف عناصر العالم السردي؛ فيتبدّى عالماً مقبولاً في تحققه وتمثّله، ومفتوحاً على دلالات ممكنة أسُّها التعدّد، ومُشرعاً على تأويلات محتملة تسعف في فهم الذات والوجود والعالم والعلاقات. لهذا تظهر إنتاجية الفنّ الروائي في انفتاحه على «عوالم بيئية» توحي بتحولات معيّنة، فتظهر بموجبها الرواية «أداة» لتمثيل وجود الإنسان ضمن عالم طبيعي مركّب؛ لأنّه محكوم بعلاقات متنوعة مع كائنات حيوانية، ومنظومة بيئية نوعيّة، وأزمنة مؤطَّرة بتميّز خاص. وتبعاً لذلك، جسّد الفنّ الروائي، بمنظور معرفي، مثالاً نوعياً لتمثيل نظام العلاقات المتنوّعة التي يمكن أن يفتحها التفكير في النسق الإيكولوجي.
تظهرُ الروايةُ في سياق تخييل البيئة، مُعبِّرة عن قضايا إنسانية ضمن سيرورة ووجود، فتتكشّفُ أنواع من التفاعل بين الذات والعالم. وهكذا تُحيلُ مقولة تمثيل الطبيعة البيئية على القيمة الجمالية للرواية، وتنوع في أنظمة الترميز، ضمن احتمالات ممكنة التي تنفتحُ عليها. لهذا، تنفتح المرجعية النّصيّة لرواية البيئة على عالم الحياة الإنسانية المعقّدة بناءً على «استراتيجية القناع»؛ لأنّ الرواية تبني التجارب الإنسانية، المقترنة بسياق بيئي ثقافي، وِفقَ منطلقات جمالية فنية، ومسارات دلالية كاشفة مجهول تلك التجارب ومضمرها. لهذا فإنّ علاقة الرواية والبيئة لا ترتبطُ بمستوى الإنتاج وحدَهُ، بل تقترن بمستوى التّلقي أيضًا. لذا فالقراءة تتحقّقُ عَبْر «التذوّق الجمالي»، وتتميَّز بوظيفتها الإنتاجية؛ لأنها قراءة تأويلية تُمكّنُ القارئ من تجاوز الواقعُ البيئي الكائن الذي يعيشهُ الإنسان في تجاربه اليومية، نحوَ نسق إيكولوجي مغاير دالّ على عالم إنساني رمزي كاشف عن صِلات متنوعة للإنسان بمكونات الطبيعة وعناصرها الحيوية.
يكشفُ هذا التصوّر، المؤطَّر بنزعة نقدية ما بعد كولونيالية وبالسرديات ما بعد الكلاسيكية، أن الاتصال الشديد بين الرواية والبيئة نابعٌ من طبيعة الإبداع الروائي؛ بوصفه إبداعاً يقوم جوهرُه التكويني، المتولّد من صفته الأدبية، على المزج بين الجمالي والإيكولوجي والثقافي. بهذا المعنى، فإنَّ جمالية رواية البيئة تقترنُ بتصوّرات قرائية أولاً، وترتبط برؤى إبداعية استراتيجية في تشييدها ثانياً. من هنا فإنّ تمثيل الرواية للبيئة، بامتداداتها المتنوعة والمختلفة، يرتبط لزوماً بعالم الإنسان وفضائه ومحيطه؛ عالم ممتد مركزه الإنسان، وجوهره فعل هذا الأخير فيه، وانفعاله به، وتأثره بعلاقاته وقيمه المنبثقة من وجود طبيعة وكائنات حية ومناخ معيّن وجغرافية خاصة، دون إقرار بمركزية الإنسان. لهذا، فإنّ رواية البيئة تعبِّر عن كينونة وجودية أُسّها عالم متنوّع الفضاءات ومتعدد الامتدادات، فتغدو فعلاً إبداعيًا دالًا على سيرورة إنسانية قوامها حركية الإنسان داخل عالمه وفضائه، وفي حركته تتبدّى صِلاته المتنوّعة مع مختلف مكونات الطبيعة المركّبة. وهكذا تتجلى رواية البيئة تعبيراً إبداعياً مؤطراً بمعرفة مزدوجة: فالرواية، أولاً، نص إبداعي تكشف مرجعيته النصية عن معرفة بعالم البيئة، ووعي الإنسان بذاته وبعلاقاته داخل ذلك العالم. والرواية، ثانياً، نص إبداعي تُعبِّر عناصر بناء مرجعيته البيئية عن معرفة بالمكونات السردية والخطابية المؤسسة للنص الروائي، وبالمقومات الجمالية والفنية المشيّدة له. من هنا نتساءل: ما هي العوالم النصية التي شيّدتها المرجعية النّصية للروايات المقترنة بتمثيل البيئة؟ وما هي الاحتمالات الدلالية التي أفرزها تمثيل البيئة، بفضاءاتها القروية الريفية الزراعية الفلاحية والبدوية الصحراوية الرعوية، وبمختلف مكوناتها الطبيعية والحيوانية والحيوية بأنساقها الخفيّة، وبنظام طقسها وتحولاتها وأزماتها الإيكولوجية؟
تتأطر الدراسة، منهجياً ومعرفياً، ضمن السياق الدينامي للخطاب النقدي المقترن بكشف فاعلية تمثيل البيئة في النصوص الروائية العربية؛ بناءً على وسائط تسعف في تمثيل البيئة روائياً، وإبراز جمالية تفاعل الكائنات في المرجعية النّصيّة المقترنة بالبيئة الممثّلة في الرواية العربية، ثم تشييد الأبعاد المختلفة للبيئة في الرواية، كونها أبعاداً تؤكّد وجود وشائج عديدة بين البيئة والإنسان. لهذا فإن المداخلة ترتبط بفحص خطاب السرد الروائي، تمثيلاً لا حصراً، مركزاً على روايات الثلوج أكثر خداعاً في غابات التّنّوب لسليم بركات، والجزيرة الأخيرة لعمر زولفو ليفانيلي، قصد إبراز وسائط تمثيل البيئة فيه، وكشف تنوّع مرجعياتها. بهذا المعنى، فالدراسة ترتبط بمحاور تستقي أسّها من الخلفية المعرفية المقترنة بتصورات نظرية تخصّ النقد الإيكولوجي المتّصل بـ«السرديات الخضراء» المهتمة بقضايا بيئية معقدّة ومركّبة.
1.البيئة والرواية: فاعلية العلاقة
تشهد الرواية على حركية الإنسان، وقوّة فعله وتفاعله. لهذا، فالإنسان، وِفْق صيغ التمثيل المتنوّعة في الإبداع الروائي يُحيلُ على ذاتٍ في حاجة لفهم دائم، ووعي بصورة كائن يعرفُ تحولاً وتطوّراً دائمين. كأنّ «جوهر الإنسان»، بناءً على غاية الرواية، كامنٌ في بداهة التّجدّد، وإرادة معرفة وجود يلازمه التبدّل. لذلك، فرمزية إنسان الرواية لا تراهنُ على كشف الذات في كينونة فردية، أو ضمن نسق علائقي، بل تتوخّى إبراز «ماهية» علاقته بالحياة المأهولة بنُظُمها وهشاشتها وتميّز فضائها الحيوي، وتنوّع العلاقات المختلفة داخله. لهذا فإنّ الكتابة الروائية عن البيئة، بوصفها جغرافيةً وتضاريسَ وكائنات مؤطّرة بعلاقات ووظائف ومجالاً محكوماً بطقسٍ وطقوس، قد شكّلت إطاراً جمالياً ودلالياً لتحقيق وعيٍ بمجهول الذات الإنسانية وبأسرار مكونات الطبيعة الحيوية. بهذا المعنى، فقد تبدّتِ العلاقة بين البيئة والرواية مؤطّرة بتجربة النقد الإيكولوجي (البيئي). إنها علاقة مبنيّةً على فاعلية إبداعية أسُّها إقامةَ الصِّلة بينهما وِفْق دينامية التجسير، وبناءً على عُمق التمثيل؛ من منطلق «أنّ النقد البيئي يُعنى بالعلاقة بين الأدب والبيئة، أو كيفية تمثيل علاقات الإنسان ببيئته المادية في الأدب»(1).
تستوعبُ العلاقة بين البيئة والأدب، ومنه الرواية، إذن، وجوداً تعبيرياً نوعياً مفتوحاً على بناء عالم سردي خصيب يُفكّكُ المحتجبَ، ويستجلي الخفيّ في علاقة الرواية بالبيئة. من هنا يتراءى التفاعل القويّ والدّال بين الرواية والبيئة؛ بوصف الرواية تعبيراً سردياً وخطابياً بمحدّدات نوعية ومواصفات خاصة، وباعتبار البيئة مجالاً حيوياً مبنياً من عناصر وكائنات ومفتوحاً على علاقات وقيم وأفكار. إنه تفاعل يشير إلى وجود علاقة متينة فعلياً بين التعبير الفنّي الجمالي مجسّداً في الرواية، والوجود المرجعي الدّال على عالم محكوم بنظام خاص ومميز. لذلك فإنّ الرواية، وفقَ خطاب النقد البيئي، ترسّخُ علاقة بينية تحدّدُ انتماءً للفنّ السردي الأدبي والمجال الطبيعي الحيوي؛ لأنّ «النقد الإيكولوجي (أو النقد البيئي) اتجاه نقدي معاصر يُعنَى برصد أوجه التفاعل بين الإنسان والبيئة (التي تتضمَّن المناظر الطبيعية والنبات والحيوان والموارد الطبيعية)، ويُحلّل أعمالاً أدبية وفنية تثير قضايا أخلاقية ومعنوية عن سلوك الأفراد والمجتمعات إزاء الطبيعة»(2).
تتجلّى البيئةُ في الرواية، إذن، بأنها ملتقى من العلامات الرّمزية والثقافية التي تبني عالمها السّردي والخطابي، وتؤشّر على تمثيل يراعي حضور الطبيعة في «الواقع» الإنساني وتحقّقها في الفنّ الروائي. بهذا المعنى، فعلاقة الرواية، بوصفها إبداعاً أدبياً سردياً، بالبيئة تتحدّد عَبْرَ فاعلية التمثيل، بحكم ما يتطلّبه من بناء الرواية بطاقة جمالية دلالية تفضي بها إلى التعبير الرمزي الدّال؛ فيظلّ مركزها الإيحائي منشدا إلى الإنسان في كينونته ارتباطاً بوجود، وفي علاقاته اتّصالاً بحدود. كأنّ اقتران العالم الروائي بالبيئة، بامتداداتها المتنوّعة والمركّبة والعلائقية، يكشفُ الإنسان في العالم المقترن بسيرورة (امتداد) وصيرورة (تحوّل). إنه كشفٌ مرهونٌ بالتفكير في الفضاء الإنساني، وامتلائه الثقافي، وما يولّده من مشاعر وأفكار ومواقف ورؤى، لأنّ الفضاءَ شرطٌ لازمٌ ومُسبقٌ لأيّ وجود إنساني؛ «فحيثما يعيش شخص ما لا يُعد هذا فحسب حقيقة موضوعية؛ إذ إن شعور المرء في تلك البيئة يمثل حقيقة لا تقلّ أهمية»(3).
يتبيّن أنّ سرّ إبداعية الفن الروائي، من جهة صِلَته بالبيئة، كامنٌ في مجموع الأدوات السردية والعناصر الجمالية الموظّفة في بناء علاقة فاعلة ودالّة بين الرواية وقضايا بيئية. لذلك تتراءى الرواية، بموضوعها المتمركز حول البيئة عبْر وشائج عديدة، «تجربة» فنيّة فكرية تضيء عالم الإنسان في امتداداته المتعدّدة، وتبرز صلته بالبيئة، بمكوناتها المختلفة، بوصفها محور الرواية؛ لأنّ «محور الرواية هو رأي عميق أو رؤية عن الحياة، نقطة راسخة عميقة من الغموض، سواء كانت واقعية أم خيالية»(4). بهذا المعنى تستند رواية البيئة على خيالٍ نوعيّ يهندسُ عالماً رمزياً يجمعُ بين الموضوع وطريقة بنائه؛ ذلك أنّ «الخيال البيئي يشير إلى «الكيفية التي تشكّل بها البيئة المادية الخيال»»(5).
إنّ تجذير العلاقة بين الرواية والبيئة مقترن بجمالية البناء السردي والصوغ الحكائي. لذلك يظلُّ التحكّم في تشييد مرجعية الرواية موجّهاً لفاعلية تمثيل البيئة فيها، ومجسّداً فكرة التعالق الخلاّق بين السرد الروائي والعالم البيئي. بهذا المعنى، تستدعي الرواية البيئة، بناءً على محددات ووسائط وأدوات ضابطة لماهية السرد الروائي، بأفق فكري غايته فهمُ الإنسان والوسط البيئي والعلاقات الممكنة والمحتملة بينهما. وكأنّ الرواية بمرجعية بيئية تتوخى تجاوز مجهول البيئة نحو معلومها، لتضيء عالم الإنسان. إضاءة تتبدّى بموجبها الرواية، بوصفها فنّاً سردياً، قادرة على ملامسة حدود الخفيّ في حياة الإنسان، ومختلف العلاقات التي يبنيها مع مكونات محيطها، ما يصيّر الرواية فنّاً قادراً، شأنَ علم البيئة، مع اختلاف في الطريقة والأدوات، أن «يعلّمنا أنه علينا فهم تفاعل جميع الأشياء الحيّة في البيئة التي نعيش فيها»(6).
تؤسّس رواية البيئة علاقة جديدة للإنسان ببيئته؛ ارتباطاً بمفاهيم الوعي والفهم، وبأفق غائي أسّهُ الحماية والعلاقة. كأنّ تمثيل البيئة في الرواية يشيّدُ، جمالياً ودلالياً، عالماً سردياً كاشفاً العلاقة الممكنة والمحتملة بين الإنسان والبيئة. إنها علاقة تُؤشّر على جمالية التفاعل البيني البانية لرواية البيئة، وتؤكّد ارتباطاً قويّاً لأحداثها بالأرض، بما تحيلُ عليه من مكونات مختلفة وعلاقات متشابكة، وِفْق منظور النقد البيئي؛ بوصفه مجالاً خطابياً يُعنى بـ«دراسة العلاقة بين الأدب والبيئة المادية.. إنّ النقد البيئي يتخذ نهجاً يركز على الأرض في دراساته الأدبية»(7). ارتباطاً بهذه الغاية المزدوجة يدفع النّقد البيئي للتفكير في علاقة الرواية والبيئة من منظور ثقافي. إنّه خلفية تبيّن أنّ علاقتهما لا تتحدّد، بناءً على احتمالات التأويلات، بغاية كشف عناصر أطرافها، والمكوّن البيئي الباني لعالم السّرد، بل بهدف التوغّل في رواية البيئة، عَبْر إجراء قرائي تأويلي، لتوليد الأنساق المحتجبة فيها؛ على اعتبار «أنّ المنظورات العالمية والإيكو-عالمية Ecocosmopolitan التي ترى أنّ جميع مرتكزات المكان أو الإقليم أو الأمّة أو العالم كان ينظر إليها بوصفها نتائج ممارسة ثقافية معيّنة، وأنها مقاربة متزايدة القوة لفهم الأشكال الثقافية والبيئية للارتباط الكوكبي» (8).
تستحضر علاقة الرواية بالبيئة المضمر والخفي في خطاب السرد وعوالمه. لهذا تكتشف رواية البيئة الإنسان والمحيط البيئي، بوصفه اكتشافاً يتضمنُ إجابة عن أسئلة ثقافية واجتماعية وحضارية وسياسية؛ حيث «يربط النقاد البيئيون، عمومًا، تحليلاتهم الثقافية بشكل صريح بأجندة أخلاقية وسياسية “خضراء”. وفي هذا الصدد، يرتبط النقد البيئي ارتباطاً وثيقاً بالتطورات الموجّهة نحو البيئة في الفلسفة والنظرية السياسية» (9). بهذا المعنى، فإنّ لرواية البيئة حصّتها من الكشف المزدوج؛ قضايا تهمّ الذات الفردية، وإشكالات تخصّ الحياة وتفاصيلها المتنوّعة. كأنّ رواية البيئة تبني عالماً ممكناً وقصياً يتجاور فيه الوعي بالذات والحياة، ويتحاور فيه الإنسانَ مع أسرار الكوْن ومضمراته؛ ما دامت «الرواية تغدو تحدّياً وتعبيراً عن حوار بين الإنسان والحقيقة الروحية الكونية» (10).
يتبدّى الخيال البيئي مؤطّراً برؤى خاصّة ومواقف دالّة، ومعبّراً عن وجود وذوات متفاعلة. لهذا فالسّرد من منظور النقد البيئي شكّل استراتيجية رمزية وجمالية للتعبير عن البيئة خارج قانون السيادة والتفوّق البشري الموجَّه بمنطق الهيمنة وقوة الفهم والتّصرف. ذلك أن رواية البيئة تتيح التحرّر من التمثيلات الجاهزة، وبناء سرد مغاير لعالم البيئة يتجاوز صورتها المثالية والرومانسية، يمكّن من اكتشاف البيئة والنظر إليها بأنها «نسقٌ إيكو-ثقافي»(11). لذلك فإنّ فاعلية العلاقة بين الرواية والبيئة كامنة في بناء وجود إيكولوجي بصفته خطاباً مركّباً، ومفتوحاً على عوالم سياقية تحرّرهُ من المحدّدات القبلية، وتشيّد أبعاده الخصيبة أثناء تأويل تحقّقه النّصي.
2.رواية البيئة: الامتلاء الدّال
ينطوي القول برواية البيئة على إقرار بفكرتين: تأكيد بأنّ الفنّ الروائي منفتح على سرد الممكن والمحتمل، وإقرار بأنّ البيئة فضاءٌ ثقافي وقيمي وإنساني تتسع وتتمدّد ضمن سياق سردي يشيّد ممكنات بينية دالّة. لهذا فإنّ موقع القراءة لروايات بمرجعية بيئية يؤمّن انفتاحاً على أبعاد متوّلدة من ارتباط الفنّ (الرواية) بالحياة الحيوية (البيئة)، عَبْر سرد يقوّضُ اليقين والحدّي.
إنّ القراءة التحليلية لنماذج نصّية، تمثلها، أولاً، رواية: «الثلوج أكثرُ خِداعاً في غاباتِ التَّنُّوب» لسليم بركات (2021). وثانياً، رواية «الجزيرة الأخيرة» لعمر زولفو ليفانيلي (2023)، تتوخى تحقيق أفق معرفي أسُّه فهم «الإنسان في الوجود»، لما ينطوي عليه الدال الفردي (الإنسان) من مدلول الجمع. كما يؤشّر على تفرّد الفن الروائي، من جهة علاقته بالبيئة، بتأمين وشائج مختلفة لعوالم متعدّدة، وتأكيد أهمية الرواية في بناء قضايا معرفية متّصلة بوجود إنساني معيّن عبْر محدّدات فنيّة جمالية؛ فيترسّخ أنّ «كل جوانب الوجود التي تكتشفها الرواية، إنما تكتشفها بوصفها جمالاً»(12).
وجبَ الإقرار في البدء، بوجود روايات مغربية وعربية وعالمية شكّلت البيئة مرجعيتها النّصيّة. إنها روايات تضيء الوجود الإنساني من زوايا متعدّدة، فتولّدت، من خلالها، مقولات التكيف والتفاعل والمواجهة والعناية والسيطرة والرعاية…، التي تستدعيها، لزوما، «الدراسات الخضراء» (Green Studies)، وتستند عليها. لهذا، نتساءل: ما المنظور الثقافي الإيكولوجي المتحكّم في بناء رواية البيئة؟ وما الأنساق الإيكولوجية الممكن تبينها فيها؟
1.«الثلوج أكثرُ خِداعاً في غاباتِ التَّنُّوب»(13): تقويض التمركز
تقترن أحداث الرواية بعالم متخيل تتوزعه ثلاثة مكونات: الذات والطبيعة والثقافة. الشابُّ لوشا، الموظف بمكتبة بلدة إيْلا، يلجأ معتزلاً في خلوة بغابة لمدّة أسبوع، في شتاء ثلجي، تاركاً حبيبته كوليت وشاعرته المفضلة أوسين، مصطحباً كتاباً طريفاً أسّهُ جدل الفنّ والجريمة (جرائم الرسّامين في العصر الكيريني/ ديمتروس يوريغيتس- 323 ق. م). أثناء الشروع في عودته من خلوته أضاع الطريق، وصار وحيداً يعاني قلق التيه وأمل الوصول إلى مبتغاه؛ فانفتح على تاريخٍ ولّى وزمن مضى، وفكر في أناس أحبهم وعايشهم، وخاض في أفكار تَهمّ الكينونة والوجود والبيئة. عاصفة ثلجية هَدّته ودمّرته وصيّرته تائهاً وحائراً وجائعاً. تبدّت الغابة متاهة، وثقل الجوع وشدّته أربك بصيرته في إيجاد طريق الخروج. التيه والجوع صيّره متوحشاً، يُصارع الطبيعة وكائناتها وطقسها علّهُ يبقى حيّاً، ويحنّ إلى ما يفتقده جسده مذ ضاعَ في الغابة المليئة ثلجاً.
يتطور المحكي، فتتراءى ذات الإنسان ضعيفة في بيئة نوعية بطبيعتها (غابة كثيفة من شجر التنّوب)، وزمنها (فصل الشتاء) ومسار عبورها (طريق أخفته عاصفة ثلجية). إنّ الكينونة صارت مهدّدةً بالانتهاء والمحو الوجودي (الموت)، بعدَ ضياع طريق العودة. هنا الإنسان يتبدّى منفصلاً عن أيّ مركزية أو قوّة أو تميّز، لأنّ عمق مكونات البيئة يوحي بتفكيك نسق التمركز وتقويضه: «للغابة، وللثلج، سياقٌ واحد من الكتمان: لا أحد يعرف ما تخفي الغابة في أعماقها. لا أحد يعرف ما يخفيه بياضُ الثلج من مهاوٍ سوَّاها منبسطةً بكلّ ما حولها من الأرض. اتحادُ الغابة والثلج يؤالفان عمقاً يُهاب». (ص 75)
تظهر البيئة الطبيعية فضاءً جغرافياً مؤطراً بطقس خاص ونوعي، وتتجلّى حقلَ إمكان رمزي يتجاوز التنصيص على «عجائب البيئة» في كينونتها وتحولاتها (ثلج الشتاء)، نحو تأكيد احتمالات دلالية متعدّدة؛ أوّلها، أنّ الطبيعة، بصفتها بيئة مادية وحيوية، فضاءٌ لتحرير الإنسان من مآزقه النفسية والاجتماعية، وفي الآن نفسه، تقويضاً للتصور الرومانسي المثالي، فهي فضاء يضع الكائن البشري في مآزق جديدة مركزها ضعف المواجهة وصعوبة الاختراق. ثانيها، أنّ جَمال الطبيعة البيئية يلازم جَلالَها، ويمنحُ الإنسان امتلاءً فكرياً ووجدانياً عنوانه التقدير والانطلاق والفرح والانشراح، لكنّها تدفعه لتأمّل حدود تميّزه وآفاق تمركزه؛ لأنّه يتراءى إنساناً مشروخاً بالضعف والخواء والقلق حين يتعذر عليه اختراق جبروت الطبيعة البيئية تلقائياً، أو بمحاولات عديدة، فيترتّب، لزوماً، عن سوء فهم ماهيتها شعور بالحيرة والقلق والضياع والخيبة والوهم: «وقتاً بعد وقت، على أرقان ساعة النهار الممحوَّةِ، مشى لوشا. مشى حتّى أُنْهِك من غير اجتياز للغابة إلى الطريق الرئيسة تصلُ ضواحي بلدة إيلا بعضها ببعض. بلغت حيرته أعمقَ ممّا بلغ حذاؤه عمقاً في الثلج. هطل قلقُه عليه منذ توقف الثلج عن هطوله. ارتعش، لأول مرة، من بَرْدٍ آخر تسلَّقَ على سُلَّمِ جليدٍ من قلبه إلى دماغه». (ص 132)
تتراءى البيئة في رواية الثلوج أكثرُ خِداعاً في غاباتِ التَّنُّوب منفلتة من سيطرة الكائن البشري، بل داعمة لخضوعه، وناقضة لنسق تمركزه؛ ما صيّرها بيئة مقترنة، وِفْقَ تصوّر (Michelle Martin)، بـ«نموذج التمركز الحيوي Biocentric Model»(14). ولذلك فرغم إيمان الإنسان بكونه «أنا مفكرة» (لوشا قارئ جيّد)، فقد تجلّى، من منظور إجرائي، محكوماً بهشاشة الفعل وضعف الحركة وقصور التفكير؛ مُقرّاً بأنّ «الغابة سيّدةُ كلِّ أصل» (ص132). لهذا فالبيئة المتحوّلة يبرزها طقس متقلّب (عاصفة ثلجية) ومَعْبر جغرافي مخفيّ، تدفع الكائن البشري ليتّجِهَ نَحْو ضياعه أو فنائه (موته). الطبيعة البيئية، هنا، تجردت من جمالها الرومانسي،(15) وظهرت منظومة إيكولوجية قادرة تلقائياً، بنسق خفي، على تدمير الكائن البشري وتفتيته، رغم تباهيه كثيراً، بما يُضمرُ ويعلنُ مركزيته بين الكائنات الأخرى، جرّاء «استخدام العقل» لإنتاج ما به يواجهُ المأزق، ويبني حيّل التفاعل مع الأزمات، ويُفكّر في حلّها.
تبرز قوّة البيئة الطبيعية، وِفقَ محكي الرواية، في تفعيل التفكير والتأمل، وتعطيل الحركة البشرية، ومن خلاله الإقرار بـ«سلطة» التحكّم في فعل الإنسان وفكره، وإبطال قوته في الحركة والتخطيط. من هنا لا يتحدّد الكائن البشري دائماً أمام البيئة الطبيعية، بنظام جويّ وفضاء جغرافي، بوصفه «سيّداً» تنقاد له وتخضع، ويروّض كائناتها الحيوانية ويقيّدها، بل تجلّى مجرّد «كائن» تائه ذليل خاضع مأمور، يظلّ وجوده مقروناً بتغيير فهمه لتدبير مأزقه في وسط بيئي طبيعي، بما قد يفضي لنجاته من موت محقّق، بفعل جوعٍ طاحن دفعه لأكلّ أيّ شيء: «نثيثٌ خفيف جداً من الثلج، متقطعٌ، صغيرُ النُّدَف، كان حظُّ الغابة من سمائها في يومين متتابعين بلا ريحٍ. لوشا التهم شيئاً من ثلج الطبقة الجديدة، الرقيقة، مجيزاً لخيال الجوع فيه افتراضَ أنّ ما يأكله من جديد الثلج يُقاسُ بالنَّضِر، الطازج، الأنيقِ المذاق من الأطعمة». (ص 209- 210) هكذا تقترن علاقة الإنسان بالبيئة الطبيعية، من موقع التفاعل الخلاّق، بإطار رمزي قيمي ثقافي يؤكّد نجاح فهم عمقها وإدراك ماهيتها حيناً، ويبرز فشل كلّ ذلك حيناً آخر. بهذا المعنى، وجب بناء علاقة الإنسان بالبيئة الطبيعية على مبدأ التكامل والتفاعل البنّاء، وليس على مبدأ الاستغلال الأخرق بفعل ادعاء التّفوّق العقلاني على مكوناتها وعناصرها، بما يرسّخ تعاليه وتعنته الذي ينتهي به لكشف جهل كبير بـ«حقيقة» الوجود البيئي وماهيته المتقلّبة والمركّبة، فتراءت «هندسته النباتية» دالّة على «الرمز الكوني». (ص 284)
يقوم العمق الرمزي لمحكي رواية الثلوج أكثرُ خِداعاً في غاباتِ التَّنُّوب على تأكيد فكرتين: الأولى، تبيّنُ أنّ قوّة البيئة الطبيعية تحجب عقلانية الإنسان، في سياق تقويض مركزيته وتفكيكها، وقد تدمّر كينونته وتصيّرها عَدماً. والثانية، تبرز أنّ التحدّي لازم الإنسان في مساره الوجودي المقرون بعمل دائم لإخضاع البيئة الطبيعية، ورغبة أكيدة للتحكّم الجزئي في بعض مكوناتها وكائناتها؛ منطلقه التخطيط الاستراتيجي العقلاني، ومرتكزه المغامرة المفضية للاكتشاف، أو المنتهية للعدم. يقول السارد في آخر مقطع سردي بالرواية: «أفلت لوشا حِمالةَ الحقيبة من يده. تخلّى عنها. وازنَ ببصره الأبعاد من حوله، كأنّما يحسم أمراً ما أخيراً. انعطفَ عن آثار المغوليَّ صوبَ آثار الجمع الذي أمدَّه، وقتاً بعد آخر، بقطعة من اللحم. مشى مقتفياً آثارهم. صَدَحتِ الريحُ بغناءٍ ردَّدتْه بناتُها الزاحفاتُ بنمورهنَّ. عوى الثلجُ، فردَّدتِ الغابةُ عُواءَه». (ص 300)
يبدو الكائن البشري أمام البيئة الطبيعية، إذاً، مُتأرجحاً بين القوّة والضعف، وبين النجاح والفشل، وبين الانتصار والانكسار، وبين المعرفة والجهل، وبين التعالي والتواضع، وبين التجلي والتواري. لهذا ليست البيئة الطبيعية في الرواية مجرّد مكوّن سردي، بوصفها تحقّقاً مكانياً مقترناً بلحظة زمنية أو ذات فاعلية (قد تكون كائناً حيوانياً معيناً)، بل تُعدّ عنصراً رمزياً ثقافياً يضيء الوجود الإنساني، بما يكشف صراعه الدائم في العالم، ورغبته في بسط سلطته وقوّته على «بيئية طبيعية» تنفلت عناصرها من الامتلاك والتدجين والتحديد والفهم العميق. منطق القوّة الملازم لريح تنشدُ أغنيّة الفتك والتدمير، وثلج صار ذئباً مدعوماً بالغابة يؤشّر على هزيمة مرتقبة للإنسان. كأنّ البرية (Wilderness) لا يجب النظر إليها «بوصفها مكاناً لتجديد نشاط أولئك الذين سئموا من التلوث الأخلاقي والمادي للمدينة»(16)، بل بوصفها فضاءً ينقل الإنسان إلى زمن بيولوجي أسُّه الانتهاء الوجودي (الموت).
2.«الجزيرة الأخيرة»(17): جدل الرعاية والتدمير
تكشف رواية الجزيرة الأخيرة، للروائي التركي عمر زولفو ليفانيلي، علاقة الإنسان بالبيئة بناءً على جدلية البصيرة تجسدها الرّعاية، والعماء يشخّصه التّدمير. كانت الجزيرة هادئة، يتفاعل الإنسان والنبات والماء والطير بمثالية. سكنها القادمون الأوائل، بعدما شيّدوا بيوتاً بمواد طبيعية. لقد بدت لجزيرة النائية، بنظام عيش قائم على التعايش مع مكونات البيئة المختلفة والعمل على رعايتها، حاملة ملامح مدينة فاضلة. التكيف والتفاعل بين الإنسان والبيئة، في تناغم وتآلف ووئام، قد صيّر الجزيرة فضاءً فردوسيّاً. يقول السارد في مفتتح الرواية: «كنا نعيش بسعادة وسلام على أفضل مكان آمن، هو بمنزلة قطعة من جنّة الله على الأرض، إلى أنْ ظهر «هو» ذات يوم. لا أدري كيف أصف هذه الجنّة، بل إني أخشى أن لا أعطِيها حقّها بوصفها. لو أروي لكم عن جزيرة صغيرة بغاباتها الكثيفة من أشجار الصنوبر، وبحرها بزرقته الصافية أشبه بحوض أسماك بيتي، وخلجانه الجميلة العامرة بأسماك من كلّ الألوان، وطيور النورس التي لا تملُّ من الحركة والطيران في سمائها، بلونها الأبيض كأنها أشباح طائرة، أعلم أني لن أجسّد أمام ناظركم سوى صورة لبطاقة سياحية». (ص 15)
أسهمَ القادة السياسيون، برؤية تدميرية، في تخريب الوجود البيئي البشري بالجزيرة، فعَبَرت الحياة داخلها، بداهة، نحو عماءٍ كاسحٍ. إنّ رؤى رئيس الدولة السابق، «الذي قام مجلس قيادة الثورة بتنحيته من منصبه، بعد أن حكم البلاد بقبضة حديدية، علمًا أنه استولى على السلطة بانقلاب عسكري»، (ص27) حين قرر الإقامة في الجزيرة، ستحدث «انعطافاً خطيراً غيَّر مستقبل الجزيرة كليّا» (ص26). صارت الجزيرة جحيماً، فتقلّص الوئام والودّ والعناية في التعامل مع البيئة، وتجلت أفكار وأفعال تدميرها، وبدأ التهوّر البشري والتدهور البيئي. تبدت الجزيرة فضاءً للقتلِ والتخريب، وإخلالٍ بالمنظومة الإيكولوجية؛ حُوربَت طيور النورس بالقتل وتقوية حضور الثعالب، فانتشرت الزواحف السامة (الثعابين خاصة)، وتلاشت الروائح الطبيعية الزكية بفعل انتشار رائحة مقرفة لعقار محاربة الثعابين. النتيجة النهائية، في ملمحها الكارثي، ضياعُ حلم إنساني باستمرارية فضاء بيئي فردوسي ممتد من أزمنة سحيقة؛ لأنّ الفعل البشري، الموجّه بإيديولوجية القوّة والسلطة ومركزية التراتبية، غَيْر قادر على بناء إنسانٍ في عالم بيئي يضمن وجوده على أسّ التآلف والتعايش، دون محْو وجود وكائنات بيئية برؤية مرتكزها الرفض والعداء.
وَطّدَ محكي الرواية، وِفق منطقَ التعايش في جزيرة فردوسية الملامح، قدرتها على كشف قوة البيئة أمام العماء الفكري للكائن البشري المهزوم بهوس السلطة. قوّة ظاهرة في منظور التأثير والتغيير: «الأحوال الجويّة والظروف الحياتية تؤثر في نمط معيشة الإنسان. بعد مضي عشرات السنين من الإقامة على الجزيرة أصبحنا نشعر بالضيق من ارتداء المعاطف وربطات العنق، ومع مرور الزمن، بتنا نرتدي كزي أهالي الجزيرة الاستوائية من دون قصد». (ص29) من هنا، فما تُدركهُ الذهنية الإبداعية للبيئة تمثيلاً في الرواية، هو قدرتها على كشف المضمر فيها. لذلك فالكتابة «من داخل» البيئة تروم بناء تفاصيل معرفية تعذّر حصولها عَبْر أنماط أخرى، وفق ما تتيحه احتمالات تأويل تلك البيئة وامتداداتها الدّالة. كأنّ تمثيل البيئة في الرواية دعوة صريحة إلى «التّعلّم» من عالمها، الذي يُمَكّن من الوصول إلى المعنى المتعدّد، دون إقرار بنفاده نهائياً. من هنا فالسرد في رواية الجزيرة الأخيرة يبرز مضمر البيئة وعمق عناصرها، ويُصيّرها دالّة على الكينونة البشرية والحياة الإنسانية وعلاقتها بالوجود البيئي. ذاك ما أكّده المبدع الفيلسوف إميل زولا، حين قال: «الحقيقة أنّ أمهات الأعمال الروائية المعاصرة تقول الشيء الكثير عن الإنسان والطبيعة أكثر مما تقوله لنا أخطر كتب الفلسفة والتاريخ والنقد شأناً»(18).
تكشف أحداث رواية الجزيرة الأخيرة صيرورة أفضت لبروز عالمين؛ عالم فردوسي يبرزه الإقبال على البيئة، وعالم جحيمي يبيّنه وضعها المأساوي جرّاء الفعل الأخرق للكائن البشري. كأنّ بصيرة الرعاية أفضت للقاء بين الإنسان وكائنات البيئة على أسّ تعايش بنّاء مُؤطَّر بالحب والتقدير: «كنا نقرأ عن النوارس ونتبادل الحديث معها، لكن أحداً لم يتمكّن من الاقتراب منها. تقاسمنا الجزيرة وعاش كلّ منا في زاويته لا يزعج الطرف الآخر». (ص50). بينما عماء الهيمنة انتهى لاضطراب البيئة وتدمير نظامها الحيوي، لأن التفاعل معها كان على قاعدة العطب والتخريب: «تابعناهم عن بُعد، وتعرضنا لصدمة (أننا شاهدان) لرؤيتنا مذبحة أشدّ فظاعة وهولاً مما شاهدناه أول من أمس. كانت النوارس تصيح محلقة كالمرّة السابقة. تترك بيضها وتطير لحظات، ثم تعود غريزياً لحماية بيضها وفراخها، فتتلقى رشقات من الأعيرة النارية فتصطبغ باللون الأحمر، فتهوي في البحر مثل كرة حمراء، فتتناثر أشلاء، تاركة خلفها بعضاً من ريشها يتطاير في الهواء. محاولاتها الفاشلة لحماية فراخها، تظهر مدى وحشية قاتلها، وتجعل قلب المرء يدمي، وعينه تدمع. كان الرئيس ورجاله يطلقون النار باستمتاع، وبلا توقف، ويتباهون فيما بينهم بإصاباتهم الدقيقة للنوارس». (ص120)
يتبيّن أنّ الأنا المتعايشة مع البيئة، بمنظور مثالي رسوليّ، تتوخى تحقيق متعة في وجودها، وبناء مسافة احترام لمخلوقات بيئية، ببصيرة الاندماج الإيكولوجي الخلاّق. ثمة، إذن، كائن بشري يفكّك إيديولوجيا التفوّق، ويهدّم فكر الانتهاك والخسارة. بينما كائن آخر مُشبعُ بلاهوت السلطة وعماء السياسة، يبني الاضطهاد والتخريب والشّر، حالماً بحياة تُلغي النظام البيئي وتنوع كائناته الحيوية، فأثر ذلك على حفظ التوازن البيئي، وحمايته من الانهيار. بهذا المعنى، فرواية الجزيرة الأخيرة قد بنَتْ علاقتها بالبيئة، بمكوناته النباتية والحيوانية والفضائية، عَبْر «رؤى إيكولوجية عميقة وتمثيلات إيكو-ثقافية متباينة»(19). لذلك تراهن الرواية على تحقيق وعي إيكولوجي يستمد ديناميته الخلاقة من ترسيخ فكر التغيير، ونزوعه صوب بناء سرديات الاعتناء بالبيئة وحمايتها. بهذا المعنى، تراهن الرواية على بناء رؤى تؤمّنُ علاقة نوعية بين الإنسان والبيئة، وتنبّهُ للمأزق والخطورة والورطة والضياع حال اختلالَ تلك العلاقة. كأنّ الرواية تنقشُ ما يسعى الفكر التدميري إلى تغييبه في سرديات البيئة، فيتراءى تمثيل البيئة مؤسساً على التحسيس والتنبيه والتوجيه؛ ليتأكّد أنّ الرواية وباقي أعمال الخيال الأدبي، «يمكنها «أنّ توفّر موارد فريدة لتفعيل الاهتمام والتفكير الإبداعي حول المستقبل البيئي للكوكب»»(20). ذلك ما تبرزه بعض التعابير النصّية في سيرورة أحداث رواية الجزيرة الأخيرة، التي تحيلُ على تحصيلِ معرفة من المتخيل البيئي، وتشير إلى ضرورة الوعي بما يسهمُ في تفادي الكوارث البيئية:
-«الشرّ في العالم أقوى تنظيماً وتخطيطاً، الخير والطيبة يجتمعان دائماً، لذلك فالشرّ يهزم الطيبة في كلّ أرجاء العالم. لكننا قلبنا الموازين على هذه الجزيرة. ألا ترين أنّ لا عداوة بيننا، ولا شجار، ولا خلاف طوال هذه السنوات. هنا بلد اختارها الأخيار لتكون مقرّاً للسلام». (ص 77)
– «إنّ الحضارة تمكّن الإنسان من استغلال الطبيعة لمصلحته، وضمن حدود واضحة». (ص85)
– «نحن البشر نفكر في المخلوقات التي حولنا، ونصدر أحكاماً على هوانا، ولم نسعَ يوماً إلى معرفة انطباع هذه المخلوقات عنا». (ص 117)
– «نحن البشر نعجب بتصرفاتنا، لا نعرف حجمنا الحقيقي، ولا نتعلم من أخطائنا. وحين ندرك حقيقة الأمور، غالباً يكون الأوان قد فات». (ص 127)
– ««قتل فراخ الطيور ليس حضارة» صاح الكاتب. «إنّ مهاجمة هذه الطيور المسالمة وقتل فراخها، وسحق بيضها هو قمّة الوحشية»». (ص 142)
– «إنّ القادم الغريب عن الجزيرة، قد يظنّ أن جزيرتنا، بمينائها الهادئ، وغاباتها الجميلة، وبيوتها المتوارية خلف التعريشات الخضراء، وخلجانها الفيروزية، ليست سوى قطعة من جنّة الله على الأرض». (ص148)
– «يا رفاق، ألا تفهمون؟ لقد ازدادت أعداد الثعابين لأنكم أحدثتم خللاً بالتوازن البيئي». ما قاله الكاتب كان عقلانياً جداً. كاتب العدل نهض، وأيّد كلام الكاتب قائلاً: «صديقنا يقول الحقيقة. العبث بالتوازن البيئي يجلب الكوارث دائماً»». (ص 176- 177)
– «بعد كلّ هذه السنوات الهادئة التي أمضيتها في الجزيرة، شعرت بالرهبة من فكرة العودة إلى ذلك العالم المتوحّش والظالم والمروِّع». (ص 211)
خاتمة
جسّدت رواية البيئة أهميتها الثقافية، من منظور النقد الإيكولوجي، بصفتها إبداعاً سردياً يبني متخيلاً يجسّرُ صلة الرواية بالبيئة، عَبْرَ وشائجَ عديدة؛ ما يقوّي معرفة جديدة ويرسخ أفكاراً نوعية بأهمية البينية في تعميق الفهم بعوالم مهيأة للتقارب. لهذا فإنّ القراءة النقدية لرواية البيئة تفكّك متخيّلاً بينياً يجدُ أساسُه، بشكل رئيس في علاقة الفن (الرواية) والعلم (البيئة). لذلك أختم بتسجيل ثلاث أفكار:
-الأولى ترتبطُ بالانجذاب؛ لأنه وِفق تجربة غلين لوف (Glen A. Love)، فقد «شهدت برامج الدراسات البيئية، التي تركز بشكل كبير على جانبٍ متكاملٍ بين العلوم والإنسانيات، نمواً هائلاً في عدد من الكليات والجامعات الأمريكية. في جامعتي، جامعة أوريغون (The University of Oregon)، اكتظَّ برنامجٌ جديد للدراسات البيئية بخمسمائة طالب في عامه الأوّل. وقد تأثرت مجالات مثل علم النفس، والعلوم السياسية، والاقتصاد، والهندسة المعمارية، وتخطيط المدن تأثراً كبيراً بالفكر البيئي»(21). إنّه انجذاب تُولّده رغبة في إدراكٍ العوالم المختلفة، بناء على التجسير الخلاّق بين العلم والفن. لذلك، تتراءى رواية البيئة إطاراً رمزياً وجمالياً يصوغُ الاتصال بين عالمين مختلفين في الماهية والهوية، بغاية كشف كينونة متغيّرة ووجود منذور للتحوّل الدائم، بما يوافق الأدوات الفنية والجمالية والعناصر الخطابية والتقنية للسرد الروائي.
-الثانية تقترن بالإمكان؛ من منطلق أنّ «النقد البيئي، بطبيعته البينية، فهو لا يحاول فقط إعادة النظر في الاهتمامات التقليدية للدراسات الأدبية، بل يحاول أيضاً أن يُقدّم فهما جديداً للأدب»(22). إمكان تَفتحُ بموجبه رواية البيئة أفقاً معرفياً مغايراً ونوعياً، قصد استجلاء التميز والاختلاف المتولّد من تجربة كتابة المرجعية الروائية انطلاقاً من البيئة. بهذا المعنى، يُصيِّرُ السرد الروائي، بمنظور النقد الخلاّق، مُهيأً للانفتاح على تأويلات جديدة توجّه القراءة الفعّالة، بمسالك تأويلية نوعية، نحْوَ تقوية الأفق الدلالة والجمالي للرواية، وتخصيب معناها وبناء أبعادها.
-الثالثة تتّصل بالإخفاء؛ لأنّ البيئة تتبدّى عالماً كوسمولوجياً يكشف علاقة الإنسان بالحيوان، وبكائنات ومكونات بيئية مختلفة، انطلاقاً من البناء الرمزي للوجود البيئي. إنها فكرة متولّدة من ترجيح ظاهِر قول الجاحظ ومُضمَرِه: «قال الفضل بن عيسى بن أبان في قصصه: سَل الأَرْضَ، فَقُلْ: مَنْ شَقَّ أنهارَكِ، وغرسَ أشجارَكِ، وجنَى ثمارَكِ؛ فإنْ لم تُجِبْكَ حِواراً، أجابَتْكَ اعتباراً»(23).
——————————————
هوامش:
1– جيليكا توشيتش، «النقد البيئي «دراسات بينية في الأدب والبيئة»»، ترجمة: سناء عبد العزيز، فصول (مجلة النقد الأدبي) الهيئة المصرية العامة للكتاب، المجلد 2/26، العدد 102، شتاء 2018، ص 328.
2 – د. محمد الشحات، السرديات الخضراء: مقاربات إيكولوجية في الرواية العربية، دار العين للنشر، القاهرة، ط1، 2024، ص 15.
3 – جيليكا توشيتش، «النقد البيئي «دراسات بينية في الأدب والبيئة»»، ص 331.
4 – أورهان باموك، الروائي الساذج والحساس، ترجمة: ميادة خليل، دار الجمل، بغداد – بيروت، ط1، 2015، ص 123.
5 – جيليكا توشيتش، «النقد البيئي «دراسات بينية في الأدب والبيئة»»، ص 331. تجدر الإشارة، هنا، أن مفهوم «الخيال البيئي» (Environmental Imagination) قد اقترحه وصاغه ناقد البيئة المشهور لورانس بويل (Lawrence Buell). كما أن الحديث عن البيئة يتضمن «البيئة المادية» بوصفها «البيئة المشيّدة، والبيئة الطبيعية، وجميع الموارد الطبيعية، بما في ذلك الهواء والأرض والمياه»، وبصفتها تدلّ على «مجموع العناصر التي تشكّل علاقاتها المتداخلة والمعقّدة أطر حياة الفرد والمجتمع وتخومها وظرفياتها، مثلما هي أو مثلما يتم الإحاس بها» [ضمن معجم ألان جيلبين Alan Gilpin]، ص 331.
6 – بول وورد- ليبي روبن- سفوركر سورلن، البيئة: تاريخ الفكرة، ترجمة: سعيد منتاق، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، عالم المعرفة، العدد 506، مايو 2023، ص 20.
7 – Greg Garrard, Ecocriticism, Routledge, London- New York, 1st Pub, 2004, p. 3.
8 – لورنس بيل/ أورسولا ك. هيس/ كارين ثورنبر، «الأدب والبيئة»، ترجمة: معتز سلامة، فصول (مجلة النقد الأدبي)، مرجع سابق، ص 341.
9 – Greg Garrard, Ecocriticism, p. 3.
10 – ر. م. ألبريس، تاريخ الرواية الحديثة، ترجمة: جورج سالم، المتوسط- عويدات، بيروت- باريس، ط2، 1982، ص 448.
11– د. محمد الشحات، السرديات الخضراء: مقاربات إيكولوجية في الرواية العربية، ص 18.
12-ميلان كونديرا، فن الرواية، ترجمة: بدر الدين عرودكي، المجلس الأعل للثقافة، القاهرة، ط1، 2001، ص 90.
13 -سليم بركات، الثلوجُ أكثرُ خِداعاً في غاباتِ التَّنُّوب، رواية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2021.
14– أورده: محمد الشحات، السرديات الخضراء: مقاربات إيكولوجية في الرواية العربية، ص 53.
15– إنّ المقطع السردي الوصفي الافتتاحي للرواية، بلغة شاعرية، قد يوهم القارئ بالنزوع الرومانسي للبيئة الطبيعية. يقول السارد: «ثلجٌ من إدارةِ البياض لسُلطانه. ثلجٌ عميم، مستحوذٌ، زِيٌّ أوحدُ ثوباً مُرخىً من أعالي الشجر في الغابة، بأذيالٍ تغطّي كلَّ شيء. شجرُ التَّنُّوب ينالُ من الثوبِ البياضِ ارتداءً أكثرَ من شجر الصنوبر. غصون أشجارها المتشابكةُ، المتجاورةُ الأجناب، تهيئ للثلج سطحاً يستقرّ عليه بسَمْكٍ أثخن من استقراره على غصون الصنوبر. طَبْعُ أغصانها الزامُ القُرْبى إنشاءً لضلالٍ من مَفَاخر ظلال الشجر، كثيفةٍ؛ وإنشاءً لمخابئ الغزلان إن كانت متلاصقة؛ وإنشاءً لملاجئ سهلة، بسيطة، يصنعها المخيِّمون الجوَّالةُ، السائحون شغفاً بالعزلةِ أياماً في الغابة». الثلوجُ أكثرُ خِداعاً في غاباتِ التَّنُّوب». ص7.
16 – Greg Garrard, Ecocriticism, p. 59.
17 – زولفو ليفانيلي، الجزيرة الأخيرة، رواية، ترجمة: صفوان الشلبي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة إبداعات عالمية، عدد 447، أبريل 2023.
18 – ورد ضمن: أنطوان كومبانيون، لمَ يصلحُ الأدب؟، ترجمة: حسن الطالب، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ط1، 2023، ص 34.
19 – د. محمد الشحات، السرديات الخضراء: مقاربات إيكولوجية في الرواية العربية، ص 19.
20 – لورنس بيل/ أورسولا ك. هيس/ كارين ثورنبر، «الأدب والبيئة»، ص 336.
21-Glen A. Love, Practical Ecocriticism: Literature, Biology, and the Environment, University of Virginia Press, Charlottesville – London, 1st Pub, 2003, p. 20 .
22 – جو موران، «العلم والمكان والطبيعة في «النقد البيئي»»، ترجمة: سمير طلبة، فصول (مجلة النقد الأدبي)، مرجع سابق، ص 306.
23– أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، الحيوان، ج1، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، دار الكتب العلمة، ط2، 1965، ص 35.
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه