القاسمي زهران، تغريبة القافر. تونس/السعودية: دار رشم للنشر والتوزيع؛ تونس/ الإمارات: منشورات مسكلياني، 2022.
تقديم
ننطلق في هذه الورقة من إدراج رواية تغريبة القافر للكاتب العماني زهران القاسمي الصادرة سنة 2022 ضمن كتابة الطبيعة، سواء في صيغتها الأولى (Nature writing) التي انطلقت في القرن التاسع عشر، أو في صيغتها الجديدة (New nature writing) مع مطلع الألفية الثالثة تصادياً مع الأزمة البيئية التي يعيشها كوكب الأرض بفعل سوء تدبير الإنسان في العصر الجديد الذي نعيش فيه وهو عصر الأنثروبوسين.
تنقل كتابات الطبيعة، بنهجها الفريد والعاطفي تُجاه الترابط بين الإنسان والطبيعة، قيمًا أخلاقية قد تعالج في نهاية المطاف المخاوف البيئية(1). لا يعني هذا أن كتاب الطبيعة يعتبرون أنفسهم باستمرار نشطاء يدافعون عن البيئة؛ البعض يفعل ذلك والبعض الآخر لا يفعل. ولكن الموضوع الثابت لدى هؤلاء الكتاب هو القلق والحزن بشأن ما يتم فقده(2)، مع تنبيه الإنسان إلى أهمية الطبيعة حاضراً ومستقبلاً.
لكن الطريقة التي يستجيب بها الكتاب والنقاد للطبيعة وشعورهم بالقلق تجاهها جديدة نسبيًا. وهذا الشعور الجماعي بالقلق هو السبب في إمكانية تجميع كتاب الطبيعة المعاصرين تحت مصطلح مشترك؛ نظرًا لكونهم يحاولون رفع أصواتهم بطرقهم الفردية، مما قد يميزهم عن كتاب الطبيعة في القرون السابقة(3)، انطلاقًا من وعي موجّه ومحرك يتمثل في نقد مركزية الإنسان وآثارها على الطبيعة ومستقبل الحياة على كوكب الأرض.
إن كتابة الطبيعة أو الكتابات عن الطبيعة بصيغة الجمع، نظرًا لكونها تتجلى في الرواية، والسرد، والشعر، والتاريخ الطبيعي، والرواية الإقليمية، كما في نوع “الكتابة عن الطبيعة” والأدب البيئي، سواء في الكتابات التخيلية أو غير التخيلية (4)، تُولي للطبيعة ولتفاعلات البشر معها (حتى التساؤلات البيئية) مكانةً محورية في النص، وهي في النهاية نتاجُ حقبة زمنية وسياقات اجتماعية وسياسية وبيئية محددة (5). كما تركز على الطبيعة وتصفها وتظهر جمالها وقوتها وأهميتها، ومواجهتها، وتبرز علاقة الإنسان بها، من خلال جملة من التأملات يجريها كتابها، ويحضر فيها بشكل كبير الانشغال البيئي إلى جانب الانشغال بالقضايا الإنسانية.
تطلع الرواية بدور هام في هذا النوع من الكتابة بحكم قوتها التخييلية، إذ تستطيع ربط المعرفة بمجموعة من المعطيات الواقعية بمعارف، وتنظمها عبر التخييل وتعطيها قيمتها الخاصة، وتسمح للروائي بتقاسم الوعي البيئي مع المتلقين، ويجعلهم يرون العالم بشكل مختلف(6)، من خلال طرح جملة من التساؤلات الآنية الملحة بشأن الإنسان وعلاقته بمحيطه البيئي.
نحاول في هذه الورقة، اعتمادًا على مقاربة بيئية، الكشف عن كيفية تعبير رواية تغريبة القافر عن علاقة الإنسان بالطبيعة، وكيفية جعلها موضوعًا للتفكير والتأمل، وما هي القيم المعلنة والمضمرة التي تراهن عليها هذه الرواية؟
1- علاقة الإنسان بالطبيعة
ننطلق من أن النقد البيئي ينشغل بكيفية تقديم العالم أو المجال البيئي، أي العالم الذي يتعايش فيه الإنسان مع بقية الكائنات الأخرى(7)، وتحديداً العالم الطبيعي في الأدب، أي الطبيعة عندما يتم تمثيلها، ويبرز تأثير الأزمة البيئية على الأدب(8)، وتظهر في هذا التمثيل مجموعة من العلاقات بين الإنساني واللاإنساني من خلال تمثلات شخصيات النصوص الروائية للطبيعة، انطلاقاً من معتقداتهم ونظرتهم لها، وثقافتهم وتأثير هذه التمثلات على علاقتهم بالطبيعة. لا سيما حينما ينجح الروائي في خلق عالم روائي يكون فيه الإنسان جزءًا من الطبيعة يتماس مع محيطه الطبيعي ويتفاعل معه، سلبًا أو إيجاباً، وفق قدرات بسيطة مستوحاة من طبيعة وثقافة هذا المحيط، إذ لا يمكن التعامل مع الطبيعة إلا من خلال الرؤية الإنسانية، وبالتالي الرؤية الثقافية بالضرورة.
يتحقق هذا المسعى في رواية تغريبة القافر، بعيداً عن أي نظرة رومانسية ذات خلفية سياحية(9)، التي تدور أحداثها وسط الطبيعة بعيداً عن المدن، في عالم من الطبيعة البدائية، حيث ما يزال الإنسان على ارتباط وثيق بالطبيعة وفي احتكاك لحظي بها ويتفاعل معها بحواسه وبمعتقداته وبأدواته وإمكاناته البسيطة، في عالم بدوي بعيد كل البعد عن كل أشكال التحديث، وتحديداً في قرى عُمانية تقليدية، تعتمد الأفلاج في زراعتها وفي متطلبات حياتها اليومية، وما يترتب عن وفرة مياهها وقلتها من آثار على حياة ساكنتها وعلى الكائنات القريبة منها، وهو ما جعل كل أحداث الرواية تدور حول الماء كرمز مركزي للحياة بالنسبة لكل كائنات الرواية البشرية وغير البشرية.
اختار الروائي شخصيات رئيسية تعبر عن ارتباط وثيق بالطبيعة، تتمتع بحملها لأسرار وقدرات خارقة تمكنها من فتح مغاليق الطبيعة، بشكل يجعلها تُسعد الناس حولها عبر تسخير ما وهبتها لها الطبيعة، لمساعدتهم في الاستفادة من خيراتها. وقد تحقق ذلك في شخصية سالم القافر بطل الرواية المتمتع بقدرة خارقة، وهي سماع صوت الماء تحت الأرض، وهو ما جعل منه شخصاً مطلوباً في قريته للكشف عن منابع الماء، بل أصبح دليلاً معيناً للقرى الأخرى للبحث عن المياه الجوفية في فترة جفاف غير مسبوقة، مستفيداً من قدرته تلك التي يعتقد أنه يحقق بها غايتين: الأولى إسعاد الناس بتمكينهم من تجاوز محنة الخصاص المائي، أما الثانية فتكمن في اعتقاده أنه محرر للمياه الجوفية ومنقذ لها من سجنها الحجري.
1-1-الإنسان في حماية الطبيعة
في إطار تفاعل الثقافي مع الطبيعي، كعنصر بانٍ للمتخيل الروائي، تتأسس علاقات الكائنات البشرية مع الطبيعة في رواية تغريبة القافر على ثقافة العالم الذي تدور فيه أحداث الرواية، وبصيغة أخرى على معتقدات الناس التي تشكل نظرتهم للذات والآخرين والعالم وأشيائه(10)، وتمثلاتهم للطبيعة، تظهر حاجتهم لها بما تضمنه لهم من منافع نظرًا لما تتمتع به من خيرات، والماء في المقام الأول باعتباره العنصر الذي تنتظم حوله باقي العناصر الطبيعية الأخرى، وتمكنهم من تجاوز كل ما يعترضهم من متاعب وأمراض وآلام. وبناء على هذا يمكننا رصد العلاقات الآتية:
الطبيعة مبعث للراحة: تصير الطبيعة بالنسبة لكثير من الشخصيات مبعثاً على الراحة من متاعب الحياة النفسية والجسدية، مثل آسيا التي تجد راحتها حين تكون قرب حوض المياه: “جلست آسيا على رملة ناعمة تستريح بالقرب من حوض تتراقص في قعره أسماك الصد الصغيرة وتخط على صفحته حشرات دائرية الشكل خطوطاً تُشبه كتابة ملحمة طويلة، فرأت انعكاس وجهها المتورم وغسلته وهي تتشهد مرةً بعد مرة ثم ركنت لصمت الوادي العميق، وعندما استراح جسدها قليلاً واسترخت في هدوء تذكرت الحلم والماء واليد التي تخرج فجأة”(11).
الطبيعة علاج: تتحكم المعتقدات المحلية للقرى حيث تدور أحداث الرواية في سلوكات الشخصيات الروائية(12)، إذ ترى في الطبيعة بعنصرها المركزي الماء علاجاً لبعض الأمراض المستعصية كالعين. واعتقاداً من آسية أن ابنتها مصابة بالعين جعلتها تزور عدة عيون: “وزارت عيون الماء حيث ترمى قطع الحلوى حول المنبع وهي تقول: “يا عين زولي العين عن شنة بنت آسيا”. وتكرر تعويذتها وهي ترمي الحلوى عند جنبات العين”(13). ويتجلى كذلك في استعمال آسيا مجموعة من الأعشاب في علاج سالم: “في كل يوم كانت تبلل قطعة من القماش بنقيع ورق السدر المغلي وتمر بها على جسده، وعندما يحل المساء تحضر أوراق الظفرة وتطحنها ثم تضع عليها قليلًا من عصير الليمون والملح وتدهن بها كل أطرافه”(14).
تخفيف الآلام وتهدئتها: ترى الشخصيات في الماء مخففاً للألم كما جرى لسالم بعد أن ضربه المعلم: “تأخر في عودته إلى البيت، لم يشأ أن ترى أمه وجهه الباكي، فظل هناك عند الشلال يأخذ في كلّ مرّة حفنة من الماء يرشق بها وجهه حتى هدأ الألم وزالت آثار البكاء عنه”(15).
أشياء الطبيعة صوى ومعالم محددة للأماكن والمواقع واللقاءات: تبدو مكونات الطبيعة في الرواية بمثابة معالم مساعدة لكائناتها البشرية على تحديد الأماكن واللقاءات والمواقع، من ذلك السدرة التي نبتت على ضفة الوادي التي صارت معلماً للقاء بين كاذية وإحدى النساء: “خرجت ذات صباح إلى مزرعة تقع على تخوم القرية، فتبعها محاولاً مجاراة مشيتها السريعة. لم تلتفت ناحيته إلا مرتين أو ثلاثاً طوال تلك الرحلة الصباحية، وعندما التقت بإحدى النساء عند سدرة نبتت على ضفّة الوادي، وقفت تتحدث إليها وتعلمها بما سمعت من أخبار”(16).
1-2-الإنسان تحت تهديد الطبيعة
تنشغل الروايات الإيكولوجية بالتأثير المباشر لتدهور المحيط الطبيعي، على الكائن البشري(17)، وتُعدّ رواية تغريبة القافر مثالاً على السرد الروائي المعاصر الذي يكرر استخدام سيناريوهات سردية كارثية تستكشف النتائج الاجتماعية المحتملة لسوء استغلال البشر للطبيعة ولا سيما الماء، المورد الذي لا غنى عنه لحياة الإنسان وبقائه، عندما تقلّ الأمطار وتنفد العيون والمياه الجوفية ويعم الجفاف، كما حدث في القرى العمانية حيث تجري أحداث الرواية، فصار الماء أعز ما يطلب.
على عكس الصورة أعلاه تظهر الطبيعة هنا، بمظهر المتمنعة ولا تمنح الإنسان ما يرغب فيه، فيعمل جاهداً بقدر استطاعته على الوصول إلى مبتغاه وهو الحصول على الماء ليعيد التوازن لحياته، لكن الطبيعة تتمنع، فتفرض على الإنسان مواجهتها قدر إمكانه بأدواته البسيطة. لكن الطبيعة تُظهر مزيداً من الاستعصاء أمام الإنسان الذي يقف عاجزاً أمامها رغم جهوده الكبيرة التي استغرقت سنوات، كما تجلى ذلك في عناد الحجر الذي يوجد تحته الماء: “لقد آمل أن تمتلئ قناته الواسعة بالماء، ولكن عناد الحجر وصلابته أبقيا ذلك النّحت الذي عمل عليه لسنوات على حاله”(18).
عناد الطبيعة هذا يجعل سالم القافر موضع سخرية من أهل القرية، ويبخس قدرته على اقتفاء أثر المياه: “ظل عاجزاً عن فتح مسار صغير لذلك الماء الذي يملأ خريره كل رأسه، فما إن يقترب من المكان حتى يتسلّل إلى أذنيه، مثل موسيقى خافتة تنهش فؤادًا موجوعًا بالفقد، لكنه كان أشدّ عنادًا من الصخرة، وزادته سخرية من حوله عنادًا فوق عناده، فهؤلاء أنفسهم كانوا يستعينون بقدرته على اقتفاء أثر الماء، ثمّ صاروا يهمزون ويلمزون كلّما مر ذاهبًا إلى الصخرة أو عائدًا من عندها، كأن قفْره لماء يخصه وحده، أوْجَعَهُم، فما انفكوا يتحايلون على وجعهم بالسخرية منه”(19).
تبرز الرواية قوة الطبيعة المخيفة التي تحفز الإنسان على تحدّيها بما توفر لديه من إرادة وأدوات بسيطة: “لقد سدّت صخرة صماء طريقهم كأنها جبل صلد. حاولوا كسرها بالطرق عليها بكل أدواتهم، وتناوبوا عليها بلا فائدة…”(20) فتدفعه إلى تجريب كل الحيل والإمكانات لمواجهتها: “جربوا طرقًا كثيرة لفلق الصخرة لكنها لم تجد نفعا، فقد كانت صخرة عملاقة وعروقها ضاربة في كل الجوانب، ومع ذلك لا بدّ من مواجهتها، ومن أجل مواجهتها فإنّهم يحتاجون إلى الثوم لكي يدهنوها به فتنفلق، لكن من أين لهم ببعض الثوم؟”(21). وهو ما يعكس تمنع الطبيعة واستعصاءها أمام إرادة الإنسان: “في الساعات الأخيرة من النّهار، كان يحاول مراراً شق جزء صغير في الصخرة وكان المسمار في كل مرة يرتد إلى الأعلى وكأنّ قوةً تدفعه وتمنعه من الاستقرار والغوص حيث حدد له”(22).
لا تكتفي الطبيعة بالتمنع على الإنسان بل تهاجمه، كما حدث للقافر الذي هاجمه الماء وكائناته بشراسة، حين كان بصدد اقتفاء أثر الماء في نهاية الرواية: “حاول طرد الأسماك من حوله ولكن هجومها اشتد على رجله وبدأت تنبش الجروح. كان عليه أن ينقذ نفسه من تلك الوخزات المؤلمة، فحرك قدميه وسبح إلى منطقة أخرى هرباً منها، لكنها تبعته. بدأ يهشّها بيديه لعلها تبتعد. كانت تهرب قليلًا ثم تعود لتهجم عليه بكل شراستها من الجوانب كلها، غطى الجرح بيده فانتقل الهجوم إلى ساعده، اهتز في وسط الماء غاضبًا، وقد توقف كلّ شيء في عقله، ولم يعد له هَم سوى الفرار من تلك الحرب الضروس التي فاجأته، حرب لم يحسب لها حساباً، جاءت في وقت عجيب كأن عُلوقه في قاع الأرض واحتجازه في تلك البقعة لم يكونا كافيين”(23).
كما تظهر الرواية كيف يواجه الإنسان بإرادته الطبيعة في جبروتها وقوتها رغم انعدام حيله، باستبعاده الموت المحدق به عبر التغذي بالسحالي والحشرات والعناكب والنمل. وفي النهاية تُبرز الرواية استطاعة الانسان الوصول إلى هدفه، لكن سيكون ضحية لإصراره إذ جرف الماء سالم القافر مع كل شيء حوله: “لم يكن يعلم أن جسد الصخرة يتداعى أمامه، كان غائبًا في غضبه، متحدًا مع مطرقته في هدم كل الجدران التي واجهته، وهو الوحيد، الغائب، السجين، الموجوع، الجائع، العطش… تداعت الصخرة أمامه، وانفتح الخاتم على النفق الطويل، فانطلق الماء بقوة وجرف معه كل شيء”(24).
2- تناقص المياه كأزمة بيئية ورهان الرواية:
تبدو لنا رواية تغريبة القافر تخييلاً ذا حس إيكولوجي واع بخطورة التهديد الذي يحيق بالطبيعة (25)، من خلال الأزمة التي صار يعيشها سكان قرى عمانية بسبب تناقص الأمطار وتناقص المياه الجوفية وتدهور الأراضي، وتغير المناخ؛ إذ تواجه شخصيات رواية تغريبة القافر أزمة بيئية غير مألوفة مهددة لحياتها ولأشجارها ومواشيها، وتتمثل في الجفاف وصعوبة الحصول على المياه للشرب وللزراعة.
تمشياً مع معتقدات القرية يقدم التنبؤ بالمستقبل تحذيرات للناس غالبًا ما لا يحسنون التقاطها رغم اعتقادهم في التنبؤات، وتؤكد الرواية أن هذه الأزمة تم التحذير من وقوعها انطلاقًا من أمرين:
أولهما: نبوءة عريق بن خميس مجنون القرية: “وطوال تلك السنين ظل عريق بن خميس مجنون القرية يجوب الحارات وهو يردد أن القيامة ستقوم قريباً، وأن ما يفعله الناس علامة على ذلك، ولكن لا أحد كان يبالي به وبما يقول. مرت الأعوام من دون أن يخطر ببال أحد أنّ الماء الذي كان يجري منحدرًا مع الوادي سيغور ويختفي، والسهول الممتدة المكسوة بالشجر والأعشاب ستصفر وتيبس ثم تموت، وضواحي الحبوب التي ملأت السيوح والشّفاف ستبقى خبرًا بعد أثر”(26).
ثانيهما: رؤيا الشايب حميدو بوعيون: “يُقال إن الشايب حميد بو عيون أخذته سنةٌ من النوم وقت الضحى، فرأى نارًا تجتاح البلاد حتى التهمت كل شيء، نارًا أوقدت المزارع والبيوت وانتشرت في الجبال، وكان الناس يهربون منها، وهي تمتد وتحيط بهم من كل الجهات يلوذون بالقمم والكهوف، وسرعان ما بدأت تبلع النّاس في جوفها، فإذا أناس يعرفهم يتلوّون ويصرخون وهم يُجرون إليها، وقبل أن تمد إليه ألسنتها هب من وقدته مفزوعًا وصار يخبر كلّ من جاء لزيارته بالحلم، وبعد ذلك بأيام قليلة مرض مرضًا لم يتعاف منه، ثمّ مات”27).
لكن الناس لم ينتبهوا لهذين التحذيرين، واستمروا في تعاملهم بنفس الوتيرة مع المياه، إلى أن عم الجفاف واستحال أزمة مهددة لهم. وكان من آثار هذه الأزمة دخول الناس في صراع حول الماء لسد حاجاتهم اليومية منه: “امتد الـمَحْلُ إلى كل البقاع، لم يبق بلادًا ولا قرية قريبة أو بعيدةً على حالها، استمر يمارس قسوته على الكائنات، وبدأت الحياة تتحسر وتتلاشى شيئًا فشيئًا، حتى إن الموت تفشى في الأرض فأخذ الأطفال والمواليد والأغنام وصارت الطيور تقع من عليائها ميتةً بفعل العطش، ثم انتشرت السرقات وتقاتل أهل القرية على نصيبهم من الماء وما تبقى لهم من زاد شحيح”(28).
من الواضح أن كُتّاب الطبيعة المعاصرين يرغبون في إحداث تغيير في طريقة تفكيرنا حول العالم الطبيعي من منظور علمي وأدبي على حد سواء، مما قد يؤدي، كما نأمل، إلى تغيير في أفعالنا(29). من هنا يظهر التوجه الأخلاقي لرواية تغريية القافر في تسليط الضوء، بشكل ضمني، على مسؤولية الإنسان تجاه البيئة الهشة(30)، فلا مبالاة الإنسان تجاه الطبيعة قد تكون لها نتائج كارثية على الانسان والطبيعة معًا. فانطلاقًا من فكرة يؤكد عليها زهران القاسمي، وهي ضرورة تنبيه الناس بطريقة ضمنية إلى أن الطبيعة ليست ثابتة أبدا، فهي في تطور مستمر، بفعل تأثير ديناميتها الخاصة من جهة، وبفعل التدخل البشري من جهة أخرى (31).
إذا كان النقد البيئي يسعى إلى تقييم النصوص والأفكار من حيث تماسكها وفائدتها كاستجابة للأزمة البيئية(32)، فإن الروائي زهران القاسمي يؤكد بطريقة ضمنية، في كثير من محطات الرواية ومن خلال ما جابهته شخصياتها من تحديات تمس حاجاتها اليومية، أن الطبيعة في حد ذاتها ذات قيمة كبيرة بالنسبة للإنسان، ويتجلى ذلك في سعي كثير من شخصيات الرواية إلى استعادة حياتهم قبل وقوع الكارثة والجائحة؛ فحين تحدث كارثة من الكوارث يعي الإنسان تمام الوعي مخاطر تعامله السلبي والسيء مع الطبيعة، فإتلاف الطبيعة وتدميرها وتراجع مواردها يمكن أن تكون له عدة آثار سيئة على البشر، إذ إن تغيّر المناخ له آثار سلبية على حياة الناس؛ فالجفاف يمكن أن يضر بإنتاج الغذاء وصحة الإنسان. وبذلك تنتقد الرواية بطريقة غير مباشرة النظر إلى الطبيعة نظرة نفعية استغلالية، تُقيّم العناصر البيئية في المقام الأول من حيث فائدتها للإنسان، ويقدم النص تحذيرًا أخلاقيًا، ويدعو إلى تغيير تعاملنا مع الطبيعة.
لا تنجح رواية تغريبة القافر في تقديم حلول للمشكلات البيئية التي لحقت بمجموعة من القرى العمانية، إلا أنها يمكنها المساعدة في إعادة النظر في موقف البشرية المتجذر بعمق تجاه العالم(33). كما ترفع وعي القارئ بضرورة تغيير نظرة الإنسان إلى الطبيعة والبيئة، عبر توسيع حدود إدراك الإنسان للبيئة التي هو جزء منها، تمشيًا مع الحاجة الملحة لتطوير طرق تفكير تركز على البيئة لمنع تفاقم الأزمة البيئية الحالية(34).
بطريقة ضمنية من خلال سرد محكي القافر، وارتباطه بالماء وسعيه لمساعدة الناس على تجاوز محنة الجفاف عبر البحث عن المياه الجوفية وصعوبات ذلك ومخاطره، يروم الروائي العماني زهران القاسمي لفت الانتباه إلى مشاكل بيئية متنوعة تؤثر على البشر وغير البشر على حد سواء(35)، وتحديدًا مشكلة قلة المياه وتداعياتها.
تركيب
بناء على ما سبق، نؤكد في الختام أن الرواية تضطلع بدور مهم بالنسبة للإنسان من خلال قوّتها التّخييلية القادرة على خلق عوالم ممكنة يتشابك فيها الخيال بالواقع، وحين يكون مجال تخيلها هو البيئة، تجمع بين الخيال والمعلومات القادمة من العلم والبيئة، لخلق أرضية مميزة تفتح النقاش حول ما يحدق بكوكب الأرض من مخاطر بيئية، لا سيما وأن التخييل الروائي يمكنه أن يثير أسئلة حول العالم الحالي، ويتوقع مستقبلًا محتملًا، وهو ما يجعله على رأس الأدب الواعي بالبيئة لا سيما في العالم الغربي.
في هذا المنحى سارت رواية تغريبة القافر، باعتبارها نصًا روائيًا يندرج في كتابات الطبيعة، من خلال تسليطها الضوء على علاقة الإنسان بالطبيعة عبْر صورتين: أظهرت الأولى الإنسان تحت حماية الطبيعة، في حين بيّنت الثانية كيف صار الإنسان تحْت تهديد الطبيعة بعد أزمة تناقص المياه الجوفية وتوقّف الأمطار عن السقوط. كما أثارت بطريقة ضمنية الأزمة البيئية الناتجة عن سوء استغلال الإنسان للمياه، وتبعات ذلك عليه وعلى الكائنات الأخرى المحيطة به.
—————————————–
الهوامش:
[1] – J. F. Lane & U. Özdag, «The call of nature writing: A framework of attributes and intentions for environmental awareness». Interdisciplinary Journal of Environmental and Science Education, 19 (1) (2023), e2304. https://doi.org/10.29333/ijese/13026
2 – Oakley Korcid, Engaging the imagination: ‘new nature writing’, collective politics and the environmental crisis. Environmental Values, 27 (6).(2018) : 687-705. https://doi.org/10.3197/096327118X15343388356383
3 -Hatice Bakanlar Mutlu, « New British Nature Writing, or an Emergent Hope », In Hungarian Journal of English and American Studies 30.1 (2024): 75.
4 – Isabel Mariève, “Écriture(s) de la nature au Québec : un champ à défricher,” Présence Francophone : Revue internationale de langue et de littérature : Vol. 84 : No. 1 (2015), Article 4. Available at: https://crossworks.holycross.edu/pf/vol84/iss1/4.
5 – Ibid.
6 – Pierre Schoentjes, Littérature et écologie, Le Mur des abeilles (Paris : éditions José Corti, coll. «Les essais», 2020), 222-223.
7 – خاليد مجاد، عوالم الصحراء في التجربة الروائية ما بعد الاستعمارية (الشارقة: ملامح للنشر والتوزيع، 2022)، 85.
8- Donelle Nicole Dreese, Ecocriticism: Creating Self and Place in Environmental and American Indian Literatures (New York: Peter Lang, 2002), 1.
9- خاليد مجاد، عوالم الصحراء في التجربة الروائية ما بعد الاستعمارية، 87.
10– خاليد مجاد، عوالم الصحراء في التجربة الروائية ما بعد الاستعمارية، 224.
11 – زهران القاسمي، تغريبة القافر (تونس/ السعودية: دار رشم للنشر والتوزيع؛ تونس/ الإمارات: منشورات مسكلياني، 2022)، 48.
12– خاليد مجاد، عوالم الصحراء في التجربة الروائية ما بعد الاستعمارية، 223.
13 – زهران القاسمي، تغريبة القافر، 53.
14– المرجع نفسه، 56.
15– المرجع نفسه، 81.
16– المرجع نفسه، 72.
17 – خاليد مجاد، عوالم الصحراء في التجربة الروائية ما بعد الاستعمارية، 89.
18– زهران القاسمي، تغريبة القافر، 60.
19 – المرجع نفسه، 170.
20– المرجع نفسه، 120.
21– المرجع نفسه، 121.
22– المرجع نفسه، 161.
23 – المرجع نفسه، 190.
24 – المرجع نفسه، 228.
25– خاليد مجاد، عوالم الصحراء في التجربة الروائية ما بعد الاستعمارية، 91.
26– زهران القاسمي، تغريبة القافر، 98.
27– المرجع نفسه، 98.
28 – المرجع نفسه، 99.
29– Hatice Bakanlar Mutlu, «New British Nature Writing, or an Emergent Hope», 75.
30 -Pierre Schoentjes, «Texte de la nature et nature du texte Jean-Loup Trassard et les enjeux de l’écopoétique en France», Dans Poétique /4 n° 164, (20110) : 481.
31 -Ibid., 482.
32 – Greg Garrard, Ecocriticism (London: Routledge, 2004), 4.
33 – Hatice Bakanlar Mutlu, «New British Nature Writing, or an Emergent Hope», 71.
34-Ibid., 74.
35 – Ibid., 88.
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه