أَلْـمَا: مرثية الطبيعة والبشر

 

Jean Marie Gustave Le Clézio, Alma, Édition Gallimard, 2017.

تمهيد:

بأي منطق نُدين كافة البشر، ونحكم عليهم بالمسؤولية في تدمير الطبيعة؟ ما مدى تورط الاستعمار الغربي وأنظمته السياسية، في تخريب طبيعة الكوكب؟ وهل يمكن لنقد ونقض “مركزية الإنسان”، ومساواة البشر ببقية العناصر الطبيعية أن يعيد التوازن للنظام البيئي، وأن يوقف الاستنزاف المتواصل للطبيعة؟  وهل يمكن للرواية أن تنخرط وتسهم بفاعلية في هذا النقاش، دون أن يمس ذلك بخصوصيتها كفن متميز بمقومات جمالية خاصة؟  وإلى أي حد يمكن لمؤلف غربي أن يتجرد من أناه المتمركزة، وأن ينظر إليها من زاوية مغايرة، وربما أن يضعها موضع شك وإدانة؟

هذا وغيره ما سنحاول تعقبه في رواية أَلْـمَا للكاتب الفرنسي جون ماري جوستاف لوكليزيو.

 

الحكايتان:

تتكون رواية “أَلْـمَا” (2017) للكاتب ج. م.ج. لوكليزو، الفرنسي الحائز على جائزة نوبل، من حكايتين، تتناوب فُصولهما الظهور في الرواية. الجامع بين الحكايتين، أن كليهما تستعرضان مأساة عائلة الفيلسين، التي استوطنت جزيرة موريس (موريشيوس) في بداية القرن الثامن عشر مع انطلاق الغزو الفرنسي للجزيرة. تستعرض الحكايتان شتات ما تبقى من العائلة في الزمن الراهن، ويتمثل ذلك على وجه الدقة، في إبراز معاناة شابين من العائلة (دومينيك وجيريمي).  تستعرض الحكاية الأولى سفر دومينيك المتخصص في الأركيولوجيا، وتحديداً في مجال الطيور الأحفورية، إلى جزيرة موريس قادماً إليها من باريس، لكتابة أطروحة حول طائر الدودو(1) المنقرض في موطنه الوحيد جزيرة موريس. وبمجرد وصول دومينيك، الى الجزيرة سيصير مثل كاميرا أو آلة تصوير تنقل الواقع المتناقض والمؤلم لجزيرة لم تبرأ من جراح الماضي وفواجعه؛ ماضي العبودية وتدمير الطبيعة. فيشعر إثر ذلك، بالذنب لمشاركة أسلافه في تلك المآسي.    وهنا يتضح أن حاضر الجزيرة هو انعكاس لماضيها القاسي، ذلك أن العبودية والاستغلال ما يزالا مستمرين وبشكل مُقنَّع في حاضر الجزيرة، فالبيض هم الذين يسيطرون على الاقتصاد والسياسة في الجزيرة، وأحفاد العبيد من الأفارقة والملغاشيين والهنود، يحتلون الهامش. المشردون والفقراء وفتيات البغاء جلهم من نسل هؤلاء العبيد.

سيلج دومينيك وهو يحمل في حقيبته حَجَر الدودو الذي عثر عليه والده في حقول قصب السكر قبل أن يغادر إلى فرنسا، ما تبقى من غابات الجزيرة. وهنا سيكتشف النباتات والطيور الفريدة المهددة بالانقراض.  كما سيرتاد أحياء العاصمة ليطلع على التفاوتات الطبقية المؤلمة، وشيوع ظواهر دعارة القاصرين، والتشرد، والإدمان… سيكون لقاؤه بآخر شخصية من عائلة الفيلسين في الجزيرة (العمة إيميلين كارسيناك: أربعٌ وتسعون سنة)، مؤلماً ومحبطاً، وسيجعل البطل يكتشف مسؤولية أسلافه عن مأساة العبودية، وتدمير بيئة الجزيرة من خلال المشاركة الفعلية في تدمير الغابات وزراعة قصب السكر الذي غزا الجزيرة بعد مقدم الفرنسيين إليها.  تنتهي الحكاية برجوع دومينيك إلى باريس بكل تلك الحقائق القاسية والانطباعات الموجعة التي لم يسمعها من فم أبٍ صَموت.

 

بطل الحكاية الثانية هو جيريمي فيلسين (الملقب بالدودو)، وقد كان قبل مغادرة الجزيرة، آخر فرد من نسل الفيلسين في هذا الفضاء، إلى جانب العمة إيميلين. جيريمي طفل يتيم؛ فقد أمه وهو صغير، بسبب مرض عضال. ربّته شخصيتان من أحفاد العبيد (العمياء أرتيميسيا ويايا). في مرحلة مراهقته أصيب بمرض جنسي خطير، إثر تردده على بائعة الهوى زُبيد.  كان المرض سبباً في اختفاء شعر رأسه وحواجبه وأهدابه، واقتلاع أنفه، وإحداث ثقوبٍ في الوجنتين، وتصلبٍ في الأصابع والأطراف.  سيموت والده (القاضي) بسبب كثرة التدخين والحسرة على وفاة زوجته.  وسيُطرد بعدها دومينيك ومربيتاه من أرض أجداده (ألْـما)، بعدما استولت عليها عائلة الأرماندو. وبعد وفاة يايا وأرتيمسيا سيصير دومينيك مشرداً يعتاش على مساعدات الكنيسة والتسول. شخصية غريبة الأطوار. ظل خلال فترة بقائه بالجزيرة متعلقاً بقبور أمه وأبيه وأجداده في مقبرة القديس جون. يبيت في حقول قصب السكر ولا يبالي بهطول المطر. ساهم مظهره المخيف في نبذ الناس له، وابتعاد الأطفال عن طريقه. فكان محبوباً من لدن كلاب الجزيرة أكثر من ساكنتها. بعدما اعتدى عليه مجموعة من الجانحين في مقبرة سان أنطوان، قرر الابتعاد عن الجزيرة والسفر إلى فرنسا لاكتشاف عوالمها. سيكوّن في فرنسا علاقة مع المتسكع بشير (ابن حركي جزائري). وسيجمع حوله كمّا هائلاً من المشردين والغجر، وسيتصدر الحشد للقيام برحلة جماعية صوب جنوب فرنسا، في مشهد شبيه بجولة فورِسْت غامْب في رواية بنفس العنوان للكاتب الأمريكي (ونستون جروم). وقبل أن يصل إلى شواطئ الجنوب الفرنسي سيموت صديقه بشير. وسيتوقف مساره السردي عند الشاطئ.

 

من الناحية الفنية يقدم لوكليزيو سرداً خارج الأطر الكلاسيكية: حكايتان تتناوب فصولهما الظهور في متن الرواية.  وما يُضاعف جمالية السرد في هذا العمل هو ضمير المتكلم، الذي تروي بواسطته الشخصيات تفاصيل تجربتها في الحياة كما هي مُسرّدة في الرواية.  ويكسر المؤلف مسار الحكايتين الأصليتين، بحكايات فرعية لشخصيات من الهامش تحكي حكاياتها أيضاً بضمير المتكلم (حكايتا فرانسوا ماي دو لا بوردوني، والعملاق الخرافي ساكلافو). يُعبر هنا الهامش عن نفسه وبصوته، دون أي تدخل من سارد عالم، يمارس وصايته على الشخصيات كما هو ديدن السرود الكلاسيكية.  كما أن هناك انشغالاً كبيراً للعمل بورش اللغة، وهذا في الحقيقة هو دأْب لوكليزيو في مختلف أعماله التي اطلعت عليها.  وفي كثير من الأحيان تقترب لغة النثر في هذا العمل من اللغة الشعرية، إذ هناك نوع من الإيقاع الموسيقى في استخدام المفردات والعبارات (التوزايات الصوتية، والجرس الموسيقي الموحد لأواخر المفردات…) وهو أحد أسباب استخدام مصطلح “مرثية” في العنوان. يُضاف إلى ذلك تلك الأجواء الحزينة والسوداوية التي يضفيها الكاتب على بوح شخصياته المأساوية.

تندرج رواية ألما ضمن أدب ما بعد الاستعمار، تستنطق تاريخ العنف الاستعماري، وتمنح الكلمة لضحاياه ومهمشيه (الطبيعة، والعبيد الأفارقة، والملغاشيين، والهنود).  كما تتقصى الرواية هويات ما بعد الاستعمار، ومآلات التهجين الثقافي في الجزيرة.  ونحن نطالع الرواية، تصادفنا أجواءٌ من رواية “قلب الظلام” لجوزريف كونراد، خصوصاً أجواء وعوالم الغابة، عندما يدفعنا الكاتب للتجوال فيها رفقة دومينيك وأديتي وطونيو، رغم أن المماثلة الكلية بين الكاتبين أمر صعب في حقيقة الأمر، لأن كونراد رغم أسلوبه الجذّاب، يبقى كاتباً كولونيالياً.  غاباته مليئة بالفخاخ، والمخاوف، والغرابة.  أما غابات ألـما فهي غابات الوئام والبراءة المفقودين في عالم البشر، والجمال الأخير المتبقي في هذا الكوكب.  ويصادفنا أيضاً في الرواية، فلاديمير نابوكوف في عمله الشهير “لوليتا“، عندما يقع دومينيك في عشق كريسطال الفتاة القاصر، وذات الحضور المهم في الرواية. ثم تنتهي حكاية جيريمي بمشهد من مشاهد فورست غامب للروائي الأمريكي ونستون جروم كما سلف ذكره.

 

أصل الداء

لا يتسم خطاب لوكليزيو ورهانه الدلالي في هذا العمل بالتعميم -كما هو حال كثير من الإيكولوجيين ورواد البيئة المعاصرين- فلا يُلصق تهمة تدمير الطبيعة وخرق نواميسها بالبشر عامة، بل يوجه الأصبع إلى أصل الداء: الاستعمار الأوروبي هو سبب خراب الطبيعة في جزيرة موريس، والحداثة الغربية مُدانة بشكل لا لبس فيه في الرواية. الثوررتان الفلاحية والصناعية وسطوة المكننة، سبب دمار البيئة، والأسلحة الغربية المتطورة أحد أسباب انقراض طائر الدودو الذي ينتصب في الرواية كرمز شاهد على العنف الاستعماري والذاكرة الغربية الموشومة بالدماء:

“أفكر -يقول دومينيك- مجددًا في طائر الدودو، ربما كان يركض بجانب الشاطئ، وريش ذيله السخيف يتطاير بفعل الزوابع.  يبدو لي أن السفينة الهولندية الأم اقتربت من هذا الساحل، وتبحث عن الممر المؤدي إلى الخليج الكبير في الجنوب الشرقي. وفي تلك اللحظة أدرك الطائر لأول مرة أن حياته قد أشرفت على نهايتها، وأنه لم يعد له مكان في عالمٍ سيقتله فيه شياطينٌ مسلحون بمئات البنادق والهراوات، حتى لا يبقى منه سوى العظام.  عالمٌ ستُزرع فيه قريبًا شواطئ الرمال البيضاء، بكُرات صغيرة لزجة وسوداء، وستجلب فيه الأمواج القادمة من أقاصي الأرض أكياسًا بلاستيكية وزجاجات قديمة.” (ص. 47.)

من نتائج ذلك أيضاً إشراف شجرة التامبالاكوك (Sideroxylon grandiflorum) على الانقراض. تسمى أيضاً بـ”شجرة الدودو” لأن نُبُوتَها مرتبط بالضرورة، بعبور ثمرتها بحوصلة هذا الطائر، كدليل واضح على أن اختفاء عنصر طبيعي ما، قد يسهم في اختفاء مجتمع من العناصر والكائنات الطبيعية المرتبطة به.(2)  والأمر نفسه ينطبق على فصائل من طيور الجزيرة التي تقترب من الاختفاء النهائي، كما هو الشأن بالنسبة للحمام الوردي، وعوسق موريشيوس، والببغاء الأخضر، وطائر الفايتون، التي لم يتبق منها سوى أعدادٍ قليلة جداً، رغم مجهودات مؤسسة “الحياة البرية الموريشيوسية” التي تشتغل بها شخصية أديتي المهووسة بالحياة البرية والغابة:

“إنه لشعور غريب حقًا -تقول أديتي-، ألا ترى؟ حين تفكر أن هذا الكائن الحي (الحمام الوردي) الذي تراه أمامك هو ثمرة قصة طويلة، وأن هذه القصة قد تنتهي هنا والآن، أو غدًا، ولن تعود موجودة على الأرض أبدًا، وأنت لم تفعل شيئًا لتمنع ذلك… أشعر برغبة في أن أقول لأديتي: الأمر نفسه ينطبق عليك، عليّ، على جميع البشر، كل واحد يعيش في نهاية قصته.  لكنني أحب عفويتها، وعملها التطوعي لإنقاذ الحمام الوردي، والكاتو، والصقور، وطائر الذيل القشي، من تخريب الحياة الحديثة.” (ص. 140)

كل هذه المأساة القاتمة في الحاضر الموريسي لا يتحملها سوى الأوروبيين بدءًا بالهولنديين الذين احتلوا الجزيرة في القرن السادس عشر (1598- 1710)، والفرنسيين في القرن الثامن عشر (1715-1810)، والبريطانيين في القرن التاسع عشر (1810-1968).  إن جزيرة موريس هنا تجسيد واضح لما حصل في إفريقيا، وآسيا، وأمريكا… الاستعمار الأوروبي أصل الداء الذي يهدد كوكباً برمته، حتى صار الرهان الأساسي للألفية الثالثة -حسب بعض الآراء- هو المقاومة من أجل بقاء كوكب الأرض.(3)  وانخراط لوكليزيو في هذه المعركة لا لبس فيه.

 

الطبيعة والبشر

من المشاكل الكبرى التي تعرفهاالاتجاهات البيئية الحديثة، وفي مقدمتها الإيكولوجيا العميقة، هي تبنيها لنوع من التشدد الذي يهمش البشر، من خلال ما تصطلح عليه بـ”تقويض المركزية الإنسانية” باعتبارها المدخل الأساسي لإعادة الاعتبار للطبيعة بشتى مكوناتها، حتى إن الإيكولوجي الأمريكي دايف فورمان (Dave Foreman) دعا خلال مجاعة إثيوبيا (1983-1985) في موقف مثير، إلى وقف تقديم المساعدات الغذائية للجائعين، بحجة أن ذلك سيؤدي إلى زيادة عدد السكان بشكل غير مستدام، وبالتالي إلى مجاعات أكبر مستقبلًا، معتبراً أن الطبيعة يجب أن “تأخذ مجراها”، أي إن المجاعة تعمل كآلية طبيعية لتوازن السكان مع الموارد.(4)  ومن ثم، فهل يمكن لإقصاء البشر ومساواتهم بالصخور (كما هو الحال عند الإيكولوجيا العميقة) أن يكون المدخل الأساسي لإعادة الاعتبار للبيئة؟ أم أن أمراً كهذا لا يمكنه أن يتم دون عقد طبيعي (وفق تعبير ميشيل سير) يضع حدوداً واضحة لعلاقة الإنسان بالطبيعة؟

بالنسبة للولكيزيو فمصير الإنسان والطبيعة مترابطين، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، لكن يظل الانسان هو المحور، وهو في ذلك وفي للمدرسة الفرنسية والإرث الأنواري أساس فكرة مركزية الإنسان.  لكن لوكليزو لا يُهادن في قضية نقد تحققات الحداثة الغربية، وافرازاتها السلبية.  والاستعمار الغربي عنده هو أصل معظم كوارث الحاضر، لذلك تشكل رواياته صوتاً للمهمشين والمضطهدين ومغيبي التاريخ (-العبيد- الأطفال- المعاقون- النساء- خادمات البيوت- الأبناء غير الشرعيين- السكان الأصليون بأمريكا اللاتينية- صحراويو المغرب- مهمشو المدن المغربية- الفلسطينيون- الغجر- العمال- المهاجرون- بائعات الهوى-السود…). الاستعمار عند لوكليزيو في هذا العمل، هو المسؤول عن تدمير البشر والطبيعة، وهو خالق مأساة العبيد من الأفارقة والملغاشيين والهنود في جزيرة موريس:

“إيميلين كارسيناك منحتني-يقول جيريمي- هذا الدور الأخير؛ فعلى الرغم من كِـبَر سنّها، كانت الوحيدة التي فهمت السؤال الذي أطرحه على الجميع منذ وصولي إلى موريشيوس. “اذهب إلى ذراع الماء”، قالت: “اذهب لترى ذلك المكان، الأشدّ قتامة في تاريخنا، تاريخنا نحن البيض، اذهب وانظر، ثم أَخْبِرْني[…] لا، بل اكتب لي ما الذي وجدته، وما الذي شعرتَ به… سجن السود، يا جيريمي، سجن العبيد.  في كل أنحاء الجزيرة هُدمت تلك السجون، لم نعد نريد رؤيتها، أ تفهم؟ […] حُفر ٌفي كل مكان، سجون منسية تم تقويضها، كي لا نفكر فيهم، قبل أن نذهب لشنقهم في سجن بورت-لويس، حُفر كي لا نسمع صراخهم وبكاءهم: النساء، والأطفال، كي ندفنهم أحياء!” ” (ص.244-246).

وعليه، فإن الاستعمار الغربي في المحصلة، هو مُلغّم حاضر الجزيرة، لأن جراح الماضي لا تكف عن الصعود إلى سطح الحاضر، وتخلق بشكل متواصل توترات وشروخاً مزمنة في الهوية والعلاقات الاجتماعية، وقد تفتح باباً أكثر إيلاماً في المستقبل!

لا يقدم لوكليزو في الرواية حلولاً جاهزة للمأزق، بل لا يتجاوز حدود تشخيص الداء العضال.  فما حل مشكلة الانقراض؟ وما حل مشكلة الكائنات المهددة بالاختفاء (الطيور والأشجار والنباتات)؟ وما حل هذا القلق والحذر الماثل في العلاقة بين المكونات الإثنية في الجزيرة، والتي يَنظُر بعضها إلى بعض نظرة ريبة وإدانة، لأن أحفاد العبيد وعمال السخرة، ما يزالون يحملون على أكتافهم جراح الماضي وعذابات الأسلاف، يذكرهم بها واقع التهميش والاقصاء في الزمن الحاضر؟

لا يقدم لوكليزيو في هذا العمل، حلاً أو وصفة للخروج من المعضلة. بل يعرض الأمور كما هي في الواقع. ويقول بشكل واضح على لسان شخصياته: إن هناك خراباً متواصلاً، وبناءً آيلاً للسقوط.  هي إذن صرخة تحذير مشوبة بكثير من الإحباط والسوداوية.  وهذا لا يقلل من أهمية العمل، لأن الرواية-كما أتصور- عمل أدبي كبير، موفق في اختياراته الدلالية والجمالية.

 

إضاءة أخيرة

يروي الفيلسوف الفرنسي لوك فيري في كتابه “النظام البيئي الجديد“(1992)، بعض الوقائع الغريبة لمحاكمة حيوانات وحشرات من طرف الكنيسة خلال القرون الوسطى، والتي تُشبه إلى حدٍ ما، ما يمكن أن نسميه “عقداً طبيعياً” بين البشر والحيوان. يقول مثلاً:

“في عام 1545 جرت محاكمةٌ ضد حشرات خنافس الكروم. وقد انتهت القضية بانتصار الحشرات، بعدما دافع عنها محامٍ عيّنه القاضي الأسقفي، كما تقضي بذلك الإجراءات القضائية. وبرر القاضي الحكم لصالح الحشرات بحجة أنها مخلوقات الله، وتملك نفس حق البشر في التغذي على النباتات[…] وعلى مقربة من مدينة خور (Chur)، حدث غزو مفاجئ ليرقاتٍ برأس أسود، وجسم أبيض بحجم الأصبع الصغير، تسير على ستة أقدام، ومعروفة جيداً لدى الفلاحين[…] تدخل الى الأرض في بداية الشتاء، وتهاجم الجذور، وتغرس سنا قاتلة في النبات[…] وقد قام السكان باستدعاء هذه الحشرات المدمرة، أمام المحكمة الإقليمية، بواسطة ثلاثة مراسيم متتالية، وعينوا لها محامياً ووكيلاً، مراعين جميع إجراءات المحاكمة القضائية العادلة. وأخيراً نظر القاضي إلى أن هذه اليرقات هي مخلوقات الله، وأن لها الحق في الحياة، وأنه سيكون من الظلم حرمانها من القوت، فنقلها إلى منطقة غابوية، حتى لا يكون لديها ذريعة بعد الآن لتخريب الأراضي الزراعية، وهكذا تم.”(5)

وفي محاكمة الحيوانات أو الحشرات في تلك الأزمنة، كان يُستدعى أحياناً من يُـمثّل هذه الكائنات من بنات جنسها، فيكون محامي الـمُدَّعى عليهم مُلزماً بتقديم المبررات القانونية لعدم حضور موكليه، كما حدث مع أبرشية أوتون التي رفعت دعوى ضد انتهاكات الجرذان، وعُين كمحامٍ لهذه الحيوانات محامٍ يدعى شاساني. وعلى الرغم من استدعاء المحكمة للجرذان وفق القواعد المعمول بها، لم تحضر. فقام شاساني بمجهود كبير حتى حصل على إذن بأن يتم استدعاء موكليه مرة أخرى من قبل كهنة الأبرشيات نظرًا، كما قال، لكون القضية تهم جميع الجرذان، وبالتالي يجب أن يتم استدعاؤهم جميعاً. وبعد الفوز بهذه النقطة، شرع في المحاججة بأن المهلة التي مُنحت لهم كانت غير كافية؛ وأنه كان يجب مراعاة، ليس فقط بُعد المسافة عن مكان محاكمة هذه المخلوقات الصغيرة، ولكن أيضاً صعوبة الرحلة، صعوبة تتفاقم بسبب وجود القطط وهي تنصب كمائنها؛ وتحتل أضيق الممرات للظفر بفرائسها.(6)

هذا ليس معناه أن لوك فيري ماضوي التفكير، بل على العكس من ذلك تماماً، فهو يهاجم وبضراوة الماضوية في الإيكولوجيا الأمريكية التي تستند حركاتٌ منها، على التقاليد البيئية الهندية القديمة.  وينتقد فيري بشدة جل الاتجاهات البيئية الحديثة (-الإيكولوجيا العميقة- النسوية البيئية- النفعية الجديدة ممثلة في بيتر سينجر – الإيكولوجيا الألمانية ممثلة في هانس جوناس…) ويتهمها كل هذه الحركات بمعاداة مبادئ الأنوار وقيم الجمهورية الفرنسية، ويقترح كبديل لأدبياتها البيئية ما يسميه بـ”الأيكولوجيا الديمقراطية” المحترمة لمركز الانسان وحقوقه والقيم الديموقراطية.(7) لكن ورغم مرور ما ينيف عن ثلاثة عقود لم تجد فكرة فيري، وهو المقرب من الدوائر السياسية الفرنسية، أي صدى لها في الأوساط الإيكولوجية والسياسية الفرنسية، ويظل صوت الإيكولوجيا العميقة، والنسوية البيئية… هو الأكثر حضوراً وتأثيراً. إن ما يتفاداه فيري في هذا العمل، هو الجانب المظلم للحداثة الغربية: العنف الاستعماري، وتدمير حاملي لواء الأنوار وقيم حقوق الانسان والديموقراطية، للبشر والطبيعة فيما سمي حينها بـ”المجتمعات المتخلفة”. وهذا هو جوهر اهتمام لوكليزيو: فلا حضارة، ولا حقوق إنسان، ولا ديموقراطية تظهر في الحملات البرتغالية، والهولندية، والفرنسية، والانجليزية على جزيرة موريس. بل إن أساس الغزو هو المنافع المادية، ولو على حساب الإنسان (المتاجرة في العبيد واستغلالهم) والطبيعة (تدمير الغابات والحياة البرية).

لذلك فالرواية عملٌ فني مُتقن الصنعة (اللغة وطرائق السرد)، وعمل ملتزم -كما سائر أعمال المؤلف-بقضايا الهامش، إذ تعد -كما سلف ذكره- قضايا تدمير الطبيعة، وأصداء الماضي الأليم (استغلال الأفارقة والملغاشيين والهنود واستعبادهم)، ونتائجه في حاضر جزيرة موريس، محفزات أساسية للعملية السردية في هذا العمل.

 

 

——————————-

هوامش:

1- يعد الوصف الذي قدمه الرحالة الإنجليزي توماس هربرت (1606-1682)، لطائر الدودو، إبان زيارته للجزيرة خلال القرن السابع عشر، في كتابه: “بضع سنوات من الرحلات في شتى أنحاء إفريقيا وآسيا الكبرى…“، من أقدم الأوصاف التي وصلتنا لهذا الطائر قبيل انقراضه. وهو وصف في غاية الأهمية، رغم ما يتسم به من غرائبية، وحس استعلائي، ومبالغة أحياناً. يقول الرحالة: “يأتي ذكر طائر الدودو أولًا في وصفنا؛ ففي جزيرة موريشيوس، ولا في أي مكان آخر مما رأيت أو سمعت، يُوجد هذا الطائر. اسمه برتغالي، ويشير إلى بساطته. وهو طائر من حيث الشكل والندرة يمكن أن يُشبَّه بالفينيق لو كان في بلاد العرب. جسده مستدير وضخم. يورثه بطء حركته الشديد، تلك السمنة؛ فقلّما يزن أحدها أقل من خمسين رطلاً. وهو أجمل للعين منه للمعدة؛ فالأفواه النهمة قد تستسيغه، لكنه مُنفر كغذاء للذوّاقين المتأملين. دعنا نصفه: مظهره يبعث على الكآبة، كأن الطبيعة أخطأت حين منحت جسدًا عظيماً وثقيلاً لأجنحة صغيرة ضعيفة، لا تقوى على رفعه عن الأرض، فلا تخدم إلا في إثبات أنه طائر، وإلا لكان في الأمر شك. رأسه متنوع الهيئة؛ نصفه مغطى بريش أسود زغبي، والنصف الآخر عارٍ تماماً، وبلون أبيض شفاف كأنه قماش رقيق. منقاره شديد الانحناء إلى الأسفل، وفي وسطه فتحة التنفس، ومن هناك إلى طرفه يمتزج اللون الأخضر الفاتح بالأصفر الباهت. عيناه مستديرتان صغيرتان لامعتان كالألماس. كسوته من أرقّ الزغب، مثل ما يُرى في صغار الإوز. ذيله قصير، فيه ثلاث أو أربع ريشات قصيرة، كأنه لحية صغيرة. ساقاه غليظتان سوداوان قويتان، ومخالبه حادة. معدته شديدة الحرارة، حتى إنها تهضم الحجارة والحديد بسهولة، وفي ذلك وفي شكله يشبه النعام إلى حدّ ما، لكن مع اختلافات أكيدة.”

-Thomas Herbert, Some Yeares Travels into Divers Parts of Africa and Asia the Great, Especially Describing the Famous Empires of Persia and Industant, and Many Other Adjacent Kingdoms and Countries, Printed by R. Bishop for John Parker, London, 1638, p. 347.

2- هذا يتوافق تماماً مع ذهبت إليه عالمة الأحياء الأمريكية راشيل كارسون في كتابها “الربيع الصامت”، حين تقول: «إن تاريخ الحياة على الأرض، هو تاريخ التفاعل بين الكائنات الحية والبيئة المحيطة بها، لقد تكيف الشكل الفيزيقي وطبائع نباتات وحيوانات الأرض -إلى حد كبير- بالبيئة، فإذا أخذنا كل تاريخ الأرض في الاعتبار فإن الأثر العكسي الذي حورت فيه الحياة البيئية من حولها كان بسيطا نسبياً، لقد تمكن نوع واحد -هو الإنسان- خلال القرن الحالي فقط، من المقدرة الكافية ليغير طبيعة عالمه.»

-راشيل كارسون، الربيع الصامت، ترجمة: محمد مستجير، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2005، ص. 27.

3- جيليكا توشيتس، النقد البيئي: دراسة بينية في الأدب العربي، ترجمة: سناء عبد العزيز، العدد 102، شتاء 2018، ص. 328-335.

4- Français Simonis, Arne Næss et la «Deep Ecology»: pour une «écologie profonde», Le Point, (Les textes fondamentaux: L’homme et la nature), N, 81- Juillet-Août-Septembre 2020, p.72.

5- Luc Ferry, Le nouvel ordre écologique: l’arbre, l’animal et l’homme, Editions Grasset et Fasquelle, 1992, pp. 9-12-13.

6- Luc Ferry, Ibid., p. 16.

7- Luc Ferry, Ibid., pp. 190-191.

 

خاليد مجاد

باحث في الدراسات السردية-الرباط

 

- خاليد مجاد

باحث في الدراسات السردية / الرباط

شاهد أيضاً

المواقف الأخلاقية-البيئية تجاه الحيوان

  إلياس كانيتي، أصوات مراكش، ترجمة صلاح هلال، دار الصفصافة، 2020.   الاستشراق البيئي وتمثيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.