Antoine Perrier, Un seul trône. Souveraineté et divisions coloniales au nord du Maroc (1860-1956), CNRS Edition, Paris, 2025.
خضع المغرب رسميا، بموجب معاهدة الحماية الموقعة في 30 مارس 1912، للحماية الأجنبية التي فرضت عليه تقسيما ترابيا غيّر كثيرا خريطة “الإمبراطورية الشريفة”. انقسم المغرب في ظل الاستعمار إلى: منطقة الحماية الفرنسية في الوسط وعاصمتها الرباط، ومنطقة الحماية الإسبانية في الشمال وعاصمتها تطوان، ومنطقة طنجة الدولية، ومنطقة حماية إسبانية في طرفاية وتتم إدارتها من تطوان، ثم منطقة استعمار إسباني مباشر في الساقية الحمراء ووادي الذهب. ورغم أن المواثيق الدولية، وحتى السابقة على معاهدة الحماية، حافظت على بقاء المخزن واعترفت نظريا بسيادة السلطان على أراضي سلطنته إلا أن ممارسة هذه السيادة على أرض الواقع، وفي سياق الهيمنة الاستعمارية، واجهتها تعقيدات كثيرة قل ما انكب عليها الباحثون بالدراسة والبحث. ومن هنا تأتي وجاهة السؤال المركزي التالي: كيف مارس السلطان المغربي سيادته على تراب مملكته التي قسمت إلى عدة مناطق نفوذ؟
يحاول المؤرخ الفرنسي أنطوان برييه Antoine Perrier[1] الإجابة على هذا السؤال في آخر إصداراته المعنون بـ “عرش واحد: السيادة والتقسيمات الاستعمارية في شمال المغرب 1860-1956“، (2025). إن أصل هذا الكتاب هو بحث أنجزه الباحث حول نظام الأجور في منطقة طنجة الدولية، في إطار برنامج الوكالة الوطنية للبحث (ANR) الفرنسية. ورغم أن المنطلق كان هو الإجابة على تساؤلات حول التاريخ الاقتصادي لمدينة طنجة الدولية، إلا أن أنطوان برييه اصطدم بتعقد الوضعية القانونية للمدينة، وخاصة ما تعلق منها بأشكال ممارسة السلطان لسيادته عبر المندوب السلطاني. ثم تناسلت الأسئلة وتشعب البحث بشكل قاد انطوان برييه إلى التنقيب في تاريخ مدينة طنجة السياسي والاقتصادي، وكذا تاريخ المنطقة الشمالية واحتكاكها بالاستعمار. ولاحظ أنه رغم خضوع المغرب للحماية الأجنبية، ورغم التقسيم الترابي الاستعماري، فقد ظل السلطان المغربي يمارس سيادته بأشكال مختلفة على المناطق الثلاثة: منطقة الحماية الفرنسية، ومنطقة الحماية الإسبانية، ومنطقة طنجة الدولية. إنها سيادة واحدة لكنها موزعة في عواصم متعددة (الرباط، تطوان، وطنجة) ومقسمة إلى عدة سلط. إن هذا الكتاب، رغم تركيزه الكبير على منطقة شمال المغرب تحديدا، تشريح لآليات ممارسة السلطان المغربي لسيادته على أقاليم خاضعة لعدة قوى استعمارية. ويؤكد أنطوان برييه أن “دراسة هذه التوترات بين المناطق الثلاث ضرورية لفهم المقاربة الرسمية للمشاكل السياسية ذات الأهمية القصوى بالنسبة للمغرب المعاصر، وتحديدا مطالبته بالأقاليم الصحراوية” (ص. 13). ثم إن هذا الكتاب قد صدر بعد خمس سنوات من التنقيب في الأرشيفات الفرنسية والإسبانية والمغربية، بالإضافة إلى مصادر التاريخ المحلي، خاصة منها تاريخ تطوان لمحمد داود، وعمدة الراوين في تاريخ تطاوين لأحمد الرهوني.
قبل الاحتكاك بالقوى الاستعمارية في القرن التاسع عشر، مارس السلاطين المغاربة سيادتهم وفق التقاليد السياسية الإسلامية بالارتكاز على مفهوم الخلافة الذي يجعل من السلطان الخليفة زعيما روحيا، وحاكما ذا سلطة زمنية. لكن الحدود الترابية للدولة كانت متحركة وغير واضحة، وتجلى ذلك بوضوح في تنوع أشكال حضور المخزن بين الوجود المادي والوجود الرمزي الروحي[2]. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، تسارعت الضغوط الاستعمارية على المغرب بشكل جعلت سلطانا مثل المولى الحسن (1873-1894) يفكر في تقوية البعد الترابي لدولته (la territorialisation) بالوسائل البسيطة المتوفرة لديه عبر الحرْكات السلطانية المتعددة في المجال المغربي شمالا وجنوبا، والتي كانت شكلا من أشكال ممارسة الحكم، وتهدف أساسا إلى تأكيد سيادته في رسائل موجهة للداخل والخارج.
ينتصر المؤلف لأطروحة مركزية في هذا الكتاب، تؤكد على دور الاستعمار الجوهري في تقوية البعد الترابي للدولة المغربية، والحفاظ على سيادة السلطان. ولقد اختار دراسة تحولات السيادة المغربية انطلاقا من منطقة شمال المغرب، وحاول طيلة خمسة فصول رئيسية أن يقدم البراهين التاريخية والقانونية التي تثبت وجهة نظره كباحث مؤرخ.
يناقش المؤلف في بداية الكتاب سيادة السلطان على المنطقة الشمالية قبل الحماية حيث ظل السلاطين المغاربة يمارسون سيادتهم على هذه المنطقة بواسطة أفراد من العائلات المحلية المشهورة، إما بنسبها أو علمها أو جاهها أو كفاءاتها الحربية. ولم يكن السلاطين في حاجة إلى المشاركة بصفتهم الشخصية في الحرْكات على هذه المنطقة لأنه لم يكن يأتي منها خطر وجودي، ولا تتوفر على موارد مهمة جدا للمخزن. لكن احتلال الإسبان لمدينة تطوان سنة 1860 خلّف استياء كبيرا في أوساط الدولة المغربية. ومن هنا جاءت أهمية الزيارة التاريخية للمولى الحسن للمدينة سنة 1889 لتجسد وتؤكد على الحضور المخزني في المدينة وكل المنطقة الشمالية. ورغم نزوع الحكام المحليين (قواد وباشوات) نحو نوع من الاستقلالية في تدبير شؤون المنطقة، إلا أنه لم يحدث أن قطعت العائلات الكبرى والقبائل روابطها مع السلطان.
في زمن الحماية الإسبانية على المنطقة الشمالية، اعتبر خليفة السلطان في تطوان “سلطان صغيرا” يستمد شرعيته من كونه ممثلا للمخزن المركزي وللسلطان. ورغم صلاحياته التشريعية والتنفيذية الواسعة، التي عالجها الفصل الرابع بتفصيل، والتي جعلت الملاحظين يتحدثون عن “مخزن مصغر”، إلا أن الخليفة ظل متمسكا بولائه للسلطان. وبفضل نشاط الحركة الوطنية، واحتفالاتها بعيد العرش منذ 1934، حرص الخليفة في تطوان على تأكيد هذا الولاء وإظهاره بين الفينة والأخرى.
وقد شهدت مدينة طنجة، منذ توقيع معاهدة الحماية وإلى سنة 1939، ما أسماه الباحث بـ “معركة السيادات”، إذ يؤكد أن الوضع الدولي أو الكوزموبوليتاني لمدينة طنجة هو نتيجة طبيعية لصراع المصالح بين القوى الاستعمارية. ويضيف أن فرنسا، ومعها المخزن المغربي من الرباط، قد دافعت بشراسة عن الحفاظ على سيادة السلطان على هذه المدينة لغايات اقتصادية محضة: التحكم في عائدات جمارك المدينة. وزيادة على الدور المحوري لفرنسا، ساهمت الروابط بين النخب المحلية في طنجة والسلطان في المحافظة على السيادة المغربية على هذه المدينة عبر المندوب السلطاني. ويخلص أنطوان برييه إلى أن السياسة الاقتصادية الفرنسية وكذلك الوضع الدولي قد أفقرا مدينة طنجة بشكل جعلها في وضع دولي يختلف كثيرا عن الوضع الدولي لعدد من المدن الآسيوية. وزيادة على ذلك، دقق الباحث في طبيعة الصلاحيات المخولة للمندوب السلطاني بطنجة الذي جسد سيادة السلطان على المدينة، حيث ربط هذا المندوب علاقات متينة مع الإقامة العامة، وأعضاء المخزن المركزي، وتمتع بحريات واسعة للتصرف أكثر من أي حاكم محلي آخر في كل التراب المغربي. ورغم الضائقة الاقتصادية التي مرت منها مدينة طنجة منذ ثلاثينيات القرن العشرين، ظل المخيال الجماعي للمدينة يستحضر هيبة المخزن وقداسة السلطان.
في أبريل 1947، قام السلطان محمد بن يوسف بزيارته الشهيرة والتاريخية إلى مدينة طنجة. كان الهدف من الزيارة واضحا: لا يمكن تجاوز أو القفز على السيادة المغربية على هذه المدينة الكوزموبوليتانية وكل المنطقة الشمالية. كما أكدت الزيارة حرص العاهل المغربي على وحدة التراب المغربي. يناقش الباحث دور هذه الزيارة، وخطب السلطان وأبنائه، في الترويج لصورة السلطان الوطني، خاصة أن الزيارة وخطب أفراد العائلة الملكية قد حظيت بتغطية إعلامية واسعة في الداخل والخارج. ولهذا، لما نفي السلطان، في غشت 1953، زادت شعبيته رغم أن سيادته صارت إسمية فقط. ورغم محاولات إسبانيا تنصيب الخليفة في تطوان ملكا على المنطقة الشمالية إلا أنه رفض المقترح حفاظا على ولائه للسلطان، وحذرا من ردود فعل الأحزاب الوطنية والعائلات المخزنية والبورجوازية ذات الارتباط المتين بالمخزن.
طرح المؤلف في خاتمة كتابه السؤال التالي: كيف نفسر بقاء سيادة السلطان رغم التجزئة الترابية وتقسيم السلطات؟ يكمن الجواب، في نظره، أولا في دور القوى الاستعمارية في ترسيم سيادة السلطان على المناطق الثلاث باسم مبادئ القانون الدولي. لقد كانت هذه السيادة بالنسبة لها ضرورية من أجل التعبئة السياسية، وتنظيم المجتمع الذي عرف عدة تحولات في ظل التجزئة الترابية للمغرب. ثانيا، لا ينكر المؤرخون دور فرنسا، والجنرال ليوطي تحديدا، في تقوية مكانة السلطان و”منحه” دولة مركزية. فقد أدى الحرص على إبراز شأن إمارة المؤمنين، والتأكيد على أهمية البيعة والروابط الروحية، إلى تمتين روابط الولاء بين السلطان والسكان في مناطق النفوذ الثلاث. ثالثا، توحد المغاربة في المناطق الثلاث ضد عدو استعماري واحد، سواء فرنسا أو إسبانيا، مما جعلهم ينصِّبون السلطان محمد بن يوسف رمزا للنضال الوطني ضد الاستعمار. رابعا، لا يجب إغفال دور الحركة الوطنية، وآلتها الدعائية، التي لم تكن تفصل بين الكفاح الوطني والتأكيد على تعزيز مكانة السلطان باعتباره تجسيدا ورمزا للسيادة المغربية.
وجدت الملكية المغربية نفسها، بعد الاستقلال، تحكم دولة ترابية لأول مرة في تاريخها، وبيدها وسائل عصرية لممارسة الرقابة. لكنها، في الوقت نفسه، لم تتخل عن رموز السيادة الموروثة عن التقاليد السياسية للدولة المغربية التقليدية (المخزن) التي يمكن تلخيصها في مفهوم إمارة المؤمنين. كرست الملكية هذا المفهوم في أول دستور للبلاد سنة 1962، ووظفته في معركة استكمال الوحدة الترابية واسترجاع الأقاليم الصحراوية. لكن المغرب لاقى صعوبات جمة لإقناع المنتظم الدولي بأهمية الظهائر السلطانية والروابط الروحية وعقود البيعة، لإثبات سيادته على هذه الأقاليم. فالقانون الدولي المعاصر لا يعترف إلا بالسيادة الترابية والحضور المادي للدولة في الأقاليم التي تطالب بها. وكم استغل خصوم الوحدة الترابية هذه الورقة لمعاكسة المصالح العليا للدولة المغربية.
————————————
الهوامش:
[1] سبق لأنطوان برييه أن أصدر كتابا حول دور الاستعمار في هندسة وإعادة تشكيل الدولة والسلطة في كل من المغرب وتونس. أنظر:
Antoine Perrier, Monarchies du Maghreb. L’état au Maroc et en Tunisie sous protectorat (1881-1956), Edition de l’EHESS, Paris, 2023.
أنظر القراءة التي أنجزها إبراهيم آيت إزي لهذا الكتاب في مجلة رباط الكتب الإلكترونية على الرابط التالي:
https://ribatalkoutoub.com/?p=6354/ date de consultation 19/01/2026
[2] انظر تفاصيل أكثر حول هذه النقطة عند:
محمد جادور، مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب، مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، سلسلة أبحاث، الدار البيضاء، 2011.
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه