المخزن المتخيّل

 

قراءة في رواية حسن أوريد، الباشادور، ورواية محمد حبيدة، عشتُ ثلاثمائة سنة

 

تصدر روايات لكتاب مغاربة وغيرهم يشكل المخزن المغربي موضوعها الرئيسي. أذكر منها على وجه المثال لا الحصر روايتين لجيلبير سينوي[1]، لكنها لا تحظى بالعناية من طرف المشتغلين في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية بالرغم من الترابط القائم بين مواضيع هذه الكتابات. وهذه الدراسة مناسبة لإبراز بعض هذه القضايا اعتمادا على روايتين صدرتا مؤخرًا يشكل المخزن موضوعهما المركزي. الأولى هي الباشادور لحسن أوريد[2]، وهو أستاذ العلوم السياسية، له مؤلفات متنوعة في الرواية والشعر والفكر السياسي. والثانية عشت ثلاثمائة سنة لمحمد حبيدة[3]، وهو مؤرخ له مؤلفات عديدة حول مواضيع تهم التاريخ المغربي والعالمي. لن تعالج هذه القراءة البعد الجمالي أو القيمة الأدبية للنصين، بل تقرؤهما اعتمادًا على مقاربة يقترحها الأسترالي أليك ماكهول  Alec McHoul الذي يعتبر “الخيال الروائي كشكل لفهم جوانب من العالم الاجتماعي المحمل بفهم نظري كامن للمجتمع والظواهر الاجتماعية”، ويصر بالتالي على تقاربه مع العلوم الاجتماعية “حيث إن التخييل في حد ذاته يعتبر معرفة، وأن الفرق بين هذه المعارف لا تكمن في محتويات نصوصها، بل في تقنيات التعابير التي تتبناها”[4].  تسعى هذه الورقة للبحث عن نوع المعرفة حول المخزن الكامنة في الروايتين من خلال هذه المقاربة المنهجية.

في ملحوظة تمهد لروايته، يقدم حسن أوريد، كاتب الباشادور، أن بطل روايته مستوحى من حياة أبي القاسم الزياني، وهو مؤرخ مغربي عاش في القرنين الثامن عشر وشطرًا من التاسع عشر، وكان من رجالات مخزن تلك الفترة، ولكنه يلح في نفس الوقت على أن يُقرأ عمله كرواية وليست كتأريخ لسيرة بطلها، فاصلًا بذلك بشكل جازم بين التاريخ والرواية، بالرغم من الوشائج الملتبسة القائمة بين المجالين.

عاصر الباشادور مخزن زمنه وتقلب في عدة مناصب رفيعة في خدمة ثلاثة سلاطين، ككاتب أو والي أو سفير. لكنه عاش أيضا تقلبات السياسة ومحنها ودسائسها فتعرض أيضا للتهميش، بل وللسجن، وانتهى به الأمر مبعدًا عن السلطة، ليختار أن يختم حياته بأن يكتب التاريخ، تاريخه وتاريخ الفترات والأحداث والسلاطين الذين عايشهم، مصرًا على أن التاريخ الذي يطمح إلى أن يرويه في روايته، هو “التاريخ كما كتبه ابن خلدون… الذي يعلّم الناس الحقائق ويمكّنهم من أن يتجنبوا أخطاء الماضي”، وليس “الخرافات أو التاريخ الذي يُكتب إرضاء للسلطان”. وبذلك تطرح الرواية، بشكل ملتبس مرة ثانية، العلاقة بين التاريخ والرواية التي يرويها الباشادور كتاريخ حقيقي غير مزيف.

يظهر المخزن، المجسد في شخصيات السلاطين، من خلال مرحلتين: المرحلة التي عاشها الباشادور في قلب المخزن، ثم المرحلة الثانية التي يروي فيها الخلاصات التي انتهى إليها حول المخزن وشؤون السياسة والدين في نهاية حياته وهو بعيد عن السلطة.

في المرحلة الأولى، لا يظهر المخزن في شكل نموذج نمطي واحد، بل السلاطين يختلفون ما بين السلطان العالم والفاضل والقاسي والمستبد والمصلح. وهم وإن كانت تجمع بينهم نزعاتهم إلى الاستبداد والعنف، إلا أن مستويات قسوتهم ظهرت بدرجات مختلفة. أكثرهم قسوة كان هو السلطان اليزيد، الذي سجن الباشادور وعذبه.  وأقربهم إليه كان هو السلطان سليمان الذي كان يعتبِر أن “قوة دار المخزن (تكمن) في نزوعها إلى الفضيلة” (ص.97)، بالرغم من أن الباشادور ذكر في موقع آخر بأن نفس السلطان، يتحدث عن الفضيلة ولا يمارسها.

في المرحلة الثانية، أي، فترة التأملات والخلاصات، تختفي الفوارق بين السلاطين، ويظهرون في نمط واحد، إذ هم كلهم سواسية في ظلمهم، وبشكل خاص في معاداتهم لقبائل البربر، “قوم الزياني” كما يعلن ذلك في بداية سرده.  وانتهى، معلنًا ندمه على خدمة المخزن، أي إلى ما كان قد انتهى إليه شاعر سبقه:

إن الملوك بلاء حيثما حلوا…فلا يكن لك في أكنافهم ظل

وفي رواية عشت ثلاثمائة سنة، التي تقع جل أحداثها في القرن السابع عشر، لم يعايش بطلها شاهين المخزن مشخصًا في السلطان، بل عاين تجلياته على المستوى اللامركزي، ليس كمؤسسة سياسة فقط، بل كثقافة محافظة سائدة في صفوف النخبة وعامة الناس، ترفض التغيير، وتتشبث بالتقاليد المتنافية مع العقل والتجديد. كما عاصر فترة موت السلطان مولاي إسماعيل، وعاين حالة تفتت قوة المخزن بسبب الفتن والصراعات على الحكم التي عرفتها الدولة بعده.

اشتغل شاهين خطاطًا في سلا ينسخ الكتب عند قاضي فظ وظالم، لمدة خمس سنوات، ثم بعثه قايد المدينة ليشتغل في دار المخزن في مكناس في فترة مولاي اسماعيل. كان على وشك أن يحصل على الوظيفة، لكن حالت دون ذلك غيرة رئيس كتبة السلطان من مواهب شاهين، فاشتغل بدلها مترجمًا لدى باشا المدينة إلى أن اختار مغادرة مكناس إلى مراكش. في هذه المدينة، أنشأ مدرسة سعى ليغرس بها في نفوس تلاميذه ما تعلمه من حواراته مع الأسرى الأوربيين في سلا، ومن الكتب التي نسخها والتي تدعو للاجتهاد والابتكار والتفكير العقلاني، على غرار كتب أبي العلاء المعري وابن الرواندي وأبي حيان التوحيدي، وكتاب لمؤلِّف متخيَّل يدعو للشك في مسلمات عصره، ملمحًا لديكارت. لكن مشروعه واجه معارضة نخبة المدينة وآباء التلاميذ الذين اعتبروا أن مؤلفي تلك الكتب هم “من دمروا الخلافة وبددوا الأمة”، لتُغلق مدرسته ويُحكَم عليه بالسجن بتهمة الزندقة. وتوصّل شاهين، كما علمه ذلك ابن خلدون، إلى أنه أمام جمود المدن، فالمقاومة لا تأتي إلا من الجبال: “بها تتحصن القبائل ومنها تنطلق. بها تمانع المخزن ومنها تُدحر الجيوش” (ص. 188). ولذلك فعندما عرض عليه أحد القياد إطلاق سراحه مقابل الالتحاق بحملة لمحاربة القبائل الثائرة، لم يجد بُدّا من قبول العرض، وهو مقتنع أنه حكم على نفسه بالموت، كما حصل فعلًا، له ولجنود الحملة. نهاية شاهين الأولى كانت تراجيدية، لكنه سيعود إلى الحياة، بعد ثلاثمائة سنة، حيث سيُكتشف في قلب ثلوج الجبل، ويلتقي بالراوي الأول، وهو مؤرخ يعيش في مدينة سلا في القرن الواحد والعشرين، ويروي له عن حياته والحِكم التي استخلصها. وسيكتشف من المؤرخ، أن ما كان يتمناه للبلاد التي فارقها قبل ثلاثة قرون قد تحقق، هو الذي كان توصل إلى أن “أصل الفتن” هو “أننا نفتقد لنظام قار لولاية العهد،”، أن المخزن في القرن الواحد والعشرين “صار دولة حديثة تتوفر على أدوات التدبير والتسيير، وأصبح السلطان ملِكا يحكم وفق نظام قار لولاية العهد، واندرجت جموع القبائل في صيرورة التحول إلى شعب. ثم إن المدن توسع عمرانها.. والناس تغير سلوكهم وتدينهم. ما استقبحه الناس في الماضي من طبائع العجم صار اليوم سلوكًا مألوفًا” (ص. 24). لم يحدث كل ذلك بسبب تغيير قاده المخزن، بل عن طريق احتلال النصارى للبلاد، ثم خروجهم منها بعد الاستقلال.

لا يكمن الفرق في مقاربة الروايتين للمخزن في النهاية السعيدة التي عاينها شاهين بعد عودته إلى الحياة، والتشاؤم من مآل المخزن والبلاد الذي طبع شعور الزياني تاركًا المستقبل متعلقًا بالدعوات بالرحمة التي ختم بها كتابه.   الفرق الآخر يبرز في أن كلا من الراوي المؤرخ، في عشت ثلاثمائة سنة، وشاهين بطل الرواية، لا يعتبران، وعلى عكس الباشادور، أن التاريخ يحمل حقيقة كاملة. فالمؤرخ يحيل منذ بداية عشت ثلاثمائة سنة إلى كتاب للفيلسوف هايدن وايت، الذي يتوقع من قراء الرواية أنهم على اطلاع على موقفه الرافض للتمييز التقليدي بين التاريخ الذي ينظر إليه على أنه سرد مستند إلى مراجع، والخيال الأدبي باعتباره خال من الحقيقة الموثقة، وأن كلاهما لا يسعيان إلا إلى إضفاء تجانس على الأحداث. كما أن شاهين يصارح صديقًا له في أحد حواراته بأن “التاريخ نصفه كذب، ونصفه تأويل” (ص. 101)، بل يميل المؤرخ إلى الاعتراف بأن رواية شاهين أفصحت له عما “لم تفصح … مئات الكتب المصفوفة” في مكتبه (ص. 231)، مرجحًا بذلك أن يكون الخيال أفصح من كتب التاريخ.

إن قراءة هاتين الروايتين، مؤهلة لتقودنا إلى مسالك متعددة. أحدها يتعلق بالمتعة التي يمنحها التاريخ المتخيل لقارئه عند ولوج سراديب المخزن المقفلة، والكشف عن أسرار أحداث وأشخاص يشبهون عوالم مألوفة بدون أن تكون متطابقة بالضرورة مع واقع محدد. إن الرواية تقدم تاريخًا بالرغم من أنه متخيل، فإنه مع ذلك تاريخ محتمل.  وهذا الاحتمال هو نابع من درجة اقتناع القارئ بأن الحكي الروائي، تم تركيبه على أساس معرفة تاريخية موثقة.  وبدون أن تكون الرواية مطالبة بالإفصاح عن مراجعها، فيُتوقع من أحداثها ألا تبدو متعارضة بشكل فج مع المعرفة التاريخية التي يكتسبها القارئ. وحتى عندما يلجأ الروائي إلى تجاوز التاريخ المحتمل كلية، عن طريق إعادة شخصية إلى الحياة بعد موته بقرون، فتبقى للقارئ حرية القبول بالدعوة إلى تجربة المشاركة في لعبة التخيل والحلم، وتشييد ما يرتئيه من معاني هذه التجربة.

إن مخزن الروايتين، رغم أنه متخيل، فهو لا يبدو غريبًا كل الغرابة عن المخزن الذي وثقته كتابات العلوم الاجتماعية والإنسانية. إن استبداد السلاطين، وممثليهم من القياد والباشاوات والخدام، وقسوتهم، وتقلبات أمزجتهم، أو عِلمهم وتصوفهم، لا يتعارض مع عدد من النصوص الموثقة. لكن إذا كان القارئ لا ينتظر منه أن يأخذ مخزن الرواية مأخذ الجد كلية، فذلك لا يمنع من المقارنة بين المخزن المتخيل والمخزن الموثق. يسمح مقال بالغ الأهمية حول الموضوع، نشره مؤخرًا المؤرخ الفرنسي أنطوان بيريي بعنوان، “ما هو المخزن”[5]، بالقيام بهذا التمرين، والذي يوثق للتنوع الكبير في المقاربات التي سادت الكتابات المغربية في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية عن موضوع المخزن منذ الاستقلال، والتي تميزت بإبرازها للأبعاد التي لا تقتصر على الممارسات العنيفة للسلطة، بل هي أظهرت دور المخزن في تدبير الشؤون العامة، والحفاظ على النظام، وحيث الحرْكات لم تقتصر على عقاب القبائل السائبة، بل كانت مناسبة لتوطيد العلاقة بين السلطان والنخب المحلية، وحيث الدين شكل البعد الروحي للمخزن والمنغرس في المجتمع. سيكون من التعسف تقييم التاريخ المتخيل من منطلق التاريخ الموثق، لكن المقارنة بينهما لا تخلو من فائدة معرفية.

إن الروايتين موضوع هذه القراءة تعكسان بدورهما نموذجين مختلفين للمخزن، بينه كمؤسسة أقرب إلى نموذج لاستبداد شرقي لا يتغير في رواية الباشادور، وكثقافة ظلت مترهلة إلى أن حررها الدخول الاستعماري من جمودها الفكري وصراعاتها السياسية الدموية في عشت ثلاثمائة سنة. وهما معا يتيحان إمكانية قراءتهما باعتبارهما تقدمان صورتين عن المخزن، مؤهلتين لمقارنتهما مع باقي الكتابات عن هذا الموضوع كما تخيلهما روائيان مغربيان في مطلع العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين، يعبران عبرهما عن انشغالات فكرية وجمالية وسياسية، بشكل ذاتي متحرر من ضوابط التوثيق والإحالات والبرهنة.

 

——————————————

[1] Gilbert Sinoué ; L’ile du couchant, Galimard, 2021 ; Au couchant, l’espérance, Gallimard, 2025.

[2] حسن أوريد، الباشادور، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2023.

[3] محمد حبيدة، عشتُ ثلاثمائة سنة، تطوان، باب الحكمة، 2004.

[4] Alec McHoul, Sociology and Literature: The Voice of Fact and the Writing of Fiction, Journal of Sociology, Vol. 24, N.2, July 1988, pp. 208-225.

[5] Antoine Perrier, Qu’est-ce que le Makhzen ?  Retour sur l’historiographie marocaine de l’état moderne (xv-xv siècles) depuis l’indépendance.  Annales HSS, 79-1, p. 177-211, 2024.

- عبد الحي مودن

أستاذ جامعي وباحث في العلوم السياسية

شاهد أيضاً

تمثيلات تاريخ الأندلس في الرواية العربية والإسبانية

  سعيد الفلاق، تخييل الأندلس: سرد التاريخ بين الواقع والإيديولوجيا في الرواية العربية والإسبانية، منشورات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.