هندسة السلطة في المغرب وتونس زمن الحماية الفرنسية

Antoine Perrier, Monarchies du Maghreb. L’État au Maroc et en Tunisie sous protectorat (1881–1956))

مقدمة

ظلّت الحماية الفرنسية في المغرب (1912–1956) وتونس (1881–1956) تُقرأ، في جزء كبير من الأدبيات التاريخية، بوصفها نظامًا استعماريًا قام على إخضاع مؤسسات السيادة المحلية عبر تصور قانوني يُبقي السلطان أو الباي في واجهة الحكم، بينما تُمارس السلطة الفعلية من طرف الإقامة العامة. واختزلت هذه السرديات الوضع في مفارقة سيادية معروفة: “ملك لا يحكم فعليًا” في مقابل “حكومة تحكم لكنها تنكر السيادة”. إلا أن إعادة قراءة أدبيات المرحلة المحلية أو الفرنسية، تكشف عن دينامية أكثر تعقيدًا. فهي تُظهر أن مَلكيات المغرب الكبير لم تكن مجرّد بُنى صورية نجت من لحظة الإلغاء، بل كانت فاعلًا داخل “المختبر الاستعماري” نفسه، تشارك في إعادة تشكيله أو في مقاومة بعض مساراته، وتوجّه من خلال شبكاتها الرمزية والإدارية والقانونية مسار التحول السياسي الذي أنتجته الحماية.

في ذات السياق يمثّل كتاب Monarchies du Maghreb. L’État au Maroc et en Tunisie sous protectoratللباحث أنطوان برييه (Antoine Perrier)،أحد أهم الإسهامات الجديدة في فهم تاريخ الدولة المغاربية خلال الفترة الكولونيالية. فالمؤلف، لا يعيد فقط قراءة التجربتين المغربية والتونسية من زاوية مقارنة، بل يقدّم أيضًا أطروحة متماسكة تنقض الصور التقليدية التي ترسّخت طيلة القرن العشرين حول الحماية الفرنسية، سواء في الكتابات الاستعمارية أو الوطنية أو حتى في الأدبيات الأكاديمية الكلاسيكية.

واشتغل أنطوان برييه على تقاطع ثلاثة عوالم: الدولة التقليدية ممثلة في المخزن والبايلك، والإدارة الكولونيالية الفرنسية بمستوياتها المركزية والمحلية، وتحولات المجتمع المغاربي في سياق الانتقال من أنظمة سلطانية متعددة المراكز إلى بيروقراطيات حديثة. من خلال هذا التقاطع، يبلور المؤلف مفهومًا مركزيًا في عمله: الملكيات المغاربية بوصفها بنيات متعددة المراكز (monarchies polycentriques)، قادرة على امتصاص الصدمات والتحولات عبر مزج القديم بالحديث، الديني بالبيروقراطي، والشفهي بالمكتوب.

بهذا المعنى، فإن الكتاب لا يقدّم سردًا تقريريًا لأحداث الحماية، بل يفتح ورش إعادة تفكير جذري في طريقة تشكّل الدولة، ويبرهن على أن الاستعمار لم يكن فقط قوة مهيمنة، بل كان أيضًا طرفًا في عملية إعادة هندسة مؤسسة سياسية أعمق وأكثر رسوخًا هي الملكية. كما يمثّل الكتاب استجابة نقدية لهيمنة مقاربتين طالما وجّهتا الكتابة التاريخية: الأولى تنظر إلى الحماية بوصفها قطيعة وانكسارًا، والثانية تراها استمرارًا للقديم. إذ يقدّم منظورا ثالثًا يرى في المرحلة الكولونيالية لحظة إعادة تشكيل للدولة، ولحظة أصبحت فيها الملكيات نفسها طرفًا فاعلًا لا عنصرا تابعا.

ويمتاز هذا العمل باستخدام واسع للأرشيف الفرنسي وللأرشيف المحلي المغربي والتونسي، تراوح بين مخطوطات عربية لكتّاب الدواوين، ومراسلات قضائية وإدارية، وتشريعات مطبوعة. متوسلا في ذلك بمقارنة تاريخية متعددة المستويات، تنتقل من السياسات الكولونيالية الكبرى إلى سير المؤسسات، ثم إلى تفاصيل الممارسة البيروقراطية اليومية. ما أتاح له متابعة مفاهيم محورية مثل “الخِدمة”، “البيعة”، “الهيبة”، وغيرها، باعتبارها صيغًا لفهم السلطة والعمل الإداري، لا مجرد مصطلحات لغوية.

الملكية والدولة: تفكيك الأسطورة الكولونيالية

يفكك الكتاب التصور الاستعماري حول المغرب وتونس باعتبارهما فضاءين تقليديين جامدين. ونظرته للمخزن والبايلك على أنهما بقايا ماضٍ منقرض، وأن وظيفتهما داخل نظام الحماية كانت ظاهرية واحتفالية فقط. غير أن القراءة الدقيقة للأرشيف تُظهر العكس تمامًا، فالحماية لم تلغِ المؤسسات الملكية، بل أعادت توظيفها وتكييفها.ويبيّن المؤلف أن النظام الكولونيالي لم يتمكن من حكم المنطقة من دون هذه المؤسسة، وأن الشرعية السياسية والدينية التي يحملها السلطان أو الباي كانت عنصرًا لا غنى عنه في استقرار النظام. ففي المغرب مثلًا، جعل ليوطي من المخزن شريكًا رئيسيًا، ورأى فيه قناة لتطبيق مشروعه السياسي المتمثل في “الاحترام الشكلي للسيادة” مقابل التحكم الفعلي في دواليب الحكم. هذا التوظيف السياسي للملكية لم يكن مجرد واجهة ذرائعية، بل أصبح جزءًا من البنية المتحكمة في إدارة البلاد.أما في تونس، فقد توغّلت الإدارة الفرنسية بسرعة أكبر داخل جهاز الدولة، لكن الباي احتفظ بوظائف رمزية أساسية. ومع مرور الزمن، أصبح هذا التوازن بين الطابع البيروقراطي للحماية والإرث الشرعي للملكية الحُسينية مفتاحًا لفهم كيفية انتهاء الملكية سنة 1957، وكيف حافظت على دورها حتى اللحظة الأخيرة.

في هذا السياق، يُبرز أنطوان برييه أن الاستعمار لم يكن مشروعًا هندسيًا محكمًا بقدر ما كان عملية تفاوض مستمرة بين إدارات أوروبية تبحث عن الضبط والهيمنة، وسلطات محلية تسعى إلى الحفاظ على حدود سيادتها التقليدية. وهنا تتجلّى أهمية الكتاب في كونه يكشف عن مواقع المقاومة والتكيّف والمساومة داخل جهاز الدولة، لا فقط داخل المجتمع.

2. التحليل الأنثروبولوجي والسياسي

يمتح أنطوان برييه من رصيد نظري واسع، بدءًا من الأنثروبولوجيا الدينية والسياسية وصولًا إلى سوسيولوجيا الدولة الحديثة. ويستحضر المؤلف قراءة كليفورد غيرتز للسلطة السلطانية باعتبارها سلطة مسرحية تعتمد على رمزية الطقوس وعلى مركزية السلطان. كما يستثمر أطروحة جون واتربري حول المخزن بوصفه نظامًا قائمًا على الاستمرارية الشخصية، لكنه ينتقد اختزال هذا النموذج في ثنائية التقليدي/الحديث.في المقابل، يثمّن برييه أطروحات عبد الله حمودي حول علاقة الشيخ بالمريد باعتبارها إحدى مفاتيح فهم أنماط السلطة في المغرب الكبير. غير أن المؤلف يرفض أن تُقرأ هذه الأنماط بشكل جوهري أو ثابت، بل يرى أن الفترة الكولونيالية خلقت ديناميات جديدة داخل هذه البنيات، وحوّلت السلطنة أو المشيخة إلى فاعل سياسي ضمن جهاز دولة حديث يجمع بين القانون الإداري الفرنسي والرموز الشرعية الإسلامية.بهذه الطريقة، يتجاوز الكتاب القراءات التي سادت لعقود، ويمنحنا منظورًا تاريخيًا متعدد الطبقات يعيد توزيع مواقع الفاعلين بطريقة أكثر دقة وعمقًا.

الملكية بنية متعددة المراكز

تبرز أهمية الكتاب في تفكيكه لفكرة “الدولة المركزية” التي سيطرت على أدبيات القرن العشرين. إذ يقترح المؤلف أن الملكيات المغاربية ليست دولًا مركزية، بل دول متعددة المراكز، حيث تتوزع السلطة بين القصر، الوزارة، القواد، الأوقاف، القضاء، السلطة الدينية، والإدارة الكولونيالية.هذا النموذج جعل من الدولة بنية مرنة تستطيع استيعاب الأزمات والتحولات من دون أن تفقد توازنها. فعلى سبيل المثال، حين حاولت الإقامة العامة إدخال إصلاحات إدارية واسعة في المغرب، كانت مضطرة إلى المرور عبر شبكة من القواد، والقضاة، والعدول، ورجال الزوايا، وهذا ما جعل التغيير ممكنًا من جهة، وبطيئًا من جهة أخرى.

وبحسب أنطوان برييه، فإن فهم الملكيات المغاربية بوصفها أنظمة متعددة المراكز يفسّر قدرتها الاستثنائية على الصمود في مواجهة الاستعمار من جهة، وعلى استعادة زمام المبادرة بعد الاستقلال من جهة أخرى. فالمخزن لم يكن مجرد جهاز سلطاني، بل كان شبكة واسعة من العلاقات، يصعب تفكيكها خلال بضعة عقود من السيطرة الاستعمارية.

تشكل الدولة واختلاف المسارات قبل الحماية وبعدها

يبرز الكتاب أن الاختلافات بين المغرب وتونس سبقت الحماية نفسها. فالسلالة الحُسينية في تونس كانت قد شرعت في إصلاحات كبرى منذ القرن التاسع عشر، شملت وضع دستور 1861، وتنظيم الوظيفة العمومية، وإصلاح القضاء. أما المغرب، فكان يعيش وضعًا سياسيًا مركبًا حيث تداخلت السلط.هذا التفاوت جعل الإدارة الفرنسية في تونس أكثر قدرة على اختراق الجهاز الإداري، بينما واجهت في المغرب بنية سياسية معقدة لم تستطع أن تفككها أو تعيد تشكيلها بسهولة.

وبناء على هذا الاختلاف، ينتقد أنطوان برييه القراءة الاختزالية التي ترى أن استمرار الملكية في المغرب وزوالها في تونس يعود إلى قوة الأولى وضعف الثانية، إذ يبيّن أن الأمر يتعلق بعلاقات تاريخية أعمق وباختيارات بيروقراطية ودينية وسياسية تراكمت لقرون.

الأرشيف: سلطة الحفظ وذاكرة الدولة

يخصّص الكتاب قسمًا واسعًا لمسألة الأرشيف، ليس فقط بوصفه مادة مصدرية، بل باعتباره تعبيرًا عن طبيعة الدولة نفسها.فالوثائق المغربية مشتتة، متقطعة، وغير منتظمة، وهو ما يعكس تعددية جهاز المخزن. أما في تونس، فإن وجود وزير أول قوي وإدارة مركزية متماسكة منذ القرن التاسع عشر سمحا بخلق أرشيف إداري واضح الخطوط، ويعكس رؤية أكثر “حداثة” للدولة.ويتوقف المؤلف مطولًا عند إشكالية ترجمة الوثائق المخزنية، وكيف أن نقلها إلى اللغة الفرنسية جعل جزءًا من معانيها السلطانية والشرعية يفقد دلالته. ويبرز أيضًا الطابع الأدبي والبلاغي للرسائل السلطانية، وكيف أن هذا الأسلوب “المخزني” أصبح نفسه موضوع صراع سياسي في لحظات الانتقال بين السلطان والإقامة العامة.

النظام القانوني وإدارة الخِدمة

يقدّم الكتاب تحليلاً دقيقًا لمفهوم “الخِدمة” باعتباره محورًا لفهم علاقة الحاكم بالموظفين، ويتتبع تطور هذا المفهوم بين القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، وكيف تحوّل الموظف من خادم للسلطان إلى موظف عمومي تابع للدولة.ومع ذلك، فقد ظلت العلاقة بين الموظف والسلطان أو الباي علاقة شرعية ورمزية قوية. فالمخزن لم يُختزل يومًا في جهاز إداري، بل كان بناءً دينيًا وسياسيًا في آن واحد.ويبرز أنطوان برييه أن الإقامة العامة، خصوصًا في المغرب، لم تستطع إعادة تشكيل هذه العلاقة جذريًا، وأن كل محاولة لتعديل شكل الوظيفة كانت تجد نفسها مضطرة للتكيف مع بنيات الولاء القديمة.وهذا ما جعل مفهوم “الموظف” يحمل دلالات متناقضة: فهو في الآن نفسه وكيل للدولة الحديثة وامتداد للتراتبية السلطانية التقليدية.

فقبل الحماية، كانت الخدمة علاقة أخلاقية–تراتبية تُقاس بالولاء والقرب من السلطان أو الباي. ومع الاستعمار تحولت إلى “وضعية إدارية” محكومة بالسلاليم، الامتحانات، التأديب، والتقييم. ومع ذلك، ظلّت آثار المفهوم التقليدي قائمة، فظهر موظفون يعيشون ولاء مزدوجًا: ولاءً طقوسيًا للملك، وولاءً وظيفيًا للإدارة.

ويتوقف أنطوان برييه عند البيروقراطية بوصفها مجالًا للمقاومة. فالعديد من الموظفين مارسوا ما يسميه “الاحتجاج الصامت” عبر التأخير، أو استعمال الرموز الطقوسية، أو توظيف الشرعية السلطانية لعرقلة بعض الأوامر؛ ومع نهاية الأربعينيات، أصبح هؤلاء جزءًا من الحركة الوطنية في البلدين.

كما يحلل الكتاب التحولات القضائية: تضييق اختصاص القضاء الشرعي، توسع المحاكم الفرنسية، وبروز طبقة قانونية جديدة من القضاة والكتّاب والمترجمين ممن ساهموا في تشييد البنية القانونية الاستعمارية.

الدولة الكولونيالية بين طموح الهيمنة وحدود القدرة

سعت الإدارة الفرنسية إلى فرض نموذجها القانوني والبيروقراطي، إلا أن الواقع، يورد أنطوان برييه، كان أكثر تعقيدًا، فالنظامان المغربي والتونسي استطاعا امتصاص جزء من الإصلاحات ورفض جزء آخر.وفي المغرب، كان نظام ليوطي قائمًا على فكرة “الإدارة غير المباشرة”، أي الاعتماد على المخزن وتكثيف علاقته بالقوى التقليدية لضمان الاستقرار، لكن هذا المخزن نفسه كان يعيد إنتاج مكانته من داخل النظام الكولونيالي.أما في تونس، فقد أدى تداخل القانون الفرنسي مع التقاليد الحُسينية إلى نشوء بنية هجينة سرعت من نهاية الملكية، لكنها أيضًا منحت الدولة أُسسًا إدارية قوية مكنت من إعادة بناء الجمهورية لاحقًا.

الاستقلال وإرث الحماية

يرفض الكتاب سردية “القطيعة الكبرى”مع تحقيق الاستقلال، ويؤكد أن إرث الحماية بقي حاضرًا في كل من المغرب وتونس، سواء على مستوى لغة الإدارة أو على مستوى بنى السلطة والخطاب القانوي وتمثلات السيادة.ويبرز المؤلف أن المغرب، رغم استقلاله، حافظ على كثير من رموز النظام الكولونيالي في شكله الإداري والبيروقراطي، لكنّه أعاد توجيهها لخدمة الملكية. أما تونس، فقد قامت بعملية دمج سريعة بين الجهاز الجمهوري الناشئ والإرث البيروقراطي الحسيني – الفرنسي، مما جعل الدولة الحديثة تميل إلى المركزية الشديدة مع بورقيبة ثم بن علي.

خلاصة

يغادر القارئ كتاب أنطوان برييه وهو يحمل تصورًا جديدًا للدولة المغاربية، بعيدًا عن ثنائية التقليد والحداثة، وعن الاختزالات الكولونيالية والوطنية.فالملكية المغربية والملكية التونسية لم تكونا مجرد أدوات في يد الاستعمار، بل كانتا شريكتين في عملية إعادة تشكيل الدولة.ومن جهة أخرى يظهر أن فهم الملكيات المغاربية يستلزم تجاوز الثنائية المبسّطة بين الاستعمار والمقاومة، والنظر بدل ذلك إلى الحماية كحيز هجين أعاد عبره الاستعمار صياغة السيادة، دون أن يلغيها. والسيادة في المغرب وتونس لم تكن كيانًا ثابتًا بل عملية تفاوضية مستمرة بين الرمزي والبيروقراطي، بين الشريعة والقانون، وبين الشرعية التقليدية والخطاب الاستعماري.ويقدّم الكتاب تفسيرًا متماسكًا لاختلاف المسارين بعد الاستقلال: استمرار الملكية المغربية نتيجة قوتها الرمزية داخل جهاز الحماية، وانهيار البايلك التونسي بسبب تجذّر البيروقراطية القانونية وتنامي خطاب الشرعية الدستورية.

غير أن المقاربة التي اعتمدها هذا العمل تفتح المجال لجملة من الملاحظات، فالبعد البيروقراطي الذي ركّز عليه المؤلف يحتاج إلى ربط أوثق بالاقتصاد السياسي، لأن التحولات الإدارية التي يصفها ارتبطت في عمقها بديناميات اجتماعية واقتصادية أوسع، من مسارات تشكّل السوق إلى إعادة توزيع السلطة داخل المجالات الريفية والحضرية. كما أنّ التركيز على النخب الإدارية، وإن كان مبررًا بحكم طبيعة المادة الأرشيفية، جاء على حساب تحليل أدوار الفاعلين الاجتماعيين المحليين الذين شكّلوا بدورهم جزءًا من آليات اشتغال الدولة خلال الحماية. ويُضاف إلى ذلك أنّ المقارنة مع الجزائر –رغم حضورها كشاهد خلفي– ظلت محدودة، بينما كان توسيعها منهجيًا سيعزز فهم خصوصية النموذج المغربي والتونسي. ومن زاوية أخرى، يبقى غياب المصادر الشفوية نقطة ضعف واضحة، خصوصًا في دراسة بنى السلطة التي استمرت إلى منتصف القرن العشرين، حيث ظلت الممارسات المخزنية اليومية تتجاوز ما يلتقطه الأرشيف المكتوب. وأخيرًا، وعلى الرغم من أن المؤلف يصرّ على مفهوم “تعدد المراكز”، فإن تحليل السلطة لديه يميل أحيانًا إلى إعادة إنتاج مركزية الدولة نفسها، سواء في تمثّلها للشرعية أو في قراءتها للفاعلين. لهذه الأسباب مجتمعة، تبدو الحاجة قائمة إلى مقاربات موازية تُدرج الاقتصاد، والمجتمع، والذاكرة الشفوية، والمقارنة المغاربية الواسعة ضمن مشروع كتابة جديدة لتاريخ الدولة في شمال إفريقيا.

وعموما، تساهم أطروحة أنطوان برييه في ثلاث حقول أساسية: دراسات الإمبراطوريات المقارنة، الأنثروبولوجيا القانونية، وتاريخ الدولة في شمال إفريقيا. وهو بذلك يعدّ أحد أهم الأعمال التي تناولت مسألة السيادة والملكية في المغرب الكبير خلال السنوات الأخيرة. ورغم كثافة مادته وتعدد مستوياته، فإنه يقدم تفسيرًا جديدًا لعلاقة الملكية بالاستعمار، ويعيد إدماج المصادر العربية في كتابة تاريخ الدولة المغاربية. وبذلك يمثّل مرجعًا لا غنى عنه لكل الباحثين في تاريخ الدولة والسلطة في الحوض المتوسطي. فأطروحة الدولة متعددة المراكز التي يطرحها المؤلف تفتح أفقًا جديدًا للبحث في كيفية تشكل السيادة، وكيفية تفاعل المؤسسات التقليدية مع البنى الحديثة، وكيف يمكن للأنظمة السياسية أن تستعيد قوتها بعد المرور بتجارب استعمارية قاسية. 

- إبراهيم أيت إزي

باحث في التاريخ / مراكش

شاهد أيضاً

تمثيلات تاريخ الأندلس في الرواية العربية والإسبانية

  سعيد الفلاق، تخييل الأندلس: سرد التاريخ بين الواقع والإيديولوجيا في الرواية العربية والإسبانية، منشورات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.