الرواية والعلوم الاجتماعية والإنسانية: نموذج روايات أحمد الكبيري

تعالج هذه الورقة موضوع العلاقة بين الرواية والعلوم الاجتماعية والإنسانية في شقين. يتابع الشق الأول التطور الذي عرفته المقاربات النظرية لهذا الموضوع، ويخصص الشق الثاني لتحليل ثلاث روايات كتمرين تجريبي لهذه الأطروحات النظرية.

تطور المقاربات النظرية للعلاقة بين العلوم الإنسانية والاجتماعية والتخييل

منذ القرن التاسع عشر، فترة تبلور العلوم الإنسانية والاجتماعية وترسخ الرواية كشكل حديث متميز من التخييل، ظهرت اتجاهات تدعو إلى الفصل بين هذه المجالات باعتبارها مجالات مستقلة، وتُميّزها عن بعضها البعض من حيث قدراتها على الوصول إلى المعرفة أو النفوذ إلى العمق الإنساني، وبين تلك التي دافعت عن البحث عن وسائل التقارب والتداخل بينها، باعتبارها جميعها مداخل متكافئة في السعي إلى الفهم والمعرفة، لا تختلف إلا في أشكال وأدوات التعبير[1].

اتخذت هذه النقاشات مسارات متنوعة عاشتها في فترات مختلفة حسب اختلاف السياقات الفكرية والسياسية للبلدان التي عرفتها. لكن مآلاتها كانت هي الانفصال التدريجي على مستوى المؤسسات الجامعية للعلوم الاجتماعية عن العلوم الإنسانية، ثم بروز علوم الاجتماعوالاقتصاد والسياسة والانتروبولوجيا وعلم النفس (وغيرها) كتخصصات مستقلة في حقل العلوم الاجتماعية، مع احتفاظ التاريخ والفلسفة كتخصصين مركزيين في حقل العلوم الإنسانية. وبقيت الآداب والفنون، مجالات التخييل بامتياز، كتابات متميزة سواء أُنتجت في إطار المؤسسات الجامعية أو خارجها.

وباستثناء التخييل، فإن النقطة المشتركة بين العلوم ظلت هي إنتاج معرفة موثوقة، ولكنها اختلفت في محتوى التوثيق وطبيعته ومصادره من تخصص إلى آخر. كان الوثوق في مجال الفلسفة يرتكز على ما تراكم من المعرفة التي عالجت الإشكالات ذات الطبيعة الفلسفيةوالتفاعل معها. وكان هدف التاريخ، بداية، هو “إنتاج معرفة موثوقة عن الماضي”[2]. وبرر مؤسسو علم الاجتماع، العلم الرائد بجانب علم الاقتصاد لبقية العلوم الاجتماعية، سعيهم منذ القرن التاسع عشر للاستقلال عن العلوم الإنسانية، بأن المعرفة العلمية للعالم الحقيقي تستند على غرار العلوم البحتة، إلى المعرفة الإمبريقية التجريبية وإلى المعطيات الملموسة الموضوعية التي ترتكز على الحياد بدل أحكام القيمة.

ومنذ تأسيس هذه المعارف، كانت هناك اتجاهات تدعو لتكريس استقلالية التخصصات الجديدة، وأخرى بالمقابل، تبحث عما يجمع بينها من تراث معرفي مشترك، ومن نقط الالتقاء في الإشكالات الكبرى المتعلقة بفهم الطبيعة المترابطة للإنسان في سلوكاته وأفكاره واستمراريته وتقلباته، كفرد وكمكون لمجموعات بشرية متميزة ومتداخلة في نفس الآن.

كانت مسألة تحديد المعرفة المصنفة كعلم وشروطها نقطة اختلاف رئيسية في هذه النقاشات، بين مسار ركز على شرط المعطيات الامبريقية، وإخضاعها للحساب (mathematization) واعتبار أن كل ما لا يمكن حسابه لا يصل إلى مستوى العلم، ومسار ثان ميّز بين المعطيات القابلة للحساب، وتلك التي لا يمكن حسابها نظرا لأنها لا تحمل معنى مكتملا ومستقلا بل تظل موضوعا للتأويل[3].

هم الاتجاه الإمبريقي جل التخصصات بما فيها التاريخ، بالرغم من أن الإمبريقية كانت أكثر تأثيرا في حقول العلوم الاجتماعية، وطمح المدافعون عن هذا الاتجاه إلى أن يصلوا بعلومهم إلى مستوى العلوم البحتة من حيث دقة معطياتها، ومتانة نظرياتها، وقدرتها ليس فقط على فهم الواقع الحاضر، بل على التنبؤ بالمستقبل. واعتبر هؤلاء أن ما تراكم من إنتاجات سابقة حول تخصصاتهم ليست إلا معرفة ما قبل-علمية، يمكن الإحالة إليها على سبيل الاستئناس، ولكن لا يمكن الوثوق بها إلا بعد إخضاعها للشروط الامبريقية. وتشكل المدرسة السلوكية في علم السياسية مثلا، نموذجا بارزا لهذا الاتجاه.

لا تترك الإمبريقية مجالا للتقارب بينها وبين التخييل، بل هي تشكل قطيعة معه، باعتباره حكيا ينبني على عالم متخيَّل، وبالتالي فهو متعارض منطقيا مع الحقيقة التي هي مجال العلم[4].

بدأت انتقادات علم الاجتماع والتشكيك في مؤهلاته كمصدر للمعرفة مند بداياته. وكان أبرز منتقديه من الأدباء.  إذ في الفترة التي كان فيها علم الاجتماع يسعى لترسيخ موقعه كتخصص أكاديمي معترف به، اعتبَرت الرواية الواقعية في فرنسا خاصة، أنها تعبر عن تمثيل موضوعي علمي للمجتمع، وعرّف أونوري دوبالزاك نفسه كدكتور في العلوم الاجتماعية، وقدم كل من غوستاف فلوببير وإيميل زولا نفسيهما كملاحظَين موضوعيين للواقع الاجتماعي، بل إن زولا صنّف رواياته سوسيولوجيا تطبيقية (sociologiepratique)[5].

إذا كان هؤلاء الأدباء الطلائعيون قد سعوا إلى أن يستصغروا السوسيولوجيا كعلم جديد، وأن يبرزوا تفوقهم عليها، فقد برز توجه في العلوم الاجتماعية والإنسانية عمل على توظيف الآداب كمادة لتأثيث أطروحاته وإبراز وشرح نظرياته. ولم يُعتبر التخييل من هذا المنطلق مصدرا مستقلا للمعرفة، بل مادة مكملة للمعرفة الصلبة التي لا تنتجها إلا العلوم. تُمثل سوسيولوجيا الأدب هذه المقاربة سواء في الدراسات السوسيولوجية التي تزعمتها مدرسة شيكاغو الأمريكية منذ عشرينيات القرن العشرين أو من خلال الدراسات السوسيولوجية في صيغتها الماركسية.

اعتبرت كتابات شيكاغو الرواية مصدرا للمعرفة عن المجتمع رغم أن هذه المعرفة غير منهجية وتحتاج لإعادة قراءةعن طريقمناهج ونظريات علم الاجتماع حتى تصبح أدوات مفيدة وموثوقة للتحليل السوسيولوجي[6].وقرأ الباحثون في السوسيولوجيا الحضرية في شيكاغو منذ 1925 الروايات كمصادر للنفوذ إلى الجوانب الحميمية لحياة المدن وشرائحها الهامشية التي كانت مستعصية على مناهج البحث السوسيولوجي. وفي نفس الوقت فقد قدم عدد  من الأعمال الروائية في تلك الفترة قضايا عنف الشباب والعهارة ووضعية السود والمهاجرين التي اهتم بها السوسيولوجيون بدون أن يقدروا على معاينتها وتوثيقها[7].

لم يقتصر هذا التقارب على توظيف الأدب كمادة سوسيولوجية، بل كان يستجيب لاعتراف بعض الباحثين في العلوم الاجتماعية بقصور مناهجهم في الإمساك بتعقيدات العالم. فقد أكدشارل ميلز على ضرورة استعانة السوسيولوجيين ببصيرتهم وبحدسهم، إلى جانب معايير وتقنيات البحث، وذلك عن طريق تطوير ما سماه بالخيال السوسيولوجي، وذلك في كتاب أصدره بهذا العنوان سنة 1959.واعتبر روبيرد ريدفيلد سنة 1948، أن مناهج البحث العلمية غير كافية لاختراق الطبيعة المعقدة للعلاقات الإنسانية التي تشكل الموضوع الفعلي للعلوم الاجتماعية، التي يجب أن تسعى لتكون علما وفنا في نفس الوقت[8].

وحللت سوسيولوجيا الأدب الماركسية النصوص الأدبية عن طريق ربطها بالقوى الاجتماعية التي تنتجها، وبالمعاني الاجتماعية التي تحملها، وبالتأثير السياسي الذي يخلفه تداولها وتلقيها[9]،لدرجة تصبح فيها هذه النصوص الأدبية وكتابها جزءا لا يمكن تجزيئه عن الواقع الاجتماعي والسياسي. اعتبر جورج لوكاش، أحد رواد هذا التوجه، أن الفنون، بما فيها الروايات، يجب أن تُقرأ كتعبير عن الواقع، وأن شخوصها ومؤلفيها يعبرون عن الطبقات الاجتماعية التي ينتمون إليها أو يتكلمون باسمها[10].وأصرّ غيره من الماركسيين أن النصوص الأدبية، شأنها في ذلك شأن النصوص العلمية، لا يُنتظر منها أن تقتصر على وصف الواقع، بل هي مطالبةبأن تلعب دورا فعالا في نقده وتغييره.

في سياق هذا التوجه نفسه الذي قارب بين التخييل من جهة، وبين العلوم الاجتماعية والإنسانية من جهة ثانية، عرفت الدراسات المنتمية لهذه الأخيرة إنتاجات على غرار علم الاقتصاد السياسي، والسيوسيولوجيا التاريخية، وعلم النفس السياسي، سعت إلى مقاربة إشكالات فكرية بمقاربات متعددة المرجعيات الفكرية. وتشهد العلوم الاجتماعية والإنسانية اليوم قوائم طويلة بتخصصات متعددة ومتداخلة تظهر في عناوين المواد المدرسة في الجامعات، وأسماء المجلات والجمعيات الأكاديمية عبر العالم، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، وبالتالي لم يعد الاحترام الصارم للحدود الفاصلة بين العلوم شرطا ضروريا للاعتراف الأكاديمي بمشروعية تخصص ما، بل تحول إلى خيار بين خيارات بالغة التنوع، مفتوحة في وجه الباحثين في سعيهم لإنتاج معارف جديدة، وابتكار مقاربات متميزة.  ولذلك، فإن اعتبار التاريخ مثلا مكونا مرتبطا بباقي العلوم الإنسانية والاجتماعية هو خيار مشروع، وهو الذي تتبناه هذه الورقة. على مستوى المغرب، ساهم في هذا الترابط انفتاح المؤرخين على التاريخ الراهن، متجاوزين بذلك المقاربة التي كانت سائدة من قبل والتي كانت تحصر مواضيعه في حدود الماضي، بالرغم من الصعوبة التي ظلت تواجه مسألة التحديد الزمني الفاصل بين ما كان يعتبر “ماضيا” ينحصر في نطاق علم التاريخ، و”حاضرا” يُفترض أن تتبناه العلوم الاجتماعية. وفتح هذا الانفتاح الجديد المجال لإمكانيات الترابط بشكل أكثر قوة من السابق بين التاريخ وباقي العلوم الاجتماعية.

على المستوى العالمي، شهدت المعارف بمختلف أنواعها بما فيها معارف التخييل، تحولات ساهمت في تخطي الحدود الفاصلة بينها، عُرفت بالمنعطفات turns.

 

“المنعطفات” في العلوم الإنسانية والاجتماعية

لعب منعطف ما بعد الحداثة دورا مركزيا في فتح التقارب بين العلوم الاجتماعية والإنسانية، بل والآداب والفنون أيضا.أعادت ما بعد الحداثة النظر في أسس الوضعية(positivism)التي تأسست عليها العلوم الاجتماعية منذ القرن التاسع عشر، والتي تؤمن بإمكانية الوصول إلى الحقيقة المستمدة من المناهج العلمية عن طريق العقل والمنطق والتجربة الحسية، بينما تخلو طرق المعرفة الأخرى مثل الحدس والتأمل الذاتي والإيمان الديني تخلو من أي معنى علمي.ويُعد منعطف ما بعد الحداثة كتحول نوعي من إيمان الأنوار بالحتمية (رغم نسبيتها بالنسبة للبعض) والتي سعت العلومُ الطبيعية البحتة والعلومُ الاجتماعية لبلوغها، إلى التشكيك في إمكانية تحقق هذه الحتمية[11].

أفرزت ما بعد الحداثة بروز منعطفات فكرية عديدة، أحدها المنعطف التأويلي (the interpretiveturn) والذي لا يقتصر على ملاحظة السلوك الإنساني، بل يروم تأويل معاني الأفكار التي يحملها هذا السلوك، والدوافع التي تكمن خلفه[12].

ثم ظهر المنعطف السردي(the narrative turn)الذي شدد على الدور التأسيسي للحكي في البناء الاجتماعي للحقيقة[13]وفي تشييد تجاربنا في العالم. ولا يمثل الحكي مرايا مخلصة للواقع، بقدر ما هو أداة يتم من خلالها تمثل الحقيقة وعقلنتها،إذ عن طريق الحكي يجعل الحاكي تجاربه الشخصية مقبولة ومقنعة لنفسه وللآخرين، ويصبغ عليها معنى اجتماعيا[14].ومن هذا المنظور، فهناك من اعتبر أن كل أشكال الكتابات في كل العلوم الاجتماعية والإنسانية لا تختلف نوعيا نظرا لأنها كلها حكي أو سرد أو شكل من الكتابة البلاغية[15]،ورأت أن التحاليل السوسيولوجية هي بالتالي نوع من التخييل، وأن التخييل نوع من النظرية الاجتماعية[16].

فمثلا، إن النص السوسيولوجي المستخلص من الاستماع للأفراد عن طريق الاستجوابات والمعاينة لا يضمن التوصل إلى التمثيل الحقيقي للأفراد موضوع الدراسة “العلمية” أو الاكتشاف الشافي لقيمهم وتجاربهم عندما تغفل السوسيولوجيا الجانب المصطنع لهذا السرد، وهو بالتالي ليس إلا صيغة واحدة ضمن إمكانيات متعددة كثيرة للحكي. هذا بالإضافة إلى أن الفاعل الاجتماعي، يمكنه أن يوظف مهاراته السردية لتقديم قراءة مختارة ومنقحة عن تجربته الخاصة.  ويصبح التمييز بين الروايات الخيالية وغير الخيالية أقل إقناعا إذا أخذ المرء في الاعتبار ما يسمى ب “التجانس السردي”، أي أن الفاعل الاجتماعي يميل إلى إعادة إنتاج تجربته وفقا لمتطلبات القصة الجيدة، على حساب صدقها[17].

ووفقا لهايدن وايت، فإن التمييز التقليدي بين التاريخ (الذي ينظر إليه على أنه سرد مستند على مراجع) والخيال الأدبي (باعتباره خاليا من الحقيقة موثقة) غير ضروري لأن كلاهما منظم على أنه روايات.واعتبر أن الكتابة التاريخية، على غرار الرواية، لا تسعى إلا إلى إضفاء تجانس على الأحداث لا يختلف عن التجانس الذي تقوم به حبكات الرواية المتمثلة في الحبكة الرومانسية والتراجيدية والهجائية والكوميدية.

ولذلك، فإن الخيال والعلوم الاجتماعية التي ظلت تعتبر مجالات متضاربة لا يمكن التوفيق بينها، أصبحت من منظور ما بعد الحداثة أشكالا متشابهة لتمثُّل الواقع، تهتم كلها بالعالم الاجتماعي والكيفية التي يشتغل بها[18].

إلى جانب هذه المنعطفات، نجد المنعطف اللغوي(the linguistic turn) حيث أصبحت مدارس في العلوم الاجتماعية تعتبر اللغة موضوعاولها حياتها الخاصة، وتعترف بدورها في تأطير الطريقة التي ننظر بها إلى العالم ونؤوله[19].ودعا هذا المنعطف إلى توسيع الاهتمام بالمعاني اللغوية عوض الاقتصار على الوقائع والاشياء والأفكار[20].

يعبر منعطف المشاعر (The emotional turn)على التحول الذي شهدته دراسات في العلوم الاجتماعية والإنسانية التي عملت على التقسيم الثنائي بين العاطفة والعقل الذي تبنته فلسفة الأنوار، ودفع هذا المنعطف إلى تجاوز المقاربات التي اعتبرت مجالي المشاعر والتفكير متعارضين، بل ركز على التداخل بينهما باعتبار أن التفكير والشعور (feeling-thinking)مترابطان، حيث إن الإنسان يشعر ويفكر في نفس الوقت[21]. وبالتالي فإن فهم السلوك الإنساني يتطلب الاعتراف بهذا التداخل، عوض الفصل بينهما.  وبذلك، يسمح منعطف المشاعر بتجاوز المقاربات التي ظلت تفصل بين التخييل باعتباره حقل المشاعروالعلوم كحقل للتفكير وبالتقريب بينهما، بل من جعلهما معا مداخل مشروعة لمقاربة السلوك الإنساني المركب[22].

ساهمت النقلات ما بعد الحداثية في تراجع سوسيولوجيا الأدب، واعتبار مراجعها المؤسّسة على غرار نصوص لوسيان غولدمان وريموند ويليامز، ومرجعيات مدرسة شيكاغو متجاوزة.  وقد برزت مكانها مقاربات في ظل المؤسسات الأكاديمية والتي تمت بلورتها بتأثير من ما بعد الحداثة، وهي مقاربات متداخلة التخصصات، مثل الدراسات الثقافية، والدراسات ما بعد الكولونيالية، والتقت في كونها قد خلّصت الأدب من إخضاعه للعلوم الاجتماعية والإنسانية وقراءته على ضوئها، وإلى الإقرار بالمساواة بينه وبين هذه التخصصات. لم تجعل هذه الدراسات من الأدب مادة أقل قيمة من التفكير العلمي ومتعارضة معه، بل اعتبرت أن كلا من العلوم باختلاف روافدها والآداب والفنون هي كلها مداخل مشروعة للتفكير ولمقاربة الوجود الإنساني. إن عالِم الاجتماع والروائي يلتقيان في أن موضوعهما هو الناس ودوافعهم ورغباتهم وأحكامهم الأخلاقية. لكن في حين أن الروائي أكثر حرية في تمثله للواقع البشري، يكون عالِم الاجتماع مقيدا بضرورة امتحان أفكاره من خلال الإحالة إلى مراجعه الامبريقية.  وبالمقابل، فإن الروايات تقدم عوالم خيالية، ولغتها تخلو من المراجع، ومحتواها خاطئ بشكل معلن، ومع ذلك فإن الخيال قادر على وصف وتصور عدد من الجوانب المتعلقة بالتجارب المشتركة بين الناس. وهذا سبب كاف، يقول لانغو، لاعتبار الخيال، بقدر ما هو خيالي، هو في نفس الوقت مصدر للمعرفة[23].إن بالإمكان الاقتصار على قراءة الرواية كنص يسعى بالأساس لمنح المتعة، إلا أن التوقف في هذا المستوى يغفل من جهة القيمة المعرفية للنص الأدبي، ومن جهة أخرى فإنه يحصر مصدر المعرفة في العلوم دون سواها.

يقول سبارشوت، إن النصوص الخيالية تتأسس عن طريق الإحالة بشكل ضمني على ما هو معروف عن العالم الحقيقي.  والمعنى الذي يقدمه التخييل يتم عن طريق إدماج المعلومات الضمنية التي يحتويها إلى مخزون المعرفة المشتركة بين الناس. وبذلك، فإن العالم التخييلي لا يكون مكتفيا ذاتيا تماما، بل يحتاج إلى تدخل نشط من طرف القارئ الذي يلجأ إلى كفاءاته الاجتماعية والمعرفية من أجل جعل السرد قابلا للتفسير[24].

عوض المقاربة التي تنبني على تعارض مفترض بين موضوعية العلوم الاجتماعية وإبداع الأدب، يقترح ماكهول اعتبار الخيال الروائي كشكل لفهم جوانب من العالم الاجتماعي المحمل بفهم نظري كامن للمجتمع والظواهر الاجتماعية، ويصر بالتالي على تقاربه مع العلوم الاجتماعية حيث إن التخييل في حد ذاته يعتبر معرفة، وأن الفرق بين هذه المعارف لا يكمن في محتويات نصوصها، بل في تقنيات التعابير التي تتبناها[25].

 

تطبيقات النقاش حول العلوم الاجتماعية والإنسانية والأدب على حالة وزان

نسعى في هذا القسم من الورقة إلى تجريب التداخل بين التخييل والعلوم الاجتماعية والإنسانية على روايات أحمد الكبيري. وقد جاء هذا الاختيار عن طريق الصدفة بسبب اهتمامي الشخصي بالنصوص التي كتبت عن مدينة وزان، واكتشافي وجود كاتب وحيد اتخذت رواياته وزان كفضاء لأحداثها[26]، مقارنة بتوفر عدد من النصوص، رغم أنها محدودة، كتبت عن المدينة في حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية. فاخترتها نموذجا لقراءتها على ضوء النقاشات النظرية حول العلاقة بين التاريخ والتخييل.

سأقدم هذه الروايات والقضايا التي تثيرها ليس كمرايا تعكس حقيقة اجتماعية وتاريخية للمدينة، بل باعتبارها تحمل تمثلا نظريا كامنا لمجتمعها يعبر عن التداخل بين التخييل والعلوم الاجتماعية والإنسانية.

نشر أحمد الكبيري ثلاث روايات اتخذت وزان مسرحا لجل أحداثها، وهذه الروايات هي:”مصابيح مطفأة” (2004)[27]، “مقابر مشتعلة” (2007)[28] و”أرصفة دافئة” (2013)[29]، بالإضافة إلى رواية رابعة بعنوان “كلاي” (2019 لا يشير بشكل صريح أن وزان هي مسرح أحداثها، وفضلت بالتالي ألا أضمنها في هذه الورقة.

الروايات الثلاثة كما سنكتشف بعد الانتهاء من قراءتها، هي رواية واحدة في ثلاثة أقسام، بالرغم من أن الكاتب لا يذكر ذلك، وبالتالي يمكن قراءة كل نص كرواية مستقلة، تنتهي عند نهايتها. ثم تستأنف في الرواية التالية التي تنشر بعد سنوات، ولا ترتبط رواية بأخرى إلا بالنسبة للقارئ التي قرأ سابقاتها.

في “مصابيح مطفأة”، نتابع عودة المحجوب إلى بلاده المغرب بعد أن قضى خمس عشرة سنة في فرنسا، تزوج خلالها بفرنسية اسمها إيزابيل وخلفا طفلا، ثم افترقا، فجأة. قرر بعدها أن يعود إلى مدينته وزان، ليقيم مع أمه وأخته، ويسترجع علاقاته السابقة مع أصدقاء يعيش معظمهم في فقر مدقع، لا يتوقفون عن الإدمان على الحشيش، وبعضهم ينتهي بهم الأمر إلى الموت. يلتقي المحجوب بسعاد، وهي صديقة قديمة، ارتقت اجتماعيا وأصبحت تملك دارا ومقهى في مدينة الشاون شمال وزان، بعد أن كانت قد تزوجت برجل يتاجر في المخدرات ومات في حادثة سير مشبوهة فعادت للمغرب. دعت سعاد المحجوب إلى زيارة صديقة لها مطلقة تعيش في تطوان، حيث قضيا الليلة في بيتها، ثم غادرا تطوان عائدين إلى وزان في اليوم الموالي.

صدرت رواية “مقابر مشتعلة” سنة 2007، ثلاث سنوات بعد “مصابيح مطفأة”. من جهة يمكن قراءة “مقابر مشتعلة” كرواية مستقلة، لكن قارئ مصابيح مطفأة سيتعرف على أسماء شخوص وأماكن الرواية في الرواية الثانية. يحكي المحجوب أنه التقى سنة 1986 عندما كان طالبا بإيزابيل، التي سبق أن ذكرها في الرواية الأولى، وهي يهودية فرنسية من أصل مغربي جاءت إلى وزان لزيارة ضريح عمران بن ديوان، وهو ولي يهودي مبجل لدى يهود المغرب مدفون في قرية أسجن قرب وزان، وأنه التحق بها في فرنسا، وتزوجها، وخلف منها ولدا. لكن بعد زواج استمر خمس عشرة سنة، اكتشفت خيانته لها مع مغربية متزوجة، فطردته من البيت ليعود إلى وزان، ويعيش عاطلا مع أمه وأخته إلى أن تموت أمه، فيصبح مشردا، يقضي أوقاته تحت تأثير السكر والمخدرات إلى أن يتعرض صديقه ذات ليلة في المقبرة لحادثة احتراق وهما في غاية السكر.

صدرت “أرصفة دافئة” سنة 2013، ست سنوات بعد “مقابر مشتعلة”. وكما كان الأمر بالنسبة للروايتين الأوليين، فيمكن قراءتها بشكل مستقل عنهما، بالرغم من أن مواضيعها وشخوصها امتداد لسابقتيها.  تبدأ الرواية بالمحجوب وهو يحكي لامرأة اسمها سلمى عن ماضيه المليء بالموبقات “سرقت، ضربت وجرحت، زنيت، خنت، لكني لم أقتل”. يقضي المحجوب فترة من حياته كمتشرد في وزان، إلى أن يأتي أخوه وينقده من تشرده ويدعوه للسكن معه في سلا، ويحصل على عمل كأستاذ للغة الإنجليزية في ثانوية خاصة. يلتقي وهو في رحلة مع أسرة أخيه في آكادير بسلمى، الفتاة التي أحبها عندما كان طالبا في فاس، ولكنها ستتركه لتتزوج برجل أعمال. عندما التقى سلمى هذه المرة، كانت مطلقة، وسيقضيان مدة يسترجعان خلالها علاقتهما السابقة، ويمارسان الجنس بشراهة، إلى أن تنتهي علاقتهما مرة ثانية، بعد أن يصادف محجوب أختا لصديق له، وتشك سلمى في علاقة المحجوب بهذه الفتاة، فتضع حدا نهائيا لعلاقتهما.

الروايات الثلاثة مليئة بالحكايات المتداخلة، على غرار ألف وليلة، وبوصف ممارسات الجنس والاغتصاب والعلاقات المثلية، جلها لشخصيات تنتمي إلى شرائح فقيرة، تعرف حيوات معظمهم نهايات تراجيدية. يواجه المحجوب، بطل الروايات الثلاث سلسلة متواصلة من الخيبات والفشل. وحتى عندما يتمكن من الخروج من حالة الفقر والعوز، تنتهي علاقاته العاطفية بالانفصال المفاجئ.  يحتل الجنس مكانة بارزة في النصوص الثلاثة، تمارسه شخوص الروايات في تحد لما تدعو له الأخلاق والقيم المجتمعية المعلنة. وفي ظل أجواء المآسي التي تسود عوالم الروايات، تبدي شخوصها قدرة فائقة على التحمل والصبر، ولا تظهر أي استعداد لتغيير أوضاعها، وتكتفي بالتمرد على القيم السائدة في فضاءاتها الحميمية.

يقول الكبيري بأنه يحكي عن العالم الذي عرفه من الداخل، وأن ما يرويه هو عن شخوص وأحداث إما عاينها أو سمع عنها. إنه يحكي عن الواقع، ولكنه يغير أسماء الأشخاص، وهو لا يحتفظ بنفس ترتيب الأحداث، بل يحورها ليمنحها الانسجام الروائي، وليضيف عليها طابع التشويق والمتعة التي يرغب في أن يقدمها لقرائه[30].

تضفي جغرافيا الأحداث على الرواية طابع الرجحان (Verisimilitude)، ترجح الأمكنة الواقعية الخيال ليبدو كواقع محتمل، أو كالواقع نفسه.  إن جغرافية وزان، باعتبارها مسرح جل أحداث الروايات الثلاثة، أو فضاءات مدن أخرى كالشاون والرباط والدار البيضاء وأكادير، موثقة بشكل مفصل ودقيق، وتحمل أسماء يمكن ضبطها عن طريق الخرائط أو المعاينة المباشرة.

تنفذ روايات الكبيري إلى عالم الشرائح الاجتماعية المهمشة وإلى سلوكياتهم التي تتم في عالم تغلب عليه السرية والحميمية، وحيث أخلاق الناس وعلاقاتهم متناقضة كل التناقض مع التصورات عن القيم السائدة في المجتمع. وتعري الروايات عن هذا الواقع البذيئ الذي يختفي وراء أقنعة الأخلاق.تحكي روايات الكبيري عن عالم المجون، حيث تغيب القوانين والمؤسسات الرسمية، وحيث الناس يخلقون قوانينهم المستقلة عن قوانين الدولة، وأخلاقهم المستقلة عن أخلاق المجتمع، وسياستهم المستقلة عن سياسة الدولة.

تعيش جل شخصيات الروايات وضعية تراجيدية يطبعها الفشل والعجز والتصرفات غير العقلانية التي تحول دون قدرتهم على تغيير أوضاعهم. فقد غادر المحجوب وزان متجها نحو فرنسا، وتزوج وخلف ولدا، وقد حقق بذلك ارتقاء اجتماعا مبهرا. لكنه سيفترق عن زوجته وابنه بسبب خيانة غير مفهومة ارتكبها، يعود بعدها إلى وزان ليلتحق مرة ثانية بالمشردين المعدمين، معارفه السابقين. حدث هذا الارتقاء بفضل اجتهاده وحسن حظه ونباهته، بينما كان سقوطُه بسبب نزواته التي انساق وراءها بدون تفكير. ستلقى العلاقة التي ربطها مع سعاد في المغرب نفس المصير، هذه المرة بسبب سوء فهم. لكن سوء الفهم هذا سيقنعه بأن ما ربط بينهما في الأصل لم تكن إلا علاقة مبنية على حسابات مؤقتة عاجزة أن تخرجه من وحدته وضياعه.

هذا الجمود الذي يعيشه المحجوب، يعكس الحالة السائدة في عالم المدينة التي لا تتبدل، والتي يتحمل سكانها بؤسهم بدون مقاومة، ولا نزعة إلى التحدي والتغيير. إنهم يتحملون القمع السادي لرجال الأمن، وانعدام الخدمات الطبية التي تقود إلى الموت أو العاهات الدائمة، بالخنوع والصبر.  بالمقابل، فإنهم يوجهون طاقات تمردهم إلى ذواتهم وبعضهم البعض، عن طريق السكر والتخدير والضرب والقتل والاغتصاب.

تشكل الممارسات الجنسية الذي يرويها المحجوب بلغة جريئة عن حكايات عالم البؤس، تكشف عن حيوات منحلة وممارسات مختلة خالية من مشاعر الود أو الرغبة المشتركة بين شركاء، بل تطلق العنان لغرائز أقرب للسلوكات الحيوانية، يحكيها عن طريق الوصف المباشر والدقيق أحيانا بكلمات دارجة لا تٌتداول إلا في الفضاءات الخاصة المغلقة، أو تنفجر عندما يُطلق العنان بدون قيود في لحظة غضب عارم للتعبير عن حدة التمرد والرفض والثورة على الكلام المؤدب والتصرف المقبول. لكن رغم أن هذه اللغة خاضعة لرقابة أخلاقية صارمة في الفضاء العمومي، وهي محرمة كأسلوب للتواصل المشروع، إلا أنها مع ذلك لغة حقيقية، لأنها تشكل مكونا معروفا من المكونات الثقافية، ولا تحتاج لعناء لفهمها ما عدا عندما تكون مستقاة من لهجة محلية صرفة. يتجلى مدى حدة تمرد سلوكيات شخصيات روايات الكبيري ولغتها الفظة عندما نقابلها بفضائها، أي المدينة التي تُعرف في الثقافة الشعبية على المستوى الوطني، أو في الكتابات التاريخية التراثية،ككتاب “تحفة الإخوان” للجوطي[31]، بفضاءات مثل “دار الضمانة،” مقر الزاوية الصوفية الشهيرة، وهو فضاء للتعبد والطمأنينة المضمونة.

إن الجنس واللغة الموظفة في وصفه عند المحجوب لا يفتقدان فقط إلى الرومانسية، تلك التي تفترض الجنس كعلاقة يحضر فيها الغزل والإغراء والرضى واللذة المقبولة، بل هو متعارض معها كل التعارض. إنه ممارسة معادية للرومانسية (antiromantic)، مبنية على العنف والاعتداء الجنسي والسيطرة العارية. وفي نقيض للرومانسية، فمعاداتها لا تفضي إلى أية مصالحة متوخاة ولا تسفر عن الشفاء (الكاتارسيس) الذي تفضي إليه النهايات.

إن الثورة، والتحدي، والتمرد الذي تقوم بها شخصيات روايات الكبيري تحدث في عالم الجنس الحميمي والمنعزل عن الناس والمجتمع، وهو لا يعبر عن إرادة جماعية أو دعوة إليها، وبالتالي فهو سلوك لا يحمل أية أبعاد سياسية، بل هو سلوك لا-سياسي بامتياز.

بغض النظر عن المتعة التي قد يجدها أو يفتقدها قراء هذه الروايات، وبغض النظر عن تصنيفها الجماليضمن الكتابات الروائية، سنقتصر على تحديد طبيعة المعرفة التي تقدمها روايات الكبيري مقارنة بنماذج من كتابات العلوم الإنسانية والاجتماعية. ليس الهدف من هذا التمرين هو الحكم على قيمة هذه الكتابات أو ترتيبها في سلم هرمي معين للمعرفة بقدر ما هو الكشف عن محتواها وخصوصياتها ومميزاتها.

إن الروايات تحمل معرفة مختلفة عن المعرفة العلمية باعتبار أنها ليست مطالبة بالإعلان عن مصادرها وأنها تستند أيضا على ما اختمر في ذاكرة الكاتب من حكايات وصور وعلى خياله وابداعه في صنع عالم جديد، مغاير عن العالم الموثّق المشترك بين الناس، وهو في نفس الوقت يبدو كواقع محتمل.  إن الاعتراف برجحان عالم هذه الروايات أو نفيه يبقى متروكا لإرادة القارئ؛ وتبقى حريةُ الكاتب في تفسير خياراته، إن هو دعي لذلك، مفتوحة على اعتبار كتاباته خيالا في غنى عن معايير الواقع المعروف، أو فيما قد يختاره من نماذج الواقع الموثَّق أو المعايَن لتبرير مصداقية عوالم رواياته. هذه الهوامش الشاسعة للحرية تُفتقد بشكل كامل في كتابات العلوم الاجتماعية والإنسانية. سأقتصر في هذا السياق على نص واحد على سبيل المثال يجمعه مع روايات الكبيري فضاؤهما المشترك، أي مدينة وزان، والنص هو أطروحة دكتوراه (غير منشورة) ناقشها جون نابورا في شعبة الانتروبولوجيا بجامعة فيرجينيا سنة 1998 بعنوان العمل والسلطة في شمال المغرب: وزان، الإسلام، حرفة الحياكة، والطريقة الدينية[32].

يعطي نابورا أهمية للمصادر التي اعتمدها في دراسته، سواء المنشورة منها أو الوثائق والمعطيات التي حصل عليها عن طريق المقابلات والمعاينة خلال إقامته في وزان في منتصف الثمانينات لإنجاز بحثه الميداني. وتعد هذه المصادر معلومات ضرورية للحسم في هوية الأطروحة كمساهمة تنتمي إلى الأنثروبولوجيا كحقل معرفي. برر نابورا اختياره لوزان كحالة تسمح له بالتفاعل مع تراكم نظري في تخصصه العلمي حول الدوافع والقيم التي تدفع الناس للقيام بالعمل، وحول الأدوار التي تلعبها الحساباتُ النفعية المادية والثقافةُ التقليدية الدينية في الكيفية التي ينجزون بها عملهم.  قدّم نابورا أطروحته كحوار نقدي مع الانتروبولوجي الأمريكي الذائع الصيت كليفرد كيرتز، والذي كان قد أنجز دراسات حول هذا الموضوع انطلاقا من مدينة صفرو المغربية. واعتمادا على مناهج البحث الانتروبولوجي الذي انصب على العاملين في الحياكة، وعلى تجار جلابيب الصوف، وعلى شيخ زاوية المدينة، يتوصل نابورا إلى خلاصات مغايرة لأطروحة كيرتز يبرز فيها أن الدوافع للعمل والإنتاج لا تنحصر في البحث على تحقيق أهداف مادية محضة، بل تتداخل فيها وتؤطرها قيم ومبادئ دينية وثقافية (على غرار النية والبركة) تتبناها هذه الفئات المتميزة عن بعضها البعض، الشرفاء، والتجار، والصناع، والذين يتعايشون في ظل تراتبية شبه مغلقة. وفي نفس الوقت، فإن البركة، كمفهوم ثقافي غير مادي مبدئيا، يشكل مصدرا لمنافع مادية للزاوية وللمقيمين عليها.

بالرغم من أن نصوص الكبيري ونابورا تنتمي إلى حقول مختلفة، مؤسسة على أدوات عمل متباينة، وبالرغم من أن نابورا يحصر تعامله مع مجال دراسته في إطار ما تسمح له به منطلقاته النظرية ومناهج تخصصه في الوقت الذي تسمح الكتابة الإبداعية لمؤلفها بحرية لا يحدها إلا خيارات كاتبها، إلا أنهما يلتقيان في كونهما يقدمان معا فهما نظريا عن فضائهما المشترك. ما يميز بينهما هو أن تخصص نابورا يطالبه بالإعلان عن أطروحته وإثباتها عن طريق ما وفره من معطيات وقدرته على محاججة مقنعة لما تراكم من معرفة سابقة لموضوع دراسته. المعرفة النظرية للكبيري لا تُعرض إلا بشكل مضمر، ولربما أيضا بشكل غير واع، وهي متضمنة في الأحداث والحوارات والمصائر التي تلقاها شخوص الروايات. هي بالتالي لا تكون مفروضة على القارئ، بل هي متروكة لحريته ورغبته في التنقيب عنها واكتشافها، وهي عملية تتحول إلى مجهود خلاق من طرف القارئ الذي يرغب في ألا يتوقف عن المتعة التي تنتهي بالانتهاء من القراءة. تابعنا في القسم النظري من هذه الورقة النقاشات التي قارنت بين النص العلمي (نابورا في هذا التمرين) والتخييل (رويات الكبيري) والتي تختلف ما بين تلك التي لم تعترف بقيمة التخييل باعتباره عملا متنافيا مع الحقيقة، وتلك التي اعتبرت العلم بمثابة الفكر الذي يحمل معرفة مشروعة، بالرغم من الانتقادات التي قد توجه لخياراته المنهجية واستنتاجاته النظرية، وتلك التي قبِلت بتوظيف التخييل في المعرفة العلمية كأدوات تكميلية أو بيداغوجية مساعدة خاضعة لمناهج وغايات العلم، ثم تلك التي اعتبرت أن العلم بالرغم من مرتكزاته المنهجية والنظرية، يشكل هو بدوره حكيا لا يخلو من التخييل، باعتماده على مراجع ترتكز بدورها على معطيات تظل دائما ناقصة، وعلى شهادات لا تعكس إلا الروايات التي اختار رواتها صيغ تقديمها وحكيها، وأن العلم والتخييل بالتالي متساويان في قيمتهما المعرفية. سنتبنى هذا الموقف الأخير، وسنعتبر أن نصوص نابورا والكبيري تقدمان معرفة مشروعة عن فضاء وزان بالرغم مما يميزهما.

وما يميزهما هو أن الإطار النظري لنابورا لم يسمح له بالاهتمام بعالم المعدومين الذي ظل غائبا عن رؤيته، وظلت ثقافته وقيمته عصية على ملاحظته. بل لربما قد يكون انتبه إلى بعض ملامح هذا العالم بدون أن يجد ذلك صدى له في أطروحته، إذ لا يمكن لزائر أقام في وزان لمدة سنة ألا يلاحظ انتشار المخدرات والفقر والتشرد والتسول. لكن نابورا لم يفعل إلا ما فعله جل الباحثين في العلوم الاجتماعية والإنسانية في وزان أو غيرها، أي أنهم ركزوا اهتماماتهم على النخبة، وأهملوا عن قصد أو بدونه، شريحة المعدومين. وبالتالي كانت عوالم الهامش خارج موضوع الدارسة والتنظير، بالرغم من أنها ليست منفصلة كل الانفصال عن الشرائح التي حللها ناوبورا، وأن قيمها وممارساتها تعد مكونا من الثقافة التي تتعايش معها شرائح نابورا. هذا لا يعني تصحيح معرفة نابورا العلمية استنادا إلى تخييل الكبيري، ولكنه يسعى لإثارة الانتباه إلى أن المعرفة العلمية تبقى رغم ما توظفه من مناهج البحث والتوثيق والتدقيق، معرفة انتقائية ومحصورة في حدود ما توفرها لها أدواتها. بالمقابل، فإن المعرفة التي تطرحها الرواية لا تستند إلا إلى الثقة التي يختار القارئ أن يمنحها لرجحان عوالم النصوص على ضوء معارف القارئ وخبراته وأذواقه.

شكلت شريحة المعدومين موضوعا مفضلا لدى الروائيين منذ بدايات الرواية العصرية، في أوربا مثلا لدى أونوري دو بالزاك، وفيكتور هيغو وتشارلس ديكنز، وفي الروايات الأمريكية منذ عشرينات القرن العشرين، والتي كما ذكرنا سابقا، استعانت بها سوسيولوجيا مدرسة شيكاغو عن طريق تحويلها إلى معطى لسوسيولوجيا الأدب. تلى ذلك تراجع الاهتمام بالمعدومين باعتبارها فئة اجتماعية لا وزن سياسيا لها. لكن بعد عقود من الإهمال، عاد الاهتمام بهذه الشريحة في علم السياسة على سبيل المثال في كتابات سعت إلى إعادة النظر في الاستنتاجات السابقة، وإلى الكشف عن السلوكيات المؤثرة لهذه الشريحة بالرغم من أنها غير معلنة، وأن طرق التعبير عنها غير بديهية. تعتبر دراسة جيمس سكوت سابقة رائدة في هذا الموضوع في كتابه أسلحة الفقراء. يقول إن الطبقات المقهورة نادرا ما تتمتع بالقدرة على القيام بنشاط سياسي منظم، لأن هذا النشاط قد يشكل عملا محفوفا بالأخطار، بل قد يصبح مغامرة انتحارية. لكن بحثه الميداني الذي أنجزه في إحدى القرى الصغيرة بماليزيا، جعله يكتشف شكلا متميزا للنشاط السياسي للفلاحين الفقراء، فهم عوض ممارسة المقاومة المعلنة للدولة، يلجؤون إلى نضال غير منظم لا يصل إلى مستوى التحدي الجماعي الصريح، بل يوظفون ما سماه “أسلحة الضعفاء” التي يستخدمونها عن طريق الخداع والامتثال الخادع والسرقة وادعاء الجهل والخرق المتعمد للقوانين[33].

وانطلاقا من معاينته الأكاديمية للحياة السياسية في إيران وعدد من الدول العربية، كشف عاصف بيات عن السلوك السياسي غير المعلن الذي يميز الحياة اليومية للناس العاديين (الفقراء، الشباب، النساء والمهمشين سياسيا) وسعيهم للدفاع عن قضاياهم من خلال ما سماه بسياسة الشوارع عبر الزحف الصامت للناس العاديين (the quiet encroachment of the ordinary)ويعني العمل غير الجماعي ولكنه متواصل لأفراد وأسر مشتتة تسعى للحصول على ضروريات حياتها بطريقة صامتة وغير قانونية وغير معلنة في الأحياء وأماكن العمل والأزقة والفضاءات الخاصة[34]. سمى بيات هذه السلوكيات لا-حركة (non-movement) لأنها غير مؤطرة وغير منظمة، لكنه اعتبرها مع ذلك ممارسة سياسية قادرة على أن تتحول إلى قوة سياسية مؤثرة بشكل مفاجئ، كما حصل خلال الربيع العربي.

لقد كشف سكوت وبيات عن عالم هامشي يبدو غير مسيس، ولكنه يمارس نشاطا سياسيا غير معلن من خارج المؤسسات والقوانين الرسمية، بل في تحد سافر لها، كمقاومة فعلية، لكنها صامتة، يمكن اعتبارها بمثابة “السياسة السوداء”، على غرار “السوق السوداء” غير الرسمية النشطة في عالم الاقتصاد. لكن الكاتبان يختلفان في كون أن سكوت يعتبر أسلحة الفقراء محصورة في عمل فردي، في الوقت الذي يرى بيات أن تحول اللا-حركة إلى حركة اجتماعية منظمة وانتقالها من هامش السياسة إلى مركزها يظل احتمالا واردا بشكل فجائي.

يلتقي اهتمام سكوت وبيات بشرائح المعدمين التي أصبحت تعرف في النصوص ما بعد حداثية بالتابع (the subaltern)مع عوالم روايات الكبيري. لكن المقارنة بين هذه النصوص بالرغم من اختلاف مصادرها ومناهجها لا تخلو من أهمية معرفية. يكمن الفرق الرئيسي في أن معدومي الكبيري ينتمون إلى شرائح أكثر دونية من فلاحي سكوت وفقراء بيات، وهم إما يعيشون في فقر مدقع لا يتبدل، أو كما الأمر بالنسبة للمحجوب بطل الروايات الثلاث، ما أن يغادر صفوف المعدومين حتى يرجع إليها خائبا فاشلا.  وإذا كان فقراء النصوص السوسيولوجية يتحايلون على القوانين الرسمية، وتمردهم يستهدف الدولة وممثليها، فإن تمرد مهمشي روايات الكبيري موجه ضد بعضهم البعض أو ضد التقاليد والأخلاق السائدة في صفوف المجتمع. ولا تشير حيوات شخصيات روايات الكبيري إلى محتوى سياسي لحياتهم اليومية يسعى لإحداث تغيير ما في الدولة أو في المجتمع أو يشكل مقاومة صامتة ذات حمولة سياسية، بقدر ما تعكس صبرا صامتا، وتقبلا مرغما للقهر والحرمان. كما أن تجربة المحجوب لا تحمِّل مسؤولية فشله لا للدولة ولا للمجتمع، بل تعد قدَرا محتوما، سواء بسبب الصدف المشؤومة أو بسبب غرائز جسده التي لا يتحكم فيها هو نفسه. وبالتالي فعلى عكس فقراء سكوت وبيات، تبدو عوالم روايات الكبيري غير مسيسة بامتياز ولا توحي بأي احتمال لتحول مسيّس.

إذا كانت العلوم الاجتماعية والإنسانية في المغرب لم تبد إلا اهتماما ثانويا ومتأخرا بالمهمشين[35]، فإن مساهمة التخييل كانت نسبيا أكثر تأثيرا في هذا المجال كان رائدها هو محمد شكري بشكل خاص في الخبز الحافي (شكري). سمح العنوان الإضافي الذي أرفقه الكاتب لنصه، سيرة ذاتية روائية، بالحسم في النقاش الذي أثارته مسألة تصنيفه كنص روائي أو كسيرة ذاتية توثق لحياة الكاتب، بالانتهاء إلى اعتباره رواية تتداخل فيها التجربة المعاشة مع التخييل المبدع للمؤلف. يمثل هذا الموضوع نقطة تقارب بين روايات شكري والكبيري الذي يذكر في لقاء أجري معه أن رواياته لم يكتبها كسيرة ذاتية، لكنها تستند إلى أحداث عاينها أو رويت له وصاغها في قالب روائي.لكن نقطة الالتقاء الأكبر بين الروائيَّين هو المجتمع الهامشي لنصوصهما الذي يعيش الفقر والقهر والإدمان على السكر والمخدرات والعهارة والممارسات الجنسية المحرمة والبهيمية.كان شكري سباقا إلى اقتحام هذه العوالم التي ظلت مهملة في النصوص المكتوبة، الحديثة على وجه الخصوص، وإلى توظيف لغة جنسية جريئة غير متداولة في النصوص العالمة منها والروائية. تبنى الكبيري في رواياته التي بدأ بإصدارها عقدين بعد نشر الخبز الحافي، أسلوبا مشابها لشكري، بل إن تعابيره وأوصافه كانت أكثر جرأة من لغة شكري، ومسارات أبطاله أكثر سلبية وعوالمها أكثر ركودا وأشد يأسا. إذ في الوقت الذي تنتهي الخبز الحافي بنهاية الاستعمار الذي اعتبره الكاتب أحد مصادر الظلم والقهر، ثم عندما شرع البطل محمد (شكري) بالتعلم الذي ينتظر أن يمنحه مكانة المتعلمين المعتبرة، فإن محجوب الكبيري ظل وهو في نهاية الرواية الثالثة، كما في سابقاتها، يدور في حلقة مفرغة من الإحباط والعجز.

أما الخلاف الثاني بين روايات الكاتبين فيكمن في الأصداء التي خلفتها. إننا لا نعثر على صدى يذكر لروايات الكبيري على المستوى الوطني. على المستوى العالمي، أخبرني الكبيري أن ترجمة لروايته “مقابر مشتعلة” صدرت باللغة الصينية، لكني لا أتوفر على معلومات عن أصدائها لدى قراء الصينية. بالمقابل، أثارت “الخبز الحافي” ردود فعل كبيرة بدأت منذ نشر أول صيغة لها، وكانت باللغة الإنجليزية سنة 1972 كتبها بول بولز، وهو روائي ذو صيت عالمي، ثم بترجمتها الفرنسية التي صدرت سنة 1973، بقلم الطاهر بنجلون أحد الكتاب الفرنكفونيين البارزين. ولم تنشر نسختها العربية إلا بعد ذلك بسنتين سنة 1982 على نفقة المؤلف بعد أن رفضت إصدارها عدد من دور النشر العربية. تعرضت الصيغة العربية للمنع في المغرب حتى حدود نهاية التسعينات بعد أن أكتُشف أن قرار المنع لم يكن إلا شفويا فسُمح بتداولها بعد ذلك. جعلت هذه الترجمات وانتشارها الواسع من محمد شكري أكثر الروائيين المغاربة شهرة على المستوى العالمي. لكن الواقعة التي عاشتها الجامعة الأمريكية بالقاهرة سنة 1998 والتي خصصت ساميا مهراز فصلا كاملا لسرد تفاصيلها في كتابها بعنوان “حروب مصر الثقافية”[36]جعلت من عوالم المعدومين، والجنس الممنوع، والكتابة الصريحة عنه وهي مواضيع الخبز الحافي، محط جدل وصراع فكري بين المدافعين عن حرية التعبير وبين المطالبين بالرقابة على رواية شكري.

ارتكز المدافعون عن الرواية بكونها تتميز بجرأة نادرة في الكتابات العربية تحكي عن عالم المحرومين الذين يقابَلون بالتجاهل ويجبرون على الصمت والتخفي، بل إن الخبز الحافي تتكلم باسمهم وبلغتهم، وتتحدى التعابير الجمالية التقليدية.

واتهم معارضو الرواية بأنها عمل بورنوغرافي يحتوي على مقاطع جنسية صريحة ومشينة. شارك في هذه الحرب الثقافية سياسيون مصريون، وكبار المثقفين على غرار جابر عصفور، وجمال الغيطاني، وجلال أمين، أستاذ الاقتصاد، وإداورد سعيد الذي ارتكز في موقفه المدافع عن الخبز الحافي على ضرورة حماية استقلالية العمل الفني من رقابة السياسة والأخلاق، حيث يفترض أن يكون الفن مختلفا عن الحياة، بل وأن يتجاوز الواقع المعتاد والمألوف، وأن حدود الأخلاق لن تعمل إلا على حرمان الفن من مصادر إلهامه وإبداعه.

كانت مهراز في قلب هذا الصراع بصفتها أستاذة الأدب العربي في الجامعة الأمريكية بعد أن ضمنت رواية شكري (بصيغتها الإنجليزية) في مقررها، وهو القرار الذي أشعل فتيل الصراع حول”الخبز الحافي”. وتذكر مهراز في كتابها أن الأزمة تطلبت تدخل الرئيس حسني مبارك لوضع حد لحرب ذات طابع سياسي بامتياز أثارها نص روائي بين محافظين من جهة، وليبراليين ويساريين من جهة ثانية.

في المغرب لم تثر رواية شكري إلا خلافات عابرة لم تصل إلى مستوى حدة معركة مصر، وبشهادة الكبيري، لم تخلف رواياته أية معارضة تذكر. وهو الأمر الذي قد نجد كافتراضات لتفسيره بالنسبة للمغرب، في ضعف تداول الكتب، وقلة القراء، وعدم الاكتراث بالرواية كمصدر ذي قيمة معرفية.

يشير كتاب مهراز إلى بعدسياسي آخر أثارته ضجة “الخبز الحافي”يتعلق بنقاش نظري طُرح في نص للمفكرة الهندية غاياتري سبيفاك نشر سنة 1988 بعنوان “هل يمكن للتابع أن يتكلم؟”[37]، وقد ساهمت في هذا النقاش فيريال غازول، وهي أستاذة اللغة الإنجليزية والأدب المقارن بمقال بعنوان “عندما يتكلم التابع(subaltern)”، اعتبرت فيه أن “الخبز الحافي” سيرة ذاتية حديثة للتابع، وأنها حكاية عن معدوم تابع في المدينة، وعن الحرمان المطلق والطفولة البئيسة لكنها تخبرنا أن التابع يمكن أن يجد لنفسه مخرجا من حُفر الحرمان وأن التعلم والأدب يمكّنانه من النهوض والارتقاء، وبالتالي من أن يتكلم، كما في حالة شكري[38].

تغلِّب غازول قراءة تطبعها حسابات السوسيولوجيا المؤدلجة للدفاع عن الرواية في معركة سياسية، وتُحولها إلى حكي سياسي بامتياز يخلص إلى نهاية سعيدة، وأن تدريسه يعتبر وسيلة بيداغوجية تثير لدى طلبة الجامعة الأمريكية، وهم أبناء الطبقات الغنية، الشعور بالتعاطف مع الفقراء، وتلقنهم بأن الاجتهاد والتعلم قادران على أن يمكنا المحرومين من الارتقاء الاجتماعي.في غياب ردود موثقة عن روايات الكبيري، لا يمكننا إلا أن نخمن أنها لو وجدت، فمن المحتمل ألا تختلف عن قراءتها من منطلق أخلاقي محافظ، أو بالاحتفاء بها كتعبير عن واقع منبوذ تسعى المؤسسات والأخلاق السائدة إلى إنكاره وإخفائه.

لكن إذا كانت المواقف الأخلاقية من التخييل تعمل على تعطيل قدرات الإبداع الذي لا يتحقق إلا بواسطة الحرية التي توفرها له فرصة تجاوز قيود الواقع، فإن الاحتفاء ببعده السياسي كصوت أصيل لمن لا يتكلمون، لا يخلو من مبالغات إيديولوجية. إن حصر قيمة هذه الكتابات باعتبارها وثيقة سوسيولوجية لا تعني إلا العودة بتأويل التخييل إلى مرحلة سوسيولوجيا الأدب التي اعتبرت تأويلات تُفقر الروايات بحبسها ضمن معايير العلوم الاجتماعية والإنسانية أو بإخضاعها لحسابات الإيديولوجيا.  كانت غازول ستجد نفسها في مأزق لو أنها دعيت للدفاع عن روايات الكبيري، التي تنتهي بآفاق مغلقة لا تسمح لا بالارتقاء ولا بالشفاء ولا بالتحرر من واقع البؤس والشقاء. لذلك، فإن هذه الورقة تحصر أهمية هذه الروايات، روايات الكبيري في هذه الحالة، ليس فيما تعكسه عن واقع حقيقي، بل باعتبارها نصوصا تحمل فهما نظريا للمجتمع، لا يختلف من حيث إمكانيات قيمتها عن الكتابات الأكاديمية، إلا بما تفتحه من آفاق للتفكير وللتأمل، وأيضا بالمتعة التي تمنحها قراءتها.

 

 

————————————–

الهوامش:

 

[1]A. W. McHoul, “Sociology and Literature: The Voice of Fact and the Writing of Fiction,” Journal of Sociology 204,2 (July, 1988): 214.

[2]Jonathan W. Moses and Torbjørn L. Knutsen,Ways of Knowing: Competing Methodologies in Social and Political Research (New York: Palgrave Macmillan, 2007), 118.

[3]Michel Foucault,The Order of Things: An Archaelogy of the Human Sciences(New York: Vintage Books, 1973),349.

[4]Mariano Longo, Fiction and Social Reality: Literature and Narrrative as Sociological Resources(Surrey, UK: Ashgate, 2015), 40.

[5]Longo, 54.

[6]Longo, 104.

[7] Longo, 127

[8]Longo, 70.

[9]James F. English, “Everywhere and Nowhere: The Sociology of Literature after ‘the Sociology of Literature,’”New Literary History 41,2 (2010): viii.

[10]Longo, 44.

[11]Simon Susen,The ‘Postmodern Turn’ in the Social Sciences(Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2015), 1.

[12]Michiel Leezenberg and Gerard de Vries, History and Philosophy of the Humanities: An Introduction(Amsterdam: Amsterdam University Press, 2017), 184.

[13]Longo, 4.

[14]Longo,5.

[15] Longo, 4-6.

[16]Longo, 121.

[17]Longo, 133-134.

[18]Longo, 627.

[19] Moses and Knutsen, 1.

[20]McHoul, 212.

[21]James M. Jasper, The Emotions of Protest(Chicago: The University of Chicago press, 2018), xi.

[22]Patricia Ticineto Clough andJean Halley, The Affective Turn: Theorizing the Social(Durham: Duke University Press, 2007), ix.

[23] Longo, 51.

[24] Longo, 41.

[25]McHoul, 221.

[26] صحح لي أحمد الكبيري هذه المعلومة، وأخبرني بأن أول رواية اتخذت وزان مسرحا لأحداثها هي بعنوان ولد الطالب، ثغاء الليل، لخليدالتباعي، وطبعت على نفقة المؤلف في مطبعة الجديدة، بالدار البيضاء سنة 1994.

[27]أحمد الكبيري، مصابيح مطفأة، دار النجاح الجديدة، 2004.

[28]أحمد الكبيري، مقابر مشتعلة، دار النجاح الجديدة، 2007.

[29]أحمد الكبيري، أرصفة دافئة، دار النجاح الجديدة، 2013.

[30]حوار شخصي مع الكاتب يوم الإثنين 11 مارس، 2024.

[31]حمدون بن محمد الجوطي، تحفة الإخوان ببعض مناقب شرفاء وزان، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس-فاس، 2011.

[32]John Andrew Napora, Work and Power in Northern Morocco: Wazzan, Islam, Weaving trade, Religious Order, PhD dissertation, Department of Anthropology, University of Virginia, 1999. (Manuscript).

[33]James C. Scott, Weapons of the Weak: Everyday forms of Peasants Resistance(New Haven: Yale University Press: 1985), xv.

[34]Asef Bayat, Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East(Stanford: Stanford University Press, 2013), 35.

[35]انظر مقال عبد الحي مودن، المهمشون والمعرفة الأكاديمية: السياق المغربي، الذي نشر كتقديم لندوة حول السيرة الاجتماعية التي نظمتها مجلة رباط الكتب في أبريل 2014.

[36]Samia Mehrez, Egypt’s Cultural Wars: Politics and Practice(New York: Routlege, 2008).

[37]Gayatri C. Spivak, Can the Sabaltern Speak? In C. Nelson, & L. Grossbreg, Marxism and the Interpretation of Culture (Houndmills: Mcmillan Education, 1988), 271-313.

[38]Mehrez, 244.

- عبد الحي مودن

أستاذ جامعي وباحث في العلوم السياسية

شاهد أيضاً

حرب الكَوم: الألم في عرين البطولات

محمد المعزوز، حرب الكوم (رواية)، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء وبيروت، 2022         يقر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.