السينماالمتوسطية: ضفاف نظرة مشتركة

 

Mohammed Noureddine Affaya,Les rives du regard. Une lingua franca visuelle en Méditerranée,Tétouan, Publication  du Festival du Cinéma Méditerranéen, 2025.

محمد نور الدين أفاية، ضفاف النظر. لغة بصرية مشتركة في البحر المتوسط، تطوان، منشورات مهرجان السينما المتوسطية، 2025.

اختار نور الدين أفاية اللغةالفرنسية لكتابه الجديد الذي يحمل عنوان: ضفاف النظرمع عنوان فرعيبمثابة دعوة من أجل: “لغة بصرية مشتركة في البحر الأبيض المتوسط”. هل يتعلق الأمر بمجرد نداء ورجاء، كما يقول؟وهو السؤال الذي يحاول الكاتب، الذي اعتاد التنقل بين العربية والفرنسية، أن يوضحه ويدافع عنه فيأبحاثه الجديدة حول الصورة والسينما من منظور فلسفي.

في مرافعته عن “اللغة البصرية المشتركة” lingua franca visuelle بمنطقة المتوسط يؤكد أفاية أن السينما، تاريخيا، رأت النور في هذه المنطقة، وأن الأمر يتعلق في  هذا الكتاب بإبراز بعض تعبيرات”مقاومة العولمة والهيمنة الأمريكية على الصورة” في سياق يتميز بصعود تيارات الشعبوية والعنصرية والانغلاق على الذات. ولقد أعلن الكاتبفي البداية،أنهفكر في اختيار عنوان آخر هو: الخرائطية الشعرية للسينما المتوسطيةgéo poétique du cinéma1، قبل أن يحسم أمره ويختار عنوان: “ضفاف النظر”.

يستلهم الكاتب مفهوم”اللغة المشتركة”lingua francaمن كتابات عدد من المفكرين، وخاصة المؤرخة التونسية-الفرنسية جوسلين داخليةJocelyne Dakhlia، التي تشير إلى أن هذه اللغة “كانت متميزة، ولغة بارزة للتواصل مع الآخر… تشهد على وجود جماعات استعملت لغة تسعف في خلق بعض فرص التفاهم والتبادل”2. وقد كانت لغة سائدة في مرحلة الصراعات التي عرفتها منطقة البحر الأبيض المتوسط خلال وبعد الحروب الصليبية بين المسيحيين والمسلمين، وكانت تتشكل من خليط لغوي يضم اللاتينية والاسبانية والبرتغالية والعربية.

ولعل الحديث عن المتوسط استدعى من الكاتب تناول بعض بؤر التوتر السياسة ورهاناتها الجيواسترتيجية الحالية، بل وجعل بعض تمظهراتها خلفية ومحفز على التفكير في الصورة والسينما، كما ينتجها المتوسطيون. ينقسم الكتاب إلى جزئين: الأول يحمل عنوان: “المتوسط كإمكانية للصورة”، ويتناول فيه قضايا المتخيل والصورة والهوية من منظور أكاديمي،وهو ثمرة أبحاث أنجزها المؤلف خلال إقامة علمية بمعهد الدراسات المتقدمة في مارسيليا بفرنسا. أما الجزء الثاني فجاء بعنوان: “إشكالية الهوية في السينما المتوسطية”،يقدم قراءات في مجموعة من الأفلام الأوروبية والمغاربية مع إحالات قوية على الإنتاج النظري حول الصورة، وعلى ما أسماه “السينمائي المفكر” الذي يشتغل على الصورة عوض المفاهيم، حسب تعبير جيل دولوز.

يدافع أفاية بقوة عن مفهوم الاستثناء الثقافي المتوسطي مستعرضا التجارب السينمائية التأسيسية في فرنسا وفي جنوب المتوسط: في مصر ودول المغرب الكبير، ويؤكد على أنه لا يقصد بهذا المفهوم “تنميط” الفضاء المتوسطي والتغطية على التعددية السائدة فيه. ولعل دفاعه عن عدم التنميط وإبراز تعددية “اللغة المشتركة” هو ما جعله يختار الاحتفال باللغة العربية والشعر الذي يدور حوله الفيلم العراقي – الفرنسي “من عبدول إلى ليلى” للمخرجة ليلى البياتي.

ومعلوم أن “الاستثناء الثقافي”، الذي كانت تدافع عنه فرنسا والاتحاد الأوروبي في تسعينيات القرن الماضي خلال مفاوضات تأسيس “منظمة التجارة العالمية”، أصبح في مهب الريح نتيجة الرهانات والتقلبات الجيواستراتيجية الحالية. وهو استثناء كان الهدف منه حماية المنتوج الثقافي الأوروبي من الهيمنة الأمريكية. وقد انبثقت عنه قوانين حمائيةفي مختلف دول العالم عبر الدعم المالي وفرض كوطا محددة بالأرقام لبث هذا المنتوج الثقافي في قاعات السينما وبرامج الإذاعة والتلفزة … لكن قوانين ومرجعيات “منظمة التجارة العالمية” صارت اليوم مهددة، وتتعرض لتهميش تدريجي بسبب استهتار الإدارة الأمريكية، وتحلل هذه الأخيرة من التزاماتها داخل منظومة الأمم المتحدة.

لم تمنع الهيمنة الأمريكية وصراعات الصورة والسياسة الكاتب من الاحتفاء بحضور “مصر في المتخيل المغاربي” خاصة عبر أفلام يوسف شاهين، ومن التوقف عند قراءات في الأفلام التونسية والجزائرية والمغربية. لكن ماذا عن السينما المغربية؟ وما مدى حضور المتوسط فيها؟ وهل تعاني بدورها من موجات العولمة الكاسحة؟ يرى الكاتب بهذا الخصوص أن “منطقة المتوسط تحتل في المتخيل المغربي مكانة مبهمة équivoque وتراجيدية في الوقت نفسه”3 لأسباب تاريخية وسياسية يتناولها بالتحليل عبر قراءة في مجموعة من الأفلام المغربية توقف فيها عند حضور ما يسميه “القساوة والرغبة في الحرية”.

ومع ذلك يُلاحَظ أن هيمنة أمريكا على الصورة اليوم لم تحظ بحيز كبير في الكتاب؛هناك تلميحات وإشارات إلى الاتجار بالصورةخاصة في الخاتمة، وعلى الرغم من النقد القوي لمظاهر “العنف وعدم المساواة الثقافية وانتشار ما هو افتراضي virtuel” الذي جاءت به العديد من منصات البت الرقمية؛فإن الكتاب لا يقدم تشخيصا لهذه الظواهر ولتمظهراتها الفيلمية.

يتناول الكتاب، بجرأة، قضايا أساسية واستراتيجية تتعلق بهيمنة الصورة وثقافة “السيلفي”. ويعتبر أن “لغة الصورة المشتركة” هي شكل من أشكال التعبير عن مقاومة العولمة الكاسحة والتنميط التجاري الذي يغزو العالم. وهو كتاب بمثابة تقدير للعمل الثقافي والجمالي الذي تقوم به العديد من مهرجانات السينما المتوسطية، حيث عمل الكاتب على الوقوف عند جملة مبادئ تجمعها، ومن هذه المبادرات الطلائعية ما تقوم به جمعية “أصدقاء السينما” في تطوان، التي تشرف على تنظيم”المهرجان السينما المتوسطية”المعروف منذ سنوات طويلة، وهي الجمعية التي ساهمت في نشر هذا الكتاب.

 

الهوامش:

[1]- تصريحات للكاتب خلال تقديم الكتاب بمكتبة النجوم les étoilesفي الرباط في دجنبر 2025

2- ص 54 من الكتاب

3ص 127

 

- محمد مستعد

مترجم وإعلامي / الرباط

شاهد أيضاً

صلاة القلق: رواية الوباء والانتظار في نصٍّ يُصلّي ضدّ الفناء

محمد سمير ندا، صلاة القلق، منشورات مسكلياني، الطبعة الرابعة، تونس، 2025   في روايته صلاة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.