ست محطات في حياة جورج طرابيشي

 

هنرييت عبودي، أيامي مع جورج طرابيشي: اللحظة الآتية“، دار مدارك، 2020.

فكر جورج طرابيشي طويلاً في إمكانية كتابة سيرة ذاتية تتجاوز سرد الوقائع اليومية لتصبح وثيقة نقدية معرفية، تُظهر تجربة الإنسان العربي في مواجهة التراث، والدين، والسياسة. لقد رغِب، وفق ما أشار إليه في مراسلاته وأحاديثه مع أصدقائه وطلابه من أمثال تركي الدخيل ومحمد الهوني، في تقديم ما يشبه رحلة معرفية وشخصية على غرار “الأيام” لطه حسين، غير أن القدر لم يمهله، إذ توفي في مارس/آذار 2016 قبل أن ينهي مشروع السيرة الكاملة، لكنه كتب قبل وفاته مقاله الأخير بعنوان “ست محطات في حياتي”، نشر في فبراير/شباط 2015، أي قبل عام واحد من وفاته.

يمثل هذا المقال آخر إنتاج معرفي خالص لطرابيشي، وهو نص يجمع بين الذاكرة الشخصية والتحليل النقدي، بين الانفعال الذاتي والمعرفة العامة، بين السرد والتأمل الفلسفي.  وقد أدرجت زوجته “هنرييت عبودي” المقال ضمن كتابها أيامي مع جورج طرابيشي: اللحظة الآتية (دار مدارك، 2020)، مؤكدّة أهميته كوثيقة تاريخية وفكرية، تعرض رحلة فكرية وموسوعية تتيح للقارئ العربي فرصة فريدة لفهم تجربة المثقف النقدي.

يصف طرابيشي نفسه في هذا السياق قائلاً: “أنا مسيحي بالميلاد، عربي بالهوية، مسلم بالثقافة” (2020: 23)، وهو وصف يعكس تعدد أبعاد شخصيته الفكرية والثقافية، ويدل على التزامه بالبحث عن جوهر الإنسان العربي في مواجهة التراث والدين والسياسة، دون استسلام للأيديولوجيا أو للسلطة.  ويستهل مقاله الأخير بالقول: “وأنا في رحلة نهاية العمر، وبعد عقود ستة بصحبة القلم الذي آثرته عدى زوجتي وبناتي، على كل صحبة أخرى، أجدني أتوقف أو أعود أتوقف عند ست محطات في حياتي” (2020: 224). هذه المحطات تمثل علامات مفصلية في تكوين شخصيته الفكرية، وتوضح كيف شكلت تجاربه الفردية رؤيته للعالم العربي والفكر والمجتمع.

يكشف المقال عن ديناميكية عقل طرابيشي واستجاباته النقدية للواقع، فهو لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يحاول تفكيك بنية الفكر العربي، وبيان أسباب الجمود والركود، وكشف طبقات اللاوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي، وهو ما يجعل المقال نصًا موسوعيًا معرفيًا يتجاوز حدود السيرة الذاتية التقليدية. في هذه القراءة، سنستعرض كل محطة من محطات حياته الست، مع التركيز على تحليلها النقدي وربطها بمشروعه الفكري العام، مستخدمين مصادره الأخرى من كتاباته وترجماته، مثل نقد العقل العربي، وترجمات فرويد، ومقالاته عن العلمنة والدين والتراث، لإظهار كيف شكلت هذه التجربة الشخصية إطارًا للتحليل النقدي الموسوعي.

المحطة الأولى: الطفولة والدين؛ الصدمة الأولى للوعي

ولد جورج طرابيشي في حلب عام 1939، في أسرة مسيحية متدينة، حيث كان التدين المفرط جزءًا من حياته اليومية، وخاصة في مرحلة المراهقة المبكرة. كان الكاهن يركز في مواعظه على خطايا النوايا، مؤكدًا على العذاب الأبدي للخاطئين، بما في ذلك خطيئة النظر أو التفكير في المرأة.  فقد رآه المراهق الطموح مرتبطًا بالخوف من العذاب الأبدي، وهو ما تسبب في مرض نفسي وجسدي؛ أصيب بالحمى والهلوسات والهذيان لعدة أيام، بعد أن ربط بين جمال الفتيات الثلاث اللواتي رآهن في بيت أسرة إيطالية وبين الخطيئة الفكرية.  كانت هذه التجربة الأولى التي أجبرت طرابيشي على التساؤل عن وجود الله، والعدالة الإلهية، وشرعية التعاليم الدينية التقليدية، فقرر الانفصال عن المسيحية المتشددة، والاتجاه نحو العلمانية التي ستصبح لاحقًا أحد أعمدة فكره.

لم تكن هذه المحطة مجرد سرد لتجربة شخصية، بل إطارًا يوضح كيفية تشكّل وعيه النقدي منذ الطفولة، إذ أدرك أن الدين، إذا لم يُفهم أو يُستعمل بطريقة نقدية، يمكن أن يصبح أداة للسيطرة على العقل، وليس للارتقاء الروحي. هذه الصدمة الدينية المبكرة كانت بوابة لفهم تأثير السلطة والإيديولوجيا على العقل الفردي والجماعي، وتحديدًا آليات الخوف والطاعة التي يمكن أن تعيق التفكير الحر.

علاوة على ذلك، شكلت طفولته في بيئة مسيحية عربية جسرًا بين الموروث الثقافي والديني والهوية العربية، مما ساعده لاحقًا على تطوير رؤية تربط بين الانتماء الديني والهويّة الوطنية، وكيف يمكن للتجربة الشخصية أن تصبح مختبرًا أوليًا للتحليل النقدي للمجتمع العربي.  لقد كانت هذه المرحلة بمثابة الانفجار الأول للوعي النقدي الداخلي، الذي سيستمر في رحلة حياته كلها، حيث لن يكتفي بالمراقبة أو الاستيعاب، بل سيسعى دائمًا إلى أدوات معرفية للتحرر من القيود التقليدية.

 

المحطة الثانية: المدرسة والسياسة؛ مواجهة النظام والمعايير

مع انتقاله إلى المدرسة الثانوية في منتصف الخمسينيات، عاش طرابيشي صدمة جديدة، هذه المرة من خلال التعليم الرسمي والتجربة السياسية المبكرة. فقد انتقل إلى مدرسة تابعة للدولة بعد سقوط حكم الجنرال أديب الشيشكلي، حيث فرض النظام الجديد شروطًا صارمة على المناهج الدراسية، بما في ذلك محاولات إدخال التعليم الديني في الثانوية، وهو ما كان يعارض منطق التعليم المدني الحديث.  في أول درس ديني، كتب الشيخ المعمم على السبورة عبارة صاعقة بتعبير طرابيشي: “من لم يكن مسلمًا فهو عدو للإسلام”، ما أحدث صدمة معرفية وثقافية له، وهو الفتى المسيحي العربي الذي كان يعيش في بيئة متعددة الطوائف.

لم يكن هذا مجرد حدث لحظي، بل تجربة تكشف عن التوتر العميق بين الفرد والمجتمع، بين التنوع والانغلاق، بين العقل والسلطة. أدرك طرابيشي أن العقليات العربية لا تعاني فقط من عوامل خارجية، مثل الاستعمار أو السياسة، بل من التمثلات النفسية والثقافية الداخلية التي تجعل المجتمع عرضة للجمود والعجز.  ومن هنا بدأ تطوير مشروعه النقدي الأكبر، الذي سيربط بين التجربة الفردية والتحليل النقدي للثقافة والسياسة والمجتمع العربي.

خلال هذه المرحلة، انخرط طرابيشي في تجربة الوحدة بين مصر وسوريا، والعمل في الإذاعة السورية، والكتابة في الصحف اليومية، حيث واجه رقابة صارمة وأحكامًا إيديولوجية ضيقة، لم يكن يقبلها، فاختار دائمًا الابتعاد عن الخضوع أو الامتثال.  وقد ساعده هذا الانخراط المبكر على تطوير حس نقدي موسوعي وفهم كيف يمكن للسياسة والتعليم أن يتحولا إلى أدوات للسيطرة على الفكر، وكيف يمكن للصحافة والكتابة النقدية أن تكون وسائل مقاومة ووعي.

المحطة الثالثة: السجن وتجربة المقاومة؛ اختبار الحرية

مثّل السجن محطة مركزية في حياة طرابيشي، فقد اعتقل خلال معارضته لحزب البعث السوري، ليكتشف العمق الحقيقي للقيود الاجتماعية والسياسية، وطبقات السلطة التي تتحكم في المجتمع العربي، بعيدًا عن الشعارات الزائفة عن الحرية والمساواة. داخل الزنزانة، كان مع ستة سجناء آخرين، وناقشوا موضوعات مثل الشرف والجندر، وكان موقفه في هذه القضايا تحديًا مباشرًا للعقلية الرجعية التي كانت تحكم المجتمع، حيث رفض الموافقة على أعمال عنف أو عقاب جسدي، حتى لو كان مقنعًا من الناحية التقليدية أو الثقافية.

تجربة السجن لم تكن مجرد عقوبة، بل كانت ميدانًا لاختبار المبادئ الأخلاقية والفكرية، حيث اكتشف أن المعركة الكبرى ليست مع السلطة وحدها، بل مع الطبقات الداخلية للعقل العربي، التي يمكن أن تبقى محافظة حتى في وجه التغيرات الظاهرية أو التقدم السياسي.  ومن هنا تطورت رؤيته النقدية لاحقًا لتشمل التحليل النفسي والتاريخي والفلسفي للمجتمع العربي، وربط التجربة الفردية بالوعي الجمعي، مفسحة المجال أمام فهم أكثر عمقًا للثقافة والسياسة في المجتمع العربي.

لقد كانت هذه التجربة أيضًا مقدمة لما سيصبح اهتمامه لاحقًا بالتحليل النفسي، إذ بدأ يتساءل عن كيفية تشكّل التصورات والسلوكيات من خلال الصدمات المبكرة، الطائفية، والدين، والسياسة، والتراتبية الاجتماعية، وهو ما أهّله لاحقًا ليصبح حلقة وصل بين التجربة الفردية والتحليل النقدي الموسوعي للعقل العربي.

المحطة الرابعة: التحليل النفسي وفرويد؛ استكشاف الذات والمجتمع

بعد تجربة السجن، انطلق جورج طرابيشي نحو استكشاف أعمق لبنية العقل البشري، متأثرًا بأعمال سيجموند فرويد، خاصة تلك المتعلقة بالتحليل النفسي للفرد والمجتمع، والتي حاول أن يجعلها متاحة للقارئ العربي من خلال ترجماته الدقيقة والموسوعية.  لم يكن الهدف مجرد نقل النصوص فقط، بل كان إعادة بناء أدوات معرفية جديدة للفكر العربي تمكنه من مواجهة القضايا العميقة المرتبطة بالعقل والتراث والسياسة. اعتمد طرابيشي على الترجمات الفرنسية للنصوص الفرويدية، وهو ما تطلب دقة لغوية عالية، وقدرة على نقل مصطلحات التحليل النفسي المعقدة إلى العربية بطريقة تحافظ على عمقها النظري ووضوحها الدلالي.  أشار طرابيشي إلى أن هذه الترجمات مثلت “خيانة مزدوجة”– ترجمة عن لغة أجنبية عبر لغة أجنبية أخرى– ولكنه اعتبرها خدمة ضرورية للساحة العربية، لتمكينها من أدوات معرفية دقيقة تساعدها على فهم الذات والمجتمع.

تجاوز طرابيشي دور المترجم إلى التطبيق النقدي والتحليلي، حيث استخدم مفاهيم فرويد لفهم الدين، والطائفية، والعنف، والسياسة في العالم العربي.  درس العلاقة بين اللاوعي الفردي والبنية الاجتماعية، وكيف يمكن للصدمات المبكرة– مثل الصدمة الدينية أو التجارب السجنية– أن تترك أثرًا طويل المدى على تصورات الفرد والمجتمع.  واهتمامه بتحليل الأحلام وسلوكيات الفرد كان مرتبطًا بملاحظة الأثر العميق للتقاليد والسلطات على اللاوعي الجمعي، وهو ما انعكس لاحقًا في مقالاته عن العلمنة والدين، إذ رأى أن الحرية الفكرية والاجتماعية تبدأ من فهم الأعماق النفسية للفرد والمجتمع، وليس فقط من التشريعات والسياسات.

وظف طرابيشي التحليل النفسي لفهم التراث العربي الإسلامي، معتمدًا على قراءة نقدية تمكنه من كشف الطبقات العميقة للعقل العربي. رأى أن الجمود الفكري والسياسي في العالم العربي لا ينبع فقط من الطغيان أو الاستبداد، بل من آليات اللاوعي الجماعي الموروثة عبر القرون، التي تجعل العقل يتصرف وفق أنماط متكررة من الطاعة والخوف والامتثال، حتى وإن تعارضت هذه الأنماط مع العقلانية أو الحرية.  يربط اهتمامه بفرويد بمشروعه الأكبر في نقد العقل العربي، مقدمًا جسرًا بين التحليل النفسي الفردي والتحليل النقدي للمجتمع العربي والتراث الفكري.

تميزت تجربة طرابيشي الفرويدية بكونها موسوعية وعملية في آن واحد.  فهو لم يقتصر على الترجمة أو القراءة، بل مارس النقد الذاتي والجماهيري، ودمج بين الفلسفة الغربية، والنقد الأدبي، والتحليل النفسي، لخلق أدوات تمكن المثقف العربي من فهم ذاته ومجتمعه بطريقة أعمق وأكثر حرية.  وقد اعتبر هذا النهج السبيل الوحيد للخروج من “الركود العقلي” الذي يعيشه العقل العربي، وأن التحليل النفسي ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة معرفية لتحرير الفكر والمجتمع معًا.

المحطة الخامسة: نقد الجابري؛ ربع قرن من النقد الموسوعي

المحطة الخامسة في حياة طرابيشي لم تكن مجرد دراسة أو قراءة، بل رحلة نقدية مستمرة استمرت زهاء ربع قرن، وجمعت بين الود الفكري والمواجهة الصارمة، وهي علاقته بمحمد عابد الجابري ومشروعه الفكري في نقد العقل العربي.  بدأ الأمر بإعجاب طرابيشي بالجابري حين قرأ مخطوطه “تكوين العقل العربي” الذي نشر عام 1972 في مجلة «دراسات عربية».  رأى طرابيشي في هذا العمل مشروعًا مهمًا لإعادة بناء الثقافة التراثية، وسرعان ما أصبح لهذا الكتاب أثر كبير في تكوين رؤيته النقدية، حتى إنه وصف الجابري بأنه أفاده كثيرًا وأرغمه على إعادة بناء ثقافته التراثية.

مع مرور الوقت، لاحظ طرابيشي قصور المشروع في معالجة البنية العميقة للعقل العربي، حيث اعتمد الجابري على تحليل التراث من منظور خارج الذات، مع التركيز على التأثيرات الخارجية مثل الاستعمار أو العوامل السياسية، متجاهلًا الطبقات الداخلية للعقل العربي، المتعلقة بالثقافة النفسية والاجتماعية، والتراث كأداة للسيطرة على التفكير. دفعه هذا القصور إلى نقد الجابري بصرامة، معتبرًا أن النهضة الحقيقية تبدأ من تحرير العقل من الداخل، وليس من مجرد تحليل الظروف الخارجية.

امتاز طرابيشي في نقده للجابري بكونه متعدد الأبعاد، إذ جمع بين التراث العربي والفكر الغربي، التحليل النفسي لفرويد، والفلسفة المعاصرة لسارتر، ليعيد قراءة العقل العربي من منظور متعدد الطبقات، لا يكتفي بالظاهر أو بالقوالب الجاهزة، بل يبحث عن جذور الجمود والفشل الداخلي. كما لم يقتصر نقده على السلبيات، بل أقر بما أفادته أعمال الجابري، مؤكداً أن النقد الحقيقي لا يلغي الفائدة، بل يبني عليها ويضيف طبقات جديدة من الفهم والتحليل.

لم يكن نقد الجابري مجرد نزاع فكري، بل مشروع حياة يعكس الالتزام بمعايير الفكر الحر والناقد.  وصف موقفه بأنه “حوار بلا حوار”، حيث تجاهل الجابري نقده، ولم يرد عليه، مما حول العلاقة إلى مواجهة حادة بين العقل النقدي والاستعارات التراثية الجامدة، لكنه في الوقت نفسه اعتبر أن كل هذه التجربة أثرت فيه تأثيرًا إيجابيًا، وألزمته بإعادة بناء ثقافته ومراجعة أدواته النقدية بعمق.

المحطة السادسة: الألم السوري؛ المنفى وكتابة الكارثة

مع اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، وجد طرابيشي نفسه أمام صدمة وطنية ومعرفية، إذ كانت الثورات في تونس ومصر وليبيا تشير إلى إمكانية التغيير والتحرر، بينما في سوريا سرعان ما تحولت إلى كارثة سياسية وإنسانية. كتب مقالته الأولى في 12 مارس 2011، والثانية في 28 مايو 2011، بعنوان “تاريخ صغير على هامش التاريخ الكبير”، مستخدمًا تجربته الشخصية للتأمل في الكارثة الوطنية، ومعبرًا عن الألم العميق الذي أصابه بعد سنوات من الكتابة والبحث الموسوعي.

كان يرى أن الأزمة السورية ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار للعقل العربي والثقافة العربية في مواجهتها للظلم والقمع والفساد.  لقد فقد الإيمان بإمكانية الإصلاح عبر الطرق التقليدية، لكنه ظل ملتزمًا بالكتابة والفكر النقدي، رافضًا الاستسلام، مؤكدًا على أن المثقف الحقيقي لا يكتفي بالمراقبة، بل يجب أن يكون فاعلاً ومعرفياً في الوقت نفسه.  من خلال هذه المحطة، يظهر طرابيشي بصفته متابعا للواقع العربي بعيون فاحصة، يربط بين الماضي والحاضر، بين التاريخ الشخصي والتاريخ السياسي والثقافي، مستخلصًا دروسًا نقدية موسوعية عن سبب استمرار الركود والتأخر الحضاري، وعن طرق تحرير العقل العربي من قيوده العميقة.

لا يمكن قراءة «ستّ محطات في حياتي» بوصفها مجرّد سيرة مختصرة أو بوح شخصي في نهاية العمر، بل هي خلاصة مسار فكري طويل، وصياغة أخيرة لمعنى الحياة كما اختبرها جورج طرابيشي بين الإيمان والشك، والانتماء والخذلان.  ففي هذه المحطات تتكثّف تجربة مثقف عربي عاش عصر الإيديولوجيات الكبرى، وشارك في أوهامها، ثم تمرّد عليها، لا بدافع التقلّب، بل بدافع الإخلاص العميق للحقيقة كما كان يتلمّسها في كل مرحلة.

لقد آمن طرابيشي بأن المعركة الحقيقية ليست سياسية فقط، بل معرفية قبل كل شيء؛ معركة ضد الجمود، وضد التقديس الأعمى، وضد تحويل الفكر إلى منظومة مغلقة. ومن هنا جاءت مواجهته الشرسة للبنى الذهنية السائدة، سواء في التراث أو في الإيديولوجيا أو في الخطاب الديني المعاصر.  وكان يسعى، عبر كل مشروعه، إلى تحرير الذات العربية من قيودها الداخلية، حتى في أكثر لحظاته يأسًا أمام الكارثة السورية، مؤمنًا بأن المعرفة هي الفعل الأخير الممكن، وأن الكتابة، مهما بدت عاجزة، تظلّ مقاومةً رمزية ضد العدم.

- رحال كريش

باحث في سلك الدكتوراه- جامعة محمد الخامس، الرباط

شاهد أيضاً

تمثيلات تاريخ الأندلس في الرواية العربية والإسبانية

  سعيد الفلاق، تخييل الأندلس: سرد التاريخ بين الواقع والإيديولوجيا في الرواية العربية والإسبانية، منشورات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.