السيرة المزدوجة

 

عبد الله إبراهيم، أمواج: سيرة عراقية، دار جامعة حمد بن خليفة للنشر، الدوحة، قطر، 2017.

مفتتح

خرج علينا الناقد والمفكر العراقي الأستاذ الدكتور: عبد الله إبراهيم في عام 2017م بسيرته الذاتية التي عنونها بـأمواج: سيرة عراقية، والتي أصدرتها (دار جامعة حمد بن خليفة للنشر بدولة قطر) في كتاب قاربت صفحاته (580) صفحة من القطع المتوسط، وهو بإخراجه لها حاول –كغيره ممن أصدروا سيرهم الذاتية- أن يرصد لنا تجربته الشخصية في الحياة عن طريق تدوينها في هذا السفر الذي أعطاه وسم “السيرة”، لكن الذي يسترعي الانتباه أنه جنّس سيرته هذه بعنوان فرعي هو: “سيرة عراقية”؛ فلماذا فعل ذاك؟ وهل أراد –وهو المختص بالسرود- أن يلفتنا إلى نمط جديد من أنماط السير أو أراد أن يؤكد لنا أن سيرته هذه ليست إلا سيرة ذاتية واحدة من ضمن مجموعة كبيرة من سير العراقيين الذاتية؟

  • تجنيس مزدوج

الإجابة عن السؤال السابق، تتطلب الحديث عن محتويات النص وكيفية بنائه له؛ حتى نطمئن إلى النتيجة التي سنخرج بها بعد ذلك؛ فالقارئ لنصه هذا يجد أنه يتحدث عن حياته الشخصية التي يمكن أن تُلخَّص بالمسارات الآتية: (الطفولة، والوطن، والعلم، والحب، والحرب، والارتحال). وهذه المسارات التي كانت تتداعى على ذاكرته، عند الكتابة عنها، كالأمواج التي كانت تمتد وتنحسر أمام ناظريه على شواطئ البحر الأبيض المتوسط وهو يتأملها من خيمته في إحدى المدن الساحلية الليبية التي قضى سبع سنوات من عمره فيها، هي التي أوحت له بالعنوان الرئيس لسيرته هذه التي وسمها بـ”ـأمواج”.

وإذا ما ساءلنا مساراته تلك عن الأمور المغايرة التي جعلت حياته تختلف عن الحياة العادية لبقية الناس واستحقت منه أن يكتب عنها سيرته هذه، فقد لا نجد فيها ما يجعل حياته فريدة ونوعية؛ إذ قد تتشابه مسارات حياته مع مسارات حياة غيره، لكنه أراد ألا تكون أحداث مسارات حياته عادية بالرغم من عادية كثير منها؛ لذا احتال عليها بحيلة فنية جعلته لا يقتصر على سردها فقط، وإنما كان يصحبها بسرد سيرة بلده من خلال رصده للوقائع والأحداث التي جرت على بلده (العراق) منذ طفولته، أو التي خاضها وشارك في صناعتها من أجله، أو التي عاشها وصاحبها أثناء وجوده فيه وبعد مغادرته له.

إنه بهذه الحيلة الفنية سعى إلى كتابة سيرة العراق بالموازاة مع كتابته لسيرته الذاتية؛ ليؤكد أن سيرته لم يكن لها أن تتشكل بعيداً عن سيرة حياة بلده، وسيرة حياة بلده لم يكن لها أن تُرى من الداخل بوضوح إلا من خلاله، بوصفه مواطناً من مواطنيه الذين انعكست عليهم أوضاعه فكانوا جزءاً منه ومكوناً من مكوناته، كما كانوا -أيضاً- فاعلين فيه مثلما كانت أحداثه فاعلة فيهم.

ما تقدم يجعلنا نفهم لماذا حاد عن تجنيس عمله هذا بـ”سيرة ذاتية” إلى تجنيسه بـ”سيرة عراقية”؛ فسيرته هي سيرة بلده، وسيرة بلده هي سيرته، ما دام الكل مشكلاً من أجزائه، والجزء مرتبطاً بالكل؛ لذا لا غرابة إن وجدناه يفيض في تتبُّع ما جرى للعراق من أحداث منذ انقلاب البعث حتى آخر حرب من حروب الخليج التي ابتدأت بالحرب العراقية الإيرانية، وثنت بغزو الكويت، وانتهت بغزو الأمريكان للعراق وإسقاط نظام صدام عام 2003م؛ فهو حينما يصف ما رأى أو ما وقع من أحداث في مواطن من سيرته، وحينما يحللها أو يفيض في ذكرها إلى درجة غياب الحديث عن سيرته الذاتية في مواطن أخرى، فإنما يفعل ذلك؛ لكي يبين انعكاسات ذلك على مسارات حياته وحياة من اتصل بهم من الأهل والأصدقاء والحبيبات والزملاء والأدباء والمثقفين والأكاديميين والأمنيين وغيرهم ممن أسهموا في بلورة سيرته ومسيرته وفي اتخاذه لقرارات مصيرية أحدثت انعطافات حادة في حياته.

ولا يخفى على القارئ المتمعن لسيرته هذه تفصيلُ السرد وتبطئة زمنه في مختلف الموجات التي سبقت لحظة مغادرته للعراق أو لحقت لحظة عودته إليه بعد السقوط، كما لن يخفى عليه تسريعه بالحذف أو الإجمال في الموجات التي رصد لنا فيها حياته في ليبيا وفي قطر، وهذا هو ما يؤكد أنه أرادها سيرة للعراق إلى جانب سيرته هو، كما لن يخفى عليه أن كل ما أحدثه من فجوات بَتَرَ فيها الأحداث المروية في سيرته وترك أمر ملئها للقارئ لا تخرج -أيضاً- عما له علاقة بالعراق والعراقيين. ولأن هذه الفجوات، التي تركها مفتوحة عامداً، تبعث على التساؤل حيناً، وعلى التشكُّك حيناً ثانياً، وعلى التأويل المغرض والسيء حيناً ثالثاً، فإنه استطاع بها إثارة فضول القارئ وإدخاله في لعبة الاحتمالات المتعددة التي قد تمكنه من كشف حقيقة ما جرى من حقائق أو أحداث، بعد أن يكون قد بذر في نفسه التساؤل أو الشك أو التأويل السيء الظن؛ فبلبلته للقارئ بهذه الفجوات هي التي دفعتنا إلى إفراد الجزئية التالية لها.

  • كشف الفجوات

ما يثير التساؤل من تلك الفجوات التي تركها مفتوحة في سيرته هذه، عدم ذكره لأسرته الصغيرة جداً إلا مرتين أو ثلاثاً، وفوق قلة ذكره لها، سيجده القارئ يزيد من فعل تغييبه لها باستعماله صيغاً لغوية عامة محيلة إليها؛ إذ لا تخرج المفردات التي يشير بها إلى أسرته هذه عن هاتين الصيغتين: “أسرتي” أو “زوجتي وابني”، كما أنه حين أورد ذكرها، في مواطن متأخرة من السيرة، أوردها عرضاً ودون أن يذكر لنا شيئاً، من قبل، عن زواجه ولا متى كان ولا كم من الأبناء والبنات أثمر عنه هذا الزواج، كما أنه لم يذكر اسماً واحداً لأي منهم، ولم يُشكّل كلمة “ابني” بما يدلّ على أن المقصود بإيراده لها ابن واحد أو ابنين، ولم يحدد متى ولا كيف غادرت أسرته العراق بعد هروبه منه؛ لتلحق به إلى ليبيا، وكأن لا أثر لأفراد أسرته في حياته أو كأنه، بتغييب زوجته بالذات، قد وقع في براثن سلطة المركزية الذكورية العربية التي قد لا يكون تعرض لشيء منها في مواطن من نقده للمركزيات الغربية والإسلامية التي سلبت منا، اليوم، حق اختلافنا عنها، ونقده لهذه المركزيات يجده القارئ مفصلاً في مشروعه الفكري الذي جمعه في ثلاثة أجزاء جاءت كلها تحت عنوان: “المطابقة والاختلاف”، بعد أن كان كل جزء منها في كتاب مستقل وله عنوان مختلف عن الآخر.

لقد غيب زوجته وأبناءه تماماً، بينما أحضر إخوانه وأبناءهم في حادثة الغرق التي نجا منها هو، ولم ينج منها ثلاثة من أبناء إخوته؛ فبذكره لهم وبوصفه المؤلم والمؤذي والمخيف لحادثة غرقهم، ترك لنا انطباعاً مفجعاً لأنانية الإنسان حينما يحدق به الموت فعلاً. كما أفصح لنا عن حبيباته وعشيقاته ومن دخل معهن في علاقات غرامية وجنسية مرمّزاً لهن حيناً ومفصحاً بأسمائهن حيناً آخر؛ فبهن -على كثرتهن- استطاع أن يكسر كل التابوهات ويقوّض معهن المركزيات الاجتماعية والدينية، وبالذات مع “لمياء عباس” التي أقنعنا في علاقته بها أن مؤسسة الزواج التقليدية الفاشلة قد تنتهي بجنون يمارس خارجها.

أما ما يبعث على التشكُّك من تلك الفجوات، فالضبابية التي أحاط بها حكايته مع صديقه القريب إلى قلبه والناقد الحداثي المسرحي “عواد علي” الذي ألّف معه ومع صديقه الآخر “سعيد الغانمي” كتاباً مشتركاً عنونوه بـ”معرفة الآخر- مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة” إبان تشكيلهم لـ”جماعة بغداد النقدية” التي كان ينتسب إليها مجموعة النقاد الذين غيّروا وجه الحركة النقدية في العراق وأصبحوا -فيما بعد- أعلاماً يشار إليهم -اليوم- بالبنان في النقد الأدبي الحداثي وما بعد الحداثي كـ”سعيد الغانمي، وحاتم الصكر، وفاضل ثامر، ومحمد صابر عبيد، وغيرهم”؛ إذ استطاع عبد الله إبراهيم أن يوفر لـ”عواد علي” عملاً في قطر، إلا أن الأخير ترك عمله سريعاً وعاد إلى مهجره في أمريكا دون أن يعرف القارئ سبب تركه للعمل ولا سبب هجره وجفائه لصاحبه، ولكن طريقة العرض تشكّك في أن عبد الله إبراهيم تعمّد أن يترك جزءاً من نص فضّ الصداقة مفقوداً؛ ليجعل قُرَّاءه يترددون، في حيرة، بين إدانتهم له أو إدانتهم لصديقه.

وأما ما يدعو إلى التأويل المغرض والسيء، فالفجوة التي تركها عامداً حينما جاءه رجال الأمن إلى بيته وطرقوا عليه الباب؛ ليحققوا معه فيما اتهمه به رئيس اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين من تهم ملخصها أنه قام بسبّ الرئيس “صدام حسين” وأنه يعمل على تقويض الحس الوطني بدعوته إلى فك الارتباط بين الأدب والأيديولوجيا البعثية. ولم يكن رئيس الاتحاد هو الرجل الوحيد الذي ألصق به هذه التهم، فقد تألّب عليه من قبله “علي جواد الطاهر” شيخ النقاد العراقيين -حسب وصفه له- الذي دخل معه في معركة أدبية في الصحف حول مناهج النقد الحداثي اتهمه فيها “الطاهر” بأنه يروج للغرب وللعمالة لهم ما دام يتبنى تلك المناهج، كما اتهمه بتقويض العروبة والإسلام والبعث من الداخل “سامي مهدي” الذي كان رئيساً لدائرة الرقابة على المطبوعات في وزارة الثقافة العراقية؛ وذلك حينما رفض الموافقة على طباعة أطروحة عبد الله إبراهيم للدكتوراه التي أصدرها خارج بغداد -فيما بعد- تحت عنوان “السردية العربية”؛ بحجة وجوب حذف ما يقوّض ما قدمنا ذكره من الأطروحة.

إن وقوف سرده عند طَرْق ضباط الاستخبارات للباب وخروجه إليهم، من دون ذكر لما دار بينهم ولا ما دار في التحقيق ولا كيف نجا من السجن بعد كل ذاك التأليب، يجعل ما نُقل إليه -فيما بعد- من اتهام بأنه عنصر استخباراتي غير مثير للاستغراب، خصوصاً إذا ما عرفنا كيف كان يشتغل النظام الأمني في العراق آنذاك، وإذا ما ربطنا ذاك بقبوله موظفاً في دائرة البحوث في وزارة الخارجية وبذهاب زملائه إلى الجبهات واستثنائه وبأمور أخرى، فكل ذلك يعزّز التأويل المغرض تجاهه.

ويمكن أن يأتي التأويل المغرض والسيء من زاوية أخرى؛ إذ لم يجده القارئ يذكر أستاذاً من أساتذته في البكالوريوس ولا في الدكتوراه بخير؛ فقد لمزهم جميعاً. وأما في مرحلة الماجستير، فإنه لم يذكر حتى اسم مشرفه ولا مَن ناقشه. وهذا قد يؤول لدى بعض القراء أنه يوحي بحالة من حالات تضخم الذات التي لا يملك إزاءها القارئ إلا أن يغفرها له بعدما عرف كعبه العالي فيما أنتجه من مؤلفات وكتب، وما آل إليه مقامه المعرفي من وضع لا يدانيه في المستوى مقام أي ممن يؤخذ عليه عدم ذكره لهم.

كل ما تقدم من تساؤلات وتشكيكات وتأويلات مغرضة لا تقدح أبداً، في حقّ الأستاذ والناقد والمفكر الكبير عبد الله إبراهيم ما دام إنساناً يخطئ ويصيب بحسب ما أوحى بذلك في سيرته، وما دام بمقدور تركيبة النظام البعثي أن تفرض عليه وعلى غيره الانخراط فيما لا يرتضيه ولا يرتضونه، وما دامت كل تلك الأمور قد دفعته إلى أن يصبح ناقداً ومفكراً وأكاديمياً بمكانته التي ملأ بها الدنيا، وما دامت قد حفزته على إنتاج كتاباته النقدية والفكرية المغايرة ودراساته الثقافية الرائدة التي شغل بها الناس؛ فبإنتاجه الغزير والعميق والشامل ذاك عرَّى حقيقتنا، وبه تعرفنا على أنفسنا، وبفضله تمكنا من الوصول إلى يقين بضرورة تغيير حياتنا وبنياتنا وفكرنا ومجتمعنا.

  • إنعاش الذاكرة

لقد سعى عبد الله إبراهيم إلى كتابة سيرته هذه كتابة موثقة بالتواريخ، وفي أحيان كثيرة باليوم والساعة. وهذا الفعل قلما نجد نظيره في كتابة السير الذاتية؛ لأننا لم نجد، إلا في النادر، من يكتب يومياته أولاً بأول، وعبد الله إبراهيم واحد من هؤلاء النوادر الذين اعتمدوا على يومياتهم التي كانوا يدونونها في كتابة سيرهم؛ فقد وجدناه يصرح بأنه عاد إلى آلاف الصفحات، التي كان يدون عليها يومياته مؤرّخة، حين عزم على كتابة سيرته هذه.

مثل هذا التدوين اليومي لا يكشف عن وعي استشرافي بأهمية التقييد في إنعاش الذاكرة عند النسيان أو الالتباس فقط، لكنه يكشف عن رجل منظّم ونشط في تقييد كل واردة وشاردة مما يعرض له في حياته ومما يطرأ على ذهنه من أفكار أو مما يهمه من قراءاته؛ الأمر الذي يفسر لنا الفيض الكبير في إنتاجاته الفكرية والنقدية، والتضخم الكبير لبعضها، والأسلوب المتدفق كالسيول والغزير بالمعلومات كالأنهار في كتابته، والتنظيم الدقيق لمؤلفاته، والمنهجية المرنة في تحليلاته، وما على القارئ إلا العودة إلى الأجزاء التسعة من “موسوعة السرد العربي” أو إلى كتاب “المطابقة والاختلاف” أو كتاب “أعراف الكتابة السردية” مثلاً؛ حتى يتأكد أن الفيض والتدفق والغزارة والتنظيم والمنهجة التي سيجدها فيها لم تكن إلا نتاج ذلك النشاط الدائم في التقييد والتوزيع والتنظيم. وعليه، فإنه بتصريحه بتدوين يومياته وباستنتاجنا لطريقة كتابته لمؤلفاته، يعلمنا درساً في كيفية الكتابة، وفي كيفية التأليف، وفي مناهج البحث العلمي، وفي النقد والتحليل والقراءة للأدب والفكر، دون أن يفصح لنا عن ذلك.

  • بنية السيرة

إن أجلى صورة معبرة عن هذا الانضباط في التقييد والتنظيم، وعن دلالة العنوان الرئيس “أمواج”، تُلتقط، في سيرته هذه، من حركتين مشابهتين لحركتي المدّ والجزر اللتين تولدهما الأمواج؛ فهاتان الحركتان غالباً ما تظهران متقابلتين في مواطن كثيرة من الكتاب، غير أن هذا التقابل لا يُلمس بوضوح عال إلا بتتبع جزئيات السيرة من البداية حتى النهاية؛ فإذا ما تحقق المد في البدء، ففي الختام يأتي الانحسار في صورة ثنائيات ضدية تنظم النص السيري تنظيماً بنيوياً ينم عن وعي عال ببنائه وفق حركة الأمواج.

لتأكيد ما تقدم ذكره، يمكن للقارئ أن يعود إلى نص السيرة؛ ليتأمل كيف وصف لنا، في بداية النص، حركة المد البشري التي بفعلها نُقلت كثير من الأسر العراقية العربية، ومنها أسرته، من جنوب العراق إلى شماله الكردي والتركماني بعد العهد الملكي أو أثناء حكم الشيوعيين والبعثيين للعراق؛ تنفيذاً لسياسة التوطين التي يرجى منها إحداث الاندماج بين مختلف أبناء الشعب العراقي وتذويب العصبيات العرقية والطائفية التي كانت تسعى أيديولوجيات الأحزاب الحاكمة إلى تحقيقهما وفق تصور كل منها، وقد كان من نتائج هذا الفعل القسري أن ظلت نيران الحقد على العرب الوافدين إلى شمال العراق خامدة تحت الرماد إلى أن اشتعلت مجدّداً مع قيام الأكراد بتشكيل جماعات وأحزاب مقاومة لحزب البعث في مناطقهم التي يتقاسمونها مع التركمان لا مع العرب، وهذه المقاومة هي التي أدت، بعد إسقاط النظام عام 2003م المذكور في الجزء الأخير من السيرة، إلى تصوير اضطهادهم للعرب الموجودين في مناطقهم تلك وإلى استهدافهم لهم وتدمير منازلهم وتهجيرهم منها بالقوة؛ الأمر الذي أدى إلى انحسارهم أو نزوحهم الاضطراري إلى مناطقهم الأولى أو إلى غيرها من المناطق التي تتقبل وجود العرب فيها.

لقد كان بتوصيفه لحركة الأمواج البشرية هذه يعرض لحاله وحال أسرته وما تعرضوا وتعرضت له ممتلكاتهم من مصير مواز لمصير أمثاله وأمثال أسرته من العراقيين الذين أخذهم جبروت السلطات -في حركة مد- من جنوب العراق إلى شماله، ثم أعادهم إسقاط النظام وصعود الطوائف والقوميات -في حركة جزر- من شمال العراق إلى وسطه وجنوبه وخارجه؛ ليجعل سيرته الذاتية جزءاً لا يتجزأ من سيرة أسرته ومن سيرة كل العراقيين الذين يتشابهون معه أو يتشابه معهم في المصير نفسه، وليحملنا على إدراك سر وسمه لسيرته في العنوان بـ”سيرة عراقية”.

ولو تتبعنا حضور حركة الأمواج في كتابه هذا، لوجدنا هذه الحركة تكتنف كل تفاصيل سيرته التي رصدنا مدها وانحسارها في طبيعة الصراع العراقي الإيراني الذي اكتسح فيه العراق إيران ثم انكسر حتى كاد يفقد كل المناطق الجنوبية منه، وفي حركة غزوه للكويت وتراجعه عنها، وفي حركة تحديه لقوات التحالف وانهياره أمام قوات المارينز الأمريكية، وفي حركة عبد الله إبراهيم نفسه الذي بدا معتقلاً لا يستطيع الخروج من بلده، ثم غدا هارباً منه إلى أكثر من قطر عربي، محاولاً العودة إليه بعد السقوط في حركة ارتدادية نحوه، إلا أنه فرّ منه مجدداً وما زال في حركة مدّه خارج العراق إلى اليوم.

هذه الأمواج التي تمظهرت في صورة حركة ضدية، جلَّاها نصُّه السيري هذا مرة أخرى في صورة حركة تناظرية، فقد عكس لنا، في بداية نصه التي حكى فيها عن طفولته، صورة مؤلمة جداً لوالدته التي أخذ السرطان يلتهم جسدها جزءاً فجزءاً إلى أن أتى على معظم جسدها، ثم انتهى إلى الفتك بوجهها، وزحف، في الأخير، إلى فمها حتى صار من المستحيل إدخال شربة ماء إليه؛ الأمر الذي جعل ابنها ينتظر لحظة خلاصها ويرى بأمّ عينيه كيف انتزع الموت منه، في بداية نصه وفي مقتبل عمره، أعزّ ما له في الوجود (أمه)، وكيف انتزع الغرق منه، في وسط نصه وفي زهرة شبابه، أبناء إخوته الثلاثة؛ فكما التهم الموت أمه والغرق أبناء إخوته بتلك الصور المفزعة في البداية، وجدنا النار التي أضرمها الأكراد في بيته تلتهم، في نهاية نصه وفي خريف عمره، مكتبته الكبيرة التي بناها على مدى سنين طويلة وأنفق على تكوينها أموالاً طائلة، حتى غدت مع البيت أعزّ ما يملك بعد والدته وأقاربه.

وبهذا التناظر نجد أن مدّ موجة الحزن على أمه وأبناء إخوته أعقبه انحسار له؛ لتأخذ موجة السعادة تنمو وتمتد شيئاً فشيئاً إلى أن تصل ذروتها بتحقيقه لرفاه مادي ممتاز وبتكوينه لرأسمال رمزي معرفي كبير، إلا أن هذا كله انحسر فجأة، في ختام نصه، حين ضربته موجة حزن جديدة وكبيرة جداً أفقدته العراق ومنزله ومكتبته؛ لينتهي نص سيرته بإغلاق بنيته الدائرية التي بدأت بموجة حزنه على أمه وفقده لها وانتهت بأمواج حزنه الممض على دمار بلده الذي غزاه الأمريكان والإيران والغربان السود، وعلى تسوية منزله بالأرض وإحراق مكتبته وتحويلها إلى رماد؛ فهذه كلها أمور توحي، ولو من طرف خفي، بتعالقه مع ما حدث للعراق أيام التتار من تدمير لبغداد وإغراق لمكتباتها في نهري دجلة والفرات، وكأنه أراد أن يجعل لتاريخ العراق “بنية فَقْدٍ دائرية” حزينة شبيهة ببنية نصه السيري الدائرية الفقد والحزن؛ لكي يماثل بينهما، فتصير سيرة حياة عبد الله إبراهيم هي نفسها سيرة حياة حاضر العراق وسيرة حياة تاريخه الماضي، وكأن الفقد والحزن صارا بنية ممتدة فيهما وقدراً عليهما لا فكاك منه.

- محمد مرشد محمد الحاج الكميم

أستاذ الدراسات الأدبية، كلية الآداب، جامعة صنعاء، اليمن

شاهد أيضاً

تمثيلات تاريخ الأندلس في الرواية العربية والإسبانية

  سعيد الفلاق، تخييل الأندلس: سرد التاريخ بين الواقع والإيديولوجيا في الرواية العربية والإسبانية، منشورات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.