أدوات النقد الشعري عند أحمد اليبوري

 

أحمد اليبوري، في شعرية ديوان روض الزيتون لشاعر الحمراء، منشورات دار الثقافة، الدار البيضاء، 2021.

· تقديم

يمكن أن نؤرخ النقد الأدبي باعتباره تاريخَ أسئلة؛ أسئلة مختلفة ومتنوعة ومتباينة، لكنها تؤول من الناحية المعرفية والعلمية إلى سؤال واحد: أين توجد أدبيةُ الأدب؟ فهذا السؤال لا يخلو منه أي عمل نقدي، سواء أكان كتابًا مُصَنَّفًا أم كان مقالةً، وسواء أكان دراسةً مستفيضةً أم مونوغرافيا مفردةً.   فالنقاد يطرحون دائمًا هذا السؤال، بشكل صريح أو ضمني، ويسعون دائمًا إلى الإجابة عنه.

وبما أن هذا السؤال قد لازم تاريخَ النقد الأدبي، فإن الإجابات المتعلقة به تقع موزعة بين دوائر هيرمينوطيقية ثلاث: 1- دائرة الإنتاج، حيث يذهب الناقد إلى أن أدبيةَ الأدب المدروس تكمن في شروط الإنتاج التاريخية أو الاجتماعية أو الشخصية أو النفسية؛ 2- دائرة النص، حيث يذهب الناقد إلى أن أدبيةَ الأدب المدروس تكمن في استعماله النوعي للغة ولأساليب النوع الأدبي الذي ينتمي إليه ذلك الأدب؛ 3- دائرة القراءة والتلقي، حيث يذهب الناقد إلى أن الأدب ليس أدبًا إلا لأن القارئ يقرؤه بصفته كذلك، ويتلقاه على أنه أدب.  بهذه الدوائر الثلاث، يمكن أن نعيد رسمَ تاريخِ النقدِ الأدبي ومناهجِه وأدواتِه.

انطلاقًا من هذا التصور العام، ونحن نقرأ كتاب أحمد اليبوري حول ديوان روض الزيتون لشاعر الحمراء محمد بن ابراهيم، يمكن أن نسأل: كيف صاغ الناقدُ سؤالَه النقدي؟ وفي أي دائرةٍ يقع جوابُه الهيرمينوطيقي؟

1- السؤال النقدي

جاء هذا السؤال أولًا في عنوان الكتاب بالصيغة التالية: “في شعرية ديوان روض الزيتون”.  وهي صيغة قائمة على جار ومجرور متعلقين بمحذوف يمكن أن نقدره بطرق مختلفة، منها “أبحاث في شعرية ديوان روض الزيتون”، أو “دراسات في شعرية ديوان روض الزيتون”، إلى غير ذلك… ومن جهة أخرى فإن مصطلح “شعرية” يقع في بؤرة العنوان، وهو فرع من الأدبية: فالأدبية (Littérarité) في مجال الشعر تسمى “الشعرية” (Poéticité)، كما أنها في مجال السرد تسمى السردية (Narrativité)، وفي مجال الكتابة المسرحية تسمى الدرامية (Dramaticité)، وفي مجال العرض المسرحي تسمى المسرحة (Théâtralité)… فالعنوان يعبر بشكل واضح عن السؤال النقدي الذي يقوم عليه الكتاب.  أما داخل الكتاب فهناك تصريحات كثيرة تذهب في هذا الاتجاه.

2- الدوائر الهيرمينوطيقية

الدوائر الهيرمينوطيقية هي مواقع الفهم والتأويل التي ينطلق منها الناقدُ لكي يقدم المعطيات النصية أو الخارج- نصية التي يراها كفيلة بإضاءة العمل الأدبي المدروس، أو القضية الأدبية المدروسة، والتي يصل بها إلى تقديم الجواب عن سؤاله النقدي.

يتضح من المقاربات التي يتضمنها الكتاب، وما يتصل بها من أدوات نقدية، أن الناقد لا يقف ضمن دائرة هيرمينوطيقية واحدة؛ بل يرسم لجوابه ثلاث دوائر كبرى، هي: دائرة التاريخ، ودائرة النص، ودائرة التلقي. ومعنى ذلك أنه يرى شعريةَ الديوان المدروس متأتيةً من دائرة مُرَكَّبَة تجتمع فيها شروطُ الإنتاج الزمنية ومظاهر الشعر النصية وقضايا التلقي النقدية. لذلك يمكن أن نتحدث بصدد هذا الكتاب النقدي عن ثلاث مقاربات كبرى:

2. 1- المقاربة التاريخية

تقوم المقاربة التاريخية على أرضية فلسفية وَضْعِيَّة، حيث تُحَرِّك آليةَ الزمن، وتتوسل ضمن ذلك بمنطق السبب والنتيجة، لتخلص إلى أن شعرية ذلك الشعر إنما هي ناتجةٌ عن شروط تاريخية وأوضاع اجتماعية ونفسية عاشها الشاعر بشكل فردي وجماعي.  ومعنى ذلك أن الناقد يربط الشعرية بالشاعر، ويربط الشاعر بسيرة حياته، ويربط تلك السيرة بالعصر.

لذلك رأى الناقدُ أن يبدأ كتابَه بمدخل عام استوعب خمسَ عشرة صفحةً (ص 11- 24)، صَدَّرَه بقوله: “لا يمكن أن يباشر النقدُ الأدبي تقييمَ الأعمال الشعرية، دون أن يحدد موقع الشاعر على خريطة التغييرات التاريخية على المستويات الاجتماعية والثقافية والشعرية المعاصرة له.” (ص 11) وقد تضمن هذا المدخل أيضًا تصريحات مماثلة تؤكد أهميةَ هذه المقاربة وحضورَها في العمل النقدي، منها قولُه: “سنشير بإيجاز إلى التحولات التي عرفها الحاضنُ الأكبر الاجتماعي- السياسي في المغرب بين سنتي 1897- 1954”.

هذه تصريحات دالة على المقاربة التاريخية العامة التي تستوعب الاعتبارات الاجتماعية والثقافية والحركات الأدبية وتحولاتها عبر الزمن.  وهي مقاربةٌ رائدة بُنِيَ عليها النقدُ الأدبي الحديث، ابتداء من القرن الثامن عشر في أوربا، والقرن التاسع عشر في المشرق العربي، ومنتصف القرن العشرين في المغرب.

ضمن هذه المقاربة التاريخية العامة، تَوَسَّل الناقدُ بأداتين تحليليتين: 1- أداة التحليل السياسي الاجتماعي. 2- وأداة التحليل البيوغرافي:

الأولى انتهت إلى جرد كرونولوجي لأهم الأحداث العالمية والوطنية. من ذلك الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، والحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، وعشرية الاضطرابات في المغرب (1900- 1912)، وفرض نظام الحماية (1912)، وانتصار موحا وحمو الزياني على القوات الفرنسية في معركة الهري سنة 1914، وانتصار محمد بن عبد الكريم الخطابي على الإسبان في معركة أنوال سنة 1921، وتطبيق النظام الدولي في طنجة سنة 1925، واستسلام الخطابي في تاركيست ونفيه إلى لارينيون (La réunion) سنة 1926، وغير ذلك من الأحداث والوقائع التاريخية ذات الظلال الاجتماعية والاقتصادية. أما التحليل البيوغرافي فقد تتبع مراحل حياة الشاعر محمد بن براهيم.  وقد انتهى الناقد في هذا التحليل إلى كتابة تاريخ شخصي للشاعر، أفضى إلى رسم لوحته الأدبية (Portrait littéraire).  وبالإضافة إلى التحليل السياسي- الاجتماعي والتحليل البيوغرافي.  وهناك أداة أخرى هي الاختيارات والمنتخبات الأدبية.

2. 2- المقاربة النصية

تعامل الناقد مع شعر محمد بن ابراهيم وفق مقاربة نصية مزدوجة: 1- مقاربة نصية حوارية. 2- ومقاربة نصية موضوعاتية.

الأولى تركز على علاقة شعر ابن براهيم بشعر غيره من الشعراء القدماء والحُدَثاء.  وهي مقاربة تستحضر بعض مظاهر التفاعل النصي المتمثلة في المعارضات الشعرية [[1]] التي أنتجها الشاعر.  منها تخميس [[2]] أشعار أبي نواس والمتنبي وابن عبد ربه وابنِ الونان وعبد الله الشبراوي وبَيْرَم التونسي وابن الفارض وشعراء مدرسة الديوان الرومانسيين.  أما الثانية فتركز على التيمات الشعرية المرتبطة بالغزل والوجدان والمعاناة والوطن.

2. 3- المقاربة القِرائية

خص الناقدُ الباب الأول من كتابه لأشكال التفاعل التي حققها ديوان روض الزيتون لدى القُرّاء النقاد.  وقد اتخذت هذه المقاربة منحًى ميتانقديًا، لأنها انصبت على مناقشة آراء النقاد حول قضايا الشعر والشاعر.  من ذلك قضيةُ الشك في شعر ابن إبراهيم، وقضيةُ تصنيف شعره، وقضيةُ السَّجِيَّة والتَّثْقيف.  وفي هذا السياق ناقش آراءَ ومواقف كل من عبد الكريم غلاب، وعبد الله كنون، وعباس الجراري، وأحمد الشرقاوي إقبال، ومحقق الديوان أحمد شوقي بنبين.

· خاتمة

من خلال هذه الإشارات السريعة إلى الدوائر الهيرمينوطيقية، وما تتضمنه كل واحدة منها من مقاربات منهجية وأدوات نقدية، نخلص إلى الملاحظة التالية:

1- يتجاور في هذا العمل النقدي إبدالان معرفيان: الأول، هو إبدال الحداثة المتمثل في المنهج التاريخي، والثاني، هو إبدال المعاصرة (أو ما بعد الحداثة) الذي يتمثل في المقاربة التناصية.  الأول يعتبر النصَّ نتيجةً لسياق تاريخي فعلي، يفسره ويُفَسَّرُ به؛ والثاني يعتبر النصَّ لقاءً لنصوص، عبر ظواهر التفاعل النصي. يضاف إلى ذلك المقاربة القِرائية التي تستحضر نصوصَ القرّاء النقاد، أي، آراءَهم ومواقفهم. (يتعلق الأمر بتاريخ خارجي وتاريخ داخلي).

2- بناء على ذلك، يبدو أن العمل النقدي قد اتجه وجهةَ ما يُسَمّى “النَّقْدَ التكاملي”، أو “المنهج التكاملي”.  وهو منهج طالما أثار نقاشات معرفيةً وفكريةً لدى من يعتقدون ضرورةَ اعتماد رؤية منهجية واحدة منسجمة؛ غير أن التجارب المتحققة في هذا المنهج على الصعيد العربي قد أفرزت نقادًا كبارًا يتميزون بالموسوعية المعرفية والخبرة التحليلية.  ومنهم أحمد اليبوري، ليس بصفته ناقدًا فقط، وإنما بصفته أيضًا أستاذا للأدب والنقد، ومؤطرًا للباحثين في مجال المعرفة الأدبية.

3- من أسباب هذا المنحى التكاملي في العمل النقدي، رغبة الناقد في الإحاطة بعمل محمد بن ابراهيم، لا بصفته نصوصًا شعرية فحسب، بل بصفته ظاهرة إبداعية مغربية متفردة، تحيط بها قضايا تاريخية وأدبية، وتتعاوَرُها مواقفُ ومواقفُ مضادة.  لذلك فالناقد أحمد اليبوري، حتى وإن لم يحقق هذه الإحاطة كَمِّيًّا فقد حققها نوعيًا، وذلك بأن رسم للقارء مداخل متنوعة للشعر والشاعر.

هوامش

[1]- المعارضة الشعرية هي أن يتخذ الشاعر شعرًا سابقاً، فيتبعه في الصياغة والأسلوب، مع اتفاق في الوزن والقافية، لكن مع تطوير معان جديدة تبرز تفوقه على الشاعر السابق.

[2]– التخميس هو أن يأخذ الشاعر بيتاً لسواه، فيجعل صدرَه بعد ثلاثة أشطر ملائمة له في الوزن والقافية، أي يجعله عجزَ البيت الثاني، ثم يأتي بعجز ذلك البيت بعد البيتين، فيحصل على خمسة أشطر.

 

 

 

- عبد الواحد المرابط

أستاذ باحث في الدراسات النقدية المعاصرة. جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء

شاهد أيضاً

المشاعر والسياسة

حسن طارق، ما الذي تركته المشاعر للسياسة؟  مقالة في القبائل الحزينة، منشورات باب الحكمة، تطوان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.