لم يكن التاريخ أبدا محفزي الأول لكتابة الرواية، ولكنني التجأت إليه في بعض الأحيان لإضفاء نوع من “الواقعية” على الأحداث التي أنسجها، ولأضع في جسد السرد بعض العلامات التي تسند مَنْطِقَه، أو تعين القارئ على تحديد أكثر فعالية لعلاقته بالزمن. وَلاَ أخفي هنا أنني كثيرا ما عثرت في الوقائع التاريخية المكتوبة من قبل مؤرخين، على غرابة مدهشة، أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، فكان ذلك يدفعني إلى استعمال “الفقرة الغريبة” أو “الحدث المثير” كجزء لا يتجزأ من الكتابة التخييلية، فعلت ذلك في «علبة الأسماء”، وفي ” ثلاث ليال”، وفي روايتي الأخيرة “من خشب وطين”. لا يتعلق الأمر باصطياد مأثورات التاريخ لتوظيفها في النص، بل يتعلق أساسا بإبراز نسبية التطابق بين الواقع والكتابة.
فعندما يكتب الناصري مثلا عنْ واقعة السلطان مولاي سليمان ببني مجيلد. وكيف هزم في المعركة، وكان يمكن أن تكون تلك نهايته، كما كانت نهاية ابنه ابراهيم، ثم كيف أنقذه واحد من المقاتلين، وأوصله ضد كل توقع إلى مركز حكمه بمكناس، ثم كيف “توالت عليه الفتن حتى فكر في اعتزال الملك…”، فإننا نقرأ ذلك في سياق أحداث معينة ومعروفة وفي إطار ذلك التوتر الدائم بين السلطة المركزية والقبائل، التوتر النابع من تعاقب الإخضاع والتمرد، لكن ابراهيم، وهو شخصية من شخصيات رواية “من خشب وطين” يقدم هذا المشهد كلقطة جديرة بالسينما والرواية. عندما تورد هذه الحقيقة التاريخية، فلأنها تريد أن تجعلها جزءً من متخيل المعمورة التي كانت مجال انبعاث قبيلة زمور وتفككها.
لم يكن في نيتي أبدا أن أؤرخ للموقف التراجيدي للسلطان مولاي سليمان، ولا لمحنة زمور التي كانت “تنتهب ثروتها وماشيتها” في كل عام على يد السلطان دون أن يكون ذلك لأي سبب سياسي أو تاريخي مقنع. لكن بما أن غابة المعمورة كانت الشخصية الأساسية في روايتي، فإنني وجدت في ما أوردته كتب التاريخ عن علاقتها بالمخزن، وبقبيلتي زمور وبني حسن، وعن علاقتها بالمدن المجاورة وخاصة سلا والرباط، وعن خصائصها البيئية، وعن التدبير الاستعماري لمجالها، مواد في غاية الأهمية لاستكمال بناء النسق الروائي.
ربما يجد المؤرخ الموضوعي في الاستعمال الروائي للمعلومات التاريخية، نوعا من تخريب النسق الذي تقوم عليه الكتابة التاريخية، لأن إدماج هذه المعلومات في المتخيل يجعلها تنزلق من “يقين الحقيقة التاريخية” إلى الشك الذي يخلط بين الإمكان والاستحالة، والذي لا غنى عنه لتخيل المصائر والمآلاَت في فضاء الرواية.
من جانب آخر، وبالرغم من تعدد المقاربات التأريخية في العصر الحديث، حيث لم تعد مقتصرة على تاريخ الدول والحروب والتحولات، بل توسعت لتشمل المعتقدات والعادات، والأمكنة وغيرها، إلا أن العلاقة مع التاريخ ظلت في التلقي العام علاقة مع الماضي. نحن نؤرخ لما حصل وليس بالضرورة لما يحصل هنا والآن.
لقد ساءلتني هذه العلاقة أثناء كتابة روايتي “القوس والفراشة”، فقد دفعتني أحداث الرواية كما تخيلتها إلى استدعاء الأماكن الحقيقية التي سترتسم فيها الشخصيات ومساراتها، وفيها أماكن تاريخية مثل وليلي التي نسجت حول فسيفسائها الرومانية محكيات تلعب بالأزمنة، وفيها أماكن الحاضر، الرباط وسلا، في خضم تهيئة ضفاف أبي رقراق، ومراكش في خضم التدفق السياحي على المدينة القديمة، وصعود الأغنياء الجدد، والدار البيضاء تحت وطأة الأحداث الإرهابية، وموازاة مع الغليان الذي كانت تعرفه شبيبة الأحياء الصعبة. إنها فترة بدايات الألفية الثالثة (بداية العهد الجديد من الناحية السياسية)، وفترة القلق المشترك الذي تنتجه المراحل الانتقالية، بما يعنيه ذلك من اندفاع غير محسوب، وخيبات سريعة، وتقلب في الأمزجة، وبما يعنيه أيضا من تحولات في الخطاب والرموز والتأويلات.
هل سيهتم المؤرخ على نحو موازي أو متداخل مع الروائي بأحداث تنتمي لهذا القلق، مثل تجاور المقدس والمدنس» أو تنازع القديم والحديث في منطقة مولاي ادريس زرهون، أو مثل القضاء على مزبلة عكراش وعلى الدوار الذي كان يقتات منها في سلا، أو مثل محاكمة الشباب من عبدة الشيطان في الدار البيضاء، أو مثل احتلال رياضات مراكش من قبل أجانب يُحلون الاستيهام الإغرابي، محل المعالجة التراثية للأنسجة المعمارية العتيقة… لا أملك جوابا تفصيليا لهذا السؤال، ولكني أزعم أن التخييل في هذا الباب يلعب دور الوثيقة التي قد يشتغل عليها المؤرخ، حتى وهذا التخييل لا يقدم في منجزه الأدبي سوى “زاوية نظر خاصة”، تجعل من اليومي، والحدث العابر، والتحولات الجديدة، مسارات حكي، وليس بالضرورة مسارات تاريخية.
في تجربتي الروائية روايات تطلبت مني قراءات مكثفة في التاريخ، “علبة الأسماء” التي اشتغلت فيها على “الروح الأندلسية” لمدينة الرباط، وعلى حاضرها المتسم “باندثار الأسماء”، وبميلاد أزمنة جديدة في مغرب الثمانينات، أبرزها زمن السجن، وزمن المسجد الكبير في الدار البيضاء. و”ثلاث ليال”، التي استحضرت فيها عنف السلطة، وتجلي “الحريم” كبعد جوهري في هذا العنف، وذلك عبر ثلاث ليال، الأولى من عوالم الباشا الكلاوي، والثانية من عوالم زمن الرصاص… والثالثة “في زمن الرواية”، أي من خلال ما تبقى من هذا الماضي في أحوال اليوم.
في الروايتين معا شكلت “الحقيقة التاريخية” جزءًا من تقنيات الكتابة أي مادة من مواد البناء السردي، في الوقت الذي منحت فيه للكتاب إمكانيات مهمة لتحويل الأحداث، وخلق سياقات أخرى غير السياقات التاريخية التي حدثت فيها، يغلب عليها نوع من الأسطرة أحيانا، ونوع من العجائبية أحيانا أخرى، ودائما ضمن لعبة تُغَلب التمويه على إجلاء الحقيقة، والبحث الدائم عن زوايا جديدة للنظر إلى الحدث التاريخي أو إلى الشخصية التاريخية، غير تلك التي يصل إليها “قارئ التاريخ”.
في بداية التسعينات، ولأسباب عاطفية بحتة، أقدمت على كتابة روايتي الأولى “جنوب الروح” في “مناجاة” مع مكاني الأول، قرية بُومَنْدرة، في ضواحي مدينة زرهون. كنت وقتها حديث العهد بالانفصال في هذا العش، وبدا لي أن المكان الذي نبت من هجرة قسرية، قد استقر بطريقة لا رجعة فيها في ذاكرة شفوية، تتأرجح بين المجال المفقود والمجال المكتسب. لا أحد طبعا سيهتم بكتابة تاريخ هذه البلدة الطافية، التي لا تعرف كيف تُوَطنُ جذورها. من الممكن أن ينجز أحد طلاب الجغرافيا، أو المعهد الزراعي، منوغرافيا عن القرية، يثبت فيها إحصائيات باردة عن خريطة الهجرة، وتطور الديمغرافيا، وتحولات الملكية الزراعية، وعن خصائص الأعراف والتقاليد والطبائع. لكن هذه المعالجة العلمية لن تنجح في بعث قرية آيلة للاندثار. لذلك لم أفكر في الاستعانة بالتاريخ، بل لجأت إلى كتابة تاريخ مغاير من خلال الأحاجي والأحلام، والحكايات الشفوية، وسِيَّر النساء وقصص الحب، والعودة الدائمة للموتى. ومن خلال التيه الذي يلازم المصائر المرتبطة بالهجرة. وفي قلب هذا التيه ما فعله محمد الفرسيوي برجوع كاذب إلى الريف ظل يغذي به شغف الناس لعدة سنوات، بينما كان يسجل في دفتره الصغير (دفتره الوصية) رواية هذه الهجرة بأسماء الذين ظلوا هناك، بدون أحداث وبدون تاريخ.
لقد جعلتني هذه التجربة دون أن أخطط لذلك، منتجا لتاريخ خاص بهذا المكان هو تاريخ الوجدان والمشاعر، ورغم كونه رواية مكتوبة بنفس عجائبي إلا أن استعادته لتفاصيل الحياة اليومية في قرية تعيش على التذكر والأحاجي، قد جعل منه التاريخ الوحيد الممكن لهذه القرية التي اندثرت تقريبا في الواقع.
إن المسالة الأكثر إثارة في علاقة الرواية بالتاريخ هي في نظري ضرورة “نسيان” ما قرأناه من نصوص تاريخية عند الإقبال على كتابة الرواية، واستعادة بعض تفاصيلها الواضحة أو المبهمة لننسج بها روح النص. كل كتابة لصيقة “بوثيقتها” تغامر بأن تكون أقل من الكتابة، وأقل من الوثيقة في الوقت ذاته.
في كتابه “من عام الفيل إلى عام الماريكان”، يقدم الأستاذ عبد الأحد السبتي صيغة دقيقة ومحكمة للاستفادة من الشفوية لبناء المعرفة التاريخية. وقد انتبهت أثناء قراءتي لمحاضراته في إطار مناظرة أكاديمية المملكة المغربية لفائدة طلبة الدكتوراة في الجامعة المغربية، إلى نص يتحدث فيه الأستاذ السبتي عن مخاض هذا الكتاب، الذي يرجعه إلى بداية الثمانينات من القرن الماضي عندما أقدم على ترجمة مقال لهنري مونيو “تاريخ الشعوب التي بلا تاريخ”. إن استعمال المصادر الشفوية من قبل المؤرخين قد أصبحت بديهية، بيدَ أنّ تسمية السنوات في الثقافة الشعبية بدت لي -يقول الأستاذ السبتي- مدخلا لدراسة العلاقات الموجودة بين الذاكرة المكتوبة والذاكرة الشفوية.
هذا النوع من العلاقة بين كتابة التاريخ وبين الإنصات “لمن لا تاريخ لهم” بدت لي في غاية العمق والأهمية، لأنها تعيد الاعتبار لوجهة نظر العامة، ومن خلال ذلك، تعيد الاعتبار للمتخيل. وربما لهذا السَّبب ولجودة البحث وجودة كتابته، قرأت كتاب الأستاذ السبتي شخصيا كعمل أدبي، وهو ما يدفعني للتساؤل لماذا لا تصبح الرواية وهي عمل تخيلي في عصرنا، مصدرا من مصادر التأْريخ، كما هي المصادر الشفوية التي تُقيمُ في الحدود الملتبسة بين الواقع والمتخيل… ألا تمكننا الرواية المعاصرة اليوم من معرفة المجتمعات التي أنتجتها، أكثر بكثير مِمَّا تمكننا منه بعض كتب التاريخ؟!
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه
