محمد أمنصور، سيني – كلوب. رواية، الدار البيضاء، نشر الفنك، 2023.
ينطلق نص الرواية من لُغز ووصية، من قرار التحقيق في لغز وتنفيذ وصية. يخبرنا السارد، يونس المسناوي، الشغوف بالسينما، أنه قضى سنوات عديدة خارج المغرب، وقرر أن يعود بشكل نهائي إلى بلده، بعد أن اطلع عن طريق مواقع إخبارية، على حدثين متزامنين أثارتهما أوساط حقوقية ونشطاء من الكونغريس العالمي الأمازيغي، وهما اختفاء أخيه، فنَّان الغرافيتي المعروف إلياس المسناوي، واعتقال زوجته رقية داود، الباحثة الجامعية المرموقة في مجال الدراسات التاريخية والأركيولوجية حول تمازغا وإمارة برغواطة. ويقترن هذا اللغز بعنصر آخر، وهو أن صالح المسناوي، أحد رواد حركة الأندية السينمائية بمكناس، حين كان على مشارف الموت، أوصى ابنه يونس بإنجاز فيلم عن حياة صالح بن طريف، مؤسس إمارة برغواطة التي عمَّرت أكثر من ثلاثة قرون، وأعلن الاستقلال عن الخلافة الأموية، وادعى النبوة وأخفاها، وألف قرآنا باللسان المحلي، واختفى في سن السابعة والأربعين، ووعد بالرجعة في عهد خليفته السابع، حيث سوف يكون المهدي الذي يخرج في آخر الزمان.
هكذا افتتح محمد أمنصور روايته سيني كلوب الصادرة سنة 2023، وهو نص تكمن قوته في المزاوجة بين التشويق والعُمق. يقوم التشويق على حبكة مبنية على عملية تحقيق تتخللها سلسلة من الاكتشافات المثيرة. ويكمن جانب العمق، في أن إيقاع أحداث الرواية يعبر في الواقع عن تأملات فكرية تتصل بموضوع اللغز والوصية معا، أي العلاقة الإشكالية بين الذاكرة والتاريخ والإبداع الفني.
محكيات مترابطة
تتكون الرواية من سلسلة من المشاهد، في بناء أقرب إلى البناء السينمائي، بحيث يحس القارئ أن كل فصل هو عبارة عن مشهد، فيه لقاء، وحوار متعدد الأصوات واللغات، ومحكيات، ومفاجآت مثيرة. ويجد القارئ نفسه أمام ترابط المحكيات وتوالد الألغاز، بعضها يتصل بحياة السارد يونس، وبعضها بمشروع وصية الأب، وبعضها الآخر بتزامن اختفاء الفنان مع اعتقال زوجته. سوف أستعرض عددا من المحطات المعبِّرة.
يتوصل السارد من صديقته الروسية أنوشكا برسالة تخبره فيها بأنها ولدت عنه ابنا، ميخائيل الذي يرغب في التعرف على أبيه.
تحيط بسيرة الجد صالح بن طريف مجموعة من جوانب الغموض والألغاز من بينها الاختلاف بين المصادر التاريخية حول مسألة الأصل الأندلسي اليهودي.
يلتقي السارد في المكتبة الوطنية بحليمة الخياطي التي عبَّرت عن فرحة عارمة وملغزة. ثم تستدرج يونس إلى شقتها ثم إلى فراشها، ويتبين تدريجيا أنها مناضلة قيادية في الحركة الأمازيغية، وتعتبر أن الأمازيغ أصل العالم، وتطمح في توحيد بلاد تمازغا الشاسعة، وعودة القبيلة والعُرف.
يتوصل السارد بخبر اختفاء إلياس في زلزال سنتياغو بتشيلي، وفشل جميع المحاولات الرامية إلى معرفة مآله، ودعوة يونس لحضور حفل رمزي احتفاء بذكرى الفنان المختفي.
يفاجأ يونس بوفاة علال الزهراوي، صديق أبيه وزميله في تأطير النادي السينمائي، وقد كان يأمل منه أن يزوده بمعطيات مفيدة حول صالح بن طريف.
تعمد حليمة الخياطي إلى تسويف ملغز حين يطلب منها يونس أن تسهل له الاتصال بمحامي رقية داود زوجة إلياس.
يلتقي يونس بمحامي رقية داود. ويتبين أن هناك علاقة بين احتجاز الباحثة وتصفية حسابات من طرف معادين للأمازيغية داخل أجهزة المخابرات. وقد بدا المحامي ليونس بمثابة “شاب ثلاثيني في بدايات حياته المهنية متحمس لما يفعل فرح بما يقول. كأنه لم يكن ينتظر إلا قضية الدكتورة كي يجعل منها فرصته التاريخية لإثبات كفاءته في أن يكون الناطق الرسمي باسم الشعب الأمازيغي وحقه التاريخي في إقامة مملكة تمازغا العظمى” (ص. 402).
يلتقي يونس برقية داود بعد إطلاق سراحها، وهو ما كشف عن أمرين اثنين، وهما طلاق رقية السابق من إلياس، وعدم اهتمامها بموضوع اختفائه.
وهكذا يكتشف القارئ بصفة تدريجية أن هناك ترابطا بين شخصيات الرواية، وترابطا آخر بين شخصيات الرواية وشخصيات حكاية الأصل. فاسم عائلة المسناوي يحيل إلى تامسنا، أي الرقعة الترابية التي احتضنت إمارة برغواطة. وصالح المسناوي يحيل إلى صالح بن طريف. واختفاء إلياس المسناوي يحيل إلى اختفاء صالح بن طريف في سن السابعة والأربعين، وهو نفس السن الذي بلغه يونس عند عودته النهائية إلى المغرب في بداية الرواية. وحليمة عاشت لقاءها بيونس وكأنه بمثابة ظهوره بعد اختفائه من النادي السينمائي قبل خمس وعشرين سنة.
وهنالك ترابط آخر يحيط بموضوع وصية أب يونس. تقول قصة الأصل أن صالح بن طريف ادعى النبوة، وأتى بقرآن خاص ناطق بالأمازيغية. وامتنع عن الإعلان عن نبوته، وأوصى وارث سره إلياس بتأجيل التبشير بالدعوة الجديدة إلى حين نضج شروط الإعلان عنها. واختفى في سن السابعة والأربعين، ووعد بالرجعة في حكم خليفته السابع، في شكل يذكر بصورة المهدي المنتظر الذي يحارب الدجال ويملأ الأرض عدلا. وإلياس إذن هو الذي جاهر بالإسلام، وتولى الحكم مدة خمسين سنة، ونقل الدعوة إلى خليفته يونس، “الصانع الرسمي لديانة صالح”. وهكذا ادعى الجد النبوة، وجاهر بها الحفيد. يقول السارد في الرواية عن أبيه: “أأفهم أنه عندما خصني بالوصية دون إلياس كان يتبع سراط البرغواطيين ولم يكن الأمر مجرد صدفة؟” (ص. 53).
وأخيرا يُحس قارئ الرواية، بشكل تدريجي، أنه أمام شبكة من الأماكن والرسوم والخرائط، وهي تذكر بالشبكة-المتاهة التي تتخلل أطوار الرواية الشهيرة دا فينشي كود لمؤلفها دان براون وقد نقلها إلى الشاشة دون هوارد. فالكونغريس العالمي الأمازيغي يسعى إلى إحياء “تمازغا العظمى” المسماة بـ”ليبيا القديمة”، وهي إمبراطورية شعب “الأمازيغ الأحرار”، وقد كانت تشمل ليبيا وتونس والمغرب والجزائر وشمال مالي وشمال النيجر وجزءا من مصر سيوة وسبتة ومليلية وجزر الكناري.
وعندما زار يونس المسناوي شقة أخيه إلياس المختفي، رأى في البهو جدارية لها شكل خريطة قديمة. وقد أخبر إلياس أخاه يونس بأن زوجته رقية داود هي التي أوحت له بهذا العمل الذي يخلد “مدينة أمازيغية عظيمة مدفونة تحت الأرض” وهي بمثابة “كنز أركيولوجي عظيم يتسابق علماء الحفريات إلى اكتشافه” (ص. 137).
وحين كان يونس في شقة حليمة الخياطي، رأى رسما على الحائط ذكره بنفس الرسم الذي رآه في شقة أخيه ياسين، أي “جدارية خريطة مدينة تمغسين”. فردت عليه حليمة الخياطي بأن الرسم من إنجاز فنانين ينتميان إلى الجناح الفني في الكونغرس العالمي الأمازيغي، وهو يصور “تمازغا العظمى”، “وبهذه الطريقة نستحضر ذاكرة التراب الذي يشكل أساس تراثنا الأمازيغي والقاعدة التي ننطلق منها في الدفاع عن هويتنا”.
ومن خلال الحوارات التي دارت في الرواية حول ملابسات اعتقال رقية داود، تبيَّن أن الأمر يتصل بما راج حول شُبهة الخيانة الزوجية، وشُبهة “المس بالأمن القومي”، وتمكين العشيق الأمريكي من خرائط سرية لمدينة تمغسين التي كانت تمثل “مفتاح الملف الأمازيغي”.
تشيلي: الآخر والتجربة الكاشفة
تحكي الرواية وقائع الأيام الثلاثة التي قضاها السارد في تشيلي. غير أن وقائع تلك الإقامة القصيرة احتلت حيزا هاما في نص الرواية (ص. 250-353)، وهي تتصل بمستوييْن اثنين: الوسط الفلسطيني الذي استضاف يونس، والارتسامات العامة التي احتفظ بها عن تشيلي.
فقد كان يونس في ضيافة “نادي بالستينو الرياضي” الذي ينظم فيه أبناء الجالية الفلسطينية مجموعة من الأنشطة الرياضية والاجتماعية والثقافية والترفيهية، علما أن تشيلي يضم أكبر جالية فلسطينية في العالم. وقد تعرَّف السارد عن قرب على ثلاث شخصيات مترابطة، وهي ديالا غريب وخافيير دحبور، والكلبة لُولا. كانت ديالا غريب عضوا في الجمعية الفلسطينية للرفق بالحيوان بمحافظة طولكرم بالضفة الغربية، وقد اجتهدت في حل مشكل الكلاب الضالة في المنطقة بطريقة إنسانية، وهي مبادرة رائدة كان لها صدى في الضفة الغربية ولدى فلسطينيي الشتات. وكان خافيير دحبور حفيدا لجد مقدسي كان ضحية لمنظمة أرغون الصهيونية التي أسسها ميناحين بيغن وساهمت في تهجير الفلسطينيين، وهو ما جعله يهاجر قبل النكبة إلى الأرجنتين، ثم إلى تشيلي. وحيث كان الحفيد شغوفا بالكلاب، فقد أعجب بمبادرة جمعية طولكرم، واتصل بها، وهناك تعرف على ديالا غريب، واستقرت هذه الأخيرة في تشيلي رفقة حبيبها الجديد. أما لولا فهي كلبة من صنف تشي تزو الصيني، أحاطتها ديالا برعاية وحنان بالغين بعد أن تعرضت للاغتصاب من طرف الكلاب الكنعانية، وهي كلاب برية من صحراء فلسطين، اختطفها الصهاينة قبل إنشاء دولة إسرائيل، وسموها بالكلاب الكنعانية وأطلقوها ضد أهلها. وبالتالي أصبحت لولا رمزا لمأساة فلسطين، بما عرفته من اغتصاب وطمس للهوية. ولا غرابة في أن إلياس شارك في المهرجان الدولي لفن الغرافيتي بـ “جدارية لولا”، ومنحته لجنة التحكيم الجائزة الأولى، وأصبح يحظى بتقدير كبير في أوساط الجالية الفلسطينية.
إلى جانب النادي الفلسطيني، تعرف يونس على تجربة تشيلي التي تتميز بـ”قدر جغرافي” مثير. يقع البلد جنوب خط الاستواء، ويتميز بشكله الطويل الذي يعطيه “صورة لسان بحري ممتد” يطل على المحيط الهادي. ثم إن التشيليين يعيشون في بيئة تعاني من ضربات الزلازل والبراكين والإعصارات وتسونامي، بل يتعلق الأمر بـ”إعصارات تسونامي الأكثر تدميرا في العالم. هنا تهجم موجات مائية عاتية تتسبب فيها الزلازل الأرضية والمائية والانهيارات الأرضية وارتطام المذنبات بالأرض والانفجارات البركانية التي تحدث تحت الماء”.
هناك سؤال ألح على يونس المسناوي: “كيف اخترع إنسان هذا البلد فكرة الوطن من شريط أرضي طويل تمتد سواحله على المحيط الهادي في شكل خليط من الزلازل والبراكين والإعصارات والأمواج والجبال العالية والجزر والأنهار والصحاري والثلوج؟ ما هو سر ارتباط التشيليين بأرض مخيفة؟” (ص. 316-317).
يوجد جانب من الجواب في “معجزة تشيلي” التي تكمن في مواجهة الطبيعة. فعلى بعد 1200 كيلومتر من العاصمة سنتياغو توجد أراضي أتاكاما التي تُعد الصحراء الأكثر جفافا في العالم، وهي تمثل أكبر موقع فلاحي في العالم تستعمل فيه تقنية الزراعة دون تربة بواسطة تقنية المياه المحلاة. وهو ما مكَّن تشيلي من إنتاج وفرة كبيرة من الخضراوات والفواكه الموجهة للاستهلاك المحلي والتصدير. وإلى جانب ذلك فالبلد يستورد النفط الخام من البيرو، ويتم تكريره وتحويله إلى منتجات استهلاكية ويصدَّر إلى بلده الأصلي.
وما لفت اهتمام يونس هو التمفصُل بين مجموعة من الظواهر الثقافية، وهي تحدي الطبيعة، والوفاء للأجداد، والارتباط القوي بأرضهم، وغياب التوتر في العلاقة مع الذاكرة الجماعية، وحضور الفنون البصرية في كل مكان.
هاجس الأصل والجذور
إن الزلزال الجيولوجي الذي أصاب التشيلي خلال مقام إلياس تسبب ليونس في زلزال نفسي وفكري جعله يعيد قراءة ماضيه وحاضره على ضوء الاختلاف الكبير الذي يوجد بين مساره ومسار أخيه، بين تألق إلياس وفشل يونس.
يتمثل تألق إلياس في إنجازاته وتصوره للفن، وخاصة فن الرسم. فهو يفضل رسم الغرافيتي على رسم اللوحة، لأن “المكان الوحيد الذي أراه طبيعيا للرسم هو الشارع. لا بد للرسم أن يحذو حذو الخربشات فيتجه إلى الشارع العام. إلى الساحات والفضاء العام حيث الحيطان ممتدة في الطرقات التي يمشي فيها الناس”. وكان إلياس يعتبر أن الإبداع البصري في الفضاء العام ممارسة سياسية بامتياز. وكان يقول: “أنا يد الأغلبية المشلولة”، “أهدي رسومي وخربشاتي إلى عابري السبيل”، “أنا يد من لا يد له” (ص. 297).
ثم إن رسم “جدارية تمغسين” داخل شقته استهواه لأنه يمثل تجربة فنية تقوم على مفهوم “تمجيد العابر”، أي “المدن.. البلدان.. الأقوام.. القبائل التي لم يعد لها وجود كأنها لم تكن”.
أما يونس فهو يحمل ملامح البطل السلبي. نراه في كثير من المشاهد وهو يعاني من حالات الدوار والهذيان والغثيان والسكر والكوابيس، وهو أحيانا يُناجي أخاه إلياس. وقد لازمه سؤال مؤرق: “كيف تحول الفيلم الذي أُعد نفسي لإخراجه إلى كابوس يقض مضجعي في هذا الليل البهيم؟”. هناك قصة يحكيها السارد عدة مرات، بصيغ مختلفة، مع نفسه أو أمام محاوريه، وهي قصة تدور حول موضوع التردُّد: التردد في روسيا، والتردد في فرنسا، والتردد بعد العودة إلى المغرب. ويقترن التردد بالعجز عن الحسم، بل يشمل فصول علاقاته الغرامية والزوجية. قال يونس لنفسه في لحظة هذيان: “اعترف بعجزك عن الإنجاب مع ستيفاني وعجزك عن الاستقرار في مكان محدد وعجزك عن الانتصاب مع حليمة وعجزك عن الاعتراف بالسائل المنوي ميخائيل وعجزك عن طي صفحة الفيلم.. اعترف لهما أيضا بعجزك عن إيقاف مسلسل العجز..” (ص. 324).
ويتوصل القارئ عبر مقاطع الرواية إلى أن العامل الذي يكمُن وراء فشل يونس وعجزه عن الإبداع هو “عقدة هاجس الأصل” التي ورثها عن أبيه، وقد اختلطت مع أحلامه السينمائية. يقول يونس لنفسه: “الصحيح هو أننا لا ندرك فخ الأصل العائلي المنصوب لنا مع التاريخ وبالتاريخ إلا بعد فوات الأوان (…). حكاية الأصل شيء وحكاية العائلة شيء آخر. لا وجود لحكاية أصل العائلة إلا في مخيلة أبي”.
ويقول في مكان آخر: “لم يخطر على بالي أن العثور على حكاية الأصل والنبع والجذور لا يشبه في شيء العثور على أي حكاية، وأن الأصل لا أصل له، وأن حكايات الأصول بدورها فاقدة لكل أصل” (ص. 346).
ملاحظات ختامية
انطلقنا في بداية هذه القراءة من التمييز بين وصية الأب، ولغز التزامن بين اختفاء الأخ واعتقال زوجته. وقد اكتشفنا بشكل تدريجي أن الوصية كانت هي الأخرى مدخلا لألغاز متوالدة.
وعند التأمل في بناء الرواية، بدا لنا أن هناك ثنائية مُضمَرة تكمُن خلف الحبكة الظاهرة للنص الروائي، وهي عجز السينمائي عن ابتكار حكاية تصور قصة الجد الأكبر صالح بن طريف، وتوفُّق الروائي محمد أمنصور في ابتكار قصة تشخِّص موضوع عقدة الأصل.
وفي مستوى ثالث من الجائز أن نعتبر، من منظور حقل “تاريخ الزمن الراهن”، أن هذه الرواية توفر مادة وثائقية تتصل بتاريخ حركة الأندية السينمائية والحركة الثقافية الأمازيغية، وهي مادة صاغها المؤلف في قالب تخييلي يعتمد تعدد الأصوات التي تحمل تجارب وذواكر متعارضة.
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه
