حسن طارق، ما الذي تركته المشاعر للسياسة؟ مقالة في القبائل الحزينة، منشورات باب الحكمة، الطبعة الأولى، 2025،
القبائل الحزينة: استعادة الشرط التاريخي
باستعادة الشرط التاريخي لتشكل موضوعة “القبائل الحزينة” في تاريخ الفكر الإنساني تظهر ثنائية الاستبعاد وإعادة الاعتبار. ينصرف القصد نحو تراكيب عاطفية لحزمة مشاعر وأحاسيس سلبية استمرت في التاريخ البشري. في البدء، كان كُلُّ حديث عن المشاعر في خطابات العلوم الاجتماعية والسياسية يتم الاعتراض عليه بتهمة التشويش على تحققات المعنى في الفهم والتفسير، ويُنظر إليه مثل عنصر إزعاج “للعامل البشري” المهدد لأفق الحداثة والعقلانية (ص. 33-34). لكن، مع دخول العالم زمن “صدام المشاعر” وحدوث ثورات في علم الاجتماع السياسي سيتم الدفع بفكرة دمج البنية مع الإحساس Feeling-Thinking)) [1]على نحو ما نجده عند الباحث الأمريكي James M. Jasper. يتعلق الأمر بحدوث عملية إبدال منهجي صهرت البِنية ضمن الوعي للوصول إلى مبتغى التوصيف المكثف للفعل السياسي الحديث.
لقرون طويلة جدا، جرى استبعاد المشاعر والعواطف من شبكات التفسير العلمي. وفي شأن ذلك، كان مفكرو مرحلة الأنوار من أشد المدافعين عن حضور العقل في تحقيق التقدم التاريخي، وكانوا بذلك قد أحالوا كل ما ينتمي إلى دائرة اشتغال المشاعر والأحاسيس على عالم الطبيعة والغرائز الحيوانية. واستمر الاستبعاد إلى حدود القرن العشرين تحت تأثير جاذبية الفرضية البنيوية التي مارست إغراءها الشامل على عموم الباحثين في حقول العلوم الاجتماعية والسياسية.
يميل الأنثروبولوجي دافيد لوبروطون في كتابه أنثربولوجيا العواطف إلى أن التعبير بالعواطف هو الحديقة السرية للذات[2]، بحكم أن جُل الأفعال البشرية تحاك في نسيج عاطفي دائم في علاقة ممتدة بين الفرد والمجتمع. ليست العاطفة شيئًا منسجمًا، فهناك عاطفة عابرة وهناك أيضًا عاطفة ممتدة. هل بإمكان العاطفة أن تُوجه أفعالنا في التاريخ؟ وكيف ننقل الإحساس بالعاطفة من انفعالات لحظية إلى وصفها حالة اجتماعية وتعبير وجودي عن الأفراد والجماعات؟ وكيف يمكن تفسير اختلاف العاطفة من شبكة تفسير خاصة بكل فرد؟ تم هل يمكن الحديث عن عاطفة بصيغة المفرد أم عواطف بصيغة الجمع؟
كيف يتحقق فهم عملية الحجب المعرفي لسوسيولوجيا المشاعر والعواطف من دائرة الاهتمام؟ بالبداهة يتضمن الجواب إحالة على هيمنة الإيديولوجيا الرأسمالية التي أدارت علاقة الإنتاج والاستهلاك. وفي أعقاب نهاية السبعينات من القرن الماضي تعزَّز حضور سوسيولوجيا المشاعر بشكل قوي في أعمال رمبير Remper وهوخشيلد Hochschild قبل أن يجري نقلها إلى مختبرات العلوم السياسية في أعمال أنصار Ansar وبراند Brand. ومن خلال الاهتمام، ركزت سوسيولوجيا المشاعر على قراءة الرموز والطقوس والأساطير كموجهات مهيكلة للفعل السياسي.
خَلف قصة تشكل “المنعطف العاطفي” Emotional Turn في خطابات العلوم السياسية تعود إلى الأذهان موجات الاستبعاد التي تكررت باستمرار في تداولية الاجتماع السياسي. واليوم، يَجري الانتباه، وبِعمق لافت للنظر استدعاء “منعطف المشاعر” أو “بِنيات الأحاسيس” وِفق التوصيف الذي ابتكره الناقد البريطاني رايموند وليامز Raymond Williams لذلك. تتجدد في هذا الأفق الانشغالات حول “بِنيات الأحاسيس” لإعادة بعث رصيد المشاعر الحزينة التي يُمكن أن تُسهم في تخصيب عمليتي الفهم والتأويل. ويُحيل الأمر تدقيقا، على كتلة الأحاسيس والانفعالات والرغبات والعواطف التي تبنيها جماعة معينة عن نفسها في مواجهة سرديات الهيمنة والخضوع، ومشاعر غير قارة، وغير منسجمة، وغير منتظمة المنحى، تظهر وتختفي في لعبة تتناوب بين التجلي والاختفاء، غير أنها بنيات توافقية تترجم مصالح مالكي وسائل الإكراه والنفوذ.
بتكثيف دقيق للمشهد، نصير الآن أمام مشهد مرئي مُشكل من زوج ثنائي: عواطف المشاعر وجهًا لوجه أمام عواطف المصالح ضمن مسارات تنافسية حيوية من أجل حيازة معركة المصالح والتلاعب بعواطف الجمهور. فحينما يتعذر رسم الأمل في الحاضر يجري التوافق بين الفرقاء على اللعب في مساحات المشاعر والأحاسيس[3]. لقد سبق للفلسفة القديمة أن أرشدتنا إلى فكرة جوهرية مؤداها أنه كلما زاد منسوب اللعب على المشاعر كلما ساهم ذلك في استرخاء العقل. فعلى امتداد عصري النهضة والأنوار جرى ترحيل العواطف بعيدًا عن العقل، وحصرها في مجالات الإبداع والفن.
الثابت أننا كلما فقدت السرديات المرجعية حضورها كلما انتعشت الخطابات العاطفية وانتعشت سوق بيع القيم والمتاجرة في الانتماء والهوية وفي قيم الولاء والتخوين، والأمر في كليته، عبارة عن عرض وطلب، عرض سياسي ينظر إلى المواطنين ككائنات انتخابية مكتنزة لحزمة مشاعر وأحاسيس، وطلب من طرف جمهور متلق يجد راحته في الخطابات العاطفية. وسرّعت بدورها وسائل التواصل الاجتماعي من وثيرة تقاسم التعابير العاطفية والمشاعر المختلفة (ص. 22). والمثير للانتباه أن العودة إلى السِّجل العاطفي يحدث في مناخ ثقافي وسياسي واجتماعي متلبس بخطابات الهوية وسوق القيم في محيط مهدد بفقدان كل شيء باستثمار ذكي من طرف مقاولي الاستياء داخل الحقل العام.
مع نهاية الحرب العالمية الثانية حدث تقارب بين حقلي علم الاجتماع وعلم النفس وإذابة الجليد الابستمولوجي الذي كان يفصل بين الوعي والمشاعر. ومع مرور الوقت، بدأ المجتمع الأكاديمي يستأنس بخصوبة المقاربات النفسية في تحليل الفعل السياسي على النحو الذي شيَّدته دفاعات نوربرت إلياس Norbert Elias من خلال دفاعه عن إدماج المشاعر في الشرط المعرفي والوجودي ضمن خارطة العلوم الاجتماعية.
المنعطف العاطفي: الدلالات والمرجعيات
تبرز في شأن العودة إلى المنعطف العاطفي إسهامات تغني مسار عودة الاهتمام الذي انتعش في سياق الاجتماع السياسي الأمريكي، وانتقل بعد مُدَّة إلى الاجتماع الأوروبي. كان السوسيولوجي بيير بورديو قد ألمح فيما سبق – في زمن كانت فيه فرضية الفاعل العقلاني لا تزال تفعل فعلها في مشهدية الكتابة السياسية الحديثة- إلى أن السياسة لا تعدو أن تكون إلا فنا للتأثير العاطفي. وبعد ذلك، انتبهت مُؤخرا الباحثة إيفا ايلوز Eva Illouz في كتاب مرجعي لها بعنوان: “المشاعر في مواجهة الديمقراطية” Les émotions contre la démocratie إلى وجود فجوة عريضة بين المشاعر والديموقراطية[4].
تنشط الانفعالات العاطفية في البيئات السياسية التي يغيب عنها الفعل السياسي وتتعمق فيها موجبات الاقصاء والتمييز. فالعاطفة هي أداة للتعبير عن الإحساس، هي الجسر المعبر عن تطلعات الأفراد نحو العدالة والأمن والحرية، وقد تتحول من أداة للتعبير عن الرفض إلى أداة للتعبير عن تعديل الاختلال، وأحيانًا، التمرد على النظام. وتركب الأنظمة السياسية بدورها الموجة بعد أن تعذر عليها مجابهة المشاكل، وتعمد على تصوير الهشاشة الإنسانية كخطر مُحذق يستدعي خلق تجمعات تضامنية. إنه استثمار في “بنك الغضب” الذي يتحول إلى رأسمال حيوي للفعل السياسي الحديث، واستثمار مربح في الأسى والاستياء والسخط، لأن الاستياء كما يقول بيير روزنفالون ديناميت خطير قابل للانفجار، والشعبوية اليوم ما هي إلا مقاولة في الاستياء. ويراكم التاريخ البشري موجات من الإهانات المتكررة، ويظهر أن الإهانة عنصر محرك للتاريخ[5]. إنه تاريخ بشري بحمولة كريهة من المشاعر السلبية يجعلنا نعيش زمن ثأر الأهواء كما قال بيير هاسنر Pierre Hassner في كتابه عودة المشاعر[6].
الكاتدرائيات العاطفية الحزينة
القبائل العاطفية الحزينة هي بناء عاطفي مُشيد على انتماء قيمي أو هوياتي متخيل بلا عنوان إيديولوجي أو سياسي، وبلا يافطة تنظيمية (ص. 56). يتعلق الأمر بتنظيم لحظي في الزمن يجمع منتسبين يحملون مشاعريات موحدة أحيانًا، ومختلفة أحيانًا. لم يلتفت إلى هذه التنظيمات في دراسة الحركات الاجتماعية فيما سبق، وجرى عزلها عن التحليل. فوراء كل فعل احتجاجي توجد سردية عاطفية يحملها أفراد يبحثون عن تحقيقها وتجاوز حالة الحرمان، لأن الحرمان هو تجلي لوجود توتر أو تناقض، بين وضع معيش غير مرغوب فيه، وتطلع لشيء بيد مالكي وسائل الإنتاج والإكراه.
يعيش الفاعل السياسي انشطارية حيوية، وقد يُسميها البعض مفارقة حاسمة فيما يتعلق بتدبير الزمن اليومي، الانفعالي، العاطفي، الفوري. وفيما يتعلق بتدبير الزمن السياسي، المصلحي، البنيوي، يختار الفاعل السياسي اللعب على استراتيجيات متعددة؛ يبدأ باستراتيجية التملك، ثمَّ لما يتحقق له ذلك، ويرتقي إلى السلطة يُجرب استراتيجية التجاهل أو التغافل، وأحيانًا يفضل اللعب على استراتيجية الركوب حسب تموجات الحساسيات السياسية والصراعات الأيدولوجية. قد ينُظر إلى الأمر، على أنه استثمار في سِجل عاطفي بتذبذبات عابرة وغير مستقرة، لكن الأمور، كلها تتم في إطار توجه عام يرمي إلى صناعة “مقاول سياسي” مختص في اللعب على المشاعر الجماعية (الغضب، الاستياء، الكراهية، الأمل، الفخر…) (ص. 21)، وإنتاج خطاب سياسي مشحون بالعاطفة. بمنظور تاريخي، انتعشت الخطابات العاطفية في مناخ كان فيه العالم يموج في انهيارات وتصدعات الحربين اللتين ساهمتا في تفتت السرديات المرجعية وتحلل السدى السياسي والاجتماعي.
مثلث المخاطر الكبرى
عالم الآن، محاط بمخاطر كبرى، في سياسته، واقتصاده واجتماعه، وتتركز مخاطره في مثلث هندسي يُسميه الباحث حسن طارق بـ”مثلث المخاطر”: الهوية، القيم والمشاعر. ويقترح توصيفًا لهذه المخاطر في عبارة: “القبائل العاطفية الحزينة” (ص. 46) تدفع نحو تشكيل كاتدرائيات شعورية Les cathédrales émotionnelles قائمة على الخوف والاعجاب والشفقة والألم والحماس والغضب…مشاعر تبنى في لحظة، وتهدم في لحظة، ويعاد بناؤها من جديد. ويمكن اليوم معاينة نظيمة جديدة في النسق السياسي يمكن تسميتها بـ”الجماعة الظرفية” التي تتقاسم التضامن العاطفي حول حدث معين. قبل عقدين ونصف من الآن، كان مشيل مافيزولي Michel Maffesoli قد عبَّر عن هذه الفكرة بوضوح حينما قال: “نعيش عصر القبائل، حشود تتقدم، وفرد يتراجع”[7].
الخوف سيولة جديدة تتدفق على الاجتماع البشري، الخوف من كل شيء. كانت الحداثة في الأصل خطابًا لخلق الاطمئنان، وعدت البشر بحزمة طويلة من الأماني، لكنها انكسرت بعد اختطاف الحلم من طرف الرأسماليين. صار الأفراد يواجهون مصيرًا واحدًا في مواجهة قواعد سوق الشغل واحتيالاته على البشر. الخوف اليوم وقود حيوي لعالمنا الجديد، حيث يجري الاستثمار في كل ما ينتمي إلى دائرته: الخوف من الهوية، الخوف من القيم، الخوف من الاستبداد، الخوف من التغريب، من الأصولية…يختلط الخوف الواقعي مع الخوف المتخيل، وتجتهد مقاولات القبائل الهوياتية في ابتكار نماذج جديدة من الخوف لضمان استمرارية مصالحها. فباسم الخوف يتخلى الإنسان عن أعز ما يملك، وهي الحرية والديموقراطية والأمن (ص. 74). الخوف أيضًا قرين الشعور بالكراهية؛ كراهية كل شيء، لأن الكراهية بناء ثقافي وسياسي يعمل على رسم تمثلات عن العدو داخل صورة ضرورية للصراع أو الحرب (ص. 78).
زمن جديد يبرز بتشكلات جديدة. سرديات بشحنات عاطفية تستثير الغرائز والأحاسيس وتبحث عن إحياء استيهامات اللاشعور لبعث صور الخوف والاستياء، الفخر والانتماء في النظام العام للأشياء بالتوصيف الأنثربولوجي. القصد من ذلك، يتعدى أن ينظر إليه كحزمة أو تشكيلة عواطف أو أحاسيس، بله مسار عام تشتغل عليه مقاولات التدبير السياسي. زمن المشاعر منظورًا إليه كمتغير نفسي واجتماعي يطرق جدران العلوم السياسية، ويستحث باحثيها للانتباه إلى عمق اشتغال المبحث العاطفي في الحياة السياسية.
لماذا يُصوت الفقراء على اليمين المتطرف؟ هل لأن اليمين يجيد اللعب في المساحات التي تدعي المحافظة على القيم لإخفاء مصالحه الاقتصادية؟ تُمارس اليوم حروب جديدة يمكن أن نصفها بـ “حروب التقنع” في سوق عواطف القيم. من يجيد اللعب في سوق العواطف يجيش ويستقطب الناخبين. لم يعد الأمر يستدعي امتلاك مشروع سياسي، أو ابتكار أطروحة سياسية، وإنما الاستثمار الذكي في العواطف. لكن، أي عواطف؟ عواطف الخوف والافتراس واللايقين…نعيش اليوم زمن الخوف، الخوف من كل شيء، من أزمات الاقتصاد، من الإرهاب، من الهجرة، من صعود اليمين، من تراجع الريادة الأمريكية والأوروبية (ص. 36)، ويقابل سيكولوجية الخوف سيكولوجية الفخر والأمل والتطلع لبناء مستقبل واعد عند الآسيويين، بمقابل ذلك، سيكولوجية الإهانة والإذلال عند العرب المسلمين[8].
طبعًا، لسياق التشكل دور أساسي في فهم خلفيات الاهتمام. ذلك أن الأمر جرى في زمن ثمانيني من القرن العشرين وُصِف بزمن “المنعطفات الأكاديمية”. وقتها، كان النقاش يدور حول المنعطفات، الثقافي، اللساني، والمنعطف التأويلي. لذلك يَجدر بنا أولًا أن نستفسر عن المشاعر السياسية، أو عن “القبائل الحزينة” بالتوصيف الذي اختاره حسن طارق لكتابه الجديد. كما يجدر أن نبحث عن الوشيجة التي تصل بنا إلى فهم السياسة انطلاقًا من سيكولوجية المشاعر الحزينة.
في تقديم كتاب حسن طارق: “ما الذي تركته المشاعر للسياسة؟ مقالة في القبائل الحزينة”، يعيد الأكاديمي عبد الحي مودن بعث النقاشات الكبرى حول قضية المنعطف من زاوية الاحتضان الأكاديمي في المغرب. للعودة رغبة في تجديد العتاد الإشكالي: لماذا لا يُجاري العقل الأكاديمي المغربي مخاضات الصخب الفكري والسياسي في الجامعات الغربية الكبرى بخصوص دراسة المشاعر السياسية؟ لماذا حينما نستدعي الانفتاح على الآخر تنبعث أفكار المقاومة والمحافظة والوفاء للأصول؟
في شأن ذلك، يُدقق عبد الحي المودن في مسألة المنعطف. ولا يتعلق الأمر، بتجريب تمرين نظري ومنهجي، بل بضرورة حيوية تُخصب حقول العلوم السياسية والاجتماعية، وتفتحها على فهم السياسة موضوعًا وممارسة (ص. 9)، لأن الأمر يتحدد وجوبًا أولاً على قضية الانفتاح، ومقايسته ثانيًا، تم الانتقال إلى صياغة رؤى وفرضيات مفتوحة تولد بدورها قضايا جديدة أو مستأنفة. وفي ذات السياق، يشحذ الباحث المغربي حسن طارق إمكاناته في العلوم السياسية من أجل تقريب مفهوم العواطف إلى دائرة التداول السياسي المغربي، ويحفر عميقًا في أركيولوجيا المفهوم باستدعاء الإرث الفلسفي الذي انشغل بموضوعة المشاعر والعواطف في مسار الفكر البشري، من عصر الإغريق إلى عصر النهضة إلى عصر الأنوار. لقد سبق لدومنيك مويزي Dominique Moisi أن صنف المشاعر البشرية إلى: مشاعر مرتبطة بالخوف يشعر بها الأوروبيون والأمريكيون، ومشاعر الفخر والأمل يشعر بها الآسيويون، ومشاعر الإهانة يشعر بها المسلمون العرب[9].
الدفاع عن مساحات المشترك
يطرق حسن طارق* باب المستقبل ويدافع عن بناء مساحات توافقية حول المشترك الإنساني. وفي ظل الجنوح الجارف نحو رسم عالم فوضى المشاعر وانزياحاته الكبرى التي تهدد الاجتماع البشري. وفي الدعوة إلى المستقبل ينهض سؤال الافتتاح: ما العمل؟ وكيف السبيل إلى وقف تشقق الخزان؟ كيف نستثمر في المشترك في حدود الممكن منه؟
بالفعل، نصير أمام اختبار حقيقي، اختبار القرن الواحد والعشرين. لم يسبق للديمقراطية أن وجدت نفسها أمام هذا الاختبار. توجد الديموقراطية اليوم أمام أصعب امتحاناتها، وتثار حولها الشكوك الموسعة حول أهليتها في تدبير عالم فوضى المشاعر. فهل أصبحت العداوة هي الأفق الوحيد للاجتماع البشري؟ هل يصير ممكنًا العيش اليوم بلا عدو وبلا خوف؟ كيف يمكن تفكيك خطاب العداوة أو صناعة العدو [10]؟
يحمل حسن طارق دعوة أمل في زمن مفتوح على اللاأمل، ويدعو إلى تلطيف المناخ العام الحاضن لديناميات الصراع داخل الاجتماع السياسي الحديث. ويبدو من الأجدى كما يهتدي إلى ذلك العروي في كتابه من ديوان السياسة إلى استبعاد مسائل القيم من النقاش، والاقتصار على المصالح. ذلك أنه لأفق دعوة الأمل رهان كبير يجب أن يتحقق، الانتقال من سياسات الاعتراف إلى سياسات المشترك، بما يقتضي ذلك من تشكيل توافقات بين الجماعات الثقافية. فالأمر، حسب حسن طارق، لا يتحقق من دون وجود دولة وطنية يعول عليها كضامنة للمشترك. لكن، ألا يبدو هذا الأفق في حاضره متعذرا؟
تنهض الدولة الوطنية بوظيفة الضبط القيمي، وتحدد تطلعات الجماعة، وتخلق شرط الأمان، وتزرع بذور التطمين، وتحد من سلسلة الخسارات…واللعب في مساحة المشترك يتطلب ذكاء خاصًا في التماهي مع مصفوفة قيمية خارج دائرة النزاع والتقاطب…باختصار، تدريب الجميع على ممارسة تمرين تداولي تراقبه الدولة بمسافة واحدة من الجميع…طبعًا، التعويل على الإنجاز يرتهن بقدرة العلوم الإنسانية على التجدد والترافع، وبعد ذلك الانغراس في الحقل العام. ويتميز حسن طارق في خاتمة الكتاب بطرح فكرة الانتصار إلى روح الأماكن المحايدة أو الباردة. لكن هي أيضًا، كيف نضمن ألا تصلها تقيحات القبائل الحزينة؟
وفي النهاية، يتوجب احتضان مسارات الإنتاج، والعمل على أرضية المشترك بدون غلو إيديولوجي أو نزعة إقصائية متطرفة تثير شحنات عاطفية كريهة. ويأتي الختم بتخوف مشروع من طريقة استقبال القارئ للكتاب؟ هل سيقرأ من شرفة الانتماء الهوياتي؟ أم من سيلتقط بعض إشاراته لتشكل رأيًا جماعيًا حول ضرورة خلق الأماكن الباردة التي تحتضن الحلم؛ حلم بناء مكان متوافق حوله بروح تنتمي إلى الوطن وتحتضن سيولات الخارج.
لقد أجريت عدة أبحاث في علم الأعصاب حول فرضية ارتباط العواطف بالدماغ. وتبدو الفرضية اليوم غير جذابة بحكم أن العلم الحديث بدأ يُدعم فرضية ارتباط العواطف بالخبرة الحياتية وبرصيد التجربة البشرية. وتبرز العواطف في هذا الأُفق كآليات مُعبرة عن المواقف والتجارب التي يمر منها الإنسان، وأحيانًا، تبرز هذه العواطف والمشاعر مقيدة ومانعة للعيش بلا قيود.
في كتاب حديث الإصدار جاء بعنوان: الذاكرة الاجتماعية: رؤية جديدة للماضي، ألَّفه الباحثان جيمس فينتريس James Fentress وجيمس ويكهام James Wickham، تمَّ التوصل فيه إلى أن المجتمع يبني مشاعر انتقائية للماضي حتى يلبي حاجيات حاضره ويخزنها في الذاكرة[11]. الذاكرة الاجتماعية هنا هي نظام جماعي يحدد ما يجب تذكره، وما يجب نسيانه، بمعنى أوضح، الذاكرة هي وعاء لتجميع الذكريات، وهي بناء نشيط للمعنى الاجتماعي، لأنها تخلق الإحساس بوظيفة أن الجماعة تمتلك رصيدًا تاريخيًا مشتركًا يجب الدفاع عنه، بينما تميل الجماعات المهمشة إلى الاحتفاظ بذكريات بديلة عن سردية الهيمنة والخضوع. واضح، أن الذاكرة غير مُحايدة، بما أنها تترجم علاقات القوة والخضوع داخل النسيج الاجتماعي بين المهيمنين والمهمشين، لأن ما يجب تذكره أو حتى نسيانه ليس سوى رؤية مخصوصة لمن يملك السلطة ويدير آلياتها. فأوروبا نمذج لذلك، وخاصة بعد نهاية الحرب الكبرى الثانية، تمَّ تضخيم ذكريات المقاومة ضد الفاشية مقابل تقزيم ذكريات التعاون مع النازية. أفلا يتوجب أن نعيد صياغة السؤال: كيف ينتج مجتمع واحد ذكريات ومشاعر متباينة تجاه حدث واحد؟ وكيف نقرأ التوسل بالتاريخ الشفوي؟ أو ليس استمرار الموروث الشفوي تعبيرًا صريحًا عن رغبة في بناء ذاكرة مضادة للذاكرة الرسمية؟
عمومًا، رؤية “القبائل الحزينة” هي أيضا رؤية انتقائية ووظيفية، لأن المشاعر والأحاسيس لا تتبع سيولة الماضي بقدر ما تخلق ما يتناسب مع حاجيات الحاضر، وتصير مشاعر الحاضر خادمة لمصالح طبقة نافذة في السلطة، وليست محصلة تراكمات تاريخية، بقدر ما هي بناءات اجتماعية تترجم مصالح السلطة ومتعهدي القيم.
انفتاحات على التاريخ
نود أن نختم التحليل بمقايسة مشاعر “القبائل الحزينة” مع ميدان تاريخ المغرب. فحينما نقترب من بنية النصوص يمكن أن نلتقط عبارات تحيل على السِّجل الدلالي للعنف والخوف والاستياء…نقلت المراسلات السلطانية والكتب الإخبارية والمصنفات الفقهية أصداء عن الخوف. هكذا يبدو تاريخ المغرب كما لو أنه تاريخ للخوف بامتياز، الخوف المتعدد كما يهتدي إلى ذلك المؤرخ محمد حبيدة. الخوف من المخزن؛ من سلطان طاغية يقطع الرؤوس؛ من قائد جائر يزيد في الجبايات، ويسلب الممتلكات؛ خوف الفلاحين من الجباة؛ خوف أهالي المدن من هجمات القبائل؛ خوف القبائل من حَرْكات المخزن؛ وخوف المخزن من الأجناس القادمة من وراء البحار[12]. يندرج العنف في تاريخ المغرب ضمن بِنية عمودية كانت تستبدل حكمًا سياسيًا بحكم آخر ينتمي لنفس النسق السياسي والاجتماعي والثقافي، مع الحفاظ على نفس النسق. ظل النسق السياسي يحمل هوية مزدوجة؛ سلطانية من حيث المرجعية الثقافية والدينية؛ ومخزنية من حيث هيكل الدولة ترافقه علاقات اجتماعية أفقية مبنية على شبكات النفوذ والنفوذ المضاد
من حيث الأصل، ننتهي إلى القول بأن ثقافة العنف في تاريخ المغرب ِقوام هيكلي في الممارسة السياسية المغربية، في لحظات الانعطاف السياسي من حكم سياسي لآخر، وأيضًا، في لحظات التدبير السياسي للأطراف والهوامش. تكرر العنف باستمرار جراء تردد مشكل ولاية العهد أولاً، وجراء ممارسات القهر الضريبي ثانيًا. ففي رسالة جريئة من العالم والفقيه الحسن اليوسي إلى السلطان المولى إسماعيل يمكن أن نقبض على وجه من وجوه العنف المغربي: “فلينظر سيدنا فإن جُباة مملكته قد جروا ذيول الظلم على الرَّعيَّة، فأكلوا اللحم وشربوا الدم وامتشطوا العظم ولم يتركوا للناس دينًا ولا دنيا “[13]، بل لم يكن يحجم عن العنف إلا العاجز عن الحكم[14].
—————————-
هوامش:
[1] Dominique Maisi, Géopolitique de l’émotion, champs actuels, 2015.
[2] David Le Breton, Anthropologie des émotions, Petit Bibliothèque Payot, 2021
[3] Philippe Brand, L’émotion en politique, Presses de Sciences Politiques, références inédites.
[4] Eva Illouz, Les émotions contre la démocratie, traduit de l’Anglais for Frederic Joly, édition Première parallèle, 2022, France, p. 19..
[5] حكيم بن حمودة، الشعور بالإذلال والمهانة والعنف في العلاقات الدولية، الموقع الإلكتروني لجريدة المغرب، تاريخ النشر 25 ماي 2023.
[6] Pierre Hassner, La revanche des passions, Métamorphoses de la violence et crises du politique, Fayard, 2015.
[7] Michel Maffesoli, Le temps des tribus, le déclin de l’individualisme dans les sociétés des masses, La table ronde, 2000.
يمكن العودة إلى الترجمة العربية للكتاب، مشيل مافيزولي، عصر القبائل: الفرد يتراجع، والحشد يتقدم، ترجمة عبد الله زارو، افريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2022.
[8] أحمد جويلي، برهان المشاعر: خرائط السخط وخرائط الأمل، جريدة المغرب، عدد الثلاثاء، 26 أكتوبر، 2021، ص 8.
[9] Pierre Comisa, La fabrication de l’ennemi, ou comment tuer avec sa conscience pour soi, Edition Robert Laffont, Paris, 2001.
* صدر لحسن طارق عدة مؤلفات قبل الكتاب موضوع هذه المراجعة، وهي كالتالي:
- من الثورة إلى الدستور: الهوية والديموقراطية في دستورانية الربيع العربي، منشورات الحوار العمومي، سنة 2014.
- المثقف والثورة: الجدل الملتبس، منشورات دفاتر سياسية، سلسلة نقد السياسة، رقم 9، سنة 2016.
- دستورانية ما بعد انفجارات 2011: قراءة في تجارب المغرب وتونس ومصر، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت 2016.
- حقوق الانسان أفقا للتفكير: من تأصيل الحرية إلى مأزق الهوية، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2018.
- العودة إلى الثقافة، منشورات الحوار العمومي، 2019.
- الوطنية المغربية وتحولات الأمة والهوية، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، 2023.
[10] James Fentress by C. J. Wickham, Social Memory, New Perspectives on the Past, 1 st, Edition, 2024.
[11] محمد حبيدة، “التاريخ الحارق، عنف وعنف مضاد“، ضمن كتاب بؤس التاريخ، مراجعات ومقاربات، دار الأمان، الرباط، الطبعة الأولى، 2015، ص 193.
[12] عبد الأحد السبتي، “الدولة والعنف“، ضمن كتاب التاريخ والذاكرة، أوراش في تاريخ المغرب، الدار البيضاء، بيروت، المركز الثقافي العربي، 2012، ص. 159- 164.
[13] الحسن اليوسي، رسائل، الجزء الأول، ص 237.
[14]لطفي بوشنتوف، العالم والسلطان: دراسة في انتقال الحكم ومقومات الشرعية: العهد السعدي الأول، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء، عين الشق، 2004، ص 450.
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه