حوار مع ميشيل بيرو: “تَشَكَّل النوع الاجتماعي الذكوري تاريخيًا على فكرة امتلاك جسد النساء”

               

Michelle Perrot « Le genre masculin s’est historiquement construit dans l’idée de la possession du corps des femmes », Le Monde, Idées, p.28, 29, Propos recueillis par Nicolas Truong, Samedi 8 février 2025 à 6h, modifié le 8 février à 14h54.

 

تقديم

ميشيل بيرو أستاذة فخرية في جامعة باريس ديدرو، وهي مؤرخة ذات شهرة عالمية، وإحدى رائدات تاريخ النساء ودراسات النوع الاجتماعي.  وقد أشرفت مع المؤرخ جورج دوبي على مصنَّف من خمسة مجلدات، صدرت بين سنتي 1990 و1991: “تاريخ النساء في الغرب من العصور القديمة حتى يومنا هذا”.  وقد سعى هذا المشروع إلى إعادة قراءة التاريخ الأوروبي من منظور يبرز أدوار النساء وتجاربهن الاجتماعية والثقافية.  ولها العديد من المؤلفات، آخرها كتاب “طريق النساء” (2019)1، ومؤلَّف “زمن النسويات” مع إدواردو كاستيو (2023)2، وكتاب “الالتزام كمؤرخة” (2024)3.

تُشكل أعمال ميشيل بيرو إحدى أهم المحطات في إعادة بناء تاريخ النساء في أوروبا خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بل وتفتح حقلًا معرفيًا جديدًا يتجاوز الرؤية التقليدية للتاريخ السياسي والاقتصادي؛ فالنساء اللواتي لم يُنظر إليهن طويلًا كفاعلات في التاريخ، ظهرن في تحليلات بيرو بوصفهن جزءًا من عملية تاريخية معقدة وممتدة في الزمن، تُعيد تشكيل الفضاءات العامة والخاصة، كما تُعيد تعريف علاقة السلطة بالجسد والزمن والذاكرة.

يندرج الحوار قيد الترجمة، الذي أجراه الصحفي نيكولا ترونغ بجريدة “لوموند” مع ميشيل بيرو، ضمن هذا الإطار الفكري. إذ تهدف المؤرخة من خلاله إلى تفسير الجذور التاريخية لمفهوم الرجولة في المجتمعات الأوروبية، مؤكدة أن هذا المفهوم لم يكن مجرد انعكاس للاختلاف البيولوجي بين الجنسين، بل كان نتاجًا لبنية اجتماعية وثقافية طويلة الأمد، عُرفت في الأدبيات السوسيولوجية باسم النظام الأبوي، حيث كانت السلطة الاجتماعية والقانونية والرمزية متمركزة في يد الرجال، الأمر الذي انعكس على مؤسسات اجتماعية مثل الزواج والقانون والثقافة الأدبية.

تشير بيرو في هذا الحوار إلى أن الرجولة ارتبطت في كثير من السياقات التاريخية بفكرة السيطرة على جسد المرأة، وهو تصور رسخته التمثلات الثقافية والأدبية، وتَجسد هذا النموذج الرمزي للرجولة في شخصيات أدبية مثل الدون جوان، الذي أصبح رمزًا للرجل الذي يقيس رجولته بعدد النساء اللواتي يغويهن.

في ضوء هذا السياق النظري، يكتسب هذا الحوار مع ميشيل بيرو أهمية خاصة، لأنه يربط بين التاريخ الطويل لبناء الرجولة في المجتمعات الأوروبية وبين النقاشات المعاصرة حول السلطة الجندرية والعنف الجنسي، حيث تُبيِّن ميشيل بيرو من خلال هذا الربط؛ أن فهم هذه القضايا لا يمكن أن يتم بمعزل عن تحليل البنى الاجتماعية والثقافية التي شكلت العلاقات بين الرجال والنساء عبر التاريخ.

 

نص الحوار المترجم

هل يمثل وصول دونالد ترامب إلى ولاية رئاسية ثانية في الولايات المتحدة الأمريكية لحظة تراجع بالنسبة إلى النساء في الغرب؟

ميشيل بيرو: تشكل الذكورية السياسية ردة فعل على المرحلة الجديدة من تحرر النساء، وهي في الوقت نفسه ردة فعل ذكورية على حركة “مِي تُو” (Me Too#). فمع تحرر الكلام حول العنف الجنسي والتمييز القائم على النوع الاجتماعي ضد النساء، ومع إصرار النساء على رغبتهن في عيش حياتهن العاطفية والجنسية، بل وحتى المهنية بحرية واستقلال وسيادة كاملة، يجد بعض الرجال في دونالد ترامب رمزًا للمقاومة ضد هذا التحول، بل إن بعض أنصار الرئيس الأمريكي، من المؤثرين الذكوريين المعادين للنساء ومنظري الخطابات التآمرية، ذهبوا إلى حد قلب الشعار النسوي الشهير “جسدي ملكي وأنا أختار” إلى عبارة “جسدك ملكي وأنا أختار”.

إننا أمام انقلاب أيديولوجي حقيقي؛ تعبير عن إرادة للعودة إلى ما يسمى “النظام الطبيعي” حيث تكون فيه الهيمنة الذكورية أمرًا بديهيًا. ففي سبعينيات القرن الماضي كان شعار “جسدي ملكي وأنا أختار”، يعني في الغالب “سأنجب طفلًا إذا أردت”.  أما منذ حركة “مِي تُو”، فقد أصبح يعني أيضًا “العلاقة الجنسية لا تتم إلا إذا أردت ومتى أردت أنا”.  ويعني عكس هذا المعنى: “أنا سيِّدُ جسدكِ”.  هنا، لا ينبغي أن ننسى أن ترامب نفسه أدين سنة 2023 بالاعتداء الجنسي، كما أدين أيضا بتصريحات تشهيرية أدلى بها سنة 2022 ضد الصحفية إليزابيث جان كارول، وهو كذلك أول رئيس أمريكي سابق يُدان جنائيًا بسبب دفعات مالية لممثلة أفلام إباحية قبل الانتخابات الرئاسية لسنة 2016.  ولذلك، فإن الشخصيات السياسية الفرنسية التي تدّعي استلهام هذه الثورة الأمريكية المحافظة الجديدة لا يمكنها أن تتجاهل كل هذه المسائل.

هل كان لهذه الأسباب دور مهم في تكريس حق الإجهاض في الدستور الفرنسي؟

ميشيل بيرو: نعم، كان ينبغي القيام بذلك، لأن التراجعات تظل ممكنة دائمًا، كما نرى في الولايات المتحدة.  إن القانون اليوم، يشكل أداة ودرعًا وحصنًا للنساء أكثر من أي وقت مضى، فهو يثبِّت المكاسب الاجتماعية والوجودية في نص القانون، وهذا أمر أساسي.

ما الأسباب التي تجعل المثليين جنسيًا هدفًا مفضلًا للتيارات القومية الشعبوية، من روسيا إلى الولايات المتحدة، في ظل حكم كل من بوتين وترامب؟

ميشيل بيرو: نشهد بالفعل حربًا حقيقية ضد المثليّين جنسيًا.  تعارض الذكورية السياسية النسويات المعاصرات؛ إذ يرى ترامب وبوتين أن الرجولة تمثل أحد ركائز العالم، غير أن هذا التيار يشعر أيضًا بقدر كبير من القلق إزاء تلاشي الحدود بين الجنسين. فاختلال الفروق بين الجنسين يثير خوفًا غريزيًا عميقًا، وهذا الخوف له جذور ضاربة في التاريخ. فقد أُحرقت جان دارك لأسباب متعددة، ولكن أيضًا لانتحالها الدور الحربي الذي كان حِكرًا على الرجال، فالنساء اللواتي كن يرتدين السراويل واجهن عداءً شديدًا في القرن التاسع عشر؛ وهو لباس مَنعت ارتداءه شرطة محافَظة باريس.

لطالما أكد المحافظون والرجعيون أن هناك نظامًا طبيعيًا أو إلاهيًا لا ينبغي تغييره، فبحسب رأيهم يشكل نظام الجنسين أساس النظام العالمي. غير أن البشر ليسوا محكومين بقدر محتوم؛ هناك معطى بيولوجي، لكن يمكن للفرد أن يكون حرًا في اختيار جنسه.  وإذا كان بعض الأشخاص يشعرون بعدم الارتياح إزاء المنحى الطبيعي لجنسهم، وكانوا بالغين أو قادرين على التمييز، فلا يوجد سبب لمعارضة ذلك.  وهذا ما لا يتحمله أولئك الذين يسعون إلى إعادة تكريس الحكم الذكوري، ثم إن التشكيك في الحدود بين الجنسين جزء من الالتزام النسوي.

كيف يمكن تفسير وجود عدد كبير من النساء في هيئات القيادة داخل الأحزاب القومية الشعبوية، رغم أن بعض مقترحات هذه الأحزاب تتعارض مع حقوق المرأة؟

ميشيل بيرو: ليست كل النساء نسويات؛ فبعضهن يطالبن بالحفاظ على نظام الفروق بين الجنسين ويعتنقن هذه الرؤية للعالم، والتي تمنحهن شعورًا بالطمأنينة، في حين ترى أخريات أن النسوية تمثل انحرافًا برجوازيًا، كما كانت ترى سيمون دي بوفوار في بداية مسيرتها على الأقل.

إن النسوية اليمينية نشيطة اليوم بصورة خاصة، فهي تعتبر أن الغرب متفوق على بقية العالم، لأن بعض الحقوق الأساسية للنساء ظهرت في هذه المنطقة الجغرافية.  غير أن هذه النسوية “الغربية” تنطوي على التناقض؛ لأن حقوق النساء تقوم على قيم كونية، مهما كانت الأماكن التي نشأت فيها، ولا يمكن استبعاد جزء من العالم منها، ومع ذلك، يمكن الدفاع عن هذه القيم دون تحويل الغرب إلى معيار مطلق. في المقابل نشأت النسوية المتحررة من الاستعمار نتيجة التهميش الطويل للقضايا العرقية وما بعد الاستعمار داخل نضالات تحرر النساء.

ما الأسباب التي جعلت التيارات النسوية اليوم أكثر تعددا وتشعبا؟

ميشيل بيرو: إن الاختلافات واضحة بالفعل، وهو ما يضعف النزعة الكونية. رغم ذلك، فإن تنوع النسويات المعاصرات يسمح بإظهار أشكال من التمييز لم تكن مرئية في السابق. وهذا الاختلاف في المقاربات يعكس وعيًا حاداً بتعقيد عالم مجزئٍ، ومع ذلك ينبغي ألا ننسى أننا نعيش في منطقة جغرافية متميزة نسبيًا، أشبه بجزيرة مقارنةً بدول مثل إيران وأفغانستان، حيث تُحاصر النساء ويُقمعن ويُجبرن على الصمت، فيجب أن يحشِد نضالهن جميع النسويات ويُوحدهن.

هل تمثل المحاكمة المرتبطة بقضية الاغتصاب في بلدة مازان بمقاطعة فوكلوز، في فرنسا، محطة في تاريخ تحرر النساء؟

ميشيل بيرو: تشكل هذه المحاكمة حدثًا تاريخيًا، بل يمكن القول إنها محاكمة نموذجية، فهذه القضية، أولا وقبل كل شيء، تُدهشنا وتُثير استغرابنا.  فقد عرض رجلٌ زوجتَه، وتُدعى جيزيل بيليكوت، لخمسين رجلًا، حيث خضع جسدها لاعتداءات جنسية متكررة تحت تأثير التخدير الدوائي.  فغالبًا ما تطمس صرخات الألم الناتجة عن الاغتصاب في صمت التاريخ.  ونحن نعلم أن الاغتصاب الجماعي كان موجودًا، ولاسيما في العصور الوسطى، حيث تُثْبت الرجولة أحيانًا عبر “الحصول على فتاة” بشكل جماعي.  غير أن قضية مازان تجمع عناصر جديدة: موقع على الأنترنت يقترح لقاءات “دون علم الضحية”، والتخدير الدوائي، والمواد الإباحية الرقمية.  ثم إن قرار جيزيل بيليكوت بجعل جلسات المحاكمة علنية كان ذا أهمية كبيرة، وبذلك أصبحت الضحية فاعلة في محاكمتها.  إن مازان حدث تاريخي في حد ذاته، غير أن صداه الدولي يذكِّر بحركة “مِي تُو”، لأنه يكشف عن عولمة المشاعر، ويُظهر استمرار الهيمنة الذكورية التي تواجهها النساء، مقابل إرادتهن في مقاومتها لاسيما عبر القانون، حتى لو كان ذلك عبر كشف الفظائع التي تقع أحيانًا داخل غرف النوم.  والجدير بالذكر، أن معظم حالات الاغتصاب تقع داخل المحيط العائلي، خاصة في إطار الاغتصاب الزوجي.

هل يمكن اعتبار هذه القضية سابقة تاريخية؟

ميشيل بيرو: تشكل قضية مازان قطيعة، لكنها ينبغي أيضًا أن تُدرج ضمن استمرارية محاكمة إيكس أون بروفانس سنة 1978، التي ساهمت في تعديل الوضع القانوني للاغتصاب سنة 1980.  ففي غشت 1974، كانت سائحتان بلجيكيتان مِثليتان تخيمان في خلجان كالانك قرب مرسيليا. و كان قد اقترب منهما صيادٌ، لكنهما رفضتا عرضه. وفي اليوم التالي عاد الرجل رفقة صديقين، فجرى اغتصابهما بعنف شديد، وقد انتهى الأمر بحمل إحدى الضحيتين.

وقد دافعت المحامية جيزيل حليمي عن هاتين الشابتين، غير أنهما لم تحظيا بتضامن كبير، حيث كان جزء من الحشد المتجمع أمام محكمة إيكس أون بروفانس، يؤيد المتهمين المغتصبين ويهتف بشعارات معادية للمثليات “السحاقيات”، وعلى النقيض من ذلك، حظيت جيزيل بيليكوت ضحية قضية مازان بدعم واسع من الرأي العام.

يبدو الفرق كبيرًا مقارنة بالوضع الحالي؛ فقد أصبحت النساء أكثر قدرة على تأكيد ذواتهن، وبرزت أشكال لافتة من التضامن النسوي، كما تزايد عدد الرجال الداعمين لهن. وبذلك لم يعد العار في الجهة نفسها، بل تغير موقعه.

إذا كانت قضية مازان حدثًا بارزًا، فهل يعني أنها تشكل نقطة انطلاق لمرحلة قانونية جديدة؟

ميشيل بيرو: من الممكن إعادة تعريف الاغتصاب بصورة أكثر دقة، فبعض رجالات القانون، مثل إيزابيل روم، يؤيدون إدخال مفهوم الرضا في تعريفه القانوني.  غير أن بعض الجمعيات النسوية تبدين تحفظات على ذلك، خوفًا من أن يؤدي هذا التعديل إلى تعقيد الإجراءات بالنسبة إلى المشتكيات.  ومع ذلك، فإن النقاش لا يزال مفتوحًا، وأنا أميل إلى الاعتقاد بأن “الحقوقيات النسويات” المتخصصات في القانون على حق عندما يرغبن في استكمال القانون وتدقيقه.

هل كانت جرائم الاغتصاب التي وقعت في مازان نتيجة لاستمرار ما يعرف “بثقافة الاغتصاب”، أم أنها تعكس نظرة اجتماعية تتعامل مع جسد المرأة كأنه قابل للاستحواذ أو التملك داخل المجتمع الفرنسي؟

ميشيل بيرو: إن فكرة امتلاك المرأة فكرة قديمة، فشخصية الدون جوان شكلت نموذجًا ثقافيًا جرى تمجيده.  وقد تناول العديد من الأدباء والملحِّنين هذه الشخصية في أعمالهم؛ من موليير إلى موزارت، حيث صوروا قوة الإغواء والفروسية التي يجسدها هذا النموذج.  وهذه الأسطورة جزء من ثقافتنا، ولا يمكن محوها ببساطة.  إلا أن هذا الأمر لا يخلو من إشكال؛ لأن النزعة الدونجوانية قد تبرر الاغتصاب.  ففي تاريخنا وثقافتنا نوع من التسامح أو التساهل المريب مع الاغتصاب عندما يُنظر إليه بوصفه فعلًا رجوليًا.

لكن، هل ينبغي لكل الرجال أن يشعروا بالذنب إزاء جرائم الاغتصاب التي حدثت في مازان؟

ميشيل بيرو: ليس الجميع مذنبين، لكن الجميع مسؤولون. وليس المقصود أنهم مسؤولون عن اغتصابات مازان نفسها، بل عن تلك اللامبالاة العامة تجاه هذه القضايا، أي مع ذلك النوع من التساهل العادي معها.  ومع ذلك، فمن الخطير للغاية إضفاء طابع جوهري على أحد الجنسين. ولا أحب أن يقال: “جميع النساء…” أو “جميع الرجال…”، فليس على جميع الرجال أن يشعروا بالذنب.

غير أن النوع الاجتماعي الذكوري تَشكّل تاريخيًا حول فكرة امتلاك أو تملك جسد النساء، فقد كان الرجل يثبت ذاته وذكوريته عندما يُكثر من “الفتوحات” العاطفية، وكان يُمجّد عندما يراكم “الغزوات” (تعدد العلاقات العاطفية والجنسية).  أما المرأة فكانت تُعتبر مِلكيّة مثلها مثل قطعة أرض، أو منزل، أو أي شيء يمكن امتلاكه.  كما كانت العلاقة الزوجية تقوم على طاعة الزوجة لزوجها، وما كان يسمى “واجبًا زوجيًا” يستجيب لما كان يُعدُّ حاجيات ذكورية لا تُقاوم، ويُنظر للزواج بوصفه وسيلة لتنظيم فائض الرغبة الجنسية لدى الرجال.

هل مرتكبو جرائم الاغتصاب في مازان رجال عاديون؟

ميشيل بيرو: من الناحية الاجتماعية نعم، أما من الناحية النفسية فليس بالضرورة.  وأكثر ما يُلفت الانتباه بخصوص هذه المسألة هو إعادة إنتاج العنف الذي تعرّض له هؤلاء الأشخاص في طفولتهم؛ فالاعتداء الجنسي يترك أثرًا دائمًا، ويكون أكثر خطورة عندما يطال الأطفال.  وفي معظم الأحيان لا يكون المغتصِب هو ذلك الشخص الغريب المختبئ في زاوية الشارع، بل الخطر الأكبر يكمن في المحيط العائلي نفسه.  ولهذا السبب يكون الاغتصاب داخل الأسرة شديد الصدمة والتأثير، لأن الشخص القريب والذي يُفترض أن يساعدك على بناء نفسك ويكون مصدرًا للحماية والأمان، يتحول إلى عدو.

ما الذي يمكن أن يفعله الرجال لتجنب إعادة إنتاج هذه الهيمنة الجندرية (الهيمنة القائمة على النوع الاجتماعي)؟

ميشيل بيرو: يكون سلوك الأب بالغ الأهمية بالنسبة إلى الفتيات، لأنه يمثل أول صورة للرجولة في حياتهن.  لقد كان أبي نسويًا، وكان يقول لي باستمرار: “اغتنمي الفرصة، وتولي زمام مصيرك”.  وخلال حياتي ومسيرتي المهنية التقيت رجالًا كثيرين كانوا يتصرفون باحترام حقيقي تجاه النساء، وقد وُجِد رجال نسويون دائمًا، لاسيما في الوسط الفكري.  ومن أبرزهم الفيلسوف نيكولا كوندورسي.  ففي سنة 1790 عندما كانت الثورة الفرنسية تستبعد النساء من حق المواطنة، كتب نصًا بعنوان: “في قبول النساء في حق المواطنة”.  وكان يسكن قبالة منزل الأديبة أولامب دي كوج، ولذلك أتخيل أحيانًا اللقاءات والنقاشات التي ربما جمعت بينهما.  وأود أن أقول للرجال: استعيدوا تاريخكم، فالنساء قمن بذلك بالفعل، وعلى الرجال أيضًا أن يفكروا في مسألة النوع الاجتماعي، وفي الطريقة التي تُبنى بها الرجولة، كما فعل عدد من المؤرخين أمثال: ألان كوربان، وجورج فيجاريلو، وأندري روش.  إنه فعلًا موقف فكري يعكس وعيًا تاريخيًا مهمًا ومشجعًا للغاية.

ألا توجد أزمة في مفهوم الذكورة اليوم؟ وكيف يمكن للإنسان أن يكون رجلًا في زمننا الحاضر؟

ميشيل بيرو: هل يعتقد الرجال أن الأمر سهل كي يكون الإنسان امرأة؟  فالعقبات التي واجهتها النساء كانت أكثر صعوبة، ومن الجيد أن يُدرك الرجال أن تحمل الهوية الجنسية ليس أمرًا بسيطًا.  فالمرء لا يصبح رجلًا على نحو بديهي. صحيح أن النساء حقّقن تقدمًا تاريخيًا، وربما كان لهذا التقدم أن يتّخذ مسارًا مختلفًا.  وقد يشعر بعض الرجال بأنهم يخسرون الكثير، ولكن ماذا يخسرون فعلًا؟  أليس فقدان المكانة القديمة هو اكتشاف لحريات جديدة؟ أليست الشراكة المتكافئة والسعيدة والعاطفية والجنسية -خاصة مع النساء-هي وعد يُبشِّر بمغامرة إنسانية غنية بالابتكار؟  نحن نمر بمرحلة تُعاد فيها صياغة وتركيب العلاقات بين الجنسين.  لقد زالت المرجعيات القديمة؛ فالنساء يعملن ويطالبن بحقوقهن ويعبرن عن رغباتهن ويؤكدن على حقهن في المتعة.  أما الرجال فيجدون أنفسهم أمام شريكات أكثر تطلبًا.  لم يعُد الأمر كما كان في السابق، وهذا ما يجعله أكثر إثارة للاهتمام، فلنترك التاريخ يأخذ مجراه!

هل ينبغي الاستمرار في تغيير التمثلات الاجتماعية السائدة؟

ميشيل بيرو: بالتأكيد نعم، للتربية أهمية كبيرة في هذا المجال، سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو في المجتمع عمومًا، من خلال الصور والممارسات المختلفة التي تشكل الوعي.  ومن المهم توضيح أن العلاقات بين النساء والرجال لها تاريخ.  كما ينبغي أن نفهم أن النوع الاجتماعي هو بناء تاريخي وثقافي للاختلاف بين الجنسين، ويجب التذكير بالمسار الطويل وغير المكتمل للمساواة، وبالصعوبات التي واجهتها النساء في الحصول على حق التصويت، وكذلك في القانون المدني النابوليوني الذي كان يخضعهن لسلطة رب الأسرة، وحصر أدوارهن في الأعمال المنزلية، وأخَّر تعليمهن بذريعة كونهن غير مؤهلات للمعرفة، إضافة إلى هيمنة المذكر على المؤنث في اللغة.

من هي الشخصيات التي يمكن أن تتضمنها برنامج تدريس تاريخ النساء في المرحلة الثانوية؟

ميشيل بيرو: من دون شك يجب الاهتمام بالنساء اللواتي تجاوزن الحدود وساهمن في قلب النظام القائم.  لقد كتبت أولامب دي كوج “إعلان حقوق المرأة والمواطنة” سنة 1791؛ ففي الوقت الذي أعلنت فيه الثورة الفرنسية أن “الرجال يولدون أحرارًا وسواسية في الحقوق”، رفضت منح حق المواطنة لنصف الأمة.  وقد كتبت هذه الأديبة: “إذا كان للمرأة الحق في الصعود إلى المقصلة، فيجب أن يكون لها الحق في الصعود إلى المنبر”، لتُعدم بالمقصلة سنة 1793. أما جورج ساند، فقد طالبت من جهتها بجميع أشكال الحرية، كحرية الحب، والكتابة، والإبداع، والسفر، وإدارة ثروتها.  وكان منزلها مكانًا مفتوحًا للاختلاف بين الجنسين، وفضاءً حميميًا للتحرر، أشبه بملاذ عصري تتجلى فيها الحريات.  إن اختلاق الأماكن أمر بالغ الأهمية، لأننا كائنات مسكونة بالأماكن المحلية، واختلاق المكان معناه خلق حرية.  لم تتوقف النساء عن المطالبة بدخول الأماكن التي كانت محظورة عليهن؛ فالمقاهي كانت مجالًا خاصًا بالرجال، حيث قالت لي أمي إنه كان من الصعب عليها أن تدخل إلى المقهى لوحدها في بداية القرن العشرين.

وأضيف أيضًا شخصية سيمون دي بوفوار، فكتابها “الجنس الآخر”(1949) يظل عملًا أساسيًا للفكر النسوي، بل وللفلسفة عامة، وربما أكثر أهمية من فكر جون بول سارتر، رغم أنه لم يحظَ بالتقدير نفسه.  ابتكرت دي بوفوار لنفسها حياة حرة، وسمحت بعلاقات “عارضة” داخل علاقتها مع سارتر، وكان ذلك ابتكارًا حميميًا في زمن شديد المحافظة.  وأذكر كذلك الفيلسوفة سيمون فايْ بسبب التزامها السياسي والاجتماعي إلى جانب الطبقة العاملة خلال فترة الجبهة الشعبية، وإلى جانب الجمهوريين أثناء الحرب الأهلية الإسبانية.  ولا ينبغي أن ننسى جيزيل حليمي، المحامية التي ارتبطت بالمحاكمات الكبرى، والتي شكلت محطات حاسمة في تاريخ قضايا النساء.

ما هي النضالات النسوية التي يتعين خوضها؟

ميشيل بيرو: إنها كثيرة، حتى لو اقتصرنا على البلدان الغربية. فالأحكام المسبقة لا تزال قائمة؛ فالفتيات على سبيل المثال ما زلن يقفن على عتبة العلوم الأكثر تجريدًا، وكأن الفكرة القائلة بأن عقل النساء أقل قدرة على التجريد من عقل الرجال لا تزال مستمرة.  كما أن الأزمات السياسية والاقتصادية تجعل النضالات أكثر إلحاحًا، وتتأثر العلاقات بين الجنسين عند وقوع أزمة سياسية أو اقتصادية، وغالبًا ما تظهر نزعة قوية لإعادة النساء إلى المنزل.  ومع ذلك، فإن ما تحقق من مكاسب يستمر ويصمد، فالتاريخ ليس خطًا مستقيمًا، بل هو سلسلة من التراجعات والانتكاسات والتطورات وردود الفعل المحافظة، غير أن ما يتحقق من مكاسب يتحول إلى أساس، فلا يمكن محو ما حدث، ولا يمكن تجاهل التاريخ كحدث مكتوب، لكن المكاسب تظل متجذرة في النسيج الاجتماعي، وفي حياة الأفراد، وهذا أمر مطمْئِن.  لذلك، من الضروري نقل تراث وإرث النساء اللواتي سبقننا؛ فالتاريخ ليس خيطًا، وإنما التاريخُ نسيجٌ. فالأشياء تتشابك، ويمكن أن يساعدنا استحضار تجارب التحرر الماضية على مقاومة التراجعات، وعلى فتح المجال لابتكار أشكال جديدة من التحرر.

هل سنشهد يومًا ما وصول امرأة إلى رئاسة الجمهورية في فرنسا أو الولايات المتحدة؟

ميشيل بيرو: كان تجاوز كل عائق جديد أمرًا صعبًا: ممارسة الرياضة، والتحرر من الزواج، وكشف الجسد.  الوصول إلى أعلى سلطة سياسية هي الخطوة الأخيرة، ولا شك أنها الأصعب.  فهذا الحاجز الذي لم يتم تجاوزه بعد يكشف عن مستوى جديد من مقاومة المساواة وعن خوف عميق من وصول النساء إلى السلطة في دول كبيرة مثل الولايات المتحدة. وربما ليست هذه الخطوة هي الأهم، فالتغيرات التي تحدث في الحياة اليومية العادية للناس العاديين، قد تكون أهم بكثير.

 

أجراه معها الصحفي نيكولا ترونغ، السبت 8 فبراير 2025

تقديم وترجمة: سمية بوزيار

 

هوامش

1-le Chemin des femmes, Paris, Robert Laffont, coll. « Bouquins », 2019.

2- Le Temps des féminismes (avec Eduardo Castillo), Paris, Grasset, 2023.

3- S’Engager en Historienne, Paris, CNRS Editions, coll. «Les Grandes Voix de la recherche », 2024.

الرابط

https://universitepopulairetoulouse.fr/spip.php?page=pdfjs&id_document=6741#pاage=1

- سمية بوزيار

باحثة من جامعة عبد المالك السعدي بتطوان

شاهد أيضاً

العولمة واستحالة الترجمة: حوار مع باربارا كاسان، أجراه مايكل أوستينوف

Barbara Cassin, Intraduisible et mondialisation, Entretien réalisé par Michaël Oustinoff, HERMÈS 49, 2007.   مايكل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.