مسيرة ميشيل بيرو: من الحاضر إلى الماضي

Michelle Perrot, S’engager en Historienne, CNRC Edition, coll. « Les Grandes Voix de la Recherche », Paris, 2024.

 

      يندرج كتاب انخراطي كمؤرخة S’engager en Historienne  ضمن ما يطلق عليه “تاريخ الأنا”، وهو نوع من السرد التاريخي يجمع فيه المؤرخ بين تجربته الشخصية وسيرته الذاتية وتحليله التاريخي، ولا يمثل مجرد أسلوب أدبي، بل هو انعكاس لتحولات عميقة في فهم المؤرخ لدوره وموقعه في السردية التاريخية وبالتالي في الفكر التاريخي، مما يؤدي إلى الكشف عن الجوانب المخفية في عملية البحث التاريخي. عزز هذا التوجه فكرة أن المؤرخ عليه أن يعكس تجربته الذاتية على منهجه الأكاديمي، وهو نفس النهج الذي سلكته ميشيل بيرو في هذا الكتاب.

إن الانكباب على قراءة هذا الكتاب هو بمثابة السير على خطى امرأة استثنائية، وغوص في حياة غنية بالتحولات والتراكمات المتعددة الأبعاد، لباحثة تتمتع بمسيرة علمية وأكاديمية متميزة، ونموذج يحتذى به في الجدية، ويقتدى به في الالتزام، وتثمين لكل الجهود التي بذلتها ولا زالت، ومثال لكل من يشكك فيما يمكن للإنسان تحقيقه حين يتملكه الشغف بما يلتزم القيام به رغم كل العقبات والظروف المعاكسة.

يضم هذا الكتاب الصغير الحجم أقل من سبعين صفحة، وهو بمثابة تلخيص مكثف لحياة زاخرة بالعطاء، وسيرة ذاتية ممتدة لما يقارب قرنا من الزمن لمؤرخة عاشت توالي الأحداث والوقائع، التي شهدتها فرنسا خلال القرن العشرين، وتفاعلت معها من خلال التأريخ لها. وهذا ما يلمسه القارئ في جل إنتاجاتها، فهي تنتمي لأولئك الذين يرون ما هو غير مرئي، أي ما هو على الهامش أو خارج الإطار. بمعنى آخر يمكن القول إن ميشيل بيرو اشتغلت على هوامش مناطق السلطة بنظرة متجذرة في الحاضر.

تروي ميشيل بيرو في كتابها هذا، حياتها الشخصية والفكرية والعلمية من خلال جرد وتقديم لأعمالها البحثية المخصصة لموضوعات مختارة بعناية، وفقا للأحداث التي عاشتها وأثرت في مسيرتها، منها الحرب العالمية الأولى من خلال رواية والدها الذي شارك فيها، ومنها الحرب العالمية الثانية التي عايشتها بنفسها، وأنهت طفولتها الساحرة بعد الاحتلال النازي لفرنسا، ثم انعكاس الحرب الجزائرية بين سنتي 1954 و1962 على أفكارها وقناعاتها. كما كانت شاهدة على الأحداث التي رافقت ما يعرف في تاريخ فرنسا بالحركات الاجتماعية ماي 1968، ومتابعتها لمحاكمة بوبيني) le procès Bobigny ص.  (49التي وضعت حدا للمتابعة الجنائية للإجهاض بفرنسا، بعد صدور قانون 17 يناير 1975، وما خلفه هذا الحدث من أثر عميق عليها كامرأة.

تناول الكتاب في بدايته طفولة ميشيل بيرو، وقضاء صيفها في الريف، وما شكلته هذه الفترة من حياتها، واصفة إياها بالسعادة الكاملة، هي نفس المرحلة التي سمحت لها بالانغماس في ماضي فرنسا وشكلت ذاكرتها كمؤرخة. شعرت ميشيل بيرو كمراهقة أيضا، مثلها مثل عائلتها، بثقل الحرب وفظاعتها، وعانت من حزن عميق واكتئاب فقدان الشهية الذي نتج عنه انحناء كبير في عمودها الفقري، مما اضطرها إلى قضاء معظم وقتها ممددة على لوح خشبي، الشيء الذي سمح لها بالقراءة كثيرا خلال هذه الفترة، بتشجيع من والدها الذي أعارها كتبه. قرأت حينها رواية آن فيكرز Ann Vickres لكاتبتها سانكلير لويس Sinclair Lewis، وتأثرت بشكل خاص بشخصية الطبيبة في الرواية؛ تلك المرأة المتحررة القادرة على الانفصال عن الرجل الذي أحبته، وهو زميل لها في المهنة، بعد أن تقدم للزواج منها وأصر عليها للتخلي عن عملها، ولعل في هذه اللحظة تولدت لديها الرغبة في دراسة التاريخ، حسب ما جاء في الكتاب قيد القراءة. من المثير أيضا، أنه في هذه الفترة الزمنية كان والد ميشيل بيرو يخشى أن تقع ابنته في فخ الزواج، وعمل على تحفيزها لمواصلة دراستها والعمل كأستاذة للتعليم الثانوي في بداية مشوارها المهني، الأمر الذي لم يكن طبيعيا آنذاك في مجتمع ذكوري محافظ.

شكلت دراسة التاريخ في جامعة السوربون مرحلة حاسمة في مسار الكاتبة الشخصي والأكاديمي؛ فقد كانت فترة نشيطة وموسومة بالحرية، داخل عالم علماني مختلط ووسط علمي منفتح، شكلت فيه الفتيات ثلث القوى العاملة. انكبت خلال هذه الفترة على دراسة مشكلة القوميات بتعاون مع أستاذ العلاقات الدولية بيير رينوفين Pierre Renouvin. من جانب آخر، أتاحت لها الدروس التي كان يلقيها عراب التاريخ الاقتصادي إيرنيست لابروس Ernest Labrousse الاطلاع على التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، خاصة علوم الإحصاء والقياس، وهو ما دفعها لاحقا إلى الاهتمام والعمل على موضوع الإضرابات العمالية. وعلى الرغم من النزعة الذكورية الأكاديمية السائدة آنذاك، إلا أن أستاذ ميشيل بيرو، لابروس، شجعها للانفتاح على موضوعات تاريخية جديدة، مما دفعها إلى الاهتمام بالجوانب التاريخية الاقتصادية والاجتماعية التي لم تخضع للبحث والدراسة. كما عملت بيرو أيضا، على مساعدة أستاذها في المعهد الفرنسي للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي، لتنضم فيما بعد إلى فريق بقيادة المؤرخ جان مايترون Jean Maitron لتأسيس تاريخ عمالي علمي من أجل المساهمة في إعطاء الطبقة العاملة تاريخا جديدا، تاريخا يجعل من العمال عناصر فاعلة في التاريخ، وليس مجرد ضحايا للنظام الرأسمالي. وهو ما صرحت به ميشيل بيرو في لقاء لها على قناة فرانس-ثقافة France Culture: “إن الرغبة في تأسيس تاريخ عمالي علمي، تاريخ ماركسي، ولكن متحرر من أي افتراضات إيديولوجية للحزب الشيوعي الذي تنتقده إدارة مدرسة لابروس، والتي كانت تضم نخبة من المثقفين والباحثين الذين ساهموا في إعطاء الطبقة العاملة تاريخا يليق بها، تاريخ ما كان ليظهر في غياب هذه الطبقة واعتقادنا أنها تحمل مفاتيح المستقبل 1“.

ساهمت الكثير من العوامل في ميلاد تاريخ الحركة العمالية، فإلى جانب المعهد الفرنسي للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي، تم إنتاج العديد من الدراسات والأبحاث التي أماطت اللثام عن هذه الفئة المهمشة من المجتمع الفرنسي، فجان مايترون ألف أطروحة حول تاريخ الفكر الفوضوي في فرنسا، في حين قام المؤرخ بيير نورا Pierre Nora بتأليف قاموس السيرة الذاتية للحركة العمالية الفرنسية، واعتبر بمثابة خزان حقيقي للذاكرة”2.

كما نظمت ميشيل بيرو بمعية جان مايترون ندوة بعنوان “العامل المناضل”، خلفت صدى محمودا، لتنبثق عنها مجلة “الحركة الاجتماعية”، ولتصير المجلة الرئيسية لتاريخ العمال، كما امتد عملها فيما بعد ليشمل إلى جانب النساء شريحة عريضة من الفئات المقصية من المجتمع الفرنسي. كما اشتغلت المؤرخة الفرنسية رولاند ترومبي Roland Trempé هي الأخرى على عمال المناجم بمدينة ليون، لتتوالى الإصدارات الخاصة بتاريخ الطبقة العمالية، وكان معظمها أعمال تصب في التاريخ الاجتماعي لفرنسا.

بالرغم من كل هذه الأبحاث، إلا أن ميشيل بيرو تأثرت بأفكار المدرسة الإنجليزية التي كانت أكثر دينامية في تلك الفترة، بسبقها إلى إصدار مجلة “الماضي والحاضر”، وصدور مؤلف مهم للمؤرخ البريطاني إدوارد بالمر تومبسون Edward Palmer Thompson الموسوم ب “صناعة الطبقة العاملة الإنجليزية”، والذي صار مرجعا أساسيا لفهم عالم العمال. لقد قطعت هذه المدرسة الطريق بشكل واضح أمام الدراسات الكمية لمدرسة الحوليات، لتجد بيرو نفسها بين مطرقة النظريات الفكرية لمدرسة لابروس وبين سندان أفكار المدرسة الأنجلوسكسونية، التي جعلتها تخرج من بوتقة التاريخ الكمي إلى البحث الدقيق في التفاصيل النوعية الكفيلة بتبيان حجم التباين الطبقي، وخصوصية كل فئة على حدة بإكراهاتها وطموحاتها.

التقت بيرو بالعمال أثناء إعداد أطروحتها، ولامست دورهم المهم في الإضرابات، ومشاركة النساء للرجال فيها، رغم تغييبهن من تاريخ الحركة العمالية، باستثناء البحث الرائد الذي قامت به عالمة الاجتماع مادلين جيلبرت Madeleine Gilbert حول عمل المرأة، لتخصص بيرو فصلا من أطروحتها “العمال المضربون، فرنسا 1871-1890” للحركات الاحتجاجية النسائية. جعل هذا الغياب بيرو تتساءل حول مكانة المرأة في الإضرابات؛ وعن سبب إقصائها عند كتابة تاريخ هذه الطبقة، جراء النظرة التقليدية للحركة العمالية باعتبارها تشكيلا ذكوريا.

شكل هذا التهميش نقطة مفصلية مهمة في قلب موازين اهتمامات بيرو والتركيز على تاريخ النساء، وساعدها على ذلك تأثرها بكتاب “الجنس الآخر” لسيمون دو بوڤوار Simon de Beauvoir، الذي غير نظرتها بخصوص العلاقة بين الجنسين، إضافة إلى انخراطها في صفوف الحركة النسوية الفرنسية خاصة بعد أزمة 1968،كما كان لانتقالها إلى جامعة باريس السابعة، دور مهم في التوفيق بين الالتزام السياسي والمشروع الفكري الذي آمنت به، و بذلك استطاعت المزاوجة بين النشاط النسوي والبحث الأكاديمي، لكون هذه الجامعة وفرت لها بيئة مناسبة ومختبرا فكريا وتاريخيا للانفتاح على أشكال جديدة من الأبحاث والابتكارات. ولعل هذا ما يفسر استقرار المؤرخة والباحثة ميشيل بيرو في هذه الجامعة حتى حصولها على التقاعد سنة 1993.

تتحدث ميشيل بيرو في مؤلفها هذا عن انخراطها والتزامها السياسي والاجتماعي المتعدد التوجهات، وربط خيوط الحاضر بالماضي. فقد كان للأماكن والأزمنة أهمية كبيرة أثرت على ذاكرتها كمؤرخة، فمن تعاطفها وقربها من اليسار الفرنسي ومعارضتها للحرب الجزائرية واهتمامها بالحركات النقابية، إلى مشاركتها في حركة ماي 1968، ودراستها لعالم السجون وقضايا العدالة، ودعمها للحركات النسوية، حيث تقول إنه “في سبعينات القرن العشرين جذبتني حركة تحرير المرأة وأغرتني” (ص. 48).

سمح لها هذا الانجذاب بإدراك ما كان حاصلا آنذاك، من فجوة عميقة في السرد التاريخي حول هذه المسألة. لقد غذت هذه الاهتمامات والالتزامات عملها كمؤرخة وأغنتها في كثير من الأحيان؛ وفتحت أمامها قضايا ومجالات معرفية جديدة، ومناهج  بحث حديثة، وأهلها  كل هذا للاشتغال والعمل مع باحثين مرموقين من مجالات أخرى في العلوم الإنسانية، مما جعلها تستجيب لمبادرة ناشر إيطالي لتقوم بالاشتراك مع جورج دوبي Georges Duby في تنسيق كتاب “تاريخ النساء في الغرب” والمكون من خمس مجلدات، شارك فيه اثنان وسبعون باحثا معظمهم من النساء، ونشر في تسعينيات القرن الماضي وترجم إلى أكثر من عشر لغات، وشكل مرجعا مهما في تاريخ النساء، مساهما بذلك في النبش عن مشاركة المرأة في كتابة تاريخ الغرب.

وعن تأثير هذا الكتاب تقول بيرو: “أدى إلى كسر الصمت السائد على الأقل في الجامعات بشأن تاريخ النساء”، لتطلب منها فيما بعد بيرين سيمون ناهوم Perrine-Simon-Nahum جمع مقالاتها الرئيسية حول موضوع النساء، لتشكل بها مادة كتاب “النساء أو صمت التاريخ” /Les Femmes ou les Silences de l’Histoire الصادر سنة 1998، والذي تناول ظهور وتطور تاريخ النساء في فرنسا وسياقه الزمني، من خلال طرح إشكالات ونقاشات ومواضيع متعددة، ليثبت هذا الحقل الفتي نفسه لاحقا كمجال قوي، حتى أصبح معترفا به داخل الجامعات التي كانت مترددة في تبنيه سابقا.

كما أصبح موضوع النساء حاضرا في الأعمال الأكاديمية والأرشيفية، واتسع بذلك أفق البحث في هذا المجال، و تم تعزيزه بجمع المصادر المتعددة الأجناس، وإنجاز العديد من الأبحاث والدراسات والمبادرات، توجت بصدور مجلة كليو/ Clio التي أشرفت عليها فرونسواز تيبود Françoise Thébaud  والمهتمة بكل ما يخص النساء، كما تم إنشاء مكتبة مارغريت ديرون Marguerite Durand، و”مركز أرشيف النسوية”Un Centre d’Archives Du Féminisme  الذي أحدثته كريستين بار Christine Bar، وهو مركز يضم أرشيفات شخصية لشخصيات نسائية بارزة. وبالإضافة إلى ذلك، تم تأسيس “جمعية من أجل السيرة الذاتية” Association Pour l’Autobiographie، والتي تضم آلاف الوثائق المتعلقة بحياة النساء. وشاركت النساء أنفسهن في إثراء هذا الأرشيف3 عبر كتابة سير ذاتية مستوحاة من أعمال أدبية كتلك الخاصة بآني إرنو Annie Ernaux4.

عالج تاريخ النساء كل جوانب حياة النساء عبر مختلف العصور، سواء الخاصة أو العامة: كالتعليم والأمومة5، والحياة اليومية والعمل، والسفر، والدين، والاقتصاد والسياسة، والإبداع. علاوة على ذلك، جرى التطرق إلى كل أنواع الفنون، خاصة الأدب الذي تمت دراسته ليس فقط من منظور الكاتبات والنسويات، ولكن أيضا من زاوية تحليله كنتاج لبناء جنسي متباين6، فالنساء كن حاضرات وبقوة في الأدب الشخصي، لأن القراءة والكتابة ترسمان طريقا للتحرر من ربقة الهيمنة الذكورية. إلى جانب ذلك، طرحت قضايا مختلفة ومتنوعة؛ كالرضا والمقاومة، وأشكال نضال النساء سواء في الاعتراض أو التمرد وتوثيقها، مع التركيز على الحركات النسوية وتنوعها7. ألقت الدراسات الضوء على المواقع والأماكن؛ كالمنازل والحدائق، والأديرة ودور الدعارة، والحقول والورشات، والمصانع والسجون. كما تم استجواب القانون في علاقته بالنساء؛ كمقارنة جسد الملكة بجسد الملك، وتحليل الأزياء كالفرق بين السراويل والفساتين8. أنجزت أيضا استقصاءات واستبيانات حول الثورات والحروب، وعن دور النساء فيها، ومناقشة مسألة الديمقراطية ومدى استبعاد أو إدراج النساء فيها، مما خلق حالة من الصراع المستمر بين الجنسين.

انعكست نتائج البحث العلمي في تاريخ النساء على غزارة الإنتاج في هذا المجال بشكل واضح، حيث صار التمييز فيه ممكنا بين أهمية السير الذاتية النسائية ومدى مساهمتها في صنع تاريخ النساء، وإعادة سرده من منظور نسوي -مما أدى إلى الكشف عن مساهمات النساء التي تم تهميشها أو إغفالها أو تجاهلها تاريخيا- والكشف عن المكانة الممنوحة للجسد ولنظريات الجنس، ومدى أهمية تناول موضوع الجنسانية والجندر بشكل أكاديمي، قصد تحليل كيفية تشكل العلاقات الاجتماعية عبر العصور، وأخيرا إعادة تجديد شاملة للتأريخ، وإعادة كتابة تاريخ يشمل النساء.

لم يكن الأمر سهلا، بل تطلب وقتا طويلا للوصول إلى النتائج المرجوة في هذا الحقل الجديد، فالدور الكبير الذي لعبته الأعمال البحثية في هذا المجال، وكذا إسهام الجامعات في إعادة تشكيل النقاش حول النساء والتاريخ من خلال تبني الأبحاث الأكاديمية المرتبطة بالواقع المعاصر، والتي دعت إلى ضرورة قراءة التاريخ وتفكيك الصمت التاريخي حول النساء برؤية أكثر شمولية. وانعكس هذا إيجابا على مساعي التوليف والتحليل، وظهور منشورات مهمة لصانعات الحركة النسوية، ولمبدعات ورائدات وكاتبات في جميع المجالات، وميلاد مناهج وقواميس خاصة بالنساء، كما تم بذل مجهود حقيقي لمراجعة تاريخ النساء وإدماجه في برامج البحث الجامعي. لتبدأ بذلك الإشكالات بالتغير والتطور وفقا للظروف والاختلافات الوظيفية التي طرحها تاريخ النساء.

إنه تاريخ شامل يحترم المصادر، ويهتم بالسياقات والكرونولوجيات، تاريخ مكرس لتبديد الصمت الذي شبهته ميشيل بيرو باستراحة البحر، وشروق الشمس الذي يغلق كل شيء، تاركا الأصوات والكلمات التي تحمل الأمل في الانفصال عما تبقى من الظلام، كما اعتبرت كتابة تاريخ النساء بمثابة كفاح ونضال ضد الصمت الكبير لليل، الذي يهدد دائما بابتلاع كل شيء. إنه أيضا، محاولة لإدخال المزيد من الفهم للعلاقات الاجتماعية التي تشكل تطور المجتمعات، هذه العلاقات التي تعقد تحليلها بشكل كبير خلال العشرين عاما الماضية تحت تأثير ظهور العديد من النظريات والأفكار التي تناولت مسألة النوع الاجتماعي برؤى مختلفة وآليات متنوعة.

لا يمكن لجاحد إنكار ظهور فكر نسوي حقيقي في السنوات الأخيرة، سمته الأبرز هي النوع الاجتماعي كأداة تحليل تاريخية سمحت بتفكيك ما يسمى بالبيانات أو المعطيات الطبيعية، وهو ما قد أشارت إليه سيمون دو بوفوار سنة 1949. وهكذا، وفي خضم هذا الانقلاب الكبير في الأفكار والعادات والقناعات تظهر ثمار بحث جديد، عمل على جمع قصص النساء وتجاربهن، وأظهر شجاعتهن وقدرتهن على التكيف، وإرادتهن في المقاومة. لتصبح بذلك، كتابة تاريخ عالمي خاص بالنساء المهمة الأكثر إلحاحا اليوم من أجل رسم آفاق جديدة للأجيال القادمة، رغم كل الصعوبات والعراقيل التي سيواجهها.

تختم المؤرخة ميشيل بيرو كتابها بالتذكير بحتمية المشاركة المواطنة والانخراط المدني للمؤرخ مع وجوب استحضار الصرامة والدقة في عمله، فضلا عن عدم الاستغناء عن “تكرار الفرضيات وتقاطع المتغيرات”. وهذا ما جعلها منفتحة على المفهوم الحالي لـ “التقاطعية”l’Intersectionnalité ، والذي غالبا ما يتم استنكاره من قبل البعض.

شكلت السردية التاريخية لحياة ميشيل بيرو كما رسمتها في هذا الكتاب، معطيات مركزة لمسيرة حافلة من الإنجازات والأعمال الفكرية والعلمية، لامرأة فريدة عايشت فترة استثنائية من تاريخ فرنسا المعاصر، شاهدة بذلك على تقلبات الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية، لمجتمع عاش تحولات عميقة في تركيبته على جميع المستويات، خاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة وما تحقق من مكتسبات على هذه الواجهة. فقد شكل هذا الموضوع جوهر الأبحاث التاريخية لميشيل بيرو، مما جعلها تكرس جهدها العلمي لخدمة قضايا المرأة والنبش في تاريخ النساء، وبذلك، كانت رائدة في تدريس تاريخ النساء كمادة مستقلة بالجامعات الفرنسية، وعملت على كتابته، حيث تقول: “إن كتابة تاريخ المرأة لا يعني فقط المساهمة في الوعي بهويتها، ولكن أيضا في فهم أكثر شمولية لتاريخ غيابها”.

 

 

——————————————–

الهوامش

1-Michelle Perrot, Emission Classique de l’Historiographie, Paroles d’Histoire, Episode 230, «Ernest Labrousse directeur de thèse avec Michelle Perrot».

2- Michelle Perrot, «itinéraire d’une pionnière de l’histoire des femmes», Media part, dans le cadre d’une série d’entretiens exceptionnels à la bibliothèque Marguerite-Durand à Paris, 20 février 2023, Vu le 14 Décembre 2024.

3-La seule bibliothèque féministe qui existe en France demeure un haut lieu de recherche. A la bibliothèque historique de la ville de Paris, le fonds Bouglé est en cours de classement.

4-A titre d’exemple : Francine Gautier, L’Echappée, 2018 ; ou comment s’en sortir par l’école et les études, quand on vient d’un milieu défavorisé et passablement phallocrate.

5-Autour d’Yvonne Knibiehler et son équipe. Voir aussi les travaux de Jean-Yves Le Naour et Catherine Valenti, Histoire de l’avortement, XIXe-XXe siècle, seuil, 2003 et Bibia Pavard, Si je veux, quand je veux. Contraception et avortement dans la société française (1956-1979). Presses universitaires de Rennes, 2012 ; Préface de Jean-Françoise Sirinelli.

6-L’ouvrage remarquable dirigé par Martine Reid, Femmes et littérature. Une histoire culturelle, Paris, « Folio », Gallimard, 2 volumes, 2020

7-Eliane Gubin, Catherine Jacques, Florence Rochefort, Brgitte Studer, Françoise Thébaud, Michelle Zancarini-Fournel (dir.), Le siècle des féminismes, L’Atelier, 2004.

8-Christine Bard, Une histoire politique, seuil, 2010 ; Geoges Vigarello, La Robe. Une histoire culturelle, 2017.

عن سمية بوزيار

باحثة من جامعة عبد المالك السعدي بتطوان

شاهد أيضاً

المقاربة بالكفايات وسؤال تطوير منهاج مادة التاريخ

محمد صهود، المقاربة بالكفايات من الخطاب البيداغوجي إلى منهاج التاريخ بالتعليم الثانوي في المغرب، مطابع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.