تسريد تاريخ المقاومة المغربية في الجنوب

رواية: “صحراء” لجون ماري جوستاف لوكليزيو

 

1- تمهيد:

جون ماري جوستاف لوكليزيوJean Marie Gustave Le Clézioكاتب فرنسي من أسرة بروطونية الأصل، هاجرت إلى جزر موريس خلال القرن الثامن عشر. صدرت أولى رواياته (المحضر) سنة 1963، وحازت آنذاك على جائزة رونودو. وفي سنة 1980 حصل على جائزة بول مورون إثر صدور تحفته رواية صحراء التي يعتبرها كثيرٌ من النقاد، لحظة فارقة في المسار الروائي للكاتب، بما أنها تشكل قطيعة مع تجربة الرواية الجديدة عند لوكليزيو، وبداية تجربة روائية مختلفة قوامها تجريب طرائق جديدة في السرد، وارتياد آفاق إنسانية أرحب، تتجاوز تجربة فكرة الرواية كجنس بورجوازي مديني، نحو كتابة ثقافات مختلفة ينظر إليها الغرب المتمركز حول ذاته، كثقافات بدائية (الإفريقي الأسود- أهل الصحراء- مهمشو المدن المغربية- هنود أمريكا اللاتينية- الفلسطينيون- سكان جزر موريس- الجنس الأصفر…).حصل لوكليزيو سنة 2008 على جائزة نوبل للآداب. وقد وصفته الأكاديمية السويدية المانحة لجائزة نوبل بـ”كاتب القطيعة، والمغامرة الشعرية والنشوة الحسية، ومستكشف إنسانية ما وراء الحضارات المهيمنة”.

وتعتبر رواية صحراء1 تجربة متميزة في جنس الرواية سواء من الناحية الفنية أو من الناحية المضمونية،لأنها تعتمد حكايتين تتناوبان الظهور في متن الرواية:

الحكاية أ: تجري في الزمن الماضي. وقد خصصها الكاتب لمغامرة المقاومة المغربية في الجنوب بزعامة الشيخ ماء العينين، في مجابهته للغزو الفرنسي للمغرب، بما في ذلك غزو منطقتي وادي الذهب والساقية الحمراء.

الحكاية ب: تجري في الزمن الحاضر. ترصد مسار الطفلة الصحراوية اليتيمة لالة حواء التي ستدفعها ظروف اجتماعية وثقافية عصيبة،إلى مغادرة الصحراء صوب فرنسا، قبل أن تعود في نهاية مسارها السردي إلى نقطة البداية.

سيكون التركيز في هذا المقال على الحكاية أ التي تُسرّد تاريخ المقاومة المغربية في الجنوب، خصوصاً في الصحراء المغربية (إقليما وادي الذهب والساقية الحمراء).حيث يمزج المؤلف في هذه الحكاية بين شخصيات واقعية (الشيخ ماء العينين وأبناؤه: أحمد الهيبة،وسَعْد بوه،ومحمد الأغظف- الجنرال موانيي- الجنرال مونجان…) وشخصيات متخيلة (الطفل نور وأسرته…). يلاحق السارد العالم (التبئير في الدرجة الصفر) في هذه الحكاية رحلة الشيخ ماء العينين وبنيه انطلاقاً من مدينة السمارة، صوب الشمال المغربي لمحاربة العدو “الكافر” الذي غزا المملكة الشريفة، قبل اندحارهم أمام الفرنسيين، ثم عودتهم إلى الصحراء ونقطة الانطلاق.

 

2- الحكاية أ:                   

تدور أحداث هذه الحكاية في بداية القرن العشرين؛ خلال المرحلة الممتدة ما بين سنتي 1909و1912، في فضاءات متعددة أهمها: إقليما وادي الذهب والساقية الحمراء، منطقة وادي درعة، مدينة السمارة، مدينة كلميم، مدينة تارودانت، منطقة وادي تادلة، ضواحي مدينة مراكش، مدينة تزنيت، ومدينة أكادير.

تنطلق أحداث “الحكاية أ” ببزوغ مجموعة من الرحل، ومن بينهم عائلة الطفل نور، البطل الرئيسي في القصة، خلف إحدى التلال الرملية لمنطقة الساقية الحمراء، قاصدين مدينة السمارة، تلبيةًلنداء الشيخ ماء العينين الذي دعا مختلف القبائل الصحراوية للقدوم إلى مدينة السمارة، بغاية التوجه صوب الشمال المغربي، للمشاركة في الجهاد ومجابهة”الغزو النصراني” للمملكة الشريفة، وأيضاً من أجل البحث عن مناطق وفيرة الماء وكلأ الماشية، بها تستقر قبائل الصحراء، بعد أن احتلت عساكر “النصارى” الصحراء، ومنعت عن أهلها منابع المياه وحقول الرعي.

بعد اجتماع القبائل الصحراوية في مدينة السمارة، قرر الشيخ ماء العينين الاتجاه صوب الشمال، رفقة محاربيه (المحاربون الزرق)، وكتائب أبنائه الحربية وكل القبائل الصحراوية، بعدما انعدم الأمن في الصحراء، وأصبح المستعمر على مشارف السمارة، واستولى على كل الواحات والآبار، وقطع طرق القوافل، حتى يحاصر القبائل المتمردة.

انطلقت الرحلة صوب الشمال المغربي، بدءاً من السمارة، ومروراً بتيزنيت، وتارودانت، ومراكش، ثم قصبة تادلة. وقد عانى الصحراويون في هذا السفر المضني من الجوع، والخوف، والخيانة، وكثيرٌ منهم لقي حتفه في الطريق. مرّ الرحل خلال هذا المسير بمحاذاة العديد من القبائل والمدن المغربية التي مد بعضها يد العون لهم، والتحق بعضها بمسيرتهم للمشاركة في الجهاد، وكان منها من اعترض سبيل الشيخ ماء العينين لطلب البركة أو طلب الشفاء من بعض الأمراض، ومنها من امتنع عن المساعدة، كما حصل مع مدينة تارودانت التي رفض أهلها تزويد الرحل بالمؤن، ومنْحهم أراض لمواشيهم، وذلك ما دفعهم إلى التقدم صوب الشمال، حتى واجهوا في يونيو من سنة 1910 الجيش الفرنسي في منطقة واد تادلة، فهزمهم الفرنسيون هزيمة مذلة، وقتلوا منهم أعداداً كبيرة، فعاد على إثر ذلك ما تبقى من الصحراويين إلى الجنوب. أما ماء العينين فقد رجع رفقة بعض محاربيه الزرق، وبطل الرواية الطفل نور، إلى مدينة تزنيت، حيث مات هناك وحيداً، خلال شهر أكتوبر من سنة 1910.

كما هُزمت كتائب أبناء ماء العينين، محمد الأغضف وسعدْ بوه، أمام الغزاة الذين تمكنوا أخيراً من احتلال مدينة السمارة.أما ابن ماء العينين البكر مولاي أحمد الهيبة، فقد هُزم بدوره عند ضواحي مدينة أكادير، في مارس من سنة 1912، على يد المستعمر الفرنسي، وهو برفقة حشود كبيرة من القبائل الصحراوية والأمازيغية. وقد دفعت الهزائم المتكررة شخصية الطفل نور، وما تبقى من قبائل الصحراء للعودة إلى نقطة الانطلاق وفضاء الحرية الأزلي، وادي الذهب والساقية الحمراء.

 

3- الخلفية التاريخية في الرواية:

يعد التاريخ في هذه الرواية أحد أهم مقوماتها المضمونية، والركيزة الأساسية في بناء أحداثها، ويتمثل ذلك تحديداً في اعتماد تاريخ المقاومة المغربية في الجنوب -وفي مقدمتها مقاومة القبائل الصحراوية في منطقتي وادي الذهب والساقية الحمراء- كخلفية مركزية لتخيل أحداث “الحكاية أ”، وذلك ما يشكل أرضية للتساؤل عن الطريقة أو الطرق التي وظف بها المؤلف تاريخ المنطقة في هذه الحكاية، والتساؤل أيضاً عن دوافع ورهانات استخدام التاريخ في الرواية، والقيم المنشودة من وراء ذلك.

يستعرض ج.م.ج لوكليزيو مسار المقاومة المسلحة في الجنوب المغربي ضد المستعمر الفرنسي، من خلال أربع محطات كبرى:

أ- المحطة الأولى: اجتماع قبائل الصحراء بمدينة السمارة (خريف 1909-1910)، تلبية لنداء الشيخ ماء العينين، الذي دعا قبائل سوس وقبائل وادي الذهب والساقية الحمراء وقبائل شنقيطـ وقبائل من الصحراء الكبرى لمحاربة المستعمر الفرنسي، غازي الصحراء والمملكة الشريفة. وقد لبّت القبائل المجاهدة دعوة الشيخ، وقَدِمت من كل حدب وصوب إلى المدينة المقدسة، بهدف حماية الصحراء وعموم المملكة الشريفة من الاستعمار الأجنبي. يقول سارد القصة:

“سمع نور [بطل الحكاية أ] مرة أخرى، الأسماء التي ينطقها والده، أسماء زعماء القبائل المحاربة، ورجال الأساطير، مَعْقِل، وعْريب، وأولاد يحيا، وأولاد الدليم، والعروسيين، واشركيكين، والركيبات ذوو اللثم السوداء، والناطقون باللغات الأمازيغية:إيداو بلال، وإيداو مريبات، وأيت باعمران، وكذلك القبائل المجهولة الأسماء، القادمة من تخوم موريتانيا، وتيمبكتو.” (ص. 42)

ب- المحطة الثانية: مواجهة قصبة تادلة (18 يونيو 1910): بعد اجتماع القبائل المجاهدة في مدينة السمارة، اتجه الجميع بأمر من ماء العينين صوب الشمال المغربي تأهباً لقتال المستعمر الفرنسي. وقد واجهت هذه القبائل في منطقة قصبة تادلة، مجموعة من المجندين السنغاليين تحت إمرة الجنرال موانييCharles Émile Moinier، وانهزمت بسهولة كبيرة أمام الأسلحة الفرنسية الفتاكة. يستثمر الكاتب في هذه المحطة مجموعة من المعطيات والأرقام التاريخية، لـتأكيد الخلفية الاقتصادية لاستعمار المغرب.

ج- المحطة الثالثة: الفرار نحو تيزنيت: بعد الهزيمة القاسية، قرر الشيخ ماء العينين وما تبقى من المقاومين، والطفل نور، بطل الحكاية، الفرار صوب مدينة تيزنيت التي حط بها الشيخ رحاله إلى أن مات من شدة الغيظ بسبب الهزيمة.بعد تعرض عائلة الشيخ للشتات؛ احتمى أبناؤه بمناطق متعددة في وسط المغرب وجنوبه، حتى يواصلوا مناوشة المستعمر الفرنسي.يقول سارد الحكاية واصفاً هذا الوضع، على لسان أحد مبعوثي الجنوب:

“«ينازع الشيخ الأكبر ماء العينين، الموت.لقد فقد البصر، ولم يعد قادراً على الكلام.»…سيموت الشيخ الأكبر في المنزل الأكثر بؤساً في تيزنيت، كالمتسول، بعيداً عن أبنائه وشعبه”(ص. 399).

د- المحطة الرابعة: مواجهة أكادير (مارس 1912): ستلاقي، مرة أخرى، القبائل المقاومة من أهل الصحراء وأهل سوس، بعد هزيمة قصبة تادلة، القوات الفرنسية الغازية للمنطقة بزعامة الجنرال مانجانCharles Mangin قرب مدينة أكادير، وستنهزم مرة أخرى أمام الجنود الفرنسيين المدججين بأقوى الأسلحة، لتعود كل الشخصيات إلى نقطة انطلاقها: الفضاء الصحراوي الشاسع.

 

4- تخييل التاريخ في الرواية:

لا يحتاج من يطالع الرواية إلى جهد كبير لملاحظة الحضور المكثف للمعطيات التاريخية في “الحكاية أ”، فالمؤلف يستثمر بشكل مُلفت تاريخ المقاومة المغربية في الجنوب خلال الفترة الممتدة بين سنتي 1909 و1912، حيث نجد أغلب الأحداث الموظفة في هذه القصة واقعية: (إغراق المغرب في الديون الخارجية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، اتفاقية الجزيرة الخضراء. عقد الحماية سنة 1912، معركة قصبة تادلة سنة 1910، معركة أكادير سنة 1912…). والأمر نفسه بالنسبة للشخصيات، سواء في الجانب الفرنسي أو في الجانب المغربي: (الحاكم كوبولاني2،كاميل دولز3، الطبيب موشون4، الجنرال موانيي5، الكولونيل مونجان6، الشيخ ماء العينين.، أحمد الهيبة، محمد الأغضف،سعد بوه،السلطان مولاي عبد الحفيظ…).أضف إلى ذلك أن أغلب فصول الحكاية مؤطَّرَة بمؤشرات مكانية وأخرى زمانية واقعية. يُبرَّر هذا الاهتمام بالتأطير التاريخي لفصول الحكاية، عند الكاتب في قوله:

“أختار تاريخاً لأني متشبع بمذاقاته. أحب أن أضبط الزمن وأن أنضبط له. عندما أطالع رواية وأصادف تواريخ أتفحصها، لا أدعها تمر هكذا، وأبحث عما تعنيه.”7

كما أن المعرفة الكبيرة للكاتب بالقبائل والثقافة والبيئة الصحراوية في الرواية، تستند إلى وثيقتين تاريخيتين ترجعان إلى نهاية القرن التاسع عشر، وهما رحلتا كاميل دولز إلى الصحراء المغربية (الأولى سنة1887، والثانية سنة 1888). الأولى ستكون بمبادرة شخصية من دولز، وفيها تنكر بصفة رحالة مسلم قادم من تركيا من أجل التجارة، وقد حُـمِلَ أسيراً إلى الشيخ ماء العينين من طرف أفراد من قبيلة أولاد الدليم، وفيها يصف لقاءه بالشيخ8. الرحلة الثانية مولتها الجمعية الجغرافية في باريس، وقد قام فيها دولز بمسح جغرافي وإثنوغرافي في غاية الدقة للمجال الصحراوي قبل أن يرفع تقريره إلى القنصل الفرنسي في موكادور9.

وبما أن غاية الروائي تختلف عن غاية المؤرخ في استخدام الوثيقة التاريخية، فقد استثمر المؤلف كل هذه المعطيات التاريخية وفي مقدمتها وثيقتا كاميل دولز، وما طالعه عن الرحالة ثيودور مونوThéodore  Monod والإثنوغرافي ميشيل ليريس Michel Leiris10حتى يدافع عن فكرة أساسية مفادها؛ أن استعمار الشعوب المستضعفة، وسلبها حريتها وكرامتها سلوك همجي، لا تبرره أية ذريعة ممكنة.لذا نجد سارد “القصة أ”، الشاهد الرئيسي على الأحداث الدائرة في السياق الزمني الممتد بين سنتي1909و1912، يتبنى وجهة نظر أهل الصحراء، ويصف بكثير من التعاطف وضعياتهم المأساوية نتيجة استعمار الفرنسيين لأرضهم، ويدين الاستعمار وأتباعه (خونة ماء العينين من القبائل المغربية) من خلال وصف معاناة الرحل وشتاتهم، أثناء نزوحهم المأساوي صوب الشمال المغربي، بحثاً عن الحرية والكرامة المفتقدة، وكذلك من خلال وصف المجازر الوحشية التي تعرضوا لها من طرف الاستعمار الفرنسي وجيوشه المدججة بأكثر الأسلحة تطوراً.

يخوض سارد الحكاية أ أيضاً، في قضية تاريخية ملتبسة ومثيرة للجدل، والتي تتعلق بطموحات الشيخ ماء العينين السياسية، ورغبته في أن يصير ابنه أحمد الهيبة سلطاناً للمغرب، بعد التوجه إلى فاس والعمل على خلع السلطان مولاي عبد الحفيظ، وتثبيت الهيبة مكانه11. نجد سارد الحكاية يتعاطف في هذا الموضوع مع الشيخ ماء العينين وابنه أحمد الهيبة، ويعلن أن فكرة خلع السلطان عبد الحفيظ، كانت مجرد اختراع من طرف الاستعمار وأعوانه، وأن الهيبة بويع في حقيقة الأمر سلطاناً على جنوب المغرب، لا سلطاناً على المغرب برمته. يقول:

“فقد كان هو [أحمد الهيبة] الشخص المختار ليكون ملكاً على أراضي الجنوب […]وقد تعرضّ الرجل العجوز [الشيخ ماء العينين] للخيانة من قبل نفس الأشخاص الذين أراد الدفاع عنهم. فأهل سوس، وتارودانت، وأكادير هم من أشاعوا الخبر: ‘الشيخ الأكبر مولاي أحمد بن محمد الفاضل، المدعو ماء العينين، يزحف نحو الشمال مع مقاتليه الصحراويين، ومحاربي درعة، والساقية الحمراء، وحتى الرجال الزرق من منطقتي ولّاتة، وشنقيط. وهم كثيرون إلى حد أنهم يملؤون سهلاً بأكمله. يزحفون للإطاحة بالسلطان [مولاي عبد الحفيظ]، وتعيين مولاي الهيبة، المدعو السبع، الابن الأكبر لماء العينين، مكانه'”(ص. 365-383).

وإجمالاً، يبدو أن توظيف التاريخ في الرواية له وظيفة واضحة، وهي إدانة الاستعمار الغربي للمنطقة، في قالب فني متميز، ولغة رشيقة تقترب أحياناً من اللغة الشعرية. والواقع أن إدانة التسلط والمركزية الغربيين وكتابة تاريخ المقموعين والمضطهدين والمهمشين والمستبعدين من التاريخ الرسمي، يكاد يكون هو تخصص لوكليزيو في مجموع أعماله.

 

5- خاتمة:

كل من يطالع الرواية يُواجَه بالسؤال التالي: ما علاقة الحكاية أ بالحكاية ب في الرواية، إذ يظهر أن الرابط أو الروابط بين الحكايتين غير واضحة، خصوصاً وأن الأولى تجري في الماضي، والثانية تجري في الحاضر؟ من التفسيرات التي يمكن أن تُقدّم في هذا الباب أن الرهان المضموني لكلا الحكايتين يتمثل بالأساس في إدانة الاستعمار. والرسالة التي يبثها الكاتب في الرواية هي أن الاستعمار مسؤول عن تدمير ماضي وحاضر الصحراويين؛ جيل الشيخ ماء العينين الذي تعرض للاضطهاد والتهجير والتقتيل، وجيل الطفلة لالة حواء الذي يعاني الفقر والتهميش والبطالة والتوْق المتواصل إلى الهجرة السرية نحو مدن الغرب بحثاً عن حاضر أفضل.

أما الفائدة الفنية والشعرية لتحبيك تاريخ المقاومة المغربية المسلحة في الرواية، فتتمثل في استثمار الكاتب للمسار الدائري للأحداث التاريخية (الانطلاق من الصحراء والعودة إليها)، وهو ما يسمى بالسرد الدائري في أدبيات الكتابة السردية. ثم إن تصاعد الأحداث في الوقائع التاريخية -وحتى في المرويات الشفوية12– يتضمن إمكانيات سردية ودرامية مهمة، فسرد المختار السوسي مثلاً، لمغامرة الشيخ ماء العينين، وخصوصاً تجربة ابنه أحمد الهيبة،توفر جميع شروط السرد القصصي (البداية الهادئة للأحداث، والتصاعد الدرامي المتواصل للوقائع حتىبلوغ ذروة التوتر في هزيمة سيدي بوعثمان، ثم التدرج نحو الحل: فرار أحمد الهيبة ومربيه ربه وأتباعهما صوب الجنوب المغربي…). كما أن تواتر أحداث قصة سفر ماء العينين وابنه الهيبة صوب الشمال لا تخلو من تشويق يرتبط أساساً بانتظار المتلقي للحظة اللقاء بين المقاومة والاستعمار13، قبل تداعي أوهام القوة المزعومة14.

 

—————————————

الهوامش

1- Jean Marie Gustave LeClézio, Désert, Editions Gallimard, Paris, 1980.

2- كزافيي أنطوان كوبولانيXavier Antoine Coppolani، ولد سنة 1863 بمارينيانا (كورسيكا)، ومات مُغتالاً سنة 1905 بتيدجيكجا (موريطانيا).وقد أعتُبر أحد أبناء الشيخ ماء العينين، الذي بُعث من طرف والده لمقاومة الاستعمار الفرنسي في الأدراربموريطانيا، السبب الرئيسي في اغتياله. يعد كوبولاني أحد أهم أطر الإدارة الاستعمارية الفرنسية. وهو أحد مؤسسي القطر الموريطاني الحالي، وجالب السلام لتلك البقاع. لُقّب بالساحر لقدرته على حسن توظيف معرفته بالثقافات العربية والإسلامية في مهمته بموريطانيا، حيث استخدمت تلك المعرفة من طرف المؤسسة الاستعمارية الفرنسية لتوحيد قبائل موريطانيا. سُميت الأراضي الصحراوية الجديدة التي ساهم كوبولاني في تأسيسها بـ”موريطانيا الغربية” التي تمتد من الضفاف الشمالية للسينيغال، والمناطق الممتدة بين كايس وتمبكتو إلى حدود الصحراء المغربية.

3- كاميلدوز Camille Douls،مستكشف فرنسي، ولد في 18 أكتوبر من سنة 1864 بسيفيراكليكليز بفرنسا، وتوفي في 6 فبراير من سنة 1889 بمنطقة الأقبلي بالجزائر مقتولاً من طرف مرشد يهمن الطوارق. من أهم مستكشفي صحراء شمال إفريقيا. اقتحم الصحراء المغربية في الزمن الذي كانت فيه ممنوعة على الأجانب. عاش في هذه المدة بين الرحل (قبيلة أولاد الدليم)، ونقل معلومات دقيقة عن نمط عيشهم وبيئتهم. دخل الصحراء عبر الساحل الأطلسي، فألقي عليه القبض في البداية من طرف عناصر من قبيلة أولاد الدليم، ثم حاول إقناعهم بأنه تاجر مسلم، فحُمل إلى الشيخ ماء العينين الذي أمرهم بحسن استقباله، بعدما خُدع في زعْم دولز بكونه مسلماً تركياً ولج الصحراء من أجل التجارة.

4- إميل موشونEmile Mauchamp. طبيب فرنسي، ولد في 3 مارس من سنة 1870 بشالون سير ساون، وتوفي في 19 مارس من سنة 1907 بمدينة مراكش، مغتالاً قرب مصحته بالمدينة الحمراء، بعدما تلقى العديد من الطعنات القاتلة. لقيت وفاته أصداءً واسعةً في المحيط السياسي والمدني الفرنسي آنذاك، وقد كان من بين الذرائع التي سوغت للاستعمار الفرنسي الدخول إلى المغرب.

5- الجنرال شارل إميل موانييLe Générale Charles Émile Moinier. أحد جنرالات الحماية الفرنسية بالمغرب. هزم المقاومة المغربية بزعامة الشيخ ماء العينين في يونيو من سنة 1910 بمنطقة تادلة.

6- الجنرال شارل مانجانLe Générale Charles Mangin. جنرال فرنسي. ولد بساربو في 6 يوليوز سنة 1866، ومات بباريس في 12 ماي سنة 1925. اقتنع بأهمية المجندين السنغاليين في الغزو الاستعماري الفرنسي، فكان مؤيداً متحمساً لجيش إفريقي (القوات السوداء) أكثر عدداً وقوة، في خدمة فرنسا الكلونيالية. جسد مانجان كما كان، محبوباً أو مكروهاً، نموذجاً لضابط استعماري، لا يكل ولا يرحم، ذو سطوة كبيرة في رجاله. يُكرِه من تحت إمرته من جنود على خوض كل الأحداث مهما علا شانها أو صغر. ساهم بحظه الوافر في غزو المغرب تحت قيادة لويس هوبير كونزالفليوطي سنة 1912، وقد تميز، تحت قيادة الكولونيل، عن آخرين، بإمساكه بزمام الأمور في مراكش. يعد مانجان الفاعل الرئيسي في الريف المغربي ما بين سنتي 1904 و1912.

7- J. M. G. Le Clézio, in Gérard de Cortanze, J.M.G. Le Clézio, Le nomade immobile, Editions Gallimard, Paris, 1999, p. 224.

8- Camille Douls, Cinq mois chez les Maures nomades du Sahara Occidental. (https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k846158)

– كاميلدولز، خمسة أشهر لدى البيظان في الصحراء الغربية، ترجمة: حسن الطالب، مركز الدراسات الصحراوية، الرباط، 2015.

9- Camille Douls, « Voyage d’exploration à travers le Sahara occidental et le sud marocain », in Bulletin de la Société de géographie, VIIe série, t. IX, Paris, Société de Géographie, 1888, p.437-479.http://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k377277/f442.

10- Gérard de Cortanze, J.M.G. Le Clézio, Le nomade immobile, Ibid., p. 211.

11- يشير المختار السوسي في الجزء الرابع من كتاب المعسول،إلى أن أحمد الهيبة بويع أميراً للمؤمنين بمدينة تيزينت سنة 1911، بتشجيع من دولة ألمانيا، وهو “أمر لا يرقى إليه شك،”وفق رواية المختار السوسي؛ إذ بعد مبايعة الهيبة في تيزنيت، توجه صحبة مبايعيه وأتباعه من قبائل الصحراء وسوس صوب مدينة مراكش، وهناك بايعه كبار باشوات وقواد منطقة الحوز (الباشا إدريس منو، الباشا التهامي الكلاوي، القايد العيادي، القايد عبد المالك المتوكي…). لكن هزيمة أخيه امربيه ربه في معركة سيدي بوعثمان، عجلت بفرار أحمد الهيبة ومن معه إلى الجنوب…محمد المختار السوسي، المعسول، الجزء الرابع، مطبعة الجامعة، الدار البيضاء، 1961، ص.104-164.

12- لا يعتمد لوكليزيو في بناء أحداث حكايتي الرواية على الوثائق التاريخية وحسب، بل حتى على المرويات الشفوية لأسرة زوجته جميعة التي تنتمي إلى قبيلة العروسيين.لذلك فإن وصف رحلة نور وأسرته في الحكاية أ صوب الشمال المغربي، شبيهةإلى حد كبير برحلة أسرة جميعة من الساقية الحمراء صوب مدينة تارودانت بعد احتلال الصحراء من طرف الفرنسيين والإسبان. بل يبدو أن رحلة الطفلة لالة حواء أيضاً،في الحكاية ب، استلهمها الكاتب من هجرة زوجته جميعة إلى فرنسا. ينظر:

Jemia et J.M.G. Le Clezio, Gens des nuages, Edition Gallimard, Paris, 1997, pp. 42-48.

13- ينظر: المختار السوسي، المعسول، الجزء الرابع، مرجع مذكور، ص. 101-244.

14_ “حدثنا شيخنا أبو شعيب الدكالي الذي كان قاضياً على الحمراء حين احتلال الهيبة، أنه دخل عليه يوماً فجاذبه القول في الحالة الراهنة، فقال له شيخنا:’إن هذا العصر عصر القوة والمغالبة’. فأجابه الآخر بديهة وقد هَزّ سبحته، فيقول، وقد مَدّ بها:’بهذه السبحة أفتح القاهرة ودمشق'”.المعسول، الجزء الرابع، السابق، ص. 148.

 

المراجع

1- Camille Douls, Cinq mois chez les Maures nomades du Sahara Occidental. (https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k846158)

2- Camille Douls, « Voyage d’exploration à travers le Sahara occidental et le sud marocain », in Bulletin de la Société de géographie, VIIe série, t. IX, Paris, Société de Géographie, 1888, p.437-479. (http://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k377277/f442.  )

3- Gérard de Cortanze, J.M.G. Le Clézio, Le nomade immobile, Editions Gallimard, Paris, 1999.

4- Jean Marie Gustave Le Clézio, Désert, Editions Gallimard, Paris, 1980.

5- Jemia et J.M.G. Le Clezio, Gens des nuages, Edition Gallimard, Paris, 1997.

6- كاميلدولز، خمسة أشهر لدى البيظان في الصحراء الغربية، ترجمة: حسن الطالب، مركز الدراسات الصحراوية، الرباط، 2015.

7- محمد المختار السوسي، المعسول، الجزء الرابع، مطبعة الجامعة، الدار البيضاء، 1961.

- خاليد مجاد

باحث في الدراسات السردية / الرباط

شاهد أيضاً

حرب الكَوم: الألم في عرين البطولات

محمد المعزوز، حرب الكوم (رواية)، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء وبيروت، 2022         يقر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.