في مديح الهوية: الانسيابية والذاكرة الثقافية

 

فاتحة الطايب، حب لا يحتاج إلى ترجمة، منشورات دار الأمان، الرباط، المغرب، ط.1، 2018.

 

تُعد فاتحة الطايب واحدة من الوجوه النسائية البارزة التي أسدت خدمات علمية جليلة للباحثين في الأدب المقارن ونظرية الترجمة. لقد اقترن اسمها بالنقد المقارن وبتحليل الخطابات، ولكن الوجه الآخر لفاتحة الطايب المتواري بعيدًا عن المناهج والقراءات هو الوجه الإبداعي الذي تمخَّض من رَواسب الذات. ويبرُز هذا التجلّي الإبداعي من خلال مجموعتين قصصيتين، الأولى كانت بعنوان: “حكاية تبحث عن عنوان…”(1)، والثانية التي نخُصها بهذه الورقة النقدية جاءت موسومة بــ”حب لا يحتاج إلى ترجمة”.

تشتركُ المجموعتان القصصيتان في حسٍّ إبداعي أساسهُ فلسفي ووجودي، فإذا كانت المجموعة القصصية الأولى (2012) قد توجهت بسهام النقد إلى المنظومة القيمية العربية المُتلاشية، فإن المجموعة القصصية الثانية (2018)، تقحم القارئ في حساسيات وقضايا الهوية، والواضح أن هذه الأعمال الإبداعية تنشأ في تداخل الذات والموضوع، وتقلبات الأهواء، بما يُعطينا صورة واضحة عن تجربة إبداعية ذاتية مَحضة، ولكنها ترسُم أفقًا تخييليًا ومعرفيًا قادرًا على التجاوُر والامتداد في نسيجٍ من القضايا نحو: الوطن، الذاكرة، الهوية، الثقافة…

الأطلس المتوسط ذاكرة مكانية تحفرُ في وجدان الكاتبة، ومساحات يضيق بها النقد، لا تسمحُ لها بأن تذكُر خنيفرة، وتذكر الأطلس المتوسط، وتُعبر عن الجراح والانكسار، وعن عُنف الذاكرة وعُنفوان المكان، وعن الطبيعة والإنسان، وعن الأمازيغية الأطلسية، وعن المُقاومة والوطن.

لكل هذا وغيره تختارُ فاتحة الطايب أن تضع قدمًا في المجاميع القصصية، لعلها تكون الحضن الصادق والأمين لما لم تستطع قوله في التنظير والنقد، هذا الملاذ الذي عولت عليه لكي يصرفها عن عِلْمية القلم النقدي، ويزُجَّ بها في منعطفات الذات وتشظيات الحكايات. فبعد تجربتها الأولى في كتابة المجموعة القصصية، عادت بوعي جديد يفتح شهية القارئ على مواضيع الهوية والذاكرة الثقافية في محكيات سفرٍ يأخذ أبعاداً كثيرة؛ سفرٌ في الأقطار والربوع، ثم سفرٌ في الذات والوجود، وسفرٌ في اللغات والثقافات والهويات، إنها أسفارٌ مُتداخلة ومُتشابكة في عالم قصصي واحد.

تعتبر قضية الهوية أبرز موضوع في هذا العالم القصصي الذي تبنيه فاتحة الطايب؛ فأول ما نُصادف في ثنايا الكتاب صورة جبال الأطلس المتوسط، وأدناها بالأمازيغية تُورد الكاتبة قولًا شعريًا أمازيغيًا مؤثرًا ومُكثفًا، وعلى ضوئه تفتح فاتحة الطايب نوافذ قصصية على عوالم الهوية والذاكرة الثقافية. (أوسيخْش ألْمري ذاوْرْ عْقِّيلْخْ إِيْخْفينو .. أورْثْنوييزْ أَلِّيكْ آرْساوالْخْ.)

تلعبُ الكاتبة مع قارئها مُراوغات سردية مُبتدعة، تستضيفهُ بقصائد من ترجمتها، قصائد تنتمي لثقافة أخرى، قصائد “أولاف هاوكه”، الشاعر النرويجي. ومن هذا المدخل الترحيبي، تشُق الكاتبة عوالم السفر، تُحدثنا عن “باريس” وعن “بلجيكا” وعن “كندا”، وعن الناس، والثقافات، وعن المغرب وذاكرة الوطن المزروعة في كل مكان، الوطن القابع فينا أين ما حللنا وارتحلنا “ثمازيرت… ثمازيرت … أريلي أم ثمازيرت نشا !” (ص. 20).

وبحركة عائدة إلى زمن عامر، نقرأ عن نوستالجيا قصصية تروي الاستعمار والمُقاومة، وفي هذه المضَايق الحكائية تنشأ حركات الهوية باغتراب مرات: “يوفرو وحمام يوفرو” (ص. 20)، وبتداخُلات هوياتية مرات أخرى: “ابنة أعتى مقاومي الأطلس تتزوج من فرنسي؟” (ص.21)، وعن انسيابية الهوية هاته أو مُرونتها بالمصطلح الذي أراده حسن رشيق،(2) تطلُع المعاني من محكيات مُختلفة لتعطينا صورًا واضحة عن حيوات الهجنة الثقافية “كثيرا ما ضحكت وأنا أستمع إليه يحدثني عن “مغربه” و “فرنساه”، بلغته الباناشي كما كنت أسميها: يبدأ الحديث بالفرنسية تتخلله عبارات بالدارجة لينهيه بالأمازيغية…،” (ص. 22).

وفي سياقي عالمية المحلية، وتمتيع الهوية الذائبة، تمتدحُ الكاتبة قدرة الكيانات الثقافية على الانصهار، وعلى امتلاك حق الوجود والتواجد، وعلى الرغم من هجمات العنصرية، ففي باريس، تطلق القاصة العنان لمحكيات سفر: “لم تحتج إلى استعمال الفرنسية إلا مع الفرنسيين… استقبلتها الدارجة المغربية بصوت عال في مطار أورلي… وصافحتها الأمازيغية بحرارة وهي في طريقها إلى دار المغرب، وعند عتبة المدينة الدولية قابلتها لهجة زميلتها التونسية سلمى.. وولجتا بابل اللغات…” (ص. 26-27).

هنا الهنود بصوت غاياتري سبيفاك، والبرازيليون برقصة السامبا، كل هذا الخليط تفجر في باريس، وهكذا تصفُ المحكيات بقلم فاتحة الطايب مُعقد الهوية، وتبرعُ الكاتبة في تمثيل مُرونتها وانسيابيتها. وفي كل طريفة ترسم لنا مشاهد حيوية تُجسد لانسيابية الذاكرة الثقافية المغربية “- آدم .. آدم … منين جات طاطا.. منين؟ – جات.. من… المغرب… أديا…لتي… ضحكت أختها وزوجها وهما يصححان له: – المغرب ديالي يا آدم، ديالي!” (ص. 30-31).

إنه شكل من أشكال مديح الهوية، فالمحكيات القصصية عنوانها عالمية الخصوصية، وعمومية المحلية، أي مُمكنات هذا السفر الهوياتي والثقافي بهشاشته وبسلطته في القطرية وفي الزمنية وفي الوجدانية كذلك، ولكن الحدق الذي تملكه فاتحة الطايب يمُدها بأدوات إبداعية استطاعت من خلالها إثراءالتواءات الذات رُؤية المحكيات بأنَوية الثقافة والهوية، الحركة الدائرية المُوسعة، التي لا يُمكن أن يكون مُنطلقها ولا رجوعها إلا للوطن، الوطن الذي فينا: “…ثمازيرت… ثمازيرت… أريلي أم ثمازيرت نشا!” (ص. 33).

أما الحب مُجسدًا للاقتراب ومُنافيا للافتراق، ذاك الحب الذي لا يحتاج إلى ترجمة، ينسُج خُيوط الثقافة ويُعبد ثغرات الهوية. ففي ذلك اللقاء الذي جمع “ساردة” فاتحة الطايب برجل جورجي الأصول، حيث ذاب الاختلاف وانمحت اللغات، ولا شيء يعلو فوق الصمت والإشارة، فوق الحب والموسيقى. ومن هذا المنظور السردي كذلك استطاعت الكاتبة امتداح هويات التجاوُز، هويات تقفز على الأسوار، وهويات تمتلكُ من الحسِّ المُشترك، ومن الذائقة الإنسانية، ما يجعلها قادرة على ابتداع أيسر السُّبل لتحقيق الحياة. “الحب يا سيدتي، لا يحتاج إلى الترجمة!” (ص. 37).

ليس الحب وحده السبيل، فالقراءة والثقافة مَسالك آمنة لنبذ الاحتقان الثقافي وتقريب المُتباعد، وهكذا فقد تجسَّد مديح الهوية من خلال مروي النساء المُثقفات اللواتي جمعت جلسات القراءة وحب الروايات، كل اختلافاتهن. ففي هذا المُؤتلف تتهدم كل الخصوصيات، ويُبنى عالم فريد قوامه الانخراط والتبادل: “ثلاث نساء مغربيات، وثلاث أجنبيات: روسية وفرنسية واسكتلاندية، متفاوتات الأعمار من سن الثلاثين إلى حدود الستين، يمتهن مهنا مختلفة: الطب، الصيدلة، صناعة السينما، التدريس والهندسة، يجمع بينهن بالإضافة إلى نفس الحي شغفهن الكبير بالقراءة. كل واحدة مولعة بنوع خاص من الكتابة، إلا أنهن كن يستمتعن أيما استمتاع بروايات كتاب أمريكا اللاتينية.” (ص. 38).

وفي محكي السفر إلى كندا، حيث مُلتقى الهويات والثقافات، يُعزز الحضور المغربي ثقة الوجود والتواجُد، الدارجة المغربية يُسمع صداها بين الطلبة، وفي المقاهي، وأكلة الطاجين المغربي تُرتب في نهاية الأسبوع، في هذا السفر الثقافي اكتشاف عَامر وزَاخر “هناك… في “نياغارا سيتي” التقت لأول مرة بالهنود الحمر، وهي تتحدث الدارجة تارة والأمازيغية تارة أخرى…” (ص. 48).

إذن، في هذه اللقطات الحكائية، والمَشاهد التصويرية، يجد القارئ المؤول نفسه عند فُهوم كثيرة، فالمجموعة القصصية قائمة من خلال فلسفة سردية وجمالية، تهدف إلى مديح الهويات، ولكن هذه الرؤية غير مُنفصلة عن تفاصيل الانسيابية الثقافية وأحداث الذاكرة الثقافية، فالمخزون المعرفي الذي يستمد منه السرد مرجعية له، مُتعدد المنظورات. وبالنتيجة يُمكن القول إن الكاتبة فاتحة الطايب، هدفت من خلال ما تُقيمه في أسفارها السردية والثقافية، إلى إعادة اكتشاف الوطن، بحُمولاته الهوياتية المرنة، وبمحمولاته الثقافية الرشيقة: “اكتشَفت بعد عمر مبتداه مشروع حياتي خارج المغرب، أنها لا تفضل العيش في بلد سواه!” (ص. 49).

 

 

هوامش:

1-  فاتحة الطايب، حكاية تبحث عن عنوان…، دار دال للنشر والتوزيع، سورية، ط1، 2012.

2- انظر، حسن رشيق: مديح الهويات المرنة، ترجمة حسن الطالب، منشورات ملتقى الطرق، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2021.

 

- محمد أيت أحمد

أستاذ باحث

شاهد أيضاً

في روتينية عنف الإمبراطوريات

  Lauren Benton, They Called it Peace: Worlds of Imperial Violence, Princeton, Princeton University Press, …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.