مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس

جمال أغماني، مغرب اليوم ليس هو مغرب الامس- مذكرات وشهادات، منشورات دار التوحيدي، 2026.

 

إلى روح الأستاذ والصديق لطفي بوشنتوف

تحتل السيرة الذاتية، خاصة تلك التي تتناول التاريخ السياسي الراهن، مكانة هامشية في مشهد الكتابة في المغرب، رغم عدد الإصدارات المتزايد نسبياً خلال السنوات الأخيرة. فهذا النوع من الكتابات يبقى محدودًا، حسب الدراسات والإحصائيات الرصينة المتوفرة حاليًا، بالمقارنة مع الرواية والقصة والشعر(1).  ما يزال رجال السياسة المغاربة عموماً لا يكتبون كثيرًا، حتى بالمقارنة مع نظرائهم في المشرق العربي، حسب ما يلاحظ عدد من المختصين مثل المؤرخ والمفكر عبد الله العروي(2).

يستعرض الوزير والقيادي السابق في حزب الاتحاد الاشتراكي جمال أغماني، في هذه “المذكرات والشهادات” مساره السياسي، وتجربته كوزير للتشغيل في حكومة الوزير الأول إدريس جطو (بين سنتي 2007 و2012)، قبل أن يغادر الحزب إثر خلافات مع القيادة، وبخاصة مع الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي. ورغم تناوله لجوانب تتعلق بالحياة الشخصية وبالتنشئة الاجتماعية، فإن الطابع السياسي يحتل المكانة الأبرز في الكتاب الذي نذكر من بين فصوله: شذرات من الطفولة – الشبيبة الاتحادية والاتحاد الوطني لطلبة المغرب -التجربة البرلمانية – تجربة وزارة التشغيل والتكوين المهني…

يمكن القول إن السيرة الذاتية السياسية الاتحادية على الخصوص، تميزت خلال عشرين سنة الماضية، بصدور عدد من المذكرات التي تناولت المسار العام للحزب منذ تأسيسه سنة 1959 وتموقعه لسنوات طويلة في المعارضة، قبل أن يتحول إلى حزب حكومي مع تجربة التناوب التوافقي في عهد الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1998.  فقد أصدر عدد من القياديين الاتحاديين سيراً ذاتية تسلط الضوء على هذه الفترة من تاريخنا الراهن، يمكن أن نذكر من بينهم الراحلين عبد الرحمان اليوسفي، وعبد الرحيم بوعبيد، والوزيرين الحبيب المالكي، وفتح الله ولعلو… ومن بين آخر هذه الإصدارات، كتاب لقيادي من الصف الثاني للاتحاد الاشتراكي هو عبد الجليل باحدو(3) ، والذي أثار خلال الأشهر الأخيرة بعض النقاش بسبب تناوله النقدي والمثير للجدل لتاريخ الحزب. ورغم أن هذه السلسلة من السير الذاتية المتواترة لم تكشف، عموماً، الكثير من الحقائق عن هاته المرحلة بسبب رسوخ ثقافة التكتم السياسي، فإنها تشكل متناً غنياً، إلى درجة يمكن القول معها إن الاتحاد الاشتراكي قد يكون هو الأكثر إصداراً للسير الذاتية لقيادييه، مقارنة مع أحزاب الاستقلال والتقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية وغيرها من الأحزاب التي تعاقبت على التدبير الحكومي منذ بداية الألفية الحالية الى اليوم.

تسلط مذكرات أغماني الضوء على جانبين أساسيين: الأول، هو مسار الاتحاد الاشتراكي خلال ما يقرب من ستين سنة، مع تركيز كبير على الوضعية التي عاشها الحزب منذ تجربة حكومة التناوب. أما الجانب الثاني، والذي يحضر بشكل ضمني لكن له دلالته، فهو العلاقة الجدلية التي ما تزال تربط حزباً يسارياً مثل الاتحاد الاشتراكي، وحزب العدالة والتنمية اليميني، أي بين مشروعين مجتمعيين ما يزالان يعكسان نوعاً من الاستقطاب السياسي في الحقل الحزبي المغربي.

“الفكر البوعبيدي”:

يثير عنوان الكتاب، مغرب اليوم ليس هو مغرب الامس، قراءات عديدة، وهو عنوان يستلهم نداء كان قد أطلقه عبد الرحيم بوعبيد، أحد مؤسسي الحزب الذي عاش صراعاً طويلاً مع السلطة في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، أدى به إلى السجن بسبب قضية الاستفتاء حول الصحراء في سنة 1981. تكشف قراءة أولى للعنوان عن التقدير الكبير الذي يحمله الكاتب “للفكر البوعبيدي”، ولاستراتيجية النضال الديموقراطي التي بلورها الحزب بعد سنة 1975، في سياق تاريخي خاص، يربط بين النضال الديموقراطي وبين الإصلاح الجذري في نفس الوقت. كما تحمل قراءة ثانية تقييماً عاماً إيجابياً للمسار الذي قطعه المغرب على المستويات السياسية والاقتصادية، يفيد أن البلاد تغيرت منذ حكومة التناوب بفضل تطبيق البرنامج التقدمي الاجتماعي الذي كان يدافع عنه حزب الاتحاد الاشتراكي، وهو ما يلخصه قول الكاتب: “تمكنت استراتيجية النضال الديموقراطي منذ 1975 من تحقيق مكاسب في طريق البناء الديموقراطي وفي معالجة جزء من الخصاص والعجز الاجتماعي اللذين كانت تعاني منهما بلادنا، ومكاسب حقوقية… سواء من موقع المعارضة أو الحكومة”. (ص. 450)

رغم انتمائه المعلن “للفكر البوعبيدي”، فإن جمال أغماني يتساءل عن التيار السياسي الذي ينتمي اليه داخل حزب الاتحاد الاشتراكي الذي كان منذ تأسيسه يضم تيارات متعددة. ويبدو الكاتب متردداً ومتناقضاً عندما يقول إنه ينتمي في نفس الوقت إلى جميع تلك التيارات. فهو يعلن أنه يتعاطف أيضاً مع تيار “الوفاء للديموقراطية” الذي انشق عن الحزب بعد أن تبنى موقفاً معارضاً لدستور سنة 1996، وللمشاركة في حكومة اليوسفي، هذا في الوقت الذي سيختار جمال أغماني تيار مؤيدي هذا الدستور، والمشاركين في الحكومة، كما أنه سيعتبر، في وقت لاحق، أن حراك “الربيع العربي” يكشف عن خصوصية مغربية. (ص. 369)

يقدم الكتاب معطيات مهمة، قد تكون غير مسبوقة، عن حصيلة عمل حكومة إدريس جطو وتدبير السياسات العمومية المرتبطة بالمجال الاجتماعي، وعن مسلسل اتخاذ القرار بشكل عام والتحديات التي واجهها الوزير أغماني لتطبيق برنامج حزبه. ويمكن اعتبارها من الشهادات النادرة عن هذه الحكومة التي لم يكتب عنها وزراؤها الكثير، باستثناء بعض الحوارات الصحفية المتفرقة. يكشف جمال أغماني أنه كان يتمتع كوزير للتشغيل بهامش حرية وتدبير مهمين، وأن المستشار الملكي الراحل عبد العزيز مزيان بلفقيه، مثلًا، تدخل مرة واحدة في مجال عمله بمناسبة إطلاق مشروع للتكوين المهني. كما يوضح الكاتب أنه كان يعمل على “بلورة التوجيهات الملكية المتضمنة في الخطب الملكية أو الكلمات التوجيهية في المجالس الوزارية وتوجيهات الوزير الاول”، لكنه لا يقدم تفاصيل كثيرة عن طبيعة هذه التوجيهات والسياسات العمومية المرتبطة بها.

الاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية:

يكشف الكاتب، من جهة أخرى، وبجرأة، أسباب مغادرته للحزب بسبب الصراعات الداخلية، وبخاصة علاقته المتوترة مع الكاتب الأول إدريس لشكر، والتي أفرزتها ظروف انتخاب هذا الأخير لقيادة الحزب في سنة 2012، و”الاستفراد المطلق بالقرار في الحزب”. (ص. 272)  كما كان من بين أسبابها خلافٌ حول تعديل مدونة التعاضد بالبرلمان، وحول قضية التعاضدية العامة للموظفين التي تم بسببها اعتقال رئيسها السابق عبد المومني، ومحاكمته بتهمة الفساد، وهو الرئيس الذي كان مقرباً من إدريس لشكر حسب رواية أغماني.

يحضر في الكتاب جانب آخر له دلالته وهو ما يمكن تسميته شبح عبد الإله بن كيران زعيم حزب العدالة والتنمية. حيث يتناول الكاتب في عدد من الفصول العلاقة المتوترة والجدلية التي تربطه مع هذا الحزب.  وهو ما يثير عدة أسئلة: هل يتعلق الأمر بصراع بين مشروعين سياسيين ومجتمعيين، ما يزال يخترق الحقل السياسي والنقاش المجتمعي في المغرب منذ ضلوع الشبيبة الإسلامية (التي كان ابن كيران أحد قادتها) في اغتيال عمر بنجلون، أحد قادة الاتحاد الاشتراكي؟ أم يتعلق الأمر بمخلفات تنافس سياسي بين جمال أغماني وعبد الإله بن كيران حول مقعد في البرلمان خلال الانتخابات التي تم إلغاء نتائجها من طرف القضاء في مدينة سلا سنة 1989؟

يبدو أن جراح الماضي لم تندمل رغم مرور حوالي ثلاثين سنة. إذ ما تزال قضية هذه الانتخابات البرلمانية تثير الجدل إلى غاية اليوم.  فقد أوضح زعيم حزب العدالة والتنمية في ندوة صحفية مؤخراً، أن جمال أغماني إن كان يرى بأن تلك الانتخابات قد تم التلاعب بها، فما عليه سوى اللجوء إلى القضاء. كما يحضر حزب العدالة والتنمية أيضاً في سياق آخر هو انتقادات وجهها جمال أغماني لحصيلة حكومة ابن كيران الذي يؤاخذ عليه صاحب الكتاب عدم وفائه بالوعود الانتخابية التي قدمها، مثل عدم تحقيقه مثلاً لنسبة سبعة بالمائة من النمو التي وعد بها. (ص. 400)

يتضمن الكتاب وثائق سياسية تاريخية مهمة ومرجعية بالنسبة للمرحلة التي يتناولها بالشهادة، مثل خطاب عبد الرحمان اليوسفي في بروكسيل الذي كان قد انتقد عدم احترام المنهجية الديموقراطية في سنة 2002.  ومنها أيضاً قصيدة للشاعر محمد الاشعري عن أحداث ومظاهرات مدينة الدار البيضاء سنة 1981، وقصيدة للشاعر المصري عبد المعطي حجازي عن اغتيال عمر بنجلون والمهدي بن بركة. كما يقدم الكتاب وثائق تتعلق باعتقال عبد الرحيم بوعبيد على إثر موقف حزب الاتحاد الاشتراكي الرافض للاستفتاء حول الصحراء سنة 1981.  وهي القضية التي تسببت أيضاً لجمال أغماني في الاعتقال التعسفي والتعذيب السري لعدة أسابيع وهو ما يزال شاباً. كما تكتسي الصورة أيضاً أهمية بارزة في وثائق الكتاب، وتقدم معلومات لها رمزية خاصة سواء فيما يتعلق بالعلاقة بين الحزب والمؤسسة الملكية، أو في الكشف عن جوانب من الحياة الشخصية للكاتب.

يقدم الكاتب الأحداث والوقائع التي كان شاهدًا عليها، بدون توضيح لخلفياتها وسياقاتها أحيانًا، كما هو الحال في الخلافات التي عرفها الاتحاد الوطني لطلبة المغرب سنة 1982 خلال مؤتمره السابع عشر. بحيث إن جمال أغماني لا يوضح طبيعة وجوهر الخلاف بين الطلبة الاتحاديين والطلبة القاعديين، وما هي أسباب انسحاب الطلبة الاتحاديين من هذا المؤتمر؟

تعتمد الكتابة في هذه السيرة الذاتية، أسلوب الشذرات أو المحكيات المختصرة (فقرات قصيرة)، وهو ما لا يسمح أحياناً بتعميق فهم وتوضيح جوانب بعض المواضيع أو القضايا التي يتناولها الكاتب.  كما يطغى أسلوب الكتابة الشفوية؛ فتبدو الكتابة وكأنها بمثابة استنساخ لتسجيلات شفوية للكاتب، وهو ما أنتج تبايناً على مستوى اللغة التي تتراوح بين اللغة الفصيحة الرصينة، ولغة قريبة من الدارجة. وهو ما قد يفسر الأخطاء اللغوية والنحوية الكثيرة التي وعد الكاتب بتداركها في طبعة لاحقة.

حققت هذه المذكرات إلى حد الآن مبيعات بلغت حوالي 1500 نسخة منذ تقديمها في المعرض الدولي الأخير للكتاب، وهو رقم له أهميته بالنظر إلى وضعية النشر والقراءة في المغرب بشكل عام، وخاصة في مجال السيرة السياسية والتاريخ الراهن أحد أكثر مجالات الكتابة حساسية وخصوصية.

 

هوامش:

1– يشير تقرير مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعودة حول ” النشر والكتاب في المغرب ” للعام 2024 إلى أن الاعمال الأدبية تحتل الرتبة الأولى بمجموع 721 عنواناً مقابل 135 عنواناً فقط للكتب ذات الطبيعة السياسية.

2– لطفي بوشنتوف، مجلة رباط الكتب، ملف عن ذاكرة اليسار في المغرب. https://ribatalkoutoub.com/?p=3079.

3– عبد الجليل باحدو، كنت اتحاديا، منشورات دار الآفاق المغربية للنشر والتوزيع، 2026.

 

- محمد مستعد

مترجم وإعلامي / الرباط

شاهد أيضاً

بنيات الأحاسيس والمشاعر: منعطف جديد

  حسن طارق، ما الذي تركته المشاعر للسياسة؟ مقالة في القبائل الحزينة، منشورات باب الحكمة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.