عائشة عدنان المحمود، عباءة غنيمة، دار الساقي، 2022
تندرج رواية “عباءة غنيمة” للكاتبة الكويتية عائشة عدنان محمود، الصادرة في طبعتها الأولى عن دار الساقي (2022)، ضمن الروايات التي تنشغل بتفكيك التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المجتمع الكويتي منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى بداية التسعينيات. بحيث ترصد الرواية، من خلال تتبع المسار الحياتي لشخصية فيصل، الانتقال من مجتمع “الفريج” القائم على العلاقات التقليدية والتماسك الأسري إلى مجتمع حداثي فرضته الطفرة النفطية وما صاحبها من انتقالات عمرانية واقتصادية وثقافية. غير أن هذا التحول لا يُقدَّم بوصفه مجرد تغير في البنية الاجتماعية، وإنما باعتباره تجربة وجودية تمس علاقة الإنسان بالمكان وبذاته، وتعيد تشكيل أسئلة الهوية والانتماء والذاكرة. تنهض الرواية، من هذا المنطلق، على حبكة سردية تجعل من المكان عنصرا بنائيا ورمزيا في آن واحد؛ فالكويت، بما تمثله من فضاء للذاكرة والتغير، وبيروت، بوصفها فضاءً للحرية والانفتاح وإعادة تشكل الوعي، تتجاوزان وظيفة احتضان الأحداث فحسب إلى الإسهام في بناء الرؤية الفكرية للنص، وذلك بتداخل المكان مع مسار الشخصية، ليغدو الفضاء الروائي مرآةً لأزمة الذات العربية في مواجهة الحداثة وما تفرضه من اغتراب وانكسارات.
وفي موازاة ذلك، تكشف الرواية عن هشاشة الذات الإنسانية أمام الفقد والتحولات المتلاحقة، إذ يتعرض فيصل لسلسلة من الصدمات تبدأ بتفكك روابط الأسرة، وتتعمّق مع تجربة الاغتراب، ثم تبلغ ذروتها مع اختفاء لين، بما يجعل مسيرته الشخصية رحلةً مستمرة بين البحث عن الانتماء ومحاولة استعادة التوازن النفسي. ومن ثم، تتجاوز الرواية حدود السيرة الفردية لتقدّم تأملا في علاقة الإنسان بالمكان، وفي أثر التغيرات الاجتماعية والسياسية والعاطفية في بناء الهوية وتفكيكها. تسعى هذه القراءة، من هنا، إلى مقاربة الرواية وفق محورين متكاملين؛ يتمثل أوّلهما في المكان والهوية بتحليل الكيفية التي يوظف بها النص فضاءي الكويت وبيروت في تشكيل وعي الشخصية وإعادة تعريف انتمائها، بينما يتناول المحور الثاني هشاشة الذات بالوقوف على تجليات الانكسار النفسي والعاطفي في تجربة فيصل، وكيف أسهمت علاقاته الإنسانية، ولا سيما علاقته بلين، في بناء الذات ثم تعريضها للتصدع والفقد.
الفضاء وتشكيل وعي الشخصية
تفتتح الرواية تصويرها للكويت بوصفها مدينة انتقلت من الهامش الصحراوي إلى فضاء المدنية المنظّمة، حيث يصف البطل ملامحها الجديدة انطلاقا من”السيارات الحديثة التي تجوب الشوارع المكسوة حديثا بطبقات سميكة من الأسفلت الأسود، الأسواق بعلاماتها التجارية العالمية الأنيقة، مظاهر الحياة الحضارية البازغة بكل منمنماتها” (ص10-11). يُبرز هذا الوصف جانبا من التحديث الساعي إلى إعادة تشكيل الفضاء بالانفتاح على التطورات الحديثة، غير أن هذا الانبهار الأولي لا يلبث أن يصير شعورا بالقلق الوجودي، إذ تكشف الرواية أن التحديث الذي عرفته المدينة ظل محصورًا في مظاهره المادية، دون أن يمتد إلى البعد الروحي والإنساني. ومن ثم، يرى البطل أن كل شيء تغير، ملامح المدينة وتضاريسها، ونمط العيش المنفتح على معالم الحداثة التي توصف بأنها “ملتبسة”، و”إذا بي بالكاد أمتلك ممكنات التعرف على ملامح هذه المدينة”(ص13). يؤسّس هذا التوصيف لثنائية الحنين والاغتراب التي تحكم تجربة البطل، ويظهر ذلك بوضوح في إحساس فيصل بأن الكويت الحديثة لم تعد تمثل امتدادًا لذاكرته الأولى: “الكويت الآن مختلفة عن تلك التي كنت أحبها، اليوم هي غريبة عني لا تماثل شكل المدينة القديم المنحوت في رأسي وفق معايير حنيني”(ص21).
ينتقل التغير العمراني، في هذا السياق، إلى تحول نفسي يمسّ علاقة الإنسان بالمكان؛ فكلما فقد المكان ملامحه المألوفة تراجعت قدرة الفرد على التعرف إليه، وفقد بالتبعية جزءًا من هويته. ويمكن تفسير هذا التصور في ضوء ما يذهب إليه غاستون باشلار في “شعرية الفضاء”[1]، من أن المكان يتعدّى كونه حيّزا ماديا مجردا، ليكون مستودعا للذاكرة والهوية والحميمية[2]. انطلاقًا من هذا المنظور، تُقدّم الرواية الكويت بوصفها فضاءً متحولًا باستمرار، تشقّ طريقها نحو الحداثة بما تحمله من تناقضات وإشكالات تمس علاقة الإنسان بوطنه وذاته. وتتجسّد هذه الرؤية من خلال شخصية فيصل التي تمثل مركز الثقل في الرواية، وذلك بتشكّل رؤيته للعالم عبر علاقته المركّبة بمدينته. فالوطن، بالنسبة إليه، ليس مجرد رقعة جغرافية، وإنما كيان نفسي وعاطفي تتداخل فيه مشاعر الانتماء بالخيبة والحنين. وإذا كان ينظر إلى الكويت في بداية الرواية باعتبارها فضاءً جديرًا بالحياة، فإن التحولات العمرانية والاجتماعية التي شهدتها المدينة، بعد الخمسينيات، تُحدث شرخًا عميقًا في وعيه(الحنين إلى الأصل: الفريج). وبهذا ينزاح المكان من فضاء مألوف إلى حيز يثير الإحساس بالغربة، ليغدو الحنين مُوجّهًا صوب صورة ذهنية للمكان كما استقرّ في الذاكرة، أكثر من التعلق بالواقع الراهن.
يُشكّل انتقال فيصل إلى بيروت لإتمام الدراسة، أواسط الستينيات، منعطفا حاسما في الرواية، لأن الذات تبدأ في إعادة تشكيل هويتها بعيدا عن سلطة العائلة[3]. ففي بيروت يكتشف عالما مختلفا يقوم على الحرية الفكرية والانفتاح الثقافي والعلاقات الإنسانية غير المقيدة بالبنى الأسرية الضيقة. من هذا المنطلق، تُمثّل بيروت في الرواية فضاءً مغايرًا، بتأديتها لوظيفة تنويرية تتمثل في الإسهام في إعادة تشكّل الذات واكتشاف العالم. ذلك أن الإقامة في المدينة لم تقتصر على تغيير موقعه الجغرافي، وإنما أسهمت في إعادة بناء وعيه ورؤيته للحياة. يُعبّر البطل عن هذا التحول بقوله: “مضى على وجودي في بيروت أكثر من أربعة أشهر، ورغم قصر الزمن إلا أنه كان كفيلاً بأن يعيد صياغتي، أصبحت متّسقا مع نمط مقبول من الحياة الملتبسة والمجهولة الأبعاد”(ص99).
تتجلى خصوصية بيروت في كونها فضاءً للعلاقات الإنسانية الحديثة التي تختلف جذريًّا عن البنية الاجتماعية التقليدية التي نشأ فيها فيصل. فهو يقارن بين “الفريج الصغير” الذي تتأسس فيه العلاقات على القرابة والنسب والزواج، وبين المجتمع البيروتي الذي تقوم فيه الروابط على الصداقة والزمالة والانتماءات الفكرية، وهي أنماط كانت بعيدة عن تجربته الأولى. لذلك يؤكد أنه استطاع بسهولة أن يصبح أحد أبناء هذا “المجتمع الحداثي المختلف”، وأن ينسج صداقات وعلاقات امتدت خارج أسوار الجامعة. وبهذا تصير بيروت فضاء للتفاعل الإنساني الحر، تتسع فيه التجربة الفردية بعيدًا عن القيود الاجتماعية التقليدية. لذلك، يستغل هذا المحيط لخلق انفتاح فكري وسياسي، خاصة بعد أن وجد نفسه وسط نخبة من الأصدقاء الذين يمثلون تيارات فكرية وقومية وسياسية مختلفة؛ فمنهم الفيلسوف العبثي، والمناضل الفلسطيني، والقومي العربي، والاشتراكي، وهي شخصيات تتيح له الاحتكاك المباشر بتعدد الرؤى واختلافها. يصف هذه التجربة بأنها “دنيا فسيحة من الأفكار انفتحت كفوهة بركان يُسرّب حممه إلى رأسي مباشرة فتتفجر فيه الأفكار وتنفتح فيه مسارات ودروب ما كانت لتكون لو لم أجئ إلى لبنان”(ص100). حيث يؤكد أن الحراك الثقافي والسياسي الذي يميز بيروت يختلف جذريًّا عن حالة السكون التي عاشها من قبل، ليخلص إلى نتيجة مفادها أنه وجد في بيروت ضالته.
الذات في مرآة الآخر
تُمثّل علاقة فيصل بلين أحد أهم المحاور الإنسانية في الرواية، وذلك بتجاوز إطار العلاقة العاطفية التقليدية لتصير تجربة وجودية أسهمت في إعادة بناء الذات بعد سلسلة من الانكسارات الأسرية والنفسية. فقد جاءت لين في مرحلة كان فيها البطل يعيش أزمة عميقة إثر زواج والده من امرأة أخرى وإقصاء أمه، وهو الحدث الذي هزّ استقراره النفسي وبدّد إحساسه بالأمان العائلي. يصف فيصل هذه المرحلة بقوله: “انكسرت وتبعثرت… ما استطعت ابتلاع فكرة اقترانه بأمينة واستغنائه عن أمي وإقصائها بتلك البساطة لتحلّ مكانها أخرى، عالم جديد لا أكاد أتعرف على ملامحه، ولكنني أعايشه وأعيش فيه منكسراً مخذولاً” (ص145). وفي خضم هذا الانهيار الداخلي، تغدو لين ملاذًا نفسيًا يُعيد إليه الشعور بالتوازن، فيقرّ بأن وجودها كان السند الوحيد لانكساراته.
تُظهر الرواية كذلك التمزق النفسي الذي عاشه فيصل بين انتمائه الأسري في الكويت، وحياته الجديدة في بيروت. فقد ظل قلبه “معلقاً بين طرفين: أولهما في الكويت، حيث تحاول أمي القيام من كبوة روحها المنهارة، والثاني تسنده يد لين، تقيم أوده وترمّمه، تعيد خلقه وبعثه من مضغة مهترئة إلى قطعة تصلح للحياة”(ص145). تُبرز هذه الصورة كيف أصبحت لين امتدادًا للحياة ذاتها، وليس مجرد موضوع للحب، بينما ظل ارتباطه بأمه يمثل جذره العاطفي الأول. وعليه، يتشكّل وعي فيصل بين فضاءين: فضاء الأسرة المثقل بالألم(سلطة الأب، الانفصال..)، وفضاء بيروت الذي يمنحه إمكانًا جديدًا للعيش. غير أن هذا الاستقرار العاطفي لا يلبث أن يتهاوى مع اختفاء لين المفاجئ، وهو الحدث الذي يُعدّ نقطةَ انعطافٍ مأساويّةٍ في مسار الرواية. فقد أمضى فيصل ستة أشهر متنقلًا بين اللاذقية وبيروت وباريس ودمشق بحثًا عنها دون أمل، حتى بدت له كأنها “تبخرت، طارت كبقعة ندى لم توجد يوماً إلا في مخيلتي”(ص182). ينتقل الغياب إلى حالة من المحو الكامل، فلم يعد الفقد مجرد انفصال عادي بين شخصين، وإنما أصبح فقدانًا لمعنى الحياة ذاته. لهذا، يعترف البطل بأن اختفاءها أنهكه، وجعله يفقد كل رغبة في الاستمرار، فتخلى عن مشروعه العلمي، وأحجم عن إكمال أطروحة الدكتوراه. تتفاقم آثار هذا الفقد بعد عودته إلى الكويت، إنسانًا محطمًا فاقدًا لجزء منه، حتى إن المقربين منه لم يعودوا قادرين على التعرف إليه. “عندما عدت للكويت يائساً مخذولاً، لم يكن أحد قادراً على التعرف إلي، كنت نسخة مشوهة مني”(ص182). ينكشف بجلاء عمق الانهيار النفسي لشخصية فيصل التي تصبح مثالًا للإنسان الذي تتحدّد علاقته بالعالم بواسطة الآخر.
يرى بول ريكور أن الشخصية نتاج الحبكة نفسها، وليست عنصرًا منفصلًا عن الأحداث. يقصد بذلك أن هوية الشخصية لا تُفهم بصفاتها الثابتة، وإنما من خلال مجموع الأفعال والأحداث التي تعيشها داخل السرد. يؤكد، في هذا الصدد، أن العلاقة بين الشخصية والحبكة تقوم على ديالكتيك التوافق والتنافر. فالتوافق يتمثل في الوحدة التي تمنح الشخصية استمراريةً ممتدة زمنيا، وذلك بحفاظ الشخصية على سماتها الأساسية رغم تغيّر الظروف، مما يجعل القارئ يتعرف إليها باعتبارها الشخص نفسه عبر مختلف مراحل الرواية. أما التنافر فينشأ من الأحداث المفاجئة، والأزمات، والانقطاعات التي تهزّ استقرار الشخصية وتدفعها إلى التغيّر وإعادة النظر في اختياراتها وقيمها. ما يجعل الهوية تُبنى بواسطة السمات الثابتة من جهة، والصفات التي يكتسبها الشخص من جهة ثانية[4]. ينطبق هذا التصور على شخصية فيصل التي لا تبقى ثابتة منذ بداية الرواية إلى نهايتها، بل تعرف تحولات عميقة بفعل الأحداث التي تمر بها. ففي البداية يظهر فيصل حاملاً لقناعات ورؤى معينة، وهو ما يعبر عن جانب التوافق الذي يمنحه هوية واضحة. غير أن تعاقب الأزمات والصراعات والخيبات التي يواجهها يؤدي إلى اهتزاز تلك الهوية، فيدخل في مرحلة من الشك وإعادة بناء الذات، وهو ما يجسّد التنافر.
تسهم هذه الانتقالات في نضج الشخصية وإعادة تشكيلها. فكل تجربة يعيشها فيصل تصبح جزءًا من مسار حياته، وتكتسب معناها داخل الحبكة العامة للرواية. وهكذا يتحقق ما يقصده ريكور عندما يجعل الحبكة قادرة على تحويل الأحداث المتفرقة إلى تاريخ ذي معنى، بحيث تُمسي الهوية حصيلة هذا المسار السردي بأكمله. “إن الرواية تبني هوية الشخصية التي نستطيع أن نسميها هويتها السردية، وذلك حين تبني هوية القصة المحكية. إن هوية القصة هي التي تصنع هوية الشخصية”[5]. ومن ثم، فإن شخصية فيصل تُقدّم نموذجًا واضحًا للهوية السردية؛ فهي ليست هوية جامدة، وإنما هوية دينامية تتكون من التفاعل المستمر بين الاستقرار والارتحال، وبين التوافق والتنافر.
تكشف الرواية عن أزمة هوية يعيشها البطل بين انتماءات متعددة ومتناقضة. فهو ابن الكويت التقليدية، لكنه أيضا ابن بيروت الحداثية؛ يحمل ذاكرة الفريج القديمة، لكنه منجذب إلى الفكر الحر والتحولات الجديدة. هذا التشظي يبدو بوضوح في شعوره الدائم بالغربة. ففي الكويت يشعر بأن المدينة تغيّرت ولم تعد تشبه صورتها الأصلية كما عاشها في طفولته، وفي بيروت تحاصره الهواجس والمخاوف، أما في الوسط العائلي، فإن الاغتراب يتعمّق، خاصة مع أخيه عبد العزيز الذي يمثل الامتداد الطبيعي لقيم الأب والسلطة والنجاح الاقتصادي، بينما يمثل فيصل نموذج المثقف القلق والمنفصل عن عالم التجارة والنفوذ. وتصل هذه الأزمة ذروتها بعد اختفاء لين، ليدخل البطل في حالة انهيار نفسي كامل. وهنا تصبح الذات مفكّكة تماما، وفاقدة لقدرتها على التوازن. ولعل هذا ما يمكن إسقاطه على الإنسان العربي بشكل عام خلال النصف الثاني من القرن الماضي الذي وجد ذاته أمام مأزق هوياتي تتجاذبه الأصالة من جهة، والحداثة من جهة ثانية.
الواضح أن رواية “عباءة غنيمة” لعائشة عدنان محمود تفصح عن تجربة سردية ناضجة استطاعت الجمع بين البعد الجمالي والبعد الفكري، مقدمةً نصًّا ينفتح على أسئلة المكان والهوية والذاكرة والذات في سياق التحولات الكبرى التي عرفها المجتمع الكويتي خلال النصف الثاني من القرن العشرين. لقد نجحت الكاتبة في تحويل السيرة الفردية للبطل فيصل إلى مرآة تعكس التغيرات الجماعية التي مست المجتمع، بحيث غدت التجربة الشخصية امتدادًا لتجربة جيل، يتأرجح بين المحافظة والحداثة، والإحساس الانتماء تارة، والاغتراب تارة أخرى. كما تتجلى القيمة الفنية للرواية في لغتها السردية التي تمزج بين الشاعرية والوضوح، إذ تتميز بقدرتها على التقاط أدق الانفعالات النفسية ورسم المشاهد المكانية بكثافة إيحائية عالية، من غير أن تفقد سلاسة السرد أو تماسكه. كما تبدو العناية بالوصف، سواء في تصوير فضاءات الكويت القديمة والحديثة أو في استحضار بيروت، عنصرًا أساسيًّا في بناء الدلالة، ليتحول المكان إلى كائن حي يشارك الشخصيات مشاعرها. علاوة على ما سبق، أظهرت الكاتبة براعة في إدارة الزمن الروائي، وفي بناء الشخصيات وعلاقاتها، بما أتاح للنص المحافظة على إيقاع سردي متوازن يجمع بين التأمل والحركة، وبين السرد والوصف، دون افتعال أو ترهّل. أما بخصوص المستوى الفكري، نُسجّل أن الرواية نجحت في مقاربة قضية الهوية باعتبارها سيرورة متحوّلة لا معطى ثابتًا، وذلك بتشكّل هوية فيصل عبر علاقته بالمكان والأسرة والآخر. ومن ثم، استطاعت الرواية تحقيق توازن لافت بين الطابع السيرذاتي الذي يطبع تجربة البطل، وبين الوعي الجمعي الذي يستحضر تاريخ المجتمع وتحولاته، دون أن تسقط في المباشرة أو في التسجيل التاريخي. بهذا المعنى، لا تسرد “عباءة غنيمة” حكاية فرد فحسب، بل تُقدّم سردية إنسانية ووطنية تتأمل معنى الانتماء، وتعيد مساءلة علاقة الإنسان بمكانه وذاكرته وهويته في عالم سريع التغير، وهو ما يمنحها مكانة مميّزة ضمن الرواية الكويتية المعاصرة.
—————————————–
الهوامش:
[1] – تُرجم كتاب غاستون باشلار«La poétique de l’espace» إلى اللغة العربية بعنوان “جماليات المكان”(ترجمة غالب هلسا). ويظهر أنها ترجمة غير موفقة، فالكاتب ليس هدفه إظهار جماليات البيت، بقدر ما يبحث عن الخصّيصات المميزة له، وعن صوره في الرواية والشعر، أي ما الذي يجعل من البيت بيتا؟ ما هي مكوناته؟ ما هي وظائفه؟ وهذا يتماشى مع النزعة الشكلانية التي تمثل منطلق فلسفة باشلار، ذلك أنه يدعو إلى تبني متطلبات الشكلانية المطلقة، و”التفكير في الأحرف وليس في الأشياء”. [انظر: غادة الإمام، جاستون باشلار جماليات الصورة، دار التنوير، بيروت، 2010، ص11- 12]. لهذا كان من الأفضل ترجمة العنوان ب: شعرية الفضاء مقابل ل «La poétique de l’espace» بدل جماليات المكان، لأن المكان ليس هو الفضاء الذي يستدعي انفعالات وتفاعلات أشمل وأكبر.
[2] – غاستون باشلار، جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط2، 1984، ص37.
[3] – تعكس الرواية طبيعة المجتمع التقليدي بالتركيز على هيمنة النظام الأبوي. فالأب غازي يعبّر عن انحياز واضح للذكورة: «القادم فيصل رجل صغير جاء لينضم للقبيلة المزدهية بفائض الذكورة» (ص 40). وفي المقابل تُقصى البنات من دائرة القيمة الاجتماعية والتعليم: «لا تعليم للبنات، فمكانهن المنزل» (ص 68).
[4] – بول ريكور، الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، 2005، ص305- 306.
[5] – نفسه، ص306.
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه